ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نظرية الثورة عند المذاهب الإسلاميّة \ سماحة السيد صدر الدين القبانچي

إقامة حكم الله ضرورة إسلامية:

لا تختلف المذاهب الإسلاميّة في ضرورة العمل على إقامة حكم الله في الأرض، كما لا تختلف في اعتبار أي حكم بغير ما أ، زل الله حكماً منحرفاً ظالماً. إذن فهناك توافق بين كلّ المذاهب الإسلاميّة على قضيتين أساسيتين:

الأولى: وجوب العمل على تطبيق أحكام الإسلام.

الثانية: بطلان كلِّّ حكمٍ غير إسلاميٍّ.

وبداهة هاتين القضيتين في الفكر الإسلامي لدى جميع المذاهب تغنينا عن استعراض دلائلهم فيهما. ولعل صراحة الآيات القرآنية في الدلالة على كلتا القضيتين هي التي وضعتهما موضع البداهة في الفكر الإسلامي. فالآيات: (أنّ أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [١]. (يا أيها الّذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ( [٢]. (وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين لله [٣]. والآيات: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرين [٤]. (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون [٥]. (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون [٦]. وعشرات الآيات غيرها في ذات المضمون لم تدع مجالاً للاختلاف والنقاش في كلتا القضيتين.

موضوع الثورة:

إنّ ما نحن بصدد تكريس البحث له هو موضوع "الثورة" وموقف المذاهب الإسلاميّة منه، و"الثورة": هي حالة خاصة يُقصد بها: عملية تعبئة الأمة لمواجهة حكام الانحراف، والدخول معهم في معركة تتجاوز حدود الوعظ والإرشاد، ولا تنسحب أمام التهديد والتخويف، وتستعد لبذل الدماء من أجل إقامة حكم الإسلام.

هذا هو ما نصطلح عليه بـ"الثورة". وهذا هو موضوع دراستنا الاستعراضية المقارنة.

إنّ قضية الدعوة إلى الإسلام تواجه توافقاً مذهبياً عاماً حينما تكون في فروض السلم، وبصياغة الموعظة والنصح للحكام، أو حينما تتجه لنشر الدين في وسط الأمة بعيداً عن نقد ممارسة الحكام المنحرفين.

نحن في هذه الفروض لا نواجه ظاهرةً اسمها "الثورة"، وبالتالي لا نواجه أي اختلاف مذهبي. وأن ما تعددت فيه الرؤى والمذاهب هو: عملية "الثورة" بما يعنيه هذا المصطلح من مواجهةٍ وعنفٍ، وبما يتطلبه من تضحيات، وبما يستبطنه من احتمالات النصر والإخفاق.

دراستنا استعراضية مقارنة:

ونحن في هذه الدارسة بصدد استعراض رأي المذاهب الإسلاميّة في هذه القضية - قضية الثورة - دون أنّ نعمد إلى تقييم تلك الرؤى ومدى توافقها مع نصوص القرآن والسنة أو عدم توافقها. وأن بحثنا هو بحث استعراض مقارن، وليس بحثاً اجتهادياً بصدد اكتشاف النظرية الإسلاميّة الصحيحة في الأمر.

مشكلة تصنيف المذاهب:

حينما نريد أنّ نستعرض رؤية المذاهب في قضية الثورة أو في غيرها من القضايا سوف نواجه مشكلة فنية، وهي: مشكلة "تصنيف المذاهب"، حيث تختلط المذاهب الأم بالمذاهب المتفرعة عنها أحياناً، وبعض المذاهب ربما يكون رؤية لأشخاص حقيقيين أو وهميين جاءت أسماؤهم في كتب التاريخ وكتب المذاهب. ونحن نعرف أنّ مؤرخي المذاهب عمدوا أحياناً للإطناب في تصنيف المذاهب حتّى يبلغوا بها سبعين ونيفاً، وبعضهم قسم المذهب الواحد إلى مذاهب وطوائف إيقاعاً به وحقداً عليه. وسوف يصعب - في زحمة هذا الحال - النجاة من هذه المشكلة التي تأخذ جانياً أدبياً وأخلاقياً فضلاً عن الجانب الفني.

ولذا فقد رأينا أنّ من الأنسب بموضوعية الدراسة الاعتراف مسبقاً بأننا إنما نستعرض ما هو جدير بالإشارة في حدود معلوماتنا غير نافين وجود آراء ومذاهب أخرى ربما تكون هي الأخرى مهمة وجديرة، ولا مدعين للحصر والاستقراء التام. وأنه من الممكن تصنيف نظريات المذاهب الإسلاميّة إلى صنفين:

أ - نظرية الثورة عند المعتزلة:

يعتقد المعتزلة بأصول خمسة هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. حيث نجد أنّ الأصل الرابع والخامس كافيان في تحديد الرؤية السياسية لهذا المذهب، فهذان الأصلان أقرب إلى

الموقف السياسي منهما إلى الموقف الاعقتادي البحت.

لقد اعتبر القاضي عبد الجبار هذين الأصلين هما الفارق بين مذهب الاعتزال من ناحية، ومذهب الخوارج والشيعة من ناحية ثانية، حيث يقول وهو يعدد نقاط الخلاف بين مذهب الاعتزال والمذاهب الأخرى: (… وخلاف الخوارج داخل تحت المنزلة بين المنزلتين، وخلاف الإمامية داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [٧].

وفي هذا الضوء لننظر ما هي رؤية المعتزلة السياسية في موضوع الثورة خاصة، فيقول المعتزلة:

١ - الإمام يشترط فيه العدالة التي تعني: أداء الواجبات والابتعاد عن المحرمات في الشريعة، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين ( [٨].

٢ - ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً وجبت الثورة على الظالمين: إذا أمكننا أنّ نزيل بالسيف أهل البغي ونقيم الحق، واعتلوا بقول الله عز وجل (وتعاونوا على البر والتقوى (وبقوله: (فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله [٩].

٣ - إنّ أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتوقف وجوبه على وجود الإمام.

يقول ابن حزم: (ذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أنّ سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يكن دفع المنكر إلاّ بذلك) [١٠].

ويقول الأشعري في مقالات الإسلاميين: (أجمعت المعتزلة - إلاّ الأصم - على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإمكان والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك) [١١].

وبهذا ينتهي المعتزلة إلى القول: إنّ الثورة على الحاكم المنحرف لا يشترك في جوازها وجود الإمام [١٢]، ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي [١٣] فإنه تعالى قد عم المكلفين بقوله: (فأصلحوا (وبقوله: (فقاتلوا (. وعلى نحو ذلك أمر الله بقتال المشركين أمراً عاماً لسائر المكلفين، فلا وجه لقصره على الإمام دون غيره [١٤].

٤ - وبالرغم من أنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشترط فيه: أنّ لا يؤدي إلى مضرة أعظم منه … ولا إلى مضرة في ماله أو في نفسه، إلاّ أنّه يختلف باختلاف الأشخاص، فإن كان الرجل ممن يكون في تحمله لتلك المذلة إعزاز للدين حسن، و إلاّ فلا [١٥].

وبهذا يقف المعتزلة إلى جانب حركة الإمام الحسين - عليه السلام - كما يقول القاضي عبد الجبار: (لما كان في صبره على ما صبر إعزاز لدين الله عز وجل، ولهذا

نباهي به سائر الأمم، فنقول: لم يبق من ولد الرسول - صلى الله عليه وآله - إلاّ سبط واحد فلم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتّى قتل في ذلك) [١٦].

٥ - وانطلاقاً من أصل "المنزلة بين المنزلتين" يقول المعتزلة في الخروج على الحاكم الجائر: (إنه طالما لم يكن مرتكب الكبيرة كافراً يجب الخروج عليه بقول مطلق - كما هو رأي الخوارج - [١٧] وطالما لم يكن مؤمناً لم يحرم الخروج عليه بقولٍ مطلقٍ - كما هو رأي المرجئة - [١٨] وإنّما كان الخروج عليه والثورة ضدّه أمر مشروع بشروطه) [١٩].

ب - نظرية الثورة عند الاشاعرة:

ينتسب المذهب الأشعري إلى أبي الحسن الأشعري، المولود سنة ٢٦٠ هـ للهجرة في البصرة، والمتوفى سنة ٣٢٤ للهجرة أيضاً. وقد أضحى هذا المذهب يمثل الاتجاه السائد لعموم أبناء السنة والجماعة بعد انهيار الوجود المعتزلي والى يومنا المعاصر.

الإمامة هي حق الأمة بالأصل:

يعتقد الأشاعرة - وفقاً لمذهب أهل الحديث قبله ويتبعهم في ذلك عموم أهل السنة - أنّ الإمامة هي حق من حقوق الأمّة، وأنّ الإمام وكيل عنها، ومفوض من قبلها في ممارسة شؤون الإمامة.

ويعتقدون - أيضاً - أنّ الإمام إنّما يتعين عن طريق الانتخاب، حيث يقول: (الإمامة تثبت بالاتفاق دون النص والتعيين) [٢٠].

العدالة شرط في الإمامة:

يقول البغدادي، عبد القاهر [٢١] (وقال أصحابنا مع أكثر الأمة: إنّ العصمة من شروط النبوة والرسالة وليست من شروط الإمامة، وإنّما يشترط فيها عدالة ظاهرة، فمتى أقام في الظاهر على موافقة الشريعة كان أمره في الأمة منتظلماً) [٢٢].

وطالما كان حق تعيين الإمام للامة فلها حق عزله أيضاً. يقول البغدادي: (ومتى زاغ - الإمام - عن ذلك - العدالة - كانت الأمة عيناً عليه في العدول به من خطئه إلى صواب أو في العدول عنه إلى غيره، وسبيلهم معه كسبيله مع عماله، إنّ زاغوا عن سنته عدل بهم أو عدل عنهم) [٢٣].

ويقول إمام الحرمين، والماوردي، والغزالي، والإمام الشيخ محمّد عبده مثل ذلك وهؤلاء ورثة الفكر الأشعري ورواده على اختلاف عصورهم [٢٤].

شرط العزل:

لما كانت العدالة شرط في الإمام فقد ذهب عموم الأشاعرة إلى حق الأمة في عزله إذا انخرم فيه هذا الشرط، بينما رأى آخرون: أنّه لا يعزل إلاّ إذا صدر منه ما فيه خطر على أمور المسلمين.

يقول القرطبي في تفسيره: (الجمهور يرى أنّ الإمام يخلع بالفسق الظاهر المعلوم؛ لأنه قد ثبت أنّ الإمام إنّما يقام لإمامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وحفظ أموال اليتامى والمجانين، والنظر في أمورهم إلى غير ذلك، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور) [٢٥].

لا تجوز الثورة على الإمام الفاجر:

إنّ نقطة الافتراق الكبرى في الرؤية السياسية عند الأشاعرة عن المعتزلة والشيعة وغيرهم هي: الموقف من "الثورة" على الإمام الفاجر، فرغم أنّ الأشاعرة أبقوا للأمة حق عزل الإمام إذا فسق أو ظلم أو أخل بنظام المسلمين إلاّ أنهم لم يسمحوا بطريق الثورة المسلحة ضده؛ لما في ذلك من إراقة الدماء وإحداث الفتنة في صفوف المسلمين، حيث يرى الأشعري:

(أنّ السيف باطل ولو قتلت الرجال وسبيت الذرية، وأن الإمام يكون عادلاً ويكون غير عادلٍ، وليس لنا إزالته وإن كان فاسقاً) [٢٦]. ويستند الأشاعرة في هذا الرأي إلى مجموعة أحاديث نسبت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: منها: ما جاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله - : "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية" [٢٧].

ومنها: ما روي عن حذيفة بن اليمان: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم منكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إنّ أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع، وإن ضرب ظهرك أو أخذ مالك فاسمع وأطع" [٢٨].

وسوف نعرف من خلال هذا الاستعراض: أنّ الأشاعرة لم يحددوا طريقاً لكيفية عزل الحاكم حينما ينحرف، رغم أنهم اعتبروا ذلك حقاً للأمة، وهذه نقطة فراغ تبقى قائمة في الرؤية السياسية عند الأشاعرة.

١ - الشورى: ١٣.

٢ - المائدة: ٨.

٣ - البقرة: ١٩٣.

٤ - المائدة: ٤٤.

٥ - المائدة: ٤٥.

٦ - المائدة: ٤٧.

٧ - شرح الأصول الخمسة / القاضي عبد الجبار.

٨ - البقرة: ١٢٤.

٩ - شرح الأصول الخمسة / القاضي عبد الجبار والآية الأولى في سورة المائدة: ٢ والثانية في سورة الحجرات.

١٠ - الفصل في الملل والنحل ٤: ١٨٧.

١١ - مقالات الإسلاميين: ٦٧.

١٢ - بينما يشترط الشيعة في جواز الثورة على الحاكم الجائر وجود الإمام المعصوم أو الفقيه العادل الذي يقوم مقامه، ولعله إلى هذه النقطة بالذات كانت إشارة القاضي عبد الجبار حين قال: إنّ الخلاف مع الإمامية يدخل في اصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

١٣ - الحجرات: ٩.

١٤ - المدخل إلى تاريخ الفلسفة ٢: ١٩٤ للدكتور عبد الحميد الصالح نقلاً عن القاضي عبد الجبار.

١٥ - شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: ١٦٨.

١٦ - شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: ١٩٨.

١٧ - وربما كان القاضي عبد الجبار يشير إلى هذه النقطة من خلال المعتزلة مع الخوارج حين قال: (وخلاف الخوارج داخل تحت المنزلة بين المنزلتين) كما سبق النقل.

١٨ - الملل والنحل: ٨٦.

١٩ - أصول الدين: ١٠٢.

٢٠ - الملل والنحل للشهرستاني: ٨٤.

٢١ - المتوفى عام ٤٢٩ للهجرة، والذي يعتبر من أئمة المذهب الأشعري ومن افضل شراح هذا المذهب فقد كانت له في ذلك كتب عديدة برز فيها.

٢٢ - أصول الدين للبغدادي: ٦٩.

٢٣ - المصدر السابق.

٢٤ - لقد استعرض الدكتور (فتحي عبد الكريم) بشكل شامل ومستوعب آراء أئمة الأشاعرة وغيرهم في هذه المسألة في كتابه (الدولة والسيادة) فراجع لمزيد الاطلاع.

٢٥ - الجامع لاحكام القرآن للقرطبي - كتاب الشعب.

٢٦ - مقالات الإسلاميين للأشعري: ٨٩.

٢٧ - الأشعري حياته واراؤه. عبد الحليم محمود: ١٩٦.

٢٨ - المعتزلة والاشاعرة. محمّد علي: ١٨٧.



[ Web design by Abadis ]