ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الاجتهاد - بين الانفتاح و الانغلاق - و أثره في الشريعة الإسلاميّة \ الشيخ سامي الغريري

إنّ باب الاجتهاد لم يغلق - كما قيل واشتهر بين الناس، لا سيما بين علماء الجمهور - بل ميدانه مفتوح. وقد عرفنا أ، ه أصبح الآن أسهل وأيسر مما كان من ذي قبل، ولكن حصل انعطاف كبير في حياة المسلمين الفكرية والعلمية حينما نودي بإغلاق باب الاجتهاد، وتوقف الفقهاء عن كلّ حركة علمية.

ومما يؤسف له أنّ نرى علماء الجمهور هم أسرع للقول بسد باب الاجتهاد، ولكن مع ذلك توجد أقوال مذهبية كثيرة للفقهاء اجتهاداً منهم في ضوء الظروف التي عاشوها. فيجب أنّ لا نقف أمام هذه الأقوال من دون ردٍ، وكأنها نصوص قطعية مقدسة لا رأي لنا معها، بل يجب أنّ فكر لمثل هذه الأقوال، فما كان منها مناسب ومعقول قبلناه، و إلاّ غيرناه برأيٍ اجتهاديٍ، فهم رجال ونحن رجال، وأمامنا الآن ما لم يكن أمام القدماء. نعم، نقدرهم ونحترمهم، ولكن لا نلغي عقولنا [١].

وإذا كان بعض أئمة المذاهب لم يقبل الأخذ بفتوى الصحابي كقضية مسلمة

وقالوا: نأخذ منهم، ونرد عليهم، وقال الإمام مالك: (كلّ ما يؤخذ ويرد عليه إلاّ صاحب هذا القبر) [٢]، يعني: رسول الله - صلى الله عليه وآله - فليس لنا أبداً أنّ ننزل كلام فقهاء - في مسائل فرعية لا سند لهم فيها إلاّ اجتهادهم - منزلة فوق كلام الصحابي وفتواه، أو نرفع شأنيتها ووضعها في مصاف كتاب الله وسنة رسوله، بل وأكثر !!

وليس معنى دعوتنا للتحرك وفتح باب الاجتهاد أنّ نلغي كلّ ما قاله السابقون ونهدم البيت ونبيع أنقاضه، بل المطلوب أنّ نتحرك ونفتح عقولنا، وننظر إلى ما قيل من آراء اجتهادية لأناس لهم وجهة نظرٍ فيما قالوه، وتقديم الحل الأنجع للحياة الإنسانية، والأجوبة المحكمة للأسئلة الحادثة المتجددة، وقطع الطريق عن المتطفلين - على عملية إبداء الرأي الاجتهادي في الأحكام - ممن امتكلوا أبواق الدعاية وكراسي السلطة، وراحوا يفتون هنا وهناك وهم لا يملكون أي تخصص في ذلك، ولا أية حجة دامغةٍ لدحض ما يقابلها من خطأ.

فالاجتهاد: هو المجال التقريبي المنطقي بين المسالك المتنوعة والمذاهب والمناحي المتناهية، وهو الضمان لوجود مجموعة طليعية همها الحفاظ على الإسلام الأصيل من عبث المنافقين وذوي الفكر الخليط. وليس الاجتهاد أمراً ثانوياً إنّ أردناه أجزناه وإن لم نرده حرمناه، بل هو أمر ضروري للأمة الإسلاميّة، وقد أغلقت أبوابه على يد بعض السلطات على جميع المكلفين، وحصر الرجوع إلى خصوص المذاهب الأربعة كما يذكر السيد محمّد تقي الحكيم [٣].

أما ما دعا إلى إغلاق بابه من عوامل وأسباب عديدة فقد أرجع الأستاذ عبد الوهاب خلاف ذلك إلى عوامل أربعة، نشير إلى أهمها:

١ - (انقسام الدولة الإسلاميّة إلى عدة مماليك، وتناحر ملوكها ووزرائها على

الحكم، مما أوجب انشغالهم عن تشجيع حركة التشريع، وانشغال العلماء - تبعاً لذلك - بالسياسة وشؤونها، وبأمور الدنيا.

٢ - انقسام المجتهدين إلى أحزاب لكل حزب مدرسته التشريعية وتلامذتها، مما دعا إلى تعصب كلّ مدرسة لمبانيها الخاصة، أصولاً وفروعاً، وهدم ما عداها حتّى صار الواحد منهم لا يرجع إلى نص قرآني من التعسف في الفهم والتأويل) [٤].

(وبهذا فنيت شخصية العالم في حزبيته، وماتت روح استقلالهم العقلي، وصار الخاصة كالعامة أتباعاً لمقلدين) [٥].

٣ ت انتشار المتطفلين على الفتوى والقضاء، وعدم وجود ضوابط لهم، مما أدى إلى تقبل سد باب الاجتهاد في أواخر القرن الرابع، وتقييد المفتين والقضاة بأحكام الأئمة، حيث عالجوا الفوضى بالجمود.

٤ - شيوع الأمراض الخلقية بين العلماء والتحاسد والأنانية، (فكانوا إذا طرق أحدهم باب الاجتهاد فتح على نفسه أبواب التشهير به، وحط أقرانه من قدره، وإذا أفتى في واقعة برأيه قصدوا إلى تسفيه رأيه وتجريحهم إياه بأنه مقلد وناقل، لا مجتهد ومبتكر. وبهذا بهت روح النبوغ، ولم ترفع في الفقه رؤوس، وضعفت ثقة العلماء بأنفسهم وثقة الناس بهم) [٦].

(وهناك عامل آخر كاد أنّ يسد باب الاجتهاد عند الإمامية بالخصوص في القرن الخامس الهجري، وهو: عظم مكانة الشيخ الطوسي - رحمه الله - وقوة شخصيته التي صهرت تلامذته في واقعها، وأنستهم - أو كادت - شخصياتهم العلمية، فما كان أحد منهم ليجرؤ على التفكير في صحة رأي لأستاذه الطوسي أو مناقشته) [٧].

وقد قيل: (إنّ ما خلفه الشيخ الطوسي من كتب الفقه والحديث كاد أنّ يستأثر

في عقول الناس فيفسد عليها منافذ التفكير في نقدها ما يقارب القرن) [٨].

وقد كان لموقف ابن إدريس - رحمه الله، وهو من أكابر علماء الإمامية - فضله الكبير في إعادة الثقة إلى النفوس، وفسح المجال أمامها لتقويم هذه الكتب ونقدها والنظر في قواعدها.

ويذكر السيد محمّد تقي الحكيم سبباً آخراً، وهو: أنّ سياسة تلكم العصور كانت تخشى من العلماء ذوي الأصالة في الرأي والاستقامة في السلوك - وهم لا يهادنون على ظلم ولا يصبرون على مفارقة - فأرادت قطع الطريق على تكوين أمثالهم بإماتة الحركة الفكرية من أساسها، وذلك بسدها لأهم المنابع الأصلية وهو الاجتهاد.

وما أحسن ما ذكره الأستاذ المراغي - وهو ينعى على دعاة الجمود موقفهم من حرية الفكر - حيث يقول: (ليس مما يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أنّ يقال عنها: إنّ ما يدرس فيها من علوم اللغة والمنطق والكلام والأصول لا يكفي لفهم خطاب العرب، ولا لمعرفة الأدلة وشروطها، وإذا صح هذا فيالضيعة الأعمار والأموال التي تنفق في سبيلها !). ثم يقول: (وإني - مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الاجتهاد - أخالفهم في رأيهم، وأقول إنّ في علماء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيه شروط الاجتهاد وحرم عليه التقليد) [٩].

كلّ هذه العوامل يمكن أنّ تذوب إذا لا حظنا ضرورة الاجتهاد المستمر، وانضباط القواعد الاجتهادية حتّى تعود متقاربة، وهذا ما نجده بوضوح في "الاستحسان"، واتساع الحياة والتعقيدات للوقائع المطروحة، وتزايد خبرات المجتهدين المتراكمة عبر الزمن، والتنقيب. فالاجتهاد هنا يتحول إلى عمليتين متعاقبتين كما يذكر الشيخ التسخيري نقلاً عن اقتصادنا:

الأولى: أصولية تركز على دراسة العناصر المشتركة التي يمكن الاستفادة منها في مختلف الأبواب الفقهية.

الثانية: فقهية تدرس الواقعة وتطبق تلك القواعد.

ومن هنا عبر عن علم الأصول بـ"منطق الفقه" باعتبار أنّه يقوم به علم المنطق بالنسبة للأفكار الإنسانية عموماً من تنظيم قواعدها التي تعصمها عن الخطأ [١٠].

وذكر الأستاذ أبو زهرة في كتابه "المذاهب الفقهية"، والأستاذ عبد المنعم النمر في كتابه "الاجتهاد": (أنّ كثيراً من علماء المذاهب الأربعة ينادون بفتح باب الاجتهاد، وقد أظهر قسم منهم استقلاله في الاجتهاد).

ويذهب ابن تيمية إلى أنّه: (ثبت عن الأئمة الأربعة أنهم نهو الناس عن تقليدهم، وأمروا - إذا رأوا قولاً في الكتاب والسنة أقوى من قولهم - أنّ يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة ويدعوا أقوالهم) [١١].

ومن الّذين نادوا بفتح باب الاجتهاد من المتقدمين - على سبيل الذكر لا الحصر ـ: الزمخشري، وابن العربي، وابن تيمية، وتلميذه ابن القيم الجوزية، والسيوطي، وأبو الفتح الشهرستاني، والشاطبي، والشوكاني، والبغوي، والكمال ابن الهمام الحنفي، وتاج الدين السبكي، وغيرهم.

ومن المتأخرين: السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمّد عبده، ومحمد رشيد رضا والشيخ المراغي، وشيخ الأزهر محمود شلتوت، والشيخ محمّد الشناوي، وأحمد أمين.

وعلى هذا، فلا ينبغي تصور الاجتهاد بأنه "عنقاء" أكبر من أنّ تصاد، وليس هو شيئاً يثقلُ على العالم احتماله، سيما هؤلاء العلماء العظام السابقين بعد عصر

الاجتهاد، فقد كانوا بحراً فياضاً في علمهم بالتفسير والحديث.

ولكن، لا تزال آثار جناية بعض الماضين على عقولهم حتّى الآن حينما أطلقوا عبارات اليأس وعدم الثقة وفقدان الأمل التي أملاها عليهم انبهارهم وإعجابهم بأئمتهم حين قالوا: (إنّ الله لن يجود على الزمان بمثل فلان…) [١٢]. وحكموا على الله بالعجز قهراً بأن لا يخلق مثل: فلان وفلان، كما قال ابن القيم الجوزية، والإمام الشوكاني عندما وصفوا حال المقلدين: (إنّ همهم نيل الرئاسة الدنيوية، وهم لهذا يلبسون الثياب الرقيقة، ويديرون على رؤوسهم العمائم كالروابي يلفتون بذلك نظر أهل السلطان، ويجمعون حولهم الناس، فإذا تكلم عالم من علماء الاجتهاد بشيءٍ يخالف ما يعتقدونه قاموا عليه قومة جاهلية) [١٣].

وقال السيد جمال الدين الأفغاني: (ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وبأي نص سد باب الاجتهاد؟ أو أي إمام قال: لا ينبغي لأحد من المسلمين بعدي أنّ يجتهد ليتفقه في الدين، أو أنّ يهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث؟ ). وقال أيضاً (لا أرتاب في أنّه لو فسح من أجل أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل وعاشوا إلى اليوم لظلوا مجتهدين ومجدين، يستنبطون لكل قضية حكماً من القرآن والحديث، وكلما ازداد تعمقهم وتمعنهم ازدادوا فهماً دقيقا) [١٤].

التقليد والمذاهب الأربعة:

قال كثير من علماء هذه الأمة ومن قديم: (إنّ تقليد المذاهب الأربعة كان أهون الشرين لإنقاذ الأمة من الشتات والضياع من ناحية الأحكام الشرعية ومعرفتها، فإن هذا لا يعني: أنّ هذا التقليد كان هو الخير الذي تبتغيه الأمة ويرضاه الدين، بل أنّ هذا التقليد بمثابة إنقاذ ما يمكن إنقاذه).

فيقول الإمام الشوكاني: (إنّ سكوت العلماء عن إنكار هذه البدعة إنّما هو سكوت تقية لا سكوت موافقة مرضية، ولكنهم مع سكوتهم عن التظاهر بذلك لا يتركون بيان الحكم صراحة أو تلويحاً، وكثير منهم يكتم ما يصرح به من تحريم التقليد إلى ما بعد موته) [١٥].

ولكن - للأسف - نرى أنّ أتباع بعض المذاهب يستخدمون وسائل الهدم للنيل من المذهب الآخر وأتباعه، وقامت بينهم المناظرات (حتّى أفتى بعض الأحناف بأنه: لا يجوز للحنفي أنّ يتزوج بالشافعية، أو بنت الشافعي؛ لأن إيمانها مشكوك فيه…. ورأى شافعي حنفياً يصلي ويحرك أصابعه في التشهد فلواها حتّى كسرها) [١٦].

ويحدث الإمام الطوفي الحنبلي عن بعض المظاهر أثناء شرحه لحديث "لا ضرر ولا ضرار" فيقول: (بلغنا أنّ أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل عليهم حنفي قتلوه) [١٧].

وقال الإمام الشوكاني: (إنّ حدوث التمذهب بمذهب الأئمة الأربعة إنّما كان بعد انقراض الأئمة الأربعة، وإنّما أحدثها العوام المقلدة من دون أنّ يأذن بها إمام من الأئمة المجتهدين، وكأن هذه الشريعة التي بين أظهرنا من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وآله - قد صارت منسوخة، والناسخ لها ما ابتدعوه من التقليد في دين الله) [١٨]. وهذا واضح لمن أعطى النظر حقه في تاريخ فقه الإسلام ومبدئه.

نعم، لقد حصل في بعض الأزمنة أنّ بنيت مدارس لحصر المذاهب الإسلاميّة في أربعة، مما صرف أنظار طلاب العلم لغير تلك المذاهب، وأمات فيهم ملكة الاجتهاد، بل وصل الأمر إلى حد أنّ المستعصم - آخر ملوك بني العباس - أمر أساتذة المدرسة المستنصرية ببغداد أنّ لا يتعدوا حدود كلام السابقين، ويمتنعوا عن ذكر شيءٍ من

مصنفاتهم، وذلك عام (٦٤٥ هـ) [١٩]. وقد سبقه القادر العباسي المتخلف سنة (٣٨١ هـ)، حيث أمر أربعة من علماء الإسلام أنّ يصنف كلّ واحد منهم مختصراً على مذهبه.

(فصنف الماوردي الشافعي الإقناع، وصنف أبو الحسين القدوري مختصراً على مذهب أبي حنيفة، وصنف أبو محمّد - عبد الوهاب بن محمّد بن نضر - المالكي مختصراً، ولم يعرف من صنف له على مذهب أحمد بن حنبل، ولما عرضت على القادر قبلها وأمضى العمل بها [٢٠].

(وقد طلب أخيراً من العلماء أنّ يتخيروا مذهباً معيناً من المذاهب المختلفة للقضاء بمقتضاه فرفضوا، فكانت النتيجة: اللجوء إلى القانون الفرنسي) [٢١].

إنّ الاجتهاد على المتأخرين أيسر وأسهل من الاجتهاد على المتقدمين، ولا يخالف في هذا العدد من له فهم صحيح وعقل سوي [٢٢]. ونقلت هذه العبارة على طولها؛ لأن فيها أعمق تحليل، وأبسط بيان، وأروع حجة تقوم على أولئك الّذين زعموا غلق باب الاجتهاد، وإلزام الناس بالتقليد على المذاهب الأربعة، وقد أتوا من قبلهم ومن قبل أنفسهم، وعدم ثقتهم بما وصلوا إليه من درجات علمية تبوئ كلا منهم صدارة الاجتهاد، وكأنهم كانوا يحسون ببلوغهم درجة الاجتهاد، كما تبين من نقاشهم واحتجاجهم واستقلالهم في الرأي والتفكير والتصويب والترجيح، إلاّ أنهم لا يجرؤون على إظهاره بين المجتمع تمشياً مع فكرة غلق باب الاجتهاد، فيضعون أنفسهم في دائرة مذهب من المذاهب، ثم يجتهدون كما فعل الغزالي نفسه، فإنه يقول بخلو العصر من المجتهدين….، ثم يقول بعد ذلك: (ليس بمقلد للشافعي، وإنما وافق رأيه رأيه، وفي كتبه

اجتهادات متعددة) [٢٣].

والقفال نفسه كان يقول للسائل في مسألة الصبرة: (أتسألني عن مذهب الشافعي أم ما عندي؟ ) [٢٤].

وقال هو والشيخ أبو علي، والقاضي الحسيني، والأستاذ أبو إسحاق وغيرهم: (لسنا مقلدي الشافعي، بل وافق رأينا رأيه) [٢٥].

حاجة الأمة إلى الاجتهاد:

الاجتهاد مفخرة ينفرد بها الإسلام من بين الأديان وكل التشريعات حتّى في عصرنا الحاضر والى ما بعده، فهو قائم - أساساً - على حرية الفكر في فهم القرآن والأحاديث. وبغير ذلك تتصلب شرايين الشريعة، وتتوقف حياتها.

لذلك يقول الإمام الشهرستاني في هذا: (إنّ الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعاً: أنّه لم يرد في كلّ حادثة نص، ولا يتصور ذلك. والنصوص إذا كانت متناهية فالوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، تحتم قطعاً أنّ الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتّى يكون بصدد كلّ حادثة اجتهاد وحكم لها) [٢٦].

والاجتهاد حياة التشريع، فلا بقاء لشرع ما لم يظل الفقه والاجتهاد فيه حياً مرناً ذا فعاليةٍ وحركة.

قال الغزالي في المنخول: (الاجتهاد ركن عظيم في الشريعة لا ينكره منكر، وعليه عول الصحابة بعد أنّ استأثر الله برسوله - صلى الله عليه وآله ـ، وتابعهم عليه التابعون إلى زماننا هذا، ولا يستقل به أحد، ولكن لابد من أوصاف وشرائط) [٢٧].

وحينئذٍ يُصبح المجتهد جريئاً في اجتهاده وغير هيابٍ كي يستنهض الهمم لإعداد العدة الوافرة للبحث الدائب والعمل المتواصل. والاجتهاد ممكن كلّ الإمكان، ولا صعوبة فيه بشرط أنّ ترفع كلّ الأوهام والخيالات، ويزال ذلك الرين المعشعش في عقولنا وقلوبنا من رواسب الماضي وآفات الخمول والظن والإثم، بعد إمكان الوصول إلى ما وصل إليه الأولون.

قال ابن عبد السلام المالكي: (إنّ رتبة الاجتهاد مقدور على تحصيلها، وهي شرط في الفتوى والقضاء، وهي موجودة إلى الزمان الذي أخبر عنه - صلى الله عليه وآله - بانقطاع العلم ولم نصل إليه لحد الآن، و إلاّ كانت الأمة مجتمعة على الخطأ، وذلك باطل) [٢٨].

وقال السيوطي معلقاً على هذه العبارة: (فانظر كيف صرح بأن رتبة الاجتهاد غير متعذرة، وأنها باقية إلى زمانه، وبأنه يلزم من فقدها اجتماع الأمة على الباطل، وهو محال) [٢٩].

ولا نريد أنّ نبحث الآن في الاستدلال لهذا الموقف أو ذاك بقدر ما نعرف من هدفنا، وهو: تبيان الوجه الفقهي العريق في المذاهب الإسلاميّة؛ لأن الشريعة الإسلاميّة إنّما أعطيت في المجموع الكلي، فإن النصوص القطعية التي لا اختلاف فيها قليلة جداً بالنسبة إلى النصوص الظنية والمجملة. فلا بد من البحث في معاني النصوص غير القطعية، هذا يفرض الحاجة إلى الجهد العلمي في دراستها ومقارنتها، وقد تزداد الحاجة هذه كلما ابتعد الشخص عن زمن صدور النص، وهذا الفاصل الزمني يحمل في طياته الكثير من المضاعفات: كضياع بعض النصوص، ونسيانها، ودخول الموضوع بينها كما يقول الفقيه الحنفي ابن عابدين: (كثير من الأحكام يختلف باختلاف الزمان؛ لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرر، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو

بقي الحكم على ما كان عليه أوّلاً للزم منه المشقة والضرر بالناس) [٣٠].

وبالإضافة إلى ذلك، هناك مواضع ومواقع في عملية التربية الكبرى لا يمكن تسليمها إلاّ لمجتهد بالشريعة، عالم بخفاياها وروحها وتعاليمها، حتّى يملك كلمة الفصل من خلال ذلك. فالقيادة والقضاء - مثلاً - لا تتمان من دون فقيه مجتهد متضلع في الشريعة.

فالاجتهاد هو: إبقاء الروح الإسلاميّة الفعالة الحركة، المواكبة للتحول والموفرة للقدرة على الخلود، ونقض الجمود الممتد كما يقول بعض المعاصرين: (إذا كان العالم الإسلامي قد استضاء على مر القرون الماضية ويستضيء الآن باجتهاد الأئمة الأربعة وتلامذتهم النابغين المقربين فإن هؤلاء لم يكونوا الذروة أو في الذروة وحدهم، بل كان معهم الكثيرون من أمثالهم، ممن يفوقهم وممن يقاربهم، ولكن الظروف والعوامل فعلت فعلها معهم) (٣١).

ويرى العلامة المرحوم الشهيد الشيخ المطهري قدس سره: أنّ روح التقارب كانت سائدة رغم الخلاف، فمجرد أنّ ينفتح باب التقارب باتساع مفهوم - مثلاً - يتم التقارب بشكل طبيعي، والاجتهاد أحد موارده: الإجماع كذلك.

(والاجتهاد يعني: تسرب بعض المواقف الذاتية أحيانا إلى النتيجة، ويشتد الخطر ويتفاقم عندما تفصل بين الشخص الممارس والنصوص التي يمارسها فواصل تاريخية وواقعية كبيرة، وحين تكون تلك النصوص بصدد علاج قضايا يعيش الممارس واقعاً مخالفاً كلّ المخالفة لطريقة النصوص في علاج تلك القضايا: كالنصوص التشريعية المرتبطة بالجوانب الاجتماعية من حياة الإنسان. فعملية اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي - مثلاً - تتعرض لخطر الذاتية أكثر منها في استنباط الأحكام الفردية) (٣٢).

الاجتهاد بين التخطئة والتصويب:

يرى جمهور من العلماء: أنّ حكم الاختلاف في المسائل الفقهية هو إصابة الحق بغالب الظن؛ لأن الأحكام المجتهد فيها تحتمل الخطأ، كما تحتمل الصواب، ولا سبيل إلى القطع بكون جميعها صواباً؛ لأنها أحكام ظنية.

وقد وقع في هذا الموضوع اختلاف كبير، واختلف النقل عنهم فيه. وكذلك نشأ الخلاف فيما بينهم في أنّه: (هل لله في كلّ حادثة ونازلة حكم معين قبل اجتهاد المجتهد أم لا؟ وهل أنّ المجتهد مصيب دائماً، أو أنّ اجتهاده يحتمل الخطأ؟ ). والأقوال في التخطئة والتصويب ثلاثة:

رأى المخطئة: قالت: (إنّ لله - سبحانه وتعالى - حكماً معيناً في كلّ حادثة ونازلة يتجه إليها المجتهد، فمن أدركه كان مصيباً، ومن لم يدركه كان مخطئاً لا إثم عليه، ويكون الحق واحداً، وهذا منسوب إلى الأئمة الأربعة) (٣٣).

قال صاحب فوائد الأصول: (إنّ الأحكام الواقعية المجعولة من قبل الشارع لما كانت مستوعبة لجميع أفعال المكلفين وكانت الطرق والأمارات والأصول المحرزة المجعولة من قبله لا وظيفة لها إلاّ تنجز متعلقها أو التماس المعذرية لمن قامت عنده كان قيام الأمارة وغيرها كعدمه، لا يبدل في الواقع ولا يغير، والواقع يبقى على حاله، فإن أصابه المجتهد كان مصيباً، و إلاّ فهو مخطئ معذور) (٣٤)، وأن المصيب في اجتهاده واحد من المجتهدين، وغيره المخالف له مخطئ؛ لأن الحق لا يتعدد.

وقال الأستاذ العلامة السيد محمّد تقي الحكيم: (إنّ أصاب المجتهد الواقع كان مصيباً، و إلاّ فهو مخطئ معذور، وهو الذي ذهب إليه الشيعة وجمهور المسلمين من غيرهم) (٣٥).

وورد في رسالة الشافعي ما يدل على تجويز الخطأ في الاجتهاد: كالاتجاه نحو القبلة، وكالشهادات، حيث قال: (إنّ من توجه تلقاء المسجد الحرام ممن نأت داره عنه على صواب بالاجتهاد للتوجه إلى البيت بالدلائل عليه؛ لأن الذي كلف التوجه إليه وهو لا يدري أصاب بتوجهه قصد المسجد الحرام أم أخطأه، وقد يرى دلائل يعرفها فيتوجه بقدر ما يعرف) (٣٦).

وقال عبد العزيز البخاري: (وهذا الذي عليه أصحابنا وعامة أصحاب الشافعي وبعض متكلمي أهل الحديث: كعبد الله بن سعيد، وعبد القاهر البغدادي) (٣٧).

وقال القرافي: (المنقول عن مالك: أنّ المصيب واحد) (٣٨). واليه ذهب الشاطبي (٣٩)، وهو مذهب ابن قدامة (٤٠).

وقال ابن بدران من الحنابلة: (الحق في قول واحد من المجتهدين معين في فروع الدين) (٤١). وهذا قول فريق من علماء الإباضية (٤٢).

وقال أحمد: (إنّ الحق واحد عند الله، فليس كلّ مجتهدٍ مصيباً، ولكن المصيب له

أجران، والمخطئ له أجر واحد؛ لتحريه الصواب وطلبه إياه) (٤٣).

وانقسمت المخطئة إلى ثلاث فرق بناء على أنّ الله نصب على هذا الحكم دليلاً ظنياً أم قطعياً، أم لم ينصب أصلاً وجعله كدفين…. الخ:

فالأولى تقول: إنه لا دليل على هذا الحكم المعين عند الله في الواقعة، فهو كدفين يعثر عليه المجتهد بالصدفة، ولمن عثر عليه له أجران: أجر السعي، وأجر العثور. ولمن اجتهد ولم يعثر عليه أجر واحد لأجل سعيه وطلبه (٤٤).

والثانية تقول: إنه يوجد دليل ظني للحكم، وهذه الطائفة انقسمت إلى فئتين:

أ - فئة ترى: أنّ المجتهد مكلف بإصابة ذلك الدليل الظني قطعاً، فإن أخطأه لم يكن مأجوراً، ولم يكن آثماً أيضاً تخفيفاً عنه (٤٥)، ومن هؤلاء من يعتقد أنّ المخطئ له أجر واحد: كابن فورك والأسفراييني (٤٦).

ب - وفئة ترى: أنّ المجتهد ليس مكلفاً بإصابة الدليل لخفائه وغموضه، ويعتبر معذوراً ومأجوراً إذا لم يعثر على الدليل، وله أجره مرتين إذا وجده (٤٧).

والثالثة تقول: إنه يوجد دليل قطعي على هذا الحكم، إلاّ أنهم اختلفوا - في كون المجتهد آثماً أم لا؟ - إلى فئتين:

أ - فئة قالت: إنّ إثم الخطأ محطوط عن المجتهد؛ لغموض الدليل وخفائه، وهو قول أبي بكر الأصم وابن علية، واليه مال الماتريدي ونسبه إلى الجمهور (٤٨).

ب - وأخرى قالت: إنّ المجتهد الذي أخطأ الدليل القطعي آثم بمعنى: أنّه غير فاسق ولا كافر، وهذا هو قول بشر المريسي (٤٩). ونسبه الغزالي والآمدي أيضاً إلى ابن عليه وابي بكر الأصم والظاهرية والإمامية (٥٠). والإباضية.

لكن عند التحقيق تبين لنا بان الإمامية لم تقل ذلك من خلال قول العلامة الحلي رحمه الله (*). قال: الإجماع على نفي الإثم عن المجتهد المخطئ، ولم يستثن إلاّ بشراً (٥١).

٢ - رأى المصوبة: قالت: (إنّ الأحكام المجتهد فيها صواب كلها، والمجتهد يصيب الحق دائماً، ويدرك الحكم يقيناً. وإن اختلفت الأحكام في المسألة الواحدة بتعدد المجتهدين فيها فكل حكم في هذه الأحكام يكون صواباً، ولا يوجد حكم معين في المسألة، وعليه يكون كلّ مجتهد مصيباً والحق متعدد (٥٢)، وهو مختار الغزالي (٥٣)، والباقلاني (٥٤)، والأشعري (٥٥)، والجبائي (٥٦)، ونسبه السبكي إلى أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة (٥٧)، لكن أبا حنيفة والشافعي لم يصرحا بهذا القول، بل هو قول مخرج من

بعض تصريحاتهم وليس نصاً منهم) (٥٨). وقد انقسمت المصوّبة إلى فرقتين:

أ - فئة تعتقد بوجود حكم معين في كلّ حادثة، وهو حكم المجتهد بحيث لو كان الله يريد حكماً لما حكم إلاّ به (٥٩). وهو ما يفسر قولهم: (هو ما يفسر قولهم: (هو القول بالأشبه عند الله، والأشبه معين عند الله) (٦٠). وهو المراد من قولهم أيضاً: (واحد من الجملة أحق) (٦١).

وفسر الغزالي هذا القول حيث قال: (إنّ لله في كلّ حادثة - واقعة - حكماً يتوجه إليه الطلب، إذ لابد للطلب من مطلوب، لكن المجتهد لم يكلف بإصابته) (٦٢).

وصرح القرافي بما أقرب من ذلك (٦٣)، وهذا مذهب المعتزلة، وعرف بالتصويب المعتزلي (٦٤).

وقد ناقش العلامة السيد محمّد تقي الحكيم هذا الرأي حيث قال: (نسب هذا الرأي إلى الإمام الشافعي - رحمه الله - حيث ورد في المستصفى. أما المصوبة فقد اختلفوا فيه، فذهب بعضهم إلى إثباته، واليه تشير نصوص الشافعي. وقد وجهت هذه الإصابة بأن الأمارة عندما تقوم على حكم تخلق في متعلقه مصلحة مزاحمة لمصلحة الواقع، أو مفسدة كذلك. ويرد عليه:

أولاً: أنّ الأمارة يستحيل أنّ تكون سبباً في خلق مصلحةٍ في متعلقها؛ لأن الظنون لا تسري إلى الواقع الخارجي فتغيره؛ لاختلاف مجاليهما.

ثانياً: أنّ أدلة الطرق والأمارت لا تفيد أكثر من اعتبارها بمنزلة العلم من

حيث ترتيب الآثار عليها، ولعلم لا يزيد عن كونه كاشفاً متعلقاً) (٦٥).

ب - وفئه تعتقد بعدم وجود مثل هذا الحكم، فجميع ما يتصور أنّ يكون حكماً لله تعالى في المسألة عندهم سواء (٦٦). وقالت: (إنه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن، بل الحكم يتبع بالظن، وحكم الله على كلّ مجتهد ما غلب على ظنه) وقد عرف بالتصويب الأشعري. (٦٧)، وقد أطال الغزالي بتقريبه، ولكن ناقشه العلامة الحكيم (٦٨) حيث قال: (إنّ كلّ ما جاء به الغزالي لا يخلو من خلط بين الأحكام في مرحلة الجعل والأحكام في مرحلة التبليغ، وبينهما وبين الأحكام في المرحلة الفعلية. كما وقع في مفارقة أخرى، وهي: أنّ أحكام الشارع هي خطاباته، مع أنّ الخطابات إحدى مبرزات أحكامه، لا أنها عين الأحكام، ولا منافاة بين أنّ يكون هناك حكم ولا يكون خطاب به) (٦٩).

٣ - الرأي بالمصلحة السلوكية: وهذا الرأي أخذ من أصحاب التخطئة ومن أصحاب التصويب معاً. وقد ذهب إليه الشيخ الأنصاري - رحمه الله - حيث التزم بالطريقية بالنسبة إلى مفاد أدلة حجية الطرق والأمارات، من دون أنّ يكون هناك أي تصرف في المتعلق ليزاحم به الواقع المجعول بحق الجاهلين والعالمين على السواء.

كما التزم بسببية الأمارة لخلق مصلحة في نفس السلوك لا في المتعلق، وتلك المصلحة مما يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع (٧٠).

كما أنّه أوضح المراد منها بقوله أنّ لا يكون للأمارة القائمة على الواقعة تأثير في الفعل الذي تضمنت الأمارة حكمه، ولا تحدث فيه مصلحة، إلاّ أنّ العمل على طبق

تلك الأمارة والالتزام به في مقام العمل على أنّه هو الواقع وترتيب الآثار الشرعية المترتبة عليه واقعاً يشتمل على مصلحة فأوجبه الشارع) (٧١).

ومعنى إيجاب الشارع العمل على الأمارة: وجوب تطبيق العمل عليها، لا وجوب إيجاد العمل على طبقها، إذ قد لا تتضمن الأمارة إلزاماً على المكلف، فإذا تضمنت استحباب شيءٍ أو وجوبه تخييراً أو إباحته وجب عليه إذا أراد الفعل أنّ يوقعه على وجه الاستحباب أو الإباحة، بمعنى: حرمة قصد غيرهما كما لو قطع بهما، وتلك المصلحة لابد من تداركها بهما؛ لئلا تفوقت مصلحة الواقع لو كان الأمر بالعمل به مع التمكن من العلم، و إلاّ كان تفويتاً لمصلحة الواقع، وهو قبيح.

وعلق الشيخ المظفر على هذا الرأي بقوله: (وإنما ذهب إلى هذا الفرض لأنه لم يتم عنده تصحيح الأمارة على نحو الطريقية المحضة، ووجد أيضاً أنّ القول بالسببية المحضة يستلزم القول بالتصويب المجمع على بطلانه عند الإمامية، فسلك طريقاً وسطاً لا يذهب به إلى الطريقية المحضة، ولا إلى السببية المحضة) (٧٢).

ويرى الإمام السيد الخوئي رحمه الله: (أنّ السببية بهذا المعنى وإن كانت معقولة في نفسها ولا يخالفها شيء من الإجماع والروايات ويندفع بها الإشكال إلاّ أنّه لا دليل عليها) (٧٣).

كذلك أورد عليه العلامة الحكيم بقوله: (عدم نهوض الأدلة بها؛ لأن هذه الأدلة ليس فيها ما يشير إلى أكثر من جعل الطريقية أو الحجية لما قامت عليه) (٧٤).

وبعد عرض هذه الأقوال الثلاثة وما يحيط بها ننتهي إلى القول بالتخطئة؛ لأنه هو الذي يمكن الركون إليه، ويكاد أنّ يكون هو الرأي السائد لدى المسلمين اليوم،

حيث يقول الأستاذ الخضري: (والراجح من هذه الآراء: أنّ لله حكماً معيناً في كلّ واقعة نصب عليه الدليل، فمن ظفر به فهو المصيب، ومن أخطأ بعد بذل الجهد فهو مخطئ، إلاّ أنّه يثاب من أجل اجتهاده، مرفوع عنه وزر خطئه، فالمصيب في الشريعة واحد) (٧٥).

وقد علق الشوكاني على الحديث الشريف. "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أرجان، وإن أخطأ فله أجر" (٧٦) بقوله: (وهكذا من قال: إنّ الحق واحد ومخالفه آثم، فإن هذا الحديث يرد عليه رداً بيناً، ويدفعه دفعاً ظاهراً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وآله - سمى من لم يوافق الحق في اجتهاده"مخطئاً" ورتب على ذلك استحقاقه للأجر. فالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أنّه واحد، ومخالفه مخطئ مأجور إذا كان قد وفى الاجتهاد حقه ولم يقصر في البحث بعد إحرازه لما يكون به مجتهداً) (٧٧).

أدلة المخطئة:

أدلة القرآن:

استدل جمهور الفقهاء على أنّ المجتهد يصيب وبخطئ بأدلة من القرآن والسنة والإجماع والمعقول:

١ - قال تعالى: (وداود وسليمان إذا يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً وسخرناً مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين ( (٧٨).

وجه الدلالة بقوله تعالى: (ففهمناها سليمان (تدل على تخصيص سليمان - عليه السلام - بفهم الحق في الواقعة، ولو كان الكل مصيباً لم يكن لتخصيص سليمان

ـ عليه السلام - بهذا التفهيم فائدة (٧٩). وقد رد هذا الوجه بما يلي:

أ - إنّ غاية ما تدل عليه الآية تخصيص سليمان - عليه السلام - بالفهم، ولادلالة فيها على عدم ذلك في حق داود - عليه السلام - إلاّ بطريق المفهوم، وهو ليس بحجة.

ب - إنّ الآية ليست في موطن الاستدلال، حيث روي: أنّ سليمان وداود - عليهما السلام - قد حكما في مثل تلك القضية بالنص حكماً واحداً (٨٠).

ج - لو كان المصيب سليمان - عليه السلام - فقط لما جاء قوله تعالى: (وكلا آتينا حكماً وعلماً (وهذا يدل على أنّ داود - عليه السلام - لم يكن مخطئاً (٨١).

والاحتمالان الأخيران مخالفان للأصل ولا دليل عليهما.

٢ - قال تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتهم الشيطان إلاّ قليلاً ( (٨٢).

وجه الاستدلال: أنّ الآية الكريمة تبين أن أولي الأمر فريقين: بعضهم يكون مستنبطاً وبعضهم لا يكون، وأن ما علم بالاستنباط إنما يعلمه قليل؛ لأنه يحتاج إلى نظر دقيق وفكر ثاقب، وهم طائفة من المستنبطين، وليس كلّ مستنبط مصيباً (٨٣).

ورد هذا الاستدلال: بأنه ليس في الآية ما يدل على تصويب البعض منهم دون البعض، بل غايتها: الدلالة بمفهومها على عدم ذلك في حق العوام ومن ليس أهلاً للاستنباط (٨٤).

أدلة السنة:

أما في السنة: فقد استدلوا بما رواه بشر بن سعيد، قال: قال - صلى الله عليه وآله - : "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر" (٨٥).

وجه الاستدلال في الحديث: بأنه صريح في الاجتهاد إلى خطأ وصواب، ولو كان كلّ مجتهد مصيباً ما أخطأ مجتهد، ولم يصرح الحديث بذلك.

ورد هذا الاستدلال: بأن الخطأ يتصور فيما إذا كان في المسألة نص وخفي على المجتهد، وهذا غير متحقق في محل النزاع؛ لأن النزاع: إذا أخطأ المجتهد في مطلوبه بسبب ظنه (٨٦).

وجوابه: الخبر عام في كلّ مجتهد، سواء كان في المسألة دليل أم لم يكن، وتخصيصه بوجود نص تخصيص من دون مخصص، وهذا لا يجوز.

أدلة الإجماع:

أما الإجماع: فقد استدلوا بإجماع الصحابة، فإنهم أطلقوا على الاجتهاد الذي لم يصب الحق "خطأ" حتّى أنّه شاع وتكرر، ولم ينكر بعضهم على بعض الخطأ فيه، فكان ذلك إجماعاً منهم على أنّ الحق من أقاويلهم ليس إلاّ واحداً.

وقد استدل المصوبة على صحة مذهبهم بالأدلة التالية:

١ - قال تعالى: (وكلا آتينا حكماً وعلماً ( (٨٧).

وجه الاستدلال: لو كان أحدهما مخطئاً لما ثبت بالنص كون ما وصلا إليه من قضاء حكماً لله وعلماً له (٨٨).

ورد هذا الاستدلال: بأنه قد ورد الحكم والعلم نكرة في سياق الإثبات فيخصص، وليس فيه ما يدل على أنّه أوتي حكماً وعلماً فيما حكم به. وقد ورد المخصص بقوله (ففهمناها).

٢ - قوله - صلى الله عليه وآله - : "أصحابي كالنجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم" (٨٩).

فإنه - صلى الله عليه وآله - جعل الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى مع اختلافهم في الأحكام نفياً وإثباتاً، فلو كان فيهم مخطئ لما كان الاقتداء به هدى" (٩٠).

ورد هذا بـ: أنّ الخبر وإن كان عاماً غير أنّ ما فيه من الاقتداء غير تام، ولا يلزم منه العموم في الأشخاص، وإنما العموم في الأحوال.

٣ - أما الأجماع: فقد اتفق الصحابة على تسويغ مخالفة بعضهم لبعض في الاجتهاد من غير نكير.

ورد هذا: بأن الصحابة لم ينكروا على المخالف منهم في الاجتهاد؛ لأن المخطئ غير معين، ومع هذا فهو مأمور بأتباع ما أوجبه ظنه وهو مثاب عليه، والذي يجب إنكاره من الخطأ ما كان خطؤه متعيناً، وهو منهي عنه، وما نحن فيه ليس كذلك (٩١).

نقض الاجتهاد وعدمه

والمراد به: جواز رجوع - تحول - المجتهد عن اجتهاده الأول إلى اجتهاد آخر مضاد له اقتضاه الدليل اللاحق، فيكون اجتهاده الأول - حينئذٍ - مصادماً للدليل.

ثم وقع الخلاف بين الفقهاء في أنّه: هل يجوز لمجتهدٍ في مسألةٍ أنّ يكون له قولان؟ ثم هل يجوز تغير الاجتهاد؟ ولدى التحقيق في هذه المسألة ننتهي إلى وجود ثلاثة أقوال:

١ - القول بالمنع.

٢ - القول بالجواز.

٣ - القول بالتفصيل.

وبما أنّ هذه المسألة مرتبطة بالتخطئة والتصويب فلا بأس بأن نتحدث عما تقتضيه القواعد العامة قبل الأدلة الخاصة بها.

فالقاعدة تقتضي بأن تبنى على ما انتهي إليه في التخطئة والتصويب.

فعلى القول بالتصويب: يقتضي أنّ يلتزم بعدم جواز النقض؛ لعدم تصور انكشاف الخطأ بالنسبة إلى القائلين بذلك؛ لأن كلّ ما يصل إليه اجتهاد المجتهد فهو الصواب، وتبدل الاجتهاد برأيهم وإن استلزم تبدل الحكم، إلاّ أنّ ذلك من قبيل تبدل الحكم لتبدل موضوعه، لا لانكشاف الخطأ فيه.

وأما على القول بالتخطئة: يرون أنّ لله أحكاماً واقعية يصل إليها المجتهد، وقد لا يصل، وعند انكشاف الخطأ في الاجتهاد الأول يبقى المجتهد مطالباً بالواقع، وكل ما في الأمر: أنّه بإعماله ملكته وعدم تمكنه من الوصول إليه يكون معذوراً من قبل الشارع.

وأما على المصلحة السلوكية: وهي التي تعوض المكلف عما يفوته من المصلحة بسبب سلوك الطريق أو الأمارة التي جعلها الشارع عند عدم الوصول إلى الواقع، ومع الخطأ الاجتهادي وإمكان التدارك يبقى مطالباً بالواقع، إذ لا معنى للتعويض عن شيءٍ مع إمكان الحصول عليه (٩٢).

هذا من حيث القاعدة، والتي تقتضي بعدم جواز النقض على رأي المصوبة، وجوازه على مبنى غيرهم.

أما أدلة الأقوال الثلاثة في هذه المسألة ومناقشتها فهي:

أولاً: أدلة القائلين بعدم النقض مطلقاً:

١ - لزوم العسر والحرج عند القول بالنقض بمقتضى لسان الآية: (وما جعل عليكم في الدين من حرج ( (٩٣) للزوم إعادة جميع الأعمال التي جيء بها بناءً على الاجتهاد الأول، والآية ترفع لزوم النقض؛ لكونه حكماً حرجياً، وهو غير مجعولٍ على المكلفين.

ويرد على هذا الاستدلال: بأنه يتم هذا الدليل لو أريد به الحرج النوعي، والآية في مفاد رفع الحرج الشخصي لا النوعي (٩٤).

٢ - لقد روي عن عمر بن الخطاب: أنّه عرضت عليه في خلافته قضية ميراث: توفيت زوجة عن زوجها وأمها وأخويها لأمها وأخويها الشقيقين، فقضى للزوج بالنصف فرضاً، وللام بالسدس فرضاً، وللأخوين لام بالثلث فرضاً، وللأخوين الشقيقين تعصيباً، فلم يحصل الشقيقان على شيءٍ من التركة؛ لأنه لم يبق لهما شيء.

ثم عرضت عليه بعد سنين قضية مماثلة فأراد أنّ يحكم فيها بمثل ما حكم في سابقها، ولمح أحد الشقيقين فقال له: هب أبانا حجراً، أليست أمنا واحدة؟ .

وإذا بعمر تتغير نظرته إلى المسألة، فقضى الثلث للأخوين لأم، وللأخوين الشقيقين فرضاً على أنّ يتقاسموه فيما بينهم بالسوية، باعتبارهم جميعاً إخوة لأم.

وعندما سئل: إنك قضيت في هذه المسألة بخلاف ما قضيت به سابقاً؟ أجاب: ذلك على ما قضيناه، وهذا على ما نقضي (٩٥).

فهذا الاستدلال لا يتم؛ وذلك لمعارضته بما أثر عن عمر نفسه في كتابه إلى أبي موسى الأشعري قاضيه على الكوفة: ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه إلى رشدك أنّ ترجع إلى الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي على الباطل (٩٦).

مضافاً إلى ذلك أنّ قول الصحابي لا يتم؛ لعدم تمامية الدليل عليه (٩٧).

٣ - دعوى: عدم إمكان ترجيح الاجتهاد الثاني على الاجتهاد الأول بعد ما كان كلّ منهما مستنداً إلى الطرق الشرعية الظنية؛ لكونه بلا مرجح، والترجيح بلا مرجح مستحيل، وبالتالي لا موجب لرفع اليد عن الاجتهاد الأول.

ويرد على هذه الدعوى: أنها إنما تتم إذا كان كلا الاجتهادين حجة، وما توصل إليه المجتهد باجتهاده اللاحق هو يناقض ما انتهي إليه بالاجتهاد الأول، فلا بد أنّ يكون قد ظهر له بطلان الاجتهاد الأول؛ لوجود خللٍ فيه دعاه إلى العدول عنه، وهذا الانكشاف يثبت عدم حجية الأول عنده.

٤ - نسب إلى صاحب الفصول من دعوى: أنّ القضية الواحدة لا تتحمل اجتهادين (٩٨).

ويرد على هذه الدعوى: بأنها غامضة، فإن كان مراده في زمان واحد وكليهما حجة فهذا صحيح، إلاّ أنّ هذا خارج عن الفرض؛ لأننا فرضنا تأخر الثاني عن الأول زماناً، ومع تعدد الأزمان لا تأبى القضية الواحدة عن أكثر من اجتهاد.

وإن أريد بأن القضية الواحدة لا تتحمل اجتهادين من مجتهد واحد مطلقاً فهذا غير صحيح؛ لإمكان أنّ يجتهد المجتهد في القضية الواحدة عدة مرات كما تشهد بذلك البداهة، وما أكثر ما تتبدل آراء المجتهدين في المسألة الواحدة.

أما قولهم: إنّ ذلك يؤدي إلى التناقض - كما حدث للشافعي، حيث إنه نقل عنه في سبع عشرة مسألة بقولين مختلفين - فالأمر سهل: إنّ كان تاريخ القولين معلوماً

فالقول الثاني ناسخ للأول وإن لم يكن تاريخ القولين معلوماً فينبغي نسبة أحد القولين إلى المجتهد واعتبار القول الآخر مرجوعاً عنه، ولكنه لا يصح العمل بأحد القولين قبل تبين الأمر؛ لاحتمال أنّ يكون ما عمل به هو المرجوع عنه (٩٩).

ولا يعقل أنّ يرى المجتهد أنّ عدة المطلقة من ذوات القروء ثلاث حيضات، ويرى للمرأة نفسها في الوقت نفسه أنّه ثلاثة أطهار!.

وقال العضدي: (لا يجوز أنّ يكون لمجتهد في مسألة قولان متناقضان في وقت واحد بالنسبة إلى شخص واحد، لأن دليلهما إنّ تعاد لا توقف، وإن ترجح أحدهما فهو قوله، ويتعين، وأما في وقتين فجائز؛ لجواز تغير الاجتهاد) (١٠٠).

ثانياً: أدلة التفصيل بين العمل والفتوى وبين الحكم:

هناك فرق بين الحاكم أو القاضي والمفتي وهو: أنّ الحاكم أو القاضي أو المفتي كلّ مشترك في وجوب إظهار الحكم في الواقعة، ويتميز الأول بالإلزام، بخلاف المفتي، فإن فتواه غير ملزمة (١٠١). وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص لا يتعدي إلى غير المحكومم عليه وله، والمفتي يفتي حكماً عاماً كلياً، والقاضي يقضي قضاءً معيناً على شخصٍ معينٍ، فقضاؤه خاص ملزم، وفتوى العالم عامة غير ملزمة، فكلاهما أجره عظيم وخطره كبير.

وهناك فرق آخر: فالمجتهد لنفسه إذا رأى حكماً معيناً ثم تغير ظنه لزمه أنّ ينقض اجتهاده وما ترتب عليه، وإذا كان المجتهد حاكماً فقضى في واقعة بما اجتهد ثم تغير اجتهاده في واقعة مماثلة: فإن كان حكمه مخالفاً لدليلٍ قاطعٍ: من نصٍ أو إجماعٍ أو قياس جلي فينقض اجتهاده وما ترتب عليه، وإذا كان المجتهد حاكماً فقضى في واقعةٍ بما اجتهد ثم تغير اجتهاده في وقاعة مماثلة: فغن كان حكمه مخالفاً لدليلٍ قاطع: من نص أو إجماع أو قياس جلي فينقض بالاتفاق بين العلماء، سواء من قبل الحاكم أو من أي مجتهد آخر لمخالفته الدليل. أما إذا كان حكمه مخالفاً لدليل ظني من نص أو غيره فلا ينقض ما حكم به بالظن؛ لتساويهما في الرتبة (١٠٢).

وزاد الغزالي حيث قال: (وكذلك إذا تنبهنا لأمر معقول في تحقيق مناط الحكم أو تنقيحه بحيث يعلم أنّه لو تنبه له لعلم قطعاً بطلان حكمه فينقض الحكم) (١٠٣)

واستدل الغزالي أيضاً على عدم جواز النقض في الحكم بقوله: (ولو حكم بصحة النكاح حاكم بعد أنّ خالع الزوج ثلاثاً ثم تغير اجتهاده لم يفرق بين الزوجين، ولم ينقض اجتهاده السابق بصحة النكاح لمصلحة الحكم، فإنه لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد لنقض النقض أيضاً ولتسلسل) (١٠٤).

ويرد على ذلك:

١ - إنّ امتناع التسلسل إنّما يتم إذا تمت الملازمة بينهما وكانت وقاعة في سلسلة العلل والمعلولات، لكنها هنا غير تامة؛ لبداهة أنّ فعلية نقض الأول لا تستلزم فعلية نقض النقض؛ لجواز أنّ يثبت عليه المجتهد، أي: النقض إلى الأخير.

ورد هذا الإشكال؛ لا لتزامه بجواز النقض في مقام الإفتاء. يقول الغزالي: (أما إذا نكح المقلد بفتوى مضت وأمسك زوجته بعد دور الطلاق وقد نجز الطلاق بعد الدور ثم تغير اجتهاد المفتي فهل على المقلد تسريح زوجته؟ هذا ربما يتردد فيه، والصحيح: أنّه يجب تسريحها كما لو تغير اجتهاد مقلد عن القبلة أثناء الصلاة) (١٠٥).

مع أنّ لزوم التسلسل فيه واضح؛ لجواز أنّ يقال: لو نقض الاجتهاد بالاجتهاد لنقض النقض أيضاً ولتسلسل (١٠٦).

ثالثاً: التفصيل بين الأحكام التكليفية والوضعية:

وهو الذي ذهب إليه المحقق النائيني رحمه الله: فقد فرق فيما يبقى له أثر بعد انكشاف الخطأ بالاجتهاد الثاني بين الأحكام وغيرها - كالأحكام الوضعية - فالتزم بالإجزاء، وعدم النقض بالنسبة إلى العبادات، والنقض بالنسبة إلى غيرها (١٠٧).

وجعل الفارق بينهما: قيام الإجماع على الأول دون الثاني. وناقش هذا القول المرحوم المحقق الكاظمي بقوله:

١ - نكران هذا الإجماع، إذ لم يعثر على مدع له سوى الشيخ نفسه.

٢ - ومع فرض تحققه فربما يشكل التمسك به من جهة احتمال كون الإجماع في المقام تقيدياً؛ لذهاب جملة إلى أنّ القاعدة تقتضي الإجزاء ومع هذا لا عبرة بهذا الإجماع.

٣ - ولو تنزلنا وقلنا بكفاية الإجماع فينتقل الكلام على مقدار دلالة هذا الإجماع، ولعل المتيقن من هذا هو: سقوط الإعادة والقضاء (١٠٨).

ولذا فمن الواضح أنّ تفصيل النائيني لا يمكن الالتزام به، ورفع اليد عن القاعدة مع تمامية الإجماع (١٠٩).

الاجتهاد مع عدم إعمال الملكة:

اختلف الفقهاء في جواز رجوع المجتهد إلى غيره لا لتماس فتواه، أو يكون ملزماً في اجتهاده والعمل برأيه في كلّ ما يحتاج إليه أم لا؟ .

فقد حكى الآمدي الاتفاق على ذلك؛ لأن المجتهد يجب عليه العمل بما ظنه حكم الشرع باجتهاده، ولا يجوز له التقليد مع الاجتهاد إجماعا (١١٠). فلو فعل خلاف

ما أوجب عليه خالف الطريق المرسوم له شرعاً (١١١).

وقد حكى ابن بدران: إجماع الأئمة الأربعة على نقض من حكم تقليداً لغيره، مخالفاً بذلك اجتهاده (١١٢).

وقد حرر الآمدي أيضاً في أحكامه هذا الاختلاف وعرضه بقوله: وإن لم يكن قد اجتهد فيها فقد اختلفوا فيه:

١ - قال أبو علي الجبائي: الذي لا يسوغ الرجوع لغير الصحابي الأولى له أنّ يجتهد، وإن لم يجتهد وترك الأولى جاز له تقليد الواحد من الصحابة إذا كان مترجحاً في نظره على غيره ممن خالفه، وإن استووا في نظرهم يخير في تقليد من شاء منهم، ولا يجوز له تقليد من عداهم. وبه قال الشافعي في رسالته القديمة.

وهناك قول لبعضهم بجواز تقليد الواحد من الصحابة والتابعين دون من عداهم.

واعتمدوا كذلك على ما روي عن عمر بن الخطاب: أنّه لقى رجلاً فقال: ما صنعت؟ فقال: قضى علي وزيد بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه - صلى الله عليه وآله - لفعلت، ولكني أردك إلى رأي، والرأي مشترك، فلم ينقض ما قاله علي وزيد مع مخالفته لها في حكمهما (١١٣).

ولكنهم استثنوا مسألة ما إذا كان مجتهداً لنفسه ورأى حكماً معيناً ثم تغير اجتهاده، ففي هذه الحالة يلزمه أنّ ينقض اجتهاده وما ترتب عليه. مثاله: ما لو تزوج مجتهد امرأة بلا ولي عند ظنه صحته ثم تغير اجتهاده فرآه غير جائز فقد اختلف فيه، والمختار: تحريمه مطلقاً؛ لأنه مستديم لما يعتقده حراماً.

وقيل: إنّما يحرم إذا لم يتصل به حكم حاكم، فإذا اتصل به لم يحرم، و إلاّ لزم نقض الحكم بالاجتهاد (١١٤).

وعقب محمّد أمين صاحب "تيسير التحرير" على هذا المثال بقوله: (إنّ عدم نقض الحكم مسلم، لكن لا يلزم منه الحل فيما بينه وبين الله تعالى) (١١٥).

أما لو حكم المجتهد بخلاف اجتهاده ناسياً فلا إثم عليه، ولا ينتقض اجتهاده. وذكر ذلك ابن بدران وحكاه عن أبي حنيفة وقال أبو يوسف والمالكية والشافعية: يرجع عنه وينقض (١١٦).

ويلفت الغزالي نظر الأصوليين إلى مسألة دقيقة ولطيفة ويقول: (إننا لا نعرف يقيناً أنّ المجتهد قد حكم في قضية بخلاف رأيه، أو أنّه قلد غيره، بل يجوز أنّه حكم باجتهاده الثاني وقد وافق اجتهاده مجتهداً آخر) (١١٧).

٢ - فصل محمّد بن الحسن بين الأعلم وغيره: وقال: (يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه، ولا يقلد من هو مثله أو دونه، وسواء كان من الصحابة أو غيرهم).

وقال ابن سريح: (يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه الاجتهاد).

وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري: (يجوز تقليد العالم للعالم مطلقاً).

وقد نقل عن أبي حنيفة روايتان (١١٨). في ذلك:

إحداهما: انه لا ينفذ. وبه أخذ شمس الأئمة والأورجندي.

والثانية: أنّه ينفذ. وبه أخذ الشهيد الصدر رحمه الله (١١٩). وأبو بكر محمّد بن الفضل، وظهير الدين المرغيناني. وفي الفصول العمادية: وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة (١٢٠).

٣ - يوجد تفصيل لأعلام العراق بجواز تقليد العالم فيما يفتي به وفيما يخصه، ومنهم: من قال بجواز ذلك فيما يخصه دون ما يفتي به، ومن هؤلاء: من خصص ذلك بما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد.

٤ - وذهب القاضي أبو بكر وأكثر الفقهاء إلى منع تقليد العالم للعالم، سواء كان أعلم منه أو لم يكن، واختار الآمدي هذا القول الأخير، كما أنّ الغزالي عبر عنه بالأظهر.

أما مالك فإنه يرى: إنّ كان لم يجتهد فلا يجوز له التقليد (١٢١).

والذي يترجح من بين هذه الأقوال هو: بما أنّ المجتهد أمين على شرع الله فلن يخالف حكمه اجتهاده، وعدم جواز رجوع المجتهد الذي لم يعمل ملكته إلى الغير مطلقاً. وضرورة العمل برأيه والدليل على ذلك هو: عدم الدليل على جواز التقليد؛ لأن جميع أدلة التقليد آيات وأحاديث وبناء عقلاء وحكم عقل إنّما وردت في رجوع الجاهل إلى العالم.

وإن حصل هذا الأمر وهو ذاكر غير ناس فينبغي أنّ ينقض حكمه ويستتاب، سداً لذريعة التلاعب في أحكام الله تعالى، وصاحب الملكة الاجتهادية القادر على إعمال ملكته لا يصدق عليه أنّه جاهل ليصح رجوعه إلى الغير، فهو خارج تخصصاً عن موضوع هذه الأدلة (١٢٢).

١ - الفكر القانوني الإسلامي للأستاذ فتحي عثمان: ٣٦٠.

٢ - عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد: ٦.

٣ - الأصول العامة للفقه المقارن: ٥٩٩.

٤ - خلاصة التشريع الإسلامي: ٣٤١.

٥ - خلاصة التشريع الإسلامي: ٣٤١.

٦ - في ميدان الاجتهاد للشيخ الصعيدي: ٩.

٧ - الأصول العامة للفقه المقارن لمحمد تقي الحكيم: ٦٠٠.

٨ - مقدمة كتاب فرائد الأصول لمحمد الشهابي: ٢١٧.

٩ - رسالة الإسلام ٣: ٣٥٠، مقالة للشيخ المراغي.

١٠ - اقتصادنا للسيد الشهيد الصدر (رض): ٣٨٠.

١١ - الفتاوى الكبرى لابن تيمية ١: ٤٠٩.

١٢ - الفكر القانوني الإسلامي للأستاذ فتحي عثمان: ٣٦٠.

١٣ - الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر للدكتور موسى توانا: ٣٠٨.

١٤ - خاطرات جمال الدين الأفغاني لمحمد باشا الخوارزمي: ١٧٧.

١٥ - إيقاظ الوسنان في العمل بالسنة والقرآن: ٦٧.

١٦ - ما لا يحوز فيه الخلاف: ٩٠ - ١٣٢.

١٧ - الملحق برسالة عن الطوفي والتشريع للدكتور مصطفى زيد: ٣٦.

١٨ - رسالة القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد لمحمد علي الشوكاني: ١٧.

١٩ - في ميدان الاجتهاد للشيخ الصعيدي: ٩.

٢٠ - معجم الأدباء ١٥: ٥٤، ط ٢١.

٢١ - ظهر الإسلام لأحمد أمين ٢: ٧.

٢٢ - إرشاد الفحول للشوكاني: ٢٢٣ عن كتاب البحر المحيط للزركشي.

٢٣ - مغني المحتاج للخطيب ٤: ٣٧٧.

٢٤ - مغني المحتاج للخطيب ٤: ٣٧٧.

٢٥ - مغني المحتاج للخطيب ٤: ٣٧٧.

٢٦ - الملل والنحل للشهرستاني ١: ١٩٩.

٢٧ - المنخول للغزالي: ٤٦٢.

٢٨ - شرح مختصر ابن الحاجب في باب القضاء.

٢٩ - الرد على من أخلد إلى الأرض: ٢٤.

٣٠ - الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة النمر: ١٣٠.

٣١ - المصدر السابق: ١٤٨ وكذلك الشيخ التسخيري.

٣٢ - اقتصادنا للسيد الشهيد الصدر (قدس سره): ٣٨٠.

٣٣ - شرح البدخشي ٢: ٢٠٢، ومختصر ابن الحاجب مع شرحه ٢: ٢٩٤، والتحرير لابن الهمام مع التيسير لمحمد أمين ٤: ٢٠٢، وروضة الناظر شرحها: ٤١٤، وشرح الأسنوي مع البدخشي ٢: ٢٠٢، وعقد الجيد للدهلوي: ٣٤، وكشف الأسرار شرح المنار مع قمر الأقمار على نور الأنوار ٢: ١٧٠، والموافقات للشاطبي مع تعليق الشيخ دراز ٤: ١٢٤.

٣٤ - فوائد الأصول للكاظمي ١: ١٤٢، والأصول العامة للفقه المقارن: ٦٢٣، ونهاية الأصول: ٣٤٦، المبحث الثاني.

٣٥ - الأصول العامة للفقه المقارن: ٦٢٣.

٣٦ - الرسالة: ٤٨٨.

٣٧ - كشف الأسرار، شرح أصول البزدوي ٤: ١١٣٨.

٣٨ - شرح تنقيح الفصول: ٤٨٦.

٣٩ - الموافقات ٤: ١٢٤.

٤٠ - روضة الناظر مع شرحها: ٤١٤.

٤١ - المدخل إلى مذهب أحمد: ١٩٣.

٤٢ - طلعة الشمس للسالمي الإباضي ٢: ٢٧٩.

٤٣ - كشف الأسرار شرح أصول البزدوي ٤: ١١٣٨.

٤٤ - راجع روضة الناظر مع نزهة الخاطر ٢: ٤٣٠، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي ٤: ١١٣٨، المستصفى ٢: ٣٦٣.

٤٥ - قمر الأقمار على شرح المنار لعبد الحليم المكنوي ٢: ١٧١، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي ٤: ١١٣٨.

٤٦ - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤: ١٨٣.

٤٧ - كشف الأسرار ٤: ١١٣٨، المستصفى ٢: ٣٦٤، شرح تنقيح الفصول: ٤٣٨، التحرير مع التيسير ٤: ٢٠٢، روضة الناظر مع نزهة الخاطر ٢: ٣٤١.

٤٨ - كشف الأسرار مع أصول البزدوي ٤: ١١٣٨، المستصفى ٢: ٣٦٥، روضة الناظر ٢: ٤٣٠، كشف الأسرار على المنار ٢: ١٧٢.

٤٩ - كشف الأسرار شرح أصول البزدوي ٤: ١١٣٩.

٥٠ - المستصفى ٢: ٣٦١، الإحكام للآمدي ٤: ١٨٢، شرح طلعة الشمس للسالمي الإباضي ٢: ٢٨٠.

٥١ - تهذيب الوصول إلى علم الأصول ط إيران

٥٢ - فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ٢: ٣٨٠.

٥٣ - المستصفى ٢: ٣٦٣.

٥٤ - كشف الأسرار شرح المنار للنسفي ٢: ١٧٠.

٥٥ - فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ٢: ٣٨٠.

٥٦ - المصادر السابقة، وكشف الأسرار شرح أصول البزدوي ٤: ١١٣٨.

٥٧ - جمع الجوامع وشروحه وحواشيه ٢: ٤٠٧.

(*) هو حسن بن يوسف بن مطهر الحلي العراقي الشيعي، المكنى بأبي منصور، الملقب بجمال الدين، كان شيخ الطائفة في عصره، منسوب إلى الحلة وهي بلدة في وسط العراق جنوب غرب بغداد، له مصنفات كثيرة تقرب من التسعين معظمها مخطوط، توفي سنة (٧٢٦ هـ).

٥٨ - عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد مع رسالة الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف للدهلوي: ٣٤.

٥٩ - الإحكام للآمدي ٤: ١١٣٨.

٦٠ - كشف الأسرار شرح أصول البزدوي ٤: ١١٣٨، المستصفى ٢: ٣٧٥.

٦١ - أصول البزدوي مع شرحها ٤: ١١٣٨، المستصفى ٢: ٣٧٥، كشف الأسرار مع المنار للنسفي ٢: ١٧٠.

٦٢ - المستصفى ٢: ١٧٠.

٦٣ - شرح تنقيح الفصول: ٤٤٠، كشف الأسرار شرح المنار للنسفي ٢: ١٧٠.

٦٤ - الأصول العامة للفقه المقارن: ٦٣١.

٦٥ - الأصول العامة للفقه المقارن: ٦٢١ بتصرف.

٦٦ - كشف الأسرار لشرح أصول البزدوي ٤: ١١٣٨، المستصفى ٢: ٣٦٣.

٦٧ - المستصفى ٢: ١٠٩.

٦٨ - الأصول العامة للفقه المقارن، محمّد تقي الحكيم: ٦٢٤.

٦٩ - فرائد الأصول ١: ١٤٢، أصول الفقه للخضري: ٣٦٥، نهاية الأصول للعلامة: ٣٤٦ المبحث الثاني.

٧٠ - فوائد الأصول: ٣٧٤.

٧١ - الرسائل: حجية الظن، ونهاية الأفكار للشيخ العراقي: ج ٣ بحث الاجتهاد.

٧٢ - أصول المظفر ٢: ٣٦، وانظر القوانين المحكمة للمحقق القمي.

٧٣ - الدراسات: ٦٨، وبدائع الأفكار للميرزا حبيب الله الرشتي: ٤٢٥.

٧٤ - الأصول العامة للفقه المقارن: ٦٢٦.

٧٥ - أصول الفقه: ٤١٤.

٧٦ - جامع الأصول ١٠: ٥٤٨، مجمع الزوائد ٤: ١٩٥، مجمع الفوائد ١: ٦٨٣ باختلاف يسير.

٧٧ - إرشاد الفحول: ٢٦١.

٧٨ - الأنبياء: ٧٨ - ٧٩.

٧٩ - الميزان: ١٤: ٢١٦، الرازي ٢٢: ١٩٨، الإحكام للآمدي ٤: ١٨٤.

٨٠ - الميزان ١٤: ٢١٦، الجصاص ٣: ٢٢٤.

٨١ - الميزان ١٤: ٢١٦، الرازي ٢٢: ١٩٨، وكشف الأسرار للبزدوي ٤: ١١٤٢.

٨٢ - النساء: ٨٣.

٨٣ - التفسير الكبير للفخر الرازي ١٠: ١٩٩ - ٢٠٣، الإحكام للآمدي ٤: ١٨٤.

٨٤ - المصدر السابق.

٨٥ - رواه الحاكم في المستدرك ٤: ٨٨، وأخرجه الشافعي في الام ١: ٢٠٣، والرسالة: ٤٩٤، وأبو داود في سننه ٣: ٢٣٠٧، ومسلم في صحيحه ٣: ١٢٢، والبخاري ٤: ٢٦٨.

٨٦ - كشف الأسرار على أصول البزدوي ٤: ١٤٢، الإحكام للآمدي ٤: ١٨٥.

٨٧ - الأنبياء: ٧٩.

٨٨ - الإحكام للآمدي ٤: ١٩٢، التفسير الكبير ٢٢: ١٩٩.

٨٩ - رواه البيهقي ١: ١٣٢.

٩٠ - الإحكام للآمدي ٤: ١٩٣.

٩١ - المصدر السابق ٤: ١٩٥.

٩٢ - الأصول العامة للفقه المقارن: ٥٨٤.

٩٣ - الحج: ٧٨.

٩٤ - الأصول العامة للفقه المقارن: ٦٣٠ بتصرف.

٩٥ - الأشباه والنظائر للسيوطي: ١٠٤، اعلام الموقعين ١: ١١١، سلم الوصول: ٣٤٣.

٩٦ - المصادر السابقة.

٩٧ - الأصول العامة للفقه المقارن: ٦٣٥.

٩٨ - فوائد الأصول للكاظمي ١: ١٤٥، أجود التقريرات للسيد الخوئي (ره) ١: ٢٠٥، وإشارات الأصول للكلباسي (مخطوط).

٩٩ - المستصفى للغزالي ٢: ١٢٠، الآمدي ٣: ١٥٧، مسلم الثبوت ٢: ٢٤٤، إرشاد الفحول: ٢٣٢.

١٠٠ - شرح عضد الدين على مختصر ابن الحاجب ٢: ٢٩٩.

١٠١ - بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية ٤: ٢٢، اعلام الموقعين ١: ٣٧.

١٠٢ - إرشاد الفحول: ٢٣٢، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤: ٢٠٣، الاشباه والنظائر: ١٠٩، المستصفى للغزالي ٢: ٣٨٣، مسلم الثبوت ٢: ٢٩٥.

١٠٣ - المستصفى ٢: ٣٨٢، فواتح الرحموت بذيل المستصفى ٢: ٣٩٥، مختصر ابن الحاجب ٢: ٣٠٠، الإحكام للآمدي ٤: ٢٠٣.

١٠٤ - المستصفى ٢: ١٢٠.

١٠٥ - المستصفى ٢: ٣٥٤.

١٠٦ - الأصول العامة للفقه المقارن: ٦٣٤.

١٠٧ - الأصول العامة للفقه المقارن: ٦٢٩، مسلم الوصول: ٣٤٣.

١٠٨ - فوائد الأصول ١: ١٤٦. ومفاتيح الأصول للسيد المجاهد محمّد الطباطبائي: ٥٩٧.

١٠٩ - الاجتهاد لمحمد بحر العلوم: ٢٢١.

١١٠ - مختصر ابن الحاجب ٢: ٣٠٠، مسلم الثبوت ٢: ٣٩٥، الإحكام ٤: ٢٠٢، التحرير وشرحه ٤: ٢٣٤.

١١١ - المدخل إلى مذهب أحمد: ١٩٠.

١١٢ - المصدر السابق.

١١٣ - اعلام الموقعين ١: ٦٥.

١١٤ - مختصرابن الحاجب مع شرح العضد ٢: ٣٠٠.

١١٥ - تيسير التحرير ٢: ٢٣٤.

١١٦ - المدخل إلى مذهب أحمد: ١٩٠.

١١٧ - المستصفى ٢: ٣٨٣.

١١٨ - مسلم الثبوت في الحاشية، التعليقة على رأي أبي حنيفة ٢: ٣٩٥.

١١٩ - الاجتهاد لمحمد بحر العلوم: ١٩٣.

١٢٠ - المصدر السابق.

١٢١ - الإحكام للآمدي ٤: ١٧٧، المستصفى ٢: ١٢١، شرح التنقيح: ١٩٧، مسلم الثبوت ٢: ٣٤٢.

١٢٢ - الاجتهاد لمحمد بحر العلوم: ١٩٣، وهداية المسترشدين شرح معالم الدين للأصفهاني: ٤٧٩.



[ Web design by Abadis ]