ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حول بطاقات الائتمان و تكييفها الشرعي \ سماحة الشيخ محمّد علي التسخيري

تقرير عن أوراق العمل المقدمة إلى مجمع الفقه الإسلامي - الدورة الثامنة - حول بطاقات الائتمان وتكييفها الشرعي.

أهم ما كتب في الموضوع في هذه الدورة أوراق أربع هي:

١ - ورقة سماحة آية الله المؤمن.

٢ - ورقة سماحة الشيخ حسن الجواهري.

٣ - ورقة الدكتور القري.

٤ - ورقة الدكتور محمّد عبد الحليم عمر.

وسالخص أهم ما جاء فيها، مع إبداء بعض النظر فيها، مذكراً بأنه لم تتح الفرصة الكافية لدراسة كلّ ما جاء في ورقة الدكتور محمّد عبد الحليم عمر.

وقبل كلّ شيءٍ نوضح: أنّ بطاقات الائتمان تشكل المرحلة الأخيرة من مراحل التطور في الأدوات المالية، فبعد عصر المقايضة جاء عصر التقييم وفق بعض السلع، ثم التقييم وفق المعادن الثابتة، ثم التقييم بالذهب والفضة، ثم تم تداول الأوراق النقدية. ويمكن اعتبار بطاقات الائتمان آخر تحول هذا المجال وهو يترك آثاره في توسيع الائتمان إلى حدٍ كبير.

أنواع البطاقات:

١ - بطاقة الائتمان المعطاة برصيد: وهي ترتبط بوجود رصيدٍ لحاملها، ولذلك فهي بمنزلة الصك.

٢ - بطاقة الائتمان العادية: وهي ترتبط برصيد لحاملها، ويلتزم الحامل بتسديد مبلغ الفاتورة [١] من خلال مدة أقصاها ثلاثون يوماً، وإلا تمت ملاحقته قضائياً. وأشهر أنواعها "أمريكان إكسبرس".

٣ - بطاقة الائتمان القرضية: وهي أكثرها انتشاراً، وتمتاز بأن حاملها لا يجب عليه الدفع خلال مدة، بل يمكنه جعل المبلغ بذمته ودفع فوائد التأخير. وأشهر أنواعها "الويزا والماستركارد" [٢].

وقد أشار الشيخ المؤمن والشيخ الجواهري إلى صيغ أكثر تفريعاً وتعقيداً نسبياً.

فمن ناحية المصدر نجده: تارة بوقع عقداً مع شركة أو شخص خاص نسميه "التاجر"، وأخرى يصل الأمر بالمصدر إلى حد من الشهرة بحيث لا يحتاج إلى مثل هذا العقد.

كما أنّ المصدر قد يقوم بتوقيع عقد مع بنك أو جهة أخرى حقيقية أو حقوقية تتعهد بأداء مبلغ الفاتورة، ثم تعود على المصدر بالمبلغ.

وقد تبلغ شهرة المصدر حداً تجعل البنوك الأخرى تقدم على هذا دونما حدوث عقد بينها وبين المصدر، ثقة منها بأنها ستعود على المصدر بما دفعته للتاجر، كما أنّ ما يأخذه المصدر من الحامل: تارة يكون نفس قيمة الفاتورة، وأخرى يزيد عليه بنسبة معينة ربما كانت تتراوح بمقدار المدة المسموح بها للدفع، فإذا أخر بعدها أخذ نسبة إضافية.

كما أنّ إصدار البطاقة لمن يريدها: قد يكون مجاناً، وقد يكون في قبال رسوم سنوية، وقد يكون ببيعها ممن يرغب فيها. كما أنّ ذلك قد يشترط بفتح حساب لدى المصدر، وأخرى لا يشترط ذلك.

ثم إنّ البطاقات قد توجب الدفع خلال شهر واحد من الاستفادة منها، وأخرى لا توجبه ولا تحدد الدفع الفوري، فإذا دفع فوراً فهو، وإلا وضعت عليه فوائد مباشرة. كما أنّ البطاقات قد توجب الدفع الفوري خلال مدةٍ، أو تقسط دفع المبلغ إلى آجال متعددة.

وهناك بطاقات تقسم حسب ما تمتاز به، فمنها: ذهبية، وأخرى ماسية، وثالثة خضراء.

فوائد البطاقة:

وقد ذكرت في البحوث الثلاثة على اختلاف في الإجمال والتفصيل، وشملت

فوائد: للمصدر والحامل والتاجر، وربما للمجتمع والاقتصاد.

أما المصدر: فيحصل على رسوم إصدار البطاقة، وتجديدها وتبديلها، والتجديد المبكر، وعلى نسبة من ثمن السلعة أو الخدمة يستوفيها من التاجر، وربما من الحامل أيضاً، وعلى فرق سعر العملة الأجنبية إنّ سدد بها. وربما أخذ أجرة على وفاء الدين خارج البلد، وكذلك على غرامات التأخير، وكذلك يحصل على نسبة من الثمن في مقابل استخدام نظام "تحويلة الألكتروني". وربما أخذ "عمولة" على دفعه النقود لبطاقة ائتمان تصدرها شركة الخدمات الائتمانية "الفيزا". وربما أمكن تصور حوض من السيولة لديه بسبب تدفق المدفوعات قبل التسديد، كما يمكن تصور دخول أخرى "كعمولة الحجوزات" وغيرها.

وأما حامل البطاقة: فتشكل لديه وسيلة دفع جاهزة وآمنة تمكنه من الشراء في آية ظروف جاهزة، كما تيسر له الدفع بأية عملة كانت، فيستريح من مسألة دخول العملات وخروجها إلى البلاد التي تفرض قيوداً على ذلك. كما أنها تحمل معها وسائل المحاسبة، بل قد يلتزم التاجر بتخفيض ثمن السلعة أو تقسيطها له. وبعض البطاقات تمنح صاحبها التأمين على الحياة، وحدوداً ائتمانية عالية، وخدمات دولية: كأولية الحجز في مختلف الأماكن، وبعضها يدفع جوائز وهدايا، وضياعها لا يوجب إلاّ مسؤولية محدودة، كما ذكرت المباهات فائدة لذلك، وكذلك موضوع توزيع الدخل بشكل منظم.

وأخيراً تقدم البطاقة الحماية في حال كون السلعة غير مستوفية للشروط المطلوبة.

وأما التاجر: فيستفيد من الحوافز التي توجدها البطاقة لدى الحاملين، وربما أضاف العمولة التي يدفعها للمصدر إلى قيمة الفاتورة، بل والى كلّ القيم حتّى التي تدفع نقداً، التزاماً بالقانون الذي لا يمكن من جعل سعرين للسلعة. ثم إنّ التقسيط عن طريق البطاقة يتفوق على التقسيط من التاجر مباشرة، كما أنّه قد يستفيد من حملات الدعاية التي ينظمها المصدرون، وكذلك يستقطب عملاء جدداً وبنوعية ممتازة، وكما يسلم من مخاطر الاحتفاظ بمبالغ نقدية كبيرة لديه، وغير ذلك.

أما الآثار الاجتماعية فهي: إيجابية وسلبية، ومنها:

أـ توسع السوق، وزيادة حجم الطلب على السلع والخدمات مما يزيد - في نظر الاقتصاديين - معدل النمو الاقتصادي. وأثره السلبي هو: تقليل معدل الادخار، وتراكم الديون، وأضيف إليه موضوع اتساع الطلب الكاذب غير المنسق مع الدخيل، والإسراف كما هو طبيعي.

ب - تقليل التعامل بالنقود، وتوفير قدر أكبر من الأمان للأفراد.

ج - ويؤدي انتشارها إلى تحول الائتمان الخاص ببيع السلع والخدمات من الشركات المنتجة إلى البنوك، وهو يستتبع نمو القطاع المالي، واتجاه الأرباح نحو النشاطات المالية دون الإنتاجية، هو منحى سلبي كما أعتقد.

د - يؤدي إلى زيادة حجم السيولة في الاقتصاد من خلال زيادته قدرة المؤسسات المالية المصدرة على خلق الائتمان بدون حدود تقريباً.

أنواع التكييف أو التخريج الفقهي لهذه العملية:

جاءت في البحوث الثلاثة تكييفات فقهية أمر عليها مع بعض التعليق، مؤكداً على أنّ أهم إشكال يورد على نفس العملية يتلخص في إشكال الخصم الذي يجريه المصدر على القسيمة المقدمة إليه من التاجر أو مقدم الخدمة، ولذلك فسوف أجعله آخر حديثي بعد ان أمر على نقاط الإشكال الأخرى المطروحة:

منها: موضوع رسم الاشتراك، أو العضوية والتجديد المبكر، والتبديل: فقد أشكل عليه بأنه لا يعلم أنّ دفعه يتم مقابل أي شيءٍ؟ كما يقول الدكتور "القري"، فإن كان لمجرد العضوية وحصوله على القدرة والمباهاة فهو كما يبدو أكل للمال بالباطل. وإن كان في قبال عدد المرات التي يتمتع فيها بالائتمان ففي العقد جهالة أو غرر.

وجوابه واضح في البحثين الأخرين: فالشيخ الجواهري يؤكد على أنّه أجر على

عمل أو منفعة يؤديها المصدر تمكنه من القيام بهذه العملية النافعة.

ويطرح الشيخ المؤمن الموضوع بشكل أعمق، مناقشاً مسألة الالتزام المتحقق نتيجة دخول الطرفين (المصدر والحامل) في هذه العملية قائلاً: بأنه قد يتوهم أنّه من مصاديق عقد الحوالة، ولكنه مردود: بأن عقد الحوالة يتم عند إنشائها، ولا إنشاء لها في هذه المرحلة، بل قد لا تستعمل البطاقة مطلقاً. ويرى: أنّه عقد قائم برأسه عقلائي تشمله عمومات الأدلة المصححة: كـ (أوفوا بالعقود ( [٣]، والعقدية هنا متوفرة بعد ارتباط قرارين، بل قد تنطبق عليه أدلة العناوين الخاصة، إذ أنّ تعهد كلّ منهما بما إليه أمره هو تعاقد عقلائي، كما رد شبهتين تنالان موضوع شمول العمومات للمورد:

إحداهما: مسألة اقتصار صحة العقود على التي كانت معروفة في زمان صدور الآية المباركة.

والأخرى: شبهة الغرر التي أشار إليها الدكتور "القري". وذكر المؤمن: أنّ دليل المنع من الغرر - رغم ثبوته وعمومه لكل المعاملات - لا يرادف الجهل، وإنما يستبطن الخطر، فحديث الغرر إنّما يخصص عموم الآية في الموارد الحظرية فقط، وموردنا ليس منها بعد تحديد المستوى الأعلى والشروط وأمثال ذلك.

وهذا جواب متين يقوى التصديق به إذا لا حظنا أنّ أنماطاً من الجهل بمصير أي عقد متوفر في كثير من العقود الصحيحة: كالمساقاة والمزارعة والمضاربة والشركة. وكذلك إذا لاحظنا عقد الحراسة وأمثاله مما لا يعلم بالدقة مدى الجهد المبذول فيه، وإن كنت أرى أنّ الغررية عموماً تلازم الخديعة، أو تلك التي تفضي إلى نزاع لا ترجيح فيه كما ذكر الشيخ "الزرقا" وطرحه الشيخ "الأنصاري" في "مكاسبه". وربما يظهر من كلام الإمام الخميني - رحمه الله - في كتابه "البيع" على أننا لا نرى جهلاً أصلاً هنا إذا جعلناه في مقابل التمكين إلى مستوى معين.

ومنها: موارد الربا المسلمة كما في فوائد التأخير في الدفع، وهي في الحقيقة مسألة لا تمس صميم موضوع البطاقات، وإنما تعرض عليها من خلال تأخر الحامل في الدفع، فإذا صمم على الدفع في الموعد المحدد فإن موضوعها منتف.

وحينئذٍ وقع البحث في مسألة التوقيع على عقدٍ فيه شرط معلق على التأخير، فهل هو عمل فاسد ومفسد للعقد أم لا؟ وقد تردد الدكتور القري - حفظه الله - في الإجابة؛ لاختلاف الأقوال، في حين أجاب الكاتبان الفاضلان بعدم الغرر إذا كان الحامل قد قرر عدم التأخير، ويعتبر التوقيع على هذا الشرط صورياً ولا يبطل العقد.

ومنها: ما يقوم به بعض المصدرين من تسييل الديون بتحويل ما بذمة الحملة إلى أدوات مالية تعرض للبيع على بنوك أخرى، وقد أشكل الدكتور القري عليه أنّه من باب بيع الدين لغير من هو عليه، وقال: بأنه باب من أبواب بيع الكالئ بالكالئ.

والصحيح أنّ يقال: إنّ هذا الأمر - حتّى لم تم - يعد من العوارض التي يجب أنّ ينتهي عنها المصدرون على أنّ في مسألة بيع الدين لغير من هو عليه بحثاً مفصلاً، ثم إنه لا يدخل تحت باب بيع الكالئ بالكالئ وهو بحث متروك لمحله.

هذا وقد قلنا: إنّ أصل الإشكال في تكييف العلاقة بين الثلاثة بما يحقق إمكانية خصم جزء من ثمن الفاتورة لصالح المصدر، كما يحقق الالتزامات والخصائص الأخرى للبطاقة.

ومن هنا جاءت تكييفات فقهية أشار إلى بعضها الدكتور القري، ولكن بشكل غير مباشر عندما قدم مقترحاته للبدليل، وكذلك تحدث الدكتور عمر عن بعضها، في حين ذكر الشيخ الجواهري مجموعة منها بالتفصيل.

ولم يركز الشيخ المؤمن إلاّ على التكييف الصحيح والمنطبق مع الواقع، وهو تنظيم العلاقة على أساس الحوالة من قبل الحامل للتاجر على المصدر، فلنلاحظ هذا التكييف وتفصيلاته، ثم نستعرض التكييفات الأخرى. ولكن ما هي الإيرادات التي تورد على تكييف الحوالة هذا؟

أوّلاً: قيل: إنّ أحد أطراف الحوالة لم يدخل في العقد وهو المصدر، فلا يعلم رضاه، وربما كان لا يعلم بتفصيلاته وزمانه.

وأجاب الشيخ المؤمن: بأنه وإن كان هناك اختلاف بين الفقهاء في اعتبار رضا المحال عليه إلاّ أنّه حتّى لو قلنا باعتباره - كما هو الأقوى لو كانت على بريء - فإنه أعلن رضاه منذ قبوله بالعضوية.

ثانياً: الإشكال في صحة الحوالة على البريء حتّى مع رضاه وأجاب عن ذلك بأنه المشهور لدى علماء الإمامية، وعقب هو: بأننا لو بقينا والعمومات الشرعية فإنها تصححها باعتبارها عقداً عرفياً، ولم يتعرض لرأي علماء المذاهب الأخرى في الموضوع. قد اعتبر الشيخ المؤمن "الخصم" عمولة يأخذها المصدر لقاء هذه التهسيلات التي يقدمها، ومنها: قبوله للحوالة وأدائها.

وأشكل هو: بأن هذه الأجرة هي عوض عن الوفاء بعقد الحوالة، وهو واجب عليه فكيف يؤخذ عليه أجر؟ .

وأجاب: بأن الأجرة قد جعلت على قبوله لهذه الحوالة، لا على وفائه بها، وقبوله يعود منه نفع على من يعطيها، فتكون حلالاً، وكيفية تسلم المبلغ لا تقلب حقيقة الأمر.

وذكر الشيخ الجواهري: أنّه لو اشترط المصدر على الحامل منذ البدء أنّ لا يحل عليه فله أخذ مبلغ في مقابل قبوله للحوالة من التاجر.

أما إشكال كونها بالنسبة المئوية مع أنّ الخدمات واحدة مما يشير إلى أنها ربوية فهو إشكال يطرحه الشيخ الجواهري، ويجيب عنه: أنّ المال كلما ارتفع حده كان التسهيل به أهم عرفاً، إلاّ أنّ الشيخ الجواهري أخذ يؤكد على أنّ قبول الحوالة ليس مما يقابل بالمال، فمالية قبول الضمان أو الحوالة هي نفس مالية المال المعطى للتاجر، فالعمولة ليست إلاّ بإزاء المال المقترض فهي ربا.

والحقيقة هي: أننا لو لاحظنا مجمل الخدمات والتسهيلات التي يقدمها المصدر - كخدمات التحويل وتسهيل التعامل والخبرة، ومنها أيضاً: مسألة الحوالة برمتها وما

يترتب عليها - لرأينا أن أخذ عمولة عليها لا يعد عرفاً أكلاً للمال بالباطل، ولا يعد في مقابل القرض ليعود ربا.

وهناك توجيه آخر للعمولة ذكره الشيخ المؤمن هنا، وهو: أن الحوالة تعني: نقل الأمر من ذمة الحامل إلى ذمة المصدر كما عليه المشهور، والعمولة هذه - حينئذٍ - تشكل تنزيلاً من التاجر الدائن للمصدر المدين، ولكنه رده بقوله: إنه فرضي لا واقعي، مع أنّه أشكل على مسألة انتقال الدين من ذمةٍ إلى ذمةٍ في الحوالة، وترك تفصيل الكلام إلى محله في بحث الحوالة. هذه خلاصة التكييف الأول.

التكييف الثاني:

وملخصه: أن المصدر أقرض الحامل ثمن السلعة وأخذ من التاجر العمولة، وربما كان ذلك في قبال تسديد المصدر لدين التاجر، لا في قبال القرض المقدم للحامل، فهو يؤخذ - حينئذٍ - حتّى ممن له حساب دائن لدى المصدر.

وقد رده الشيخ الجواهري: بأن الواقع يقرر أن المبلغ مأخوذ في قبال القرض، وإلاّ فإن التاجر لن يقدم على تقديم عمولةٍ لو لم يقدم المصدر على الإقراض، فهو إذن قرض جر نفعاً، وهو محرم.

والحقيقة هي: أن هذا التصوير غير واقعي في نفسه، ولكنه لو تم فلا مانع من أن يتصور التاجر كلّ عمليات التسهيل التي يقدمها المصدر، ويلاحظ منافعه هو ثم يقدم على دفع العمولة.

التكييف الثالث:

إنّ هذه العمولة تؤخذ على تحصيل الثمن من الحامل المدين للتاجل طبعاً، مع ملاحظة أن في العملية تقديماً وتأخيراً اقتضته سهولة دفع المصدر؛ ليكون التزامه منضبطاً، ولا مانع من أخذ أجرة لقاء تحصيل الدين أو توصيله، والمصدر هنا ليس ضامناً للحامل، وضمانه إنما هو لضبط التزاماته، وإذا لم يكن للحامل لدى المصدر حساباً كانت العملية عملية إقراض له دون فائدة.

وقد رده الشيخ الجواهري، ذاكراً بعض التنبيهات على القصد الحقيقي للعملية.

منها: أنّ العمولة إنما تؤخذ عندما يقدم المصدر قرضه للحامل.

ومنها: أنّ المصدر لو لم يتمكن من تحصيل الثمن من الحامل فهل يسترجع خصوص ما دفعه من مبلغ أو أنّه يأخذ كلّ ثمن البضاعة؟ واضح أنّه سيسترجع كلّ المبلغ.

ومنها: أنّ العميل المتأخر في الأداء تؤخذ منه نسبة التأخير، وهي محسوبة في مجال الخصم من الفاتورة مما يوضح ارتباطه بالقرض.

وأرى: أنّ كلّ هذه التنبيهات - وفي بعضها إشكال - لا تمنع من أنّ يكون الخصم للتسهيلات المقدمة من قبل المصدر، لا في قبال القرض في بعض حالاته (وهي: حالة عدم وجود الرصيد) إلاّ أنّ الظاهر أنّ المعمول به في الخارج لا ينسجم مع هذا التكييف، ولو انسجم فلا بأس به.

التكييف الرابع:

إنّ العمولة أجر على قبول البنك لضمان الحامل، فينتقل ما في ذمة الحامل إلى المصدر عند إقراضه الحامل، وقبول هذا الضمان إنّ كان عقداً إرفاقياً للحامل فلا يجوز أخذ نسبة من الثمن، لكنه ليس كذلك بالنسبة للتاجر، فيمكنه أنّ يدفع الأجرة لقاء قبول الضمان.

وقد ناقشه الشيخ الجواهري أيضاً باعتبار أنّ الارتكاز العرفي يرى: أنّ قبول الضمان لا يقابل بمال، بل ماليته هي مالية المال المعطى للتاجر، فلا يصح أخذ الأجرة على هذه العملية. وسبق أننا لم نقبل مثل هذا الاستدلال.

التكييف الخامس:

وملخصه: أنّ ما يأخذه المصدر من ثمن البضاعة هو: أجرة سمسرة، وبطبيعة الحال فهو يقوم بجملة خطوات تسهل العملية وتنفع التجار والعملاء، وقد ذكره الشيخ الجواهري، واشار إليه الشيخ المؤمن، كما تحدث عنه الدكتور عمر، وهو وجه وجيه كما أعتقد.

هذا وقد ذكر تكييف سادس: يركز على كون المصدر هو المشتري الحقيقي ولكنه لما لم ينطبق والحالة الخارجية فلن نتعرض له.

وهكذا نجد: أنّ كلّ الوجوه المذكورة تامة لتصحيح العملية في رأينا وإن لم يتم بعضها في رأي بعض الباحثين الكرام.

بقيت هنا مسائل فرعية نتركها اختصاراً للوقت، إلاّ أنّ من الضروري أنّ نلاحظ أنّ البطاقة إذا كانت مما يسحب بها النقود والعملات من المصارف والشركات والأشخاص فلا محالة هي حوالة عليهم، ولا تصدر إلاّ بعد قبول المحال عليه، والظاهر صحة الحوالة وجواز السحب بها.

وقد ذكر الشيخ المؤمن: أنّه يتصور لبطاقة السحب نوع آخر في هذا المجال، حيث تبلغ شهرة المصدر مبلغاً يعتمد عليه كلّ أحد دونما حاجة إلى عقد الحوالة المذكورة، فإصداره للبطاقة إعلان بإمكان أداء قرض عليه لحامل البطاقة، وعندما يأخذ حامل البطاقة النقود يأخذها على ذمة المصدر، وله أنّ يتصرف فيها ويتملكها باعتبارها أداء لدينه على المصدر (إنّ كان له حساب)، أو باعتبارها قرضاً له، وهذا مما لا بأس به. ولا يجوز للمصدر - حينئذٍ - أخذ شيءٍ زائداً عما أداه لحامل البطاقة، فإنه رباً محض وحرام واضح، ولكن يمكن أنّ تؤخذ عمولة على هذا التسهيل.

هذا وقد اقترح الأستاذ القري بعض الخطوط العامة للوصول للصيغة المشروعة في رأيه، وهي:

١ - أنّ يكون الإصدار من قبل جهة عامة (حكومية مثلا) وذلك لأسباب اقتصادية، ولشبه هذا بإصدار النقود.

٢ - بناء العلاقة بين المصدر والتاجر على أساس الحوالة. فإذا لا حظنا شرط المالكية باشتراط أنّ يكون للمحيل على المحال عليه دين - أي: أنهم يرفضون الحوالة على بريءٍ - وإلا كانت حمالة، والمقتطع هو أجرة الحمالة، وينص في العقد على عدم براءة ذمة المحيل.

٣ - يجب حذف عملية القروض المتجددة، فإذا ما طل العميل يعاقب بإلغاء عضويته، ويهدد بظروف جزائية.

٤ - ويحسن أنّ ينص في عقود الإصدار على أنّه لا يسمح لحاملها ببيع البضاعة إلى نفس البائع، وإلا فهي أداة للعينة [٤]، ولا لسواه؛ لأن ذلك نوع من التورق.

٥ - ويجب تقديم البطاقات دون مقابل. وهنا يجعل المصدر مجرد ضامن، فليس له أخذ الرسوم من الحامل؛ لأن أخذ الأجرة على الضامن باطل.

٦ - ويمكن صياغة العلاقة بين المصدر والحامل ضمن عقد الضمان، فلا يجوز الأجر على الضمان، كما يمكن صياغتها وفق الوكالة، وحينئذٍ يأخذ أجراً على وكالته، ولكن بشكل خصم من فاتورة التاجر.

١ - الفاتورة: هي قسيمة البيع التي يصدرها التاجر أو مقدم الخدمة عند الشراء منه أو تقديم خدمة إلى الحامل.

٢ - الفيزا: "منظمة" تسعى لخدمة البنوك الأعضاء - التي تصدر البطاقة لهم - من الناحية الإدارية والفنية والخدماتية، وتتكون إدارتها من ممثلي البنوك الأعضاء. أن المؤسسات المرتبطة بهذه المنظمة أكثر من ستة ملايين مؤسسة تشمل شركات الطيران والفنادق والمطاعم والمحلات التجارية والنوادي ووكالات تأجير السيارات وغير ذلك.

هذا هو المعنى الاصطلاحي للفيزا ولكن الكلمة الواردة في بحث الشيخ التسخيري هي عبارة عن اسم خاص لنوع من بطاقات الائتمان وهي بطاقة الائتمان الفرضية.

٣ - المائدة: ١.

٤ - والعينة: وهو ما يسمى بعقد المخاطرة ولها صور متعددة منها: أنّ يبيع الرجل سلعته إلى آخر بمائة دينار نقداً ثم يشتريها منه بمائة وعشرين مؤجلة إلى ستة أشهر.



[ Web design by Abadis ]