ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الاجتهاد واثره في الشريعة الإسلاميّة «القسم الثاني» \ الشيخ سامي الغريري

القسم الثاني

مراتب الاجتهاد

إن المتتبع في كتب الأصوليين يرى أن المجتهد: إما أن تكون له فعلية الاستنباط أو ملكته، وعلى كلا التقديرين: إما أن يكون واجداً لملكة الاستنباط بكمالها أو قل: أهلا لاستنباط الأحكام الشرعية جميعها، ويسمى بـ (المجتهد المطلق) أو لبعض مرا تبها، أي: يكون أهلاً لاستنباط أحكام وقائع خاصة، لإحاطته بما يلزم لتلك الوقائع، فيسمى بـ (المجتهد المطلق الفعلي أو الخاص).

قال السيوطي - المتوفى سنة ٩١١ هـ: (لهج كثير من الناس اليوم - أي: في زمنه - بأن المجتهد المطلق فقد من قديم، وأنه لم يوجد من دهر إلاّ المجتهد المقيد، وهذا غلط منهم، وما وقفوا على كلام العلماء، ولا عرفوا الفرق بين المجتهد المستقل، والمجتهد المقيد، والمجتهد المنتسب، وبين كل ما ذكر فرق) [١].

ويفهم من كلامه وكلام ابن الصلاح والنووي: أن مراتب المجتهدين خمس،

وهي من جملتها: إما مستقل أو غير مستقل، وغير المستقل أربعة أقسام، وهذه المراتب هي [٢]:

١ - المجتهد المستقل: وهو الذي استقل بقواعده لنفسه، يبني عليه الفقه خارجاً عن قواعد المذهب المقرر.

قال السيوطي: (وهذا شيء فقد من دهر، بل لو أراده الإنسان اليوم لامتنع عليه) [٣] وحددوه بأن يجتهد الفقيه في استخراج منهاج له في اجتهاده، أو هو كما يعبر عنه العلماء: مجتهد في الأصول وفي الفروع.

٢ - المجتهد المطلق غير المستقل: وهو الذي وجدت فيه شروط الاجتهاد التي اتصف بها المجتهد المستقل ثم لم يبتكر لنفسه قواعد، بل سلك طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد، فهو مطلق منتسب، لا مستقل ولا مقيد، إذا أنه لم يقلد إمامه، ولكنه سلك طريقته في الاجتهاد مثل: أبي يوسف ومحمد وزفر من الحنفية، وابن القاسم وأشهب من المالكية، والبويطي والزعفراني والمزني من الشافعية.

ويقول: (قد يخالف الواحد منهم مذهب زعيمه في بعض الأحكام الفرعية) [٤].

وأطلق عليه الأستاذ أبو زهرة بـ (المجتهد المنتسب) [٥] وسماه السيد محمد تقي الحكيم بـ (الاجتهاد في المذهب) [٦].

٣ - المجتهد المقيد، أو مجتهد التخريج: وهو أن يكون مقيداً في مذهب إمامه، مستقلاً بتقرير أصوله بالدليل. ويذكر السيد الحكيم بأنه: الاجتهاد الذي لا يتجاوز تفسير قول مجمل من أقوال أئمتهم، أو تعيين وجه معين لحكم يحتمل وجهين، فاليهم

المرجع في إزالة الخفاء والغموض الذي في بعض أقوال الأئمة: كالحسن بن زياد والكرخي والطحاوي والخصاف من الحنفية، والأبهري وابن أبي زيد واللخمي وابن العربي وابن رشد من المالكية، وابن أبي إسحاق الشيرازي والغزالي والمروزي والأسفراييني من الشافعية.

٤ - مجتهد الترجيح: وهو أن لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، لكنه - كما قال النووي في المجموع ـ: (فقيه النفس، حافظ لمذهب إمامه، وعارف بأدلته، قائم بتقريرها، يصور، يزيف ويرجح مثل: الجصاص والقدوري والرمغيناني صاحب الهداية من الحنفية) [٧].

ويراد به: الموازنة بين ماروي عن أئمة المذاهب من الروايات المختلفة وترجيح بعضها على بعض من جهة الرواية أو الدراية، كأن يقول المجتهد: هذا أصح رواية، وهذا أولى النقول بالقبول، أو هذا أوفق للقياس، أو أرفق للناس، ونحو ذلك [٨].

٥ - مجتهد الفتيا: وهو أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه من الواضحات والمشكلات، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته. والذي يذكره السيد الحكيم تحت عنوان (الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها): بل عن إمام المذهب وفق الأصول المجعولة من قبله، وبالقياس على ما اجتهد فيها من الفروع.

وقال فيه النووي: (فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه في مسطورات مذهبه في نصوص إمامه، وتفريع المجتهدين في مذهبه) [٩].

وأورد على هذا التقسيم بعض الملاحظات، نذكر منها ما يلي:

١ـ خروجه عن أصول القسمة المنطقية؛ لخلطه بين قسم من الأقسام وبين مقسمها بجعلها قسيما لمقسمها، والأنسب توزيعها من وجهة منطقية إلى قسمين:

مطلق ومقيد، والمقيد إلى الأقسام الأربعة الأخرى؛ لوجود قدر جامع بينهما، وهو الاجتهاد ضمن إطار مذهب معين.

٢ - إن تسمية هذه الأقسام الأربعة بالاجتهاد وجعلها قسماً منه في مقابل الاجتهاد المطلق لا يتلاءم مع الواقع؛ لأن الاجتهاد ملكة لا توجد لصاحبها إلاّ بعد حصوله على تلكم الخبرات والتجارب، ومن الواضح أن المجتهد المقيد ليس مصداقاً للمجتهد بهذا المفهوم؛ لعدم حصول المعرفة التفصيلية لأصول الفقه لديه واجتهاده فيها.

٣ - إن جميع ما ذكروه للاجتهاد من تعاريف لا ينطبق على أي قسم من أقسام المقيد؛ لأخذهم العلم أو الظن بالحكم الشرعي، أو الحجة عليه على اختلاف في وجهة النظر في مفهومه.

والمجتهد المقيد بأقسامه الأربعة لا ينتهي باستنباطه إلى الحكم الشرعي، وغاية ما ينتهي إليه هو: رأي إمامه فعلاً أو تقديراً في كون ما انتهى إليه حكماً شرعياً.

والحقيقة: أن هذا التقسيم أشبه بتقسيم الشيء إلى نفسه والى غيره، وما أحسن ما صنعه الأستاذ خلاف حين عد هذه الأقسام الأربعة في فصل عهد التقليد من كتابه (خلاصة التشريع الإسلامي) [١٠] وإن كان قد أطلق كلمة الاجتهاد عليهم تسامحاً.

وذكر ابن القيم الجوزية أنواع المجتهدين أو المفتين بتصنيف آخر يحسن بيانه، فقال: (المفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام:

١ - العالم بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وآله - وأقوال الصحابة: فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحياناً.

٢ - مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به: فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله

ومآخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، من غير أن يكون مقلداً لإمامه، لا في الحكم ولا في الدليل مثل: القاضي أبي يعلى من الحنابلة.

٣ - من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرر له بالدليل، متقن لفتاويه عامل بها، لكن لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره البتة.

٤ - طائفة تفقهت في مذهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرت على نفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه، فإن ذكروا الكتاب والسنة يوماً ما في مسألة فعلى وجه التبرك والفضيلة، لا على وجه الاحتجاج والعمل، وإذ رأوا من الصحابة قد أفتوا بفتيا ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفهم أخذوا بفتيا إمامهم وتركوا فتاوى الصحابة) [١١].

شرائط الاجتهاد

اختلفت عبارات المصنفين في تحديد شرائط ومؤهلات الاجتهاد، فمنهم من وسع في دائرتها، ومنهم من ضيقها، ولكنها في مضمونها واحدة مع بعض الاختلافات البسيطة.

فعبارة الغزالي - مثلاً - قائلة بأنه: يشترط في المجتهد شرطان أساسيان هما:

الأول: أن يكون محيطاً بمدارك الشرع، متمكناً من استنارة الظن بالنظر فيها، وتقديم ما يجب تقديمه، وتأخير ما يجب تأخيره.

الثاني: أن يكون عدلاً، مجتنباً للمعاصي القادحة في العدالة [١٢].

ويرى الشهيد الثاني - رحمه الله - من الإمامية: (ان الاجتهاد يتحقق بمعرفة

المقدمات الست، وهي: الكلام والأصول، والنحو، والتصريف، ولغة العرب، وشرائط الأدلة، والأصول الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، ودليل العقل) [١٣].

أما ابن عبد الشكور من الحنفية فيقول: (إن الاجتهاد لا يتحقق دون أن يكون لدى صاحبه المؤهلات التالية بعد صحة إيمانه ولو بالأدلة الإجمالية، ومعرفة الكتاب، قيل: يقدر بخمسمائة آية، والسنة متناً - قيل: والتي يدور عليها العلم: ألف ومائتان - وسنداً، مع العلم بحال الرواة ولو بالنقل عن أئمة الشأن، ومواقع الإجماع: أن يكون ذا حظ وافر مما تصدى له هذا العلم، فإن تدوينه وإن كان حادثاً لكن المدون سابق، وأما العدالة فشرط قبول الفتوى) [١٤].

وعبارة الشاطبي هي: (إنما تحصل الاجتهاد لم اتصف بوصفين: فهم مقاصد الشريعة على كمالها أولاً…. والتمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها ثانياً) [١٥].

أما مضمون عبارة الآمدي والبيضاوي: (أنه يشترط في المجتهد شرطان أساسيان هما:

أولاً: أن يكون مكلفاً مؤمناً بالله ورسوله…. وثانياً: أن يكون عالماً عارفاً بمدارك الشريعة، وأقسامها وأحكامها، وطرق إثباتها، ووجوه دلالتها على مدلولاتها) [١٦].

ويمكن تحليل هذه العبارات ونحوها بلزوم الشروط التالية لبلوغ درجة الاجتهاد:

١ - أن يعرف الشخص معاني آيات الأحكام المذكورة في القرآن الكريم لغة وشرعاً، ولا يشترط حفظها، وقد اختلف في تحديد عددها، ويذهب الغزالي والرازي وابن العربي إلى: أن عدد هذه الآيات خمسمائة آية [١٧].

٢ - بأن يعرف أحاديث الأحكام لغة وشرعاً، بأن يعرف مواقعها بواسطة فهرستها، وقد حدد ابن العربي مقدارها بثلاثة آلاف، ونقل عن أحمد بن حنبل: (أن الأصول التي يدور عليها العلم عن النبي - صلى الله عليه وآله - ينبغي أن تكون ألفاً ومائتين).

٣ - معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة في آيات وأحاديث مخصوصة، حتى لا يعتمد على المنسوخ المتروك مع وجود الناسخ، فيؤدي اجتهاده إلى ما هو باطل. وقد قدر الناسخ والمنسوخ في القرآن بست وستين آية، علماً بأن آيات القرآن تبلغ (٦٢٣٦) آية تقريباً.

٤ - أن يكون متمكناً من معرفة مسائل الإجماع ومواقعه؛ حتى لا يفتي بخلافه، وليس من اللازم أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف.

٥ - أن يعرف وجوه القياس وشرائطه المعتبرة، وعلل الأحكام، وطرق استنباطها من النصوص، ومصالح الناس، وأصول الشرع الكلية؛ لأن القياس قاعدة الاجتهاد.

٦ - أن يعلم علوم اللغة العربية من لغة ونحو وصرف ومعان وبيان وأساليب؛ لأن الكتاب والسنة عربيان، فلا يمكن استنباط الأحكام منهما إلاّ بفهم كلام العرب إفراداً وتركيباً، أو معرفة معاني اللغة وخواص تركيبها، ومنها: معرفة حكم العموم والخصوص، والحقيقة والمجاز، والإطلاق والتقييد.

٧ - أن يكون عارفاً بعلم أصول الفقه؛ لأنه عماد الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه، ويعرف هذا من علم أصول الفقه.

٨ - أن يدرك مقاصد الشريعة العامة في استنباط الأحكام: لأن فهم النصوص

وتطبيقها على الوقائع متوقف على معرفة هذه المقاصد.

٩ - معرفة الرواة وطرق الجرح والتعديل، وعلم الرجال. فقد قال الآمدي: (أن يكون عارفاً بالرواة، ورق الجرح والتعديل. والتصحيح والصحيح والسقيم).

وقال الشهيد الثاني في معالم الدين: (أن يعلم أحوال الرواة في الجرح والتعديل ولو بالمراجعة).

هذه هي شروط الاجتهاد - بصورة إجمالية - التي تقتضيها طبيعة القيام بهذا العبء الثقيل.

منشأ الاجتهاد بداية وتطوراً

ليس خافياً على الباحث المتتبع أن كلمة (الاجتهاد) قد مرت بمراحل تأريخية تطور من خلالها المعنى المراد منها تطوراً ملحوظاً، وتبعاً لذلك فقد تغير الحكم والموقف إزاءها، والذي يهمنا في هذه العجالة: هو استعراض تلك المراحل والأدوار التي مرت بها هذه المفردة بشكل عابر، أي: من مرحلة الطفولة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله - إلى مرحلة الشيخوخة، والتي بدأت بعد القرن الرابع حتى الآن كما يقول العلامة الخضري [١٨].

إننا نعلم بأن علم الأصول علم آلي، وهو من الفقه بمثابة المنطق من العلوم العقلية، ولهذا استخدم على الأصول أداة لعلم الفقه، ولا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر، فكل عملية استنباط علمية للحكم الشرعي تفتقر إلى الأسس والقواعد الأصولية، وعلم الفقه والاستنباط وإن كان قد ظهر بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وآله - ولكن ازدادت الحاجة إليه عندما تباعد أمده عن زمن الرسول - صلى الله عليه وآله - حيث الفاصل الزمني الذي حمل في طياته الكثير من المضاعفات: كضياع

بعض النصوص ونسيانها، وتطور الحياة وتعقدها، يصحبه خزل عدد كبير من الوقائع التي لم يرد فيها نص خاص، مما يوجب الرجوع إلى القواعد العامة ولم يكن هذا متجلياً في زمن الرسول - صلى الله عليه وآله ـ، فإن وجوده كان رحمة وبركة، ولم يحس المسلمون بالحاجة الماسة إلى الاجتهاد؛ لكونهم على مقربةٍ من النبي - صلى الله عليه وآله - يرجعون إليه في كل صغيرة وكبيرة، ويسألونه في أمور دينهم، بل حتى في أمور دنياهم.

وعلم الأصول لم يعرف في فقه الإمامية بمعناه الواسع إلاّ بعد الغيبة الكبرى سنة (٣٢٩ هـ) بمدة. فقد تفتحت الذهنية الأصولية، ودرست العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وإن كانت بذور الفكر الأصولي قد تشكلت في أذهان أصحاب الأئمة (عليه السلام) منذ عصر الصادقين عليهما السلام، وقد أمروا أصحابهم بالاجتهاد والتفقه، وكذلك بينوا لهم الكثير من القواعد الأصولية: كالاستصحاب وغيره. فأبان بن تغلب كان يفتي، والفتوى لا تنفك عن الاجتهاد.

وكان السبب في توسع علم الأصول بعد تلك الفترة عند الإمامية هو: رجوعهم إلى أئمتهم، فقد كانوا (عليه السلام) منبعاً ثراً ومنهلاً ضحماً للمعارف وعلوم الشريعة المقدسة، وكانوا يمدون أتباعهم بكل ما يحتاجون إليه، ويفتونهم بكل ما يسألون عنه، ولاشك في مرجعيتهم (عليه السلام) العلمية للمسلمين كافة، حيث تربى في رحاب مدرستهم كبار فقهاء الأمة: كبعض أئمة المذاهب المعروفة وإن لم يكن الأئمة (عليه السلام) مجتهدين بالمعنى المعروف اليوم، كما أن دورهم لم يكن منحصراً في نقل وحكاية السنة النبوية الشريفة.

ويرى الأستاذ أبو زهرة: أن الشافعي هو مؤسس علم الأصول، حيث يقول: (والجمهور من الفقهاء يقرون للشافعي بأسبقيته بوضع علم الأصول) [١٩].

ويكرر هذه المقولة ويؤكد بأن الرازي هو القائل: (اعلم: أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى العروض) [٢٠].

وفي مقابل هذا الرأي يوجد رأي آخر يذهب إليه العلامة السيد حسن الصدر، حيث يقول: (إن الإمامين الباقر والصادق - عليهما السلام - هما مؤسسا علم الأصول). ثم يقول: (أول من أسس علم الأصول وفتح بابه وفتق مسائله الغمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام)، ثم بعده ابنه الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام)، أمليا على أصحابهما قواعده…. ) [٢١].

والحق: أن علم أصول الفقه لم يولد كعلم، ولم يكتب فيه كعلم مستقل إلاّ بعد الشافعي. وأما الشافعي: فهو ممن أكمل بعض مسائله ولم يدون فيه كتاباً جامعاً لمسائل علم الأصول. فالاجتهاد في الحقيقة ليس إلاّ الاستنباط والتمسك بالدليل، وأما طريقته فقد أكملت في قرون ثلاثة حتى ظهر كعلم.

الاجتهاد في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)

رجح كثير من الفقهاء: أن الاجتهاد كان منذ زمن النبي - صلى الله عليه وآله - وإن اختلفوا في حدوده ونوعه. والذي لا نشك فيه أن عصره - صلى الله عليه وآله - لم يدع مجالاً للاختلاف الفقهي بين الصحابة؛ لأن الأحكام - كما يقول ابن خلدون ـ: (كانت تتلقى منه - صلى الله عليه وآله - بما يوحى إليه من القرآن، ويبينه بقوله وفعله بخطاب شفاهي لا يحتاج إلى نقل ولا إلى نظر وقياس) [٢٢].

ولا أظن أن هنالك أهمية للاختلاف الدائر في إعمال اجتهاده (صلى الله عليه وآله)

مادام ذلك الأمر - لو صح - داخلاً في سنته قولاً أو فعلاً بعد إمضائه من قبل الله عز وجل، بناء على ما يعتقده المسلمون من وجوب عصمته عن الخطأ، وتسديده في إصدار أحكامه استناداً إلى قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى [٢٣].

وكيف كان، فقد اختلف القائلون بجواز الاجتهاد عليه سعةً وضيقاً، حيث ذهبت جماعة على أنه يجوز له الاجتهاد في القضايا والمصالح الدنيوية، وأمور الحروب وغيرها، واختلفوا في اجتهاده في الأحكام الشرعية والقضايا الدينية - فيما لا نص فيه - على مذاهب [٢٤].

١ - قال أكثر الأصوليين: (يجوز اجتهاده - صلى الله عليه وآله - عقلاً، وقد وقع ذلك فعلاً).

٢ - وقال الحنفية: (إنه كان مأموراً بالاجتهاد إذا وقعت له حادثة، ولكن بعد انتظار الوحي، إلاّ أن يخاف فوت الحادثة؛ لأن اليقين لا يترك عن إمكانه، والاجتهاد في حقه يختص بالقياس؛ لا، المراد واضح، ولا تعارض لديه، فإن أقر على اجتهاده كان ذلك كالنص قطعاً، إذ لا يقر على الخطأ) [٢٥].

٣ - وقال جمهور الأشاعرة والمتكلمون وأكثر المعتزلة: (ليس له - صلى الله عليه وآله - الاجتهاد في الأحكام الشرعية) ٢.

٤ - وقال قسم آخر من الفقهاء: (بما أن الاجتهاد فيه نوع من التكليف لتحصيل الحكم فهو لا محالة مسبوق بعدم المعرفة بالحكم، والنبي - صلى الله عليه وآله -

كان عارفاً بجميع الأحكام الشرعية، ولم يكن بحاجة إلى الكلفة لتحصيله) [٢٧].

وقد اتفق العلماء على أن الرسول - صلى الله عليه وآله - لا يقر على خطأ في اجتهاده؛ حتى لا يسري الخطأ وتقلده أمته فيه، واختلفوا في جواز الخطأ عليه في الاجتهاد:

فقال جماعة - منهم: الرازي والبيضاوي ـ: (يمتنع الخطأ على الرسول - صلى الله عليه وآله - في اجتهاده، واجتهاده صواب دائماً) [٢٨].

وقال ابن السبكي: (والصواب: أن اجتهاده - صلى الله عليه وآله - لا يخطيء تنزيهاً لمنصب النبوة عن الخطأ في الاجتهاد) [٢٩].

وقال البعض الآخر: (يجوز الخطأ على النبي - صلى الله عليه وآله - فيما لا يرجع إلى التبليغ، بشرط أن لا يقر عليه) [٣٠].

الاجتهاد في عهد الصحابة

يذهب أكثر العلماء إلى جواز الاجتهاد بعد النبي - صلى الله عليه وآله ـ، فقد كثرت الفتوحات الإسلاميّة، ودخلت حضارات جديدة تحت راية المسلمين، وحدثت أمور لم تكن معهودة في زمنه - صلى الله عليه وآله ـ، فرأى الصحابة أنه لابد لهم أن يجتهدوا ويجدوا في معرفة الأحكام لتلك الأمور المستجدة، فكانوا إذا وجدوا للحادثة نصاً من الكتاب أو السنة عملوا به، ولا يوجد خلاف بذلك فيما بينهم.

وأما إذا لم يجدوا لحكمها نصاً فقد انقسموا إلى طائفتين: طائفة منهم كانت تتجه نحو العمل بالرأي، وأخرى على خلافه (٣١)؛ لأنهم يكرهون القول بالرأي خشية

القول في دين الله بغير علم، والخشية في القول بالرأي لم تنحصر بهؤلاء، بل بالقائلين به أيضاً رغم اتجاههم إليه، ولهذا نراهم (٣٢).

١ - كانوا يفحصون بدقة للعثور على النص، ولذا كان بعض الصحابة إذا وردهم المورود يلجأون إليه لكثرة علمه مثل: علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعبدالله بن عمر، وابن عباس، وابن مسعود. وكان بعضهم يرجع إلى رأي البعض إذا تبين له وجه الحق أو وجود النص.

٢ - كانوا لا يرجعون إلى القياس بسرعة عندما لم يعثروا على النص، بل يبحثون عن القرائن، وعن كل ما يمكن أن يوصلهم إلى فهم النصوص. وهذا النوع من الاجتهاد هو: (الاجتهاد بالمنصوص).

٣ - كانوا يحرصون على أن لا تكون آراؤهم عقلية خالصة، وخالية من أي اثر ولا سنة متبعة.

٤ - كان بعضهم - في مقام التعارض بين النص والمصلحة - لا يرفع اليد عن النص.

٥ - كان بعضهم لا يجوز الرأي في المفروضات وفي الأحكام القطعية، ولا يعتقد باختصار الاجتهاد على الوقائع الحادثة، ولذا كانوا يكرهون كثرة السؤال، وبالتالي قلت الفتاوى الصادرة عنهم بالنسبة لمن بعدهم.

وبهذا يتبين لنا: أن الاجتهاد كان عندهم على ثلاثة أنواع (٣٣).

١ - الاجتهاد بالمنصوص.

٢ - الاجتهاد بالقياس.

٣ - الاجتهاد بالمصلحة.

وقد تبين أيضاً: أن الاجتهاد بالمنصوص هو الغالب عليهم، ثم يليه الاجتهاد

القياسي، ثم الاجتهاد الاستصلاحي.

الاجتهاد في عصر التابعين

لقد تغيرت الأوضاع الاجتماعية والسياسية في هذا العصر، إذ تحولت الخلافة إلى ملكية بالوراثة، وحدثت حروب داخلية دامية، وقد أدى ذلك إلى أن تطور الاجتهاد كما وكيفاً، حيث جمعت في هذا العصر أحاديث النبي - صلى الله عليه وآله - وأقوال الصحابة ووثائق اجتهاداتهم، ونشأت مدارس فقهية، وأهمها ثلاث مدارس:

فالأولى: في المدينة، وتسمى بـ (مدرسة المدينة)، وإمامها سعيد بن المسيب.

والثانية: في مكة، وتسمى بـ (مدرسة مكة)، وإمامها عطاء بن رباح.

والثالثة: في العراق، وتسمى بـ (مدرسة الكوفة)، وإمامها إبراهيم النخعي والشعبي.

والمدارس على اختلافها كانت تنظر إلى أقوال الصحابة كسنة يجب اتباعها، حتى فيما لو كانوا مختلفين، فإنهم لا يخرجون عن أقوالهم، بل كان كل تابعي يختار رأي شيخه غالباً، أو يختار أري غيره من الصحابة نادراً. وقد بلغ الاهتمام بقول الصحابي إلى حد اعتبره بعض التابعين حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وآله - وإن يطرح بأنه حديثه.

وكما تطور الاجتهاد في عصر التابعين كذلك تطور في عصر تابعي التابعين أكثر مما كان، ففيه نشأت المذاهب الفقهية، ودونت أبواب الفقه وأحاديث النبي - صلى الله عليه وآله - وأقوال الصحابة والتابعين.

وقد كثر الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وآله - في هذا العصر، وظهرت بوادر التزندق وضلالات أهل البدع، خصوصاً في النصف الأول من القرن الثاني.

ففي العصر الأموي لم يهتم الخلفاء بأي شيء من شؤون التشريع إلاّ قليلاً: كعمر بن عبد العزيز الذي أمر قاضيه على المدينة - أبا بكر محمد بن عمر بن حزم -

أن يجمع الأحاديث خوفاً عليها من الاندراس، لكن توفي ابن عبد العزيز، وقد جمع ابن حزم كتاباً قبل أن يبعث به إليه (٣٤).

وفي العصر ذاته كان هوى أهل الدنيا قائماً بأوجه، فكانت رغبة الخلفاء الأمويين بأن يقربوا إليهم من ليس له حظ في الدين، ولا محل للإيمان في قلبه، ولا يمتنع عن الكذب والتزييف لأجلهم، ولذلك اتجه العلماء منذ بدء هذه الظاهرة الخطيرة إلى الدراسة والفحص، وكان هنالك اتجاهان:

الأول: اتجاه إلى دراسة الرواية.

والثاني: الميل إلى الإفتاء بالرأي.

وجاء دور عصر الأئمة - أصحاب المذاهب - الذي كان متصلاً بعصر تابعي التابعين، فكثر الاجتهاد بالرأي، وذلك لكثرة الحوادث كما بينا سابقاً، وانتعشت الروح العلمية، وترجمت الكتب من اللغات الأجنبية إلى العربية، وكانت حركة النهوض أسرع إلى العلوم الشرعية من غيرها.

ولما انتظم أمر الدولة العباسية ظهر الجدل والخلاف، واتسع المجال للعقول، فخاف الدوانيقي من جراء ذلك من تشتت أمر الشريعة ودخول الفوضى في الأحكام، فأمر مالك بن أنس أن يكتب له كتاباً يتجنب فيه رخص ابن عباس، وشدائد عمر بن الخطاب، فكتب له الموطأ (٣٥).

١ - شرح عقود رسم المفتي: ٣٠.

٢ -

٣ - خلاصة التشريع الإسلامي لخلاف: ٣٤٢.

٤ - فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ٢: ٢٠٧.

٥ - مقدمة كتاب المجموع، شرح المهذب للنووي ١: ٧٠.

٦ - النافع الكبير لم يطالع الجامع الصغير: ٤. عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد: ٩.

٧ - شرح عقود رسم المفتي: ٣١.

٨ - مختصر المنتهى: ٢٢١، وما بعدها.

٩ - الاجتهاد للشيخ المراغي: ٢٧، وما بعدها.

١٠ - خلاصة التشريع الإسلامي لخلاف: ٣٣٩.

١١ - أعلام الموقعين ٤: ٢١٢. وراجع الأصول العامة للفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم، والوافية في أصول الفقه للفاضل التوني.

١٢ - المستصفى للغزالي ٢: ١٠٢، وقد التزم طريقته الخضري في كتابه (أصول الفقه): ٣٥٧، وراجع معارج الأصول، والوافية في أصول الفقه: ٢٥٠ وما بعدها.

١٣ - رسالة الاجتهاد للبهبهاني: ٣٧ - ٤٧.

١٤ - مسلم الثبوت ٢: ٣١٩.

١٥ - الموافقات للشاطبي ٤: ١٠٥.

١٦ - الإحكام للآمدي ٣: ١٣٩، شرح الأسنوي للمنهاج (نهاية السؤول) ٣: ٢٤٤.

١٧ - راجع شرح المحلى على جمع الجوامع ٢: ٣١٣، والمدخل إلى مذهب أحمد: ١٨٠، وروضة الناظر لابن قدامة: ١٩٠، والعناوين في المسائل الأصولية: ٩٠، وفواتح الرحموت ٢: ٣٦٣، ورسالة في أصول الفقه للسيوطي: ٧٧، والرسالة للشافعي: ٥٠٨، والمبادئ العامة للفقه الجعفري: ٣٣٣٣، وإرشاد الفحول: ٢٢٠، ومقدمة منتقى الجمان.

١٨ - الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد خضري يك: ٩٠. الذريعة ٢: ٨٠٠، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، الخاتمة.

١٩ - محاضرات في أصول الفقه الجعفري لمحمد أبي زهرة: ٦، والشافعي حياته…. لمحمد أبي زهرة: ١٩٦.

٢٠ - محاضرات في أصول الفقه الجعفري لمحمد أبي زهرة: ٦، والشافعي حياته…. لمحمد أبي زهرة: ١٩٦.

٢١ - تأسيس الشيعة للسيد حسن الصدر: ١٠.

٢٢ - مقدمة ابن خلدون: ٤٥٣.

٢٣ ـالنجم: ٣ و ٤.

٢٤ ـإرشاد الفحول: ٢٢٥، وشرح الأسنوي ٢: ٢٣٧، وكشف الأسرار ٢: ٩٢٦، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢: ٢٩١، فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ٢: ٢٦٦، وشرح المحلى على جمع الجوامع ٢: ٢١٦، والمستصفى ٢: ١٠٤، والآمدي ٣: ١٤٠، أصول الفقه للخضري: ٣٦٠.

٢٥ - شرح العضد على مختصر ابن الحاجب ٢: ٣٠٠.

٢٦ - شرح المحلى على جمع الجوامع ٢: .

٢٧ - فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ٢: ٢٦٦.

٢٨ - أصول الفقه للخضري: ٣٦٠.

٢٩ - كشف الأسرار ٢: ٩٢٦.

٣٠ - شرح الأسنوي ٢: ٣٣٧.

٣١ - تاريخ المذاهب الإسلاميّة للأستاذ أبي زهرة: ١٠٩.

٣٢ - الاجتهاد للدكتور محمد موسى توانا الأفغاني: ٣١، وتاريخ المذاهب الإسلاميّة: ١٠٩.

٣٣ - الاجتهاد للدكتور محمد موسى توانا الأفغاني: ٣١.

٣٤ - حاشية الزرقاني على موطأ مالك ١: ١٠.

٣٥ - طبقات المالكية: ٣٠.



[ Web design by Abadis ]