ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مسألة تعارض الضررين في الفقه الإسلامي المقارن \ الدكتور عبد الجبار شرارة

تقديم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطاهرين وأصحابه المنتجبين.

وبعد: فإن دراسة القواعد والمسائل الفقهية المهمة دراسة مقارنة لها أهمية كبيرة في الكشف عن مدى التقارب والاتفاق بين الفقهاء. ومن هنا تأتي أهمية دراسة قاعدة (لا ضرر) والجوانب التطبيقية لها.

ويقتضي التنويه أولاً: بأن الدراسة العلمية الموضوعية المقارنة في هذا المجال لا تقتصر ثمارها على بيان وتأكيد حقيقة أن الفقهاء المسلمين يتفقون أكثر مما يختلفون، وخاصة في القواعد والمباني والمدارك، وأن أكثر الخلاف بينهم يؤول بنائياً. عرضياً، لا مبنائياً جوهرياً، وإنما تكشف هذه الدراسات في عين الوقت عن حيوية الفقه الإسلامي وأصالته.

إن هدفنا في هذا البحث هو: دراسة جانب تطبيقي مهم من نظرية نفي الضرر، أي: قاعدة لا ضرر، وهو من أمهات المسائل في هذا الإطار، ألا وهو: حالات

التعارض بين ضررين. وسنتبع منهجاً يخدم هدف التقريب إن شاء الله.

إن البحث سيتوزع على أربعة مطالب، نتناول في المطلب الأول: حالة التعارض بين ضررين بالنسبة إلى الشخص نفسه، ونعرض في المطلب الثاني: حالة تعارض الضرر فيما يتعلق بشخص آخر، نتناول في المطلب الثالث: حالة تعارض الضررين بين شخصين. ونتكلم أخيراً على حالة التعارض بين ضررين بتدخل عنصر ثالث. وسنقدم بين يدي هذه المطالب تمهيداً مختصراً نعرض فيه ما اخترناه من تعريف للضرر، وما يترجح من معنى (لا ضرر) ليتضح الأساس النظري للتطبيقات الفقهية.

على أنه سيكون المنهج في كل ذلك إيراداً لآراء الفقهاء بصيغة اتجاهات فقهية، وهو الأوفق لمحاولات التقريب، والأكثر ثمرة في هذا الميدان. وستكون الكتب المعتبرة عند كل فريق من الفقهاء مرجعاً ومصدراً، وسيعزى القول إلى قائله بالرجوع إلى مصنفاته، أو إلى من يحكيه عنه من فقهاء المذهب نفسه.

الضرر في اللغة والاصطلاح

الضرر في اللغة هو: النقصان يدخل على الشيء [١]، وهو ضد النفع [٢] والضرة؛ الأذاة، والاسم: الضرر. ويظهر من أقوالهم عموماً أن الضرر يطلق على النقصان وعلى الأذى مطلقاً [٣].

وقد أورد الفقهاء تعريفاتٍ كثيرة:

فعرفه البجنوردي من الإمامية بأنه: (النقص في المال، أو العرض، أو النفس، أو في شأن من شؤونه بعد وجوده) [٤]. ويلاحظ عليه: أنه أضيق من التعريف اللغوي.

وعرفه ابن حجرٍ من الشافعية بأنه: (إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً) [٥]، واستحسنه الشيخ الزرقا [٦] وتابعه نجله الدكتور الزرقا [٧]، وفيه قصور.

وذكر الطرابلسي الحنفي أن الضرر في الحديث (لا ضرر ولا ضرار): ما قصد به الإنسان منفعته، وكان فيه ضرر على غيره، وأن الضرار: ما قصد به الإضرار بغيره [٨].

وقد نقل ابن رجب الحنبلي [٩] هذا التعريف، وحكى ترجيح ابن عبد البر وابن الصلاح له، كما نقله الباجي المالكي [١٠]، ويلاحظ عليه: عدم شموليته، والأوفق: أنه الأذى الذي يصيب الإنسان في نفسه أو ماله أو عرضه أو أي شأن محترم.

وعرفه القانونيون بأنه: (إخلال بحق أو بمصلحة…) [١١].

أما قاعدة (لا ضرر) أو كما يصطلح عليها قاعدة (نفي الضرر) التي أصلها الحديث الشريف (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام…) [١٢] فقد استظهر الفقهاء معان وحاولوا تحقيق مفهوم نفي الضرر.

فذهب فريق إلى أن المراد به: النهي عن الضرر، كما حققه شيخ الشريعة الأصفهاني من الإمامية [١٣] وكان قد ذهب إليه ابن نجيم الحنفي [١٤] والباجي من

المالكية [١٥]، والسيوطي من الشافعية [١٦]، وصرح به ابن الأثير في النهاية [١٧].

وذهب آخرون إلى أن المراد: إخبار الشارع بعدم جعله الحكم الضرري في شرعه ودينه، تكليفياً كان أو وضعياً. واليه ذهب. الشيخ الأنصاري [١٨]، وكان قد اتجه إليه ابن حجر الشافعي [١٩].

وذهب فريق إلى أن المنفي: الضرر غير المتدارك [٢٠]، ولازمه: أن كل ضرر إنما هو متدارك: إما بالضمان أو بالخيار، وهو ما ذهب إليه بعض الإمامية والكاساني من الحنفية [٢١].

والأظهر أنه لا دليل على الانحصار في معنى واحد، بل يمكن القول: إن النفي واقع على الضرر في عالم التشريع (وهو جامع كلي يختلف معناه في كل مورد من الموارد بحسب خصوصياته. ففي بعض الموارد يفيد نفي الذات، وفي بعضها يفيد نفي الأثر، وفي بعضها المؤاخذة) [٢٢].

واحتج له: (بأن النفي إنما تعلق بنفس الضرر، لا بوصفه، ولا بشيء آخر، ومعنى نفيه - حينئذ - على ما استظهره محوه من صفحة الوجود تشريعاً لا تكويناً.

ولعيه: فمقتضاه في العبادات رؤية الشارع العبادة المستلزمة للضرر لا عبادة، ومقتضاه في المعاملات رؤية لزوم المعاملة الضررية لا لزوم فيها، والتصرف الضرري يعد تصرفاً بغير حق) [٢٣].

وعلى أية حال فيمكن أن يكون مفاد قاعدة (لاضرر) اختصاراً هو: (أن كل ضرر ينشأ عن إحداث أمر غير مشروع يكون منفياً، ويتمثل النفي بالدفع قبل الوقوع بالحيلولة والمنع، والرفع بعد الوقوع بالإزالة والضمان).

وهذا ما يساعد عليه عموم (لا ضرر) ومجموع أقوال الفقهاء [٢٤] في المسألة بعد تقرير ان لا دليل على الانحصار في معنى بعد هذا التهميد نتحول إلى المطالب التي تقرر بحثها في مسألة تعارض الضررين.

المطلب الأول

حالة التعارض بين ضررين بالنسبة إلى الشخص نفسه

ذهب الفقهاء في مثل هذه الموارد إلى ك أن الشخص عليه ارتكاب ما ضرره أقل، إذ تقرر عندهم: أن قواعد الشرع تنص على أنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما [٢٥]. أما في حالة التساوي فيتخير [٢٦]. وهذا اتجاه عام عند الفقهاء:

وقد صرح الخراساني [٢٧] من فقهاء الإمامية بذلك، وتابعه كثيرون [٢٨] بأنه (يجب

اختيار الضرر الأقل أو على حدّ تعبيره: فلا مسرح إلاّ لاختيار أقلهما، وإلا فهو مختار).

وذكر العز بن عبد السلام من فقهاء الشافعية: (أن الشرع يحصل الأصلح بتفويت المصلحة، كما يدرأ الأفسد بارتكاب المفسدة) [٢٩].

ونقل السيوطي [٣٠] عنه الإمام الشافعي - القول بالتخيير في حالة التساوي، وهذا ما ذكره ابن نجيم الحنفي (٣١) أيضاً. واليه ذهب الحنابلة (٣٢).

وها هنا تفريع:

التداوي والعلاج بالمحرم

قد تقتضي حالة التعارض في صورة الاضطرار العلاج بالمحرم كما لو لزم استقطاع جزء من الميت أو الحي للعلاج (٣٣)، أو اضطر إلى شرب الخمر لنفس الغرض.

وهنا اتجاهان في الفقه:

اتجاه يذهب إلى المنع وعدم جواز العلاج بالمحرم، وهو ما ذهب إليه فريق من فقهاء الإمامية (٣٤) والمالكية (٣٥) والشافعية (٣٦)، واستدلوا:

١ - بقوله - صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (لم يجعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها) (٣٧).

٢ - ما جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام): (أن الله - عز وجل - لم يجعل في شيء مما حرم دواء ولا شفاء) (٣٨).

واتجاه آخر ذهب إلى الجواز، وهو ما ذهب إليه فريق من الإمامية (٣٩)، وجماعة من الحنفية (٤٠)، ومن الشافعية (٤١)، وابن حزم الظاهري (٤٢). واستدلوا:

١ - بعموم قوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلاّ ما اضطررتم إليه ( (٤٣).

٢ - بإباحة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لعبد الرحمان بن عوف بلبس الحرير للعلاج، وهو محرم على الذكور (٤٤).

كما استدل بعضهم: بأن الضرورة بمثابة العلة، فمتى وجدت وجدت الرخصة (٤٥). ويبدو أنه في حالة انحصار العلاج به، وعدم وجود مندوحةٍ لا يخلو القول بالجواز من قوة (٤٦).

المطلب الثاني

التعارض بين ضررين بالنسبة إلى شخص آخر

لخص الأمر في مثل هذا المورد بقولهم: (إذا دار الأمر بين حكمين ضررين

بالنسبة إلى شخصين فإنه يترجح الأقل ضرراً. وعلل ذلك: بأن مقتضى نفي الضرر عن العباد في مقام الامتنان عدم الرضا بحكم ضرره أكثر من الحكم الآخر؛ لأن العباد كلهم متساوون في نظر الشارع، بل هم بمنزلة عبد واحد…) (٤٧).

ومن صور ذلك: لو أكرهه على الإضرار بمال زيد أو بعرضه أو بعرض آخر مطلقاً فلا مناص أنه يختار الإضرار بالمال؛ لكون العرض أهم في نظر الشارع.

وقد استند بعض الفقهاء إلى رواية سمرة (٤٨) في قوله - صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (إنك رجل مضار، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام). إذ أمر النبي - عليه الصلاة والسلام - بإخراج نخلة سمرة ورميها خارجاً مراعاةً لضرر الأنصاري؛ لأن الضرر هنا يتصل بالعرض (٤٩).

وكذلك لو أكرهه على الإضرار بزيد أو عمرو فينظر الضرر الأكبر أو الأشد (٥٠).

بحسب حال كل. ومع التساوي يتخير كما مر.

وفي صورة لو اضطر سائق سيارة إلى أن يدهس شخصاً أو يصعد الرصيف - مثلاً - فيتلف مالاً أو متاعاً فلا مناص - حينئذٍ - من ارتكاب الإضرار بالمال تفادياً للدهس؛ لأن ضرر النفس أكبر وأشد. وكذلك له أن يهدم دار أحد الأشخاص إذا توقف بهدمها سريان الحريق إلى المحلة؛ لأن الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام (٥١). واشترط الحنفية في هذه الحالة إذن ولي الأمر، وإلاّ فهو ضامن (٥٢). ولعل الأولى هنا الضمان على الدولة إن كان بإذن ولي الأمر، و إلاّ فعلى سكان المحلة.

فأما استحقاق صاحب الدار المهدومة الضمان والتعويض: فلأنه إذا كان من الجائز دفع الضرر العام بتحمل الضرر الخاص، إلاّ أنه مشروط بأن لا يلحق بالخاص ضرر لا ينجبر كما نبه إلى ذلك الشاطبي (٥٣). وأيضاً: فلأن الاضطرار لا ينافي الضمان (٥٤)، ولا يبطل حق الغير.

وأما لزوم الضمان على أهل المحلة: فلأنهم الجهة المستفيدة من هدم الدار، إذ لولا الهدم لما توقف سريان الحريق. وقاعدة الغرم بالغنم (٥٥) تأبى أن يستفيد أحد على حساب تضرر آخر، فيلزم الضمان من هذا الوجه.

وكذلك من الجائز إلقاء الأمتعة والأموال بالغة ما بلغت من السفينة إذا توقف على ذلك تخليص الركاب. ذهب إلى ذلك فقهاء الحنابلة (٥٦) والمالكية (٥٧). وقاعدة دفع الضرر الأكبر والأشد فالأقل والأخف تقتضي ذلك (٥٨).

المطلب الثالث

حالة التعارض بين ضررين بالنسبة إلى شخصين بفعل أتحدهما

وهي حالة لو تصرف أحد الشخصين وترتب على تصرفه ضرر، وعلى تركه ضرر، وهنا صورتان:

الصور الصورة الأولى: لو كان في تصرفه ضرر على الغير، وفي تركه التصرف ضرر عليه، فهنا اتجاهان:

الأول: ذهب إليه أكثر الحنفية (٥٩)، وهو المشهور عند الشافعية (٦٠) والإمامية (٦١)، واختاره ابن حزم الظاهري (٦٢)، وهو: عدم منع المالك من التصرف في ملكه وإن ترتب عليه ضرر بالغير. واستدلوا بقولهم: (إن منع المالك من التصرف في ملكه مراعاة لنفع غيره لا وجه له في الشريعة، بل هو أبلغ الضرر على ما ذهب إليه ابن حزم) (٦٣).

الثاني: وذهب إليه المالكية والحنابلة (٦٤) وجماعة من الإمامية (٦٥)، وهو منع المالك في صورة تضرر الجار أو الغير. وقد استدل الذاهبون إلى الجواز بأمور:

الأول: بقاعدة (الناس مسلطون على أموالهم) (٦٦).

الثاني: إن الجواز الشرعي ينافي الضمان، ومقتضاه: أن الفعل إذا كان جائزاً شرعاً لا يترتب على من قام به ضمان بسبب ما ينشأ عن هذا الفعل، إذ تسويغ الشارع للفعل يقتضي رفع المسؤولية عنه، وإلا لما كان جائزاً (٦٧).

الثالث: إن نفي الضرر امتنانية، ولا امتنان في تحمل الضرر لدفعه عن الآخرين وإن كان أكثر (٦٨).

أما الاتجاه الآخر - أي: الرأي القائل يمنع المالك من التصرف في حالة ترتب ضرر على الغير - فقد استدلوا عليه بأمور:

الأول: إن الحقوق ليست مطلقة في الشرع، وإنما هي مقيدة بعدم إساءة

استعمالها. وهذا ما جرت عليه الشريعة في موارد كثيرة كما في المضارة في الوصية (٦٩)، والمضارة في المعاشرة الزوجية (٧٠) وغيرها. وهذا ما أدركه ابن حزم - وهو من أشد المتحمسين للرأي الأول ولمبدأ الحق المطلق في التصرف بالملك - إذ قال: (لا يجوز لأحد أن يدخن على جاره لأنه أذى، وقد حرم أذى المسلم…. ) (٧١).

وإذن، أفلا يكون حفر البئر - مثلاً - قد يؤدي إلى هدم جدار دار الغير وهو نوع أذى كما لا يخفى؟ !

الثاني: إن قاعدة السلطنة: - أي: سلطنة المالك في التصرف بملكه - كما هو مفاد قاعدة (الناس مسلطون على أموالهم)، فهي محكومة (٧٢) بلا ضرر، أي: أن كل ما يصدر من فعل أو نحوه من التصرفات فإن قاعدة (لا ضرر) ناظرة إليه، ومقيدة له بصورة عدم الضرر كما هو مقتضى لسان الحكومة (٧٣).

أما ما احتج به ابن حزم الظاهري فلا يتضح له وجه، إذ لم يقل أحد بمنع المالك من التصرف في ملكه مراعاة لنفع غيره، وإنما ذهبوا إلى المنع فيما لو أضر بالغير، وهو ما يقتضيه نفي الضرر. ثم إن من يبني فرناً أو ينشئ مدبغة في داره يضر بالجار وبالدار ضرراً بالغاً (٧٤).

وبالجملة: فيمكن القول: إنه في مثل هذه الموارد والحالات يلزم أن يلحظ الضرر الأكثر والأكبر عندما يتعارض ضرر المالك في عدم التصرف، وضرر الغير عند تصرفه؛ لأن الشرع ينظر إلى الجميع بمثابة واحد (٧٥)، أو كنفس واحدة (٧٦)، على أنه يمكن أن

يوكل الأمر إلى العرف في تحديد حجم الضرر وطبيعته.

الصور الثانية: أن يكون تصرفه في ملكه يلحق ضرراً بالغير، وفي تركه التصرف فوت نفع له. وهنا اتجاهات:

١ - اتجاه ذهب إليه متأخروا الحنفية (٧٧)، وجماعة من الشافعية (٧٨)، وهو المذهب عند الحنابلة (٧٩)، والمشهور عند الإمامية (٨٠).

وهو: منع المالك من التصرف إذا استلزم إلحاق ضرر بالغير: كالجار مثلاً.

واستند أكثرهم إلى عموم حديث (لا ضرر).

٢ - اتجاه ذهب إليه ابن حزم الظاهري (٨١)، وهو: عدم المنع في مثل هذه الصورة كالسابق أيضاً مستنداً إلى نفس الدليل.

٣ - اتجاه بالتفصيل: فذكر ابن رجب الحنبلي: أنه إن كان له في تصرفه غرض صحيح مثل: أن يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه فيتضرر الممنوع. ففي مثل هذه الحالة ينظر: إن كان تصرفه على غير الوجه المعتاد فأضر بالغير يضمن. وإن كان على الوجه المعتاد ففيه قولان مشهوران:

أحدهما: لا يمنع، والثاني: المنع، وهو قول أحمد بن حنبل (٨٢). وهذا الرأي يوافق ما عليه الامام مالك (٨٣)

في بعض الصور. وأكثر الحنفية (٨٤) على المنع مع الضرر الفاحش.

وذهب أكثر الشافعية (٨٥) إلى عدم المنع في مثل هذه الحالة بشرط أن يحتاط ويحكم الجدران بما لايتأدى من المديغة والاصطبل والطاحونة ضرر بين.

وذهب جمهور الإمامية (٨٦) إلى عدم المنع لو كان تصرفه على الوجه المعتاد، وإلا فيمنع، ويضمن ما تسبب من ضرر للغير.

استدل الشافعية (٨٧) بان في منعه إضراراً به، والضرر لا يزال بالضرر، وهو ليس متين؛ لأن الافتراض في المسألة هو: فوت النفع على المالك، ولا يعد ضرراً، بل فيه تردد (٨٨).

وأما ما احتج به الشيخ الأنصاري (٨٩) بأنه - حينئذٍ - يكون من قبيل الحرج عليه، ولذا لا يمنع لحاكمية (لا حرج) على (لا ضرر)، فقد نوقش في رأيه.

إن منع المالك من التصرف في ملكه بما فيه منفعه لا يعد حرجاً مطلقاً؛ لأن الحرج المنفي إنما هو بمعنى: المشقة التي لا تتحمل عادة، وهو مفقود في المقام.

وأما حاكمية (لا حرج) على (لا ضرر): فلا وجه له؛ لأن كل واحد منهما ناظر إلى الأدلة الدالة على الأحكام الأولية، ويقيدها بغير موارد الحرج والضرر، فهما في مرتبة واحدة (٩٠)، فلا مورد للحاكمية هنا. وأيضاً: فإن فوت النفع لو عد ضررا تجوزاً فهو لا يزاحم الضرر البين، وليس في قوته. ولما كان الميزان في الترجيح: ارتكاب أخف الضررين فيكون منع المالك من التصرف بما له منفعة فيه أخف من تصرفه مع لحوق ضرر بالغير، على أنه قد تقرر في قواعد الشرع أن درء المفاسد أولى من جلب

المصالح (٩١) فيترجح المنع.

ولعل الأنسب أن يقال: إنه لو أمكن للمالك أن يتخذ الاحتياطات الضرورية في تصرفه في ملكه بما هو نفع له ربما يكون ضرر الغير - حينئذٍ - من الضالة بمكان في قبالة نفع المالك، فلا وجه - حينئذٍ - للمنع. وأمر هذا يوكل إلى العرف وأهل الخبرة: فإن تسامحوا فيه بحيث يعد كلاً ضرر، وإلاّ فلا. وهذا يقتضيه كمال الامتنان في نفي الضرر، والله أعلم.

المطلب الرابع

حالة تعارض ضررين بين شخصين بتدخل عنصر آخر

وفي هذه الحالة أورد أكثر الفقهاء مثلاً هو: فيما إذا ابتلعت دجاجة أحدهم لؤلؤة لآخر، أو أدخلت دابة رأسها في إناء لآخر ولم يمكن تخليص أحدهما إلاّ بإتلاف الآخر فهنا صورتان:

الأولى: صورة وقوع الضررين بتفريط من مالك أحد المالين، أو من كليهما.

والثانية: وقوع الضررين بدون تفريط أو تدخل من أحد كأن يكون قضاء وقدراً كما لو التقطت الدجاجة لؤلؤة آخر سقطت منه.

ومن الأمثلة التي يمكن إيرادها في المقام هي: ما لو دخلت سيارة بسبب حدوث عطل مفاجيءٍ بناية لآخر، ومثله: ما لو ابتلع حيوان مستنداً مالياً لآخر، أو قطعة ذهبية، أو نحو ذلك.

وعلى أية حال: ففي جميع الصور المذكورة يلزم مراعاة ما ضرره أعظم بارتكاب الأخف والأقل لتخليص ما هو الأهم، أو ما قيمته أكبر مع التعريض، أي: الضمان عن الأضرار التي تنشأ عن ذلك إن حصل الأمر بتفريط من أحد (٩٢).

وأما إذا كان الضرران بفعل أحد المالكين أو بتفريط أحدهما: فقد ذهب الشافعية (٩٣) والحنفية (٩٤) والحنابلة (٩٥) والإمامية (٩٦) إلى إلزام من استند إليه الضرر تخليص مال الآخر وتسليمه إليه؛ لأنه مع وجود عين ماله لا يصار إلى البدل من المثل أو القيمة إلاّ عند تعذر الرد، هذا مع مراعاة أعظمهما ضرراً.

فلو أدخلت دابة - مثلاً - رأسها في قدر ولم يخرج إلاّ بكسر القدر كسرت لتخليصها، ولا تذبح ولو كانت مأكولة اللحم. ثم إن كانت بصحبة مالكها فعليه الإرش لتفريطه. وإن لم يكن معها: فإن كان صاحب القدر متعدياً بأن وضعها بموضع لا يحق له فيه أو كان له حق فيه لكنه كان قادراً على دفع البهيمة فلم يدفعها فلا إرش له بكسر القدر، وإن كان الأمر بتفريطهما معاً اشتركاً في الغرامة (٩٧).

وفي مثل هذه الحالة: لو كان السبب في دخول الدابة أو سقوط الدينار في المحبرة شخص ثالث فيستقر عليه الضمان، وهو يتخير - حينئذٍ - بين إتلاف أي المالين لتخليص الآخر.

قال الشيخ السبحاني في هذه الصورة: إنه - حينئذٍ - بطبعه لن يختار إلاّ الأقل ضرراً (٩٨)، لكن فقيه آخر ذهب إلى أن المتعين في حقه هو اختيار الأقل باعتبار لزوم التبذير المحرم شرعاً إن لم يختر الأقل (٩٩).

الأمثلة التي أوردها الفقهاء حالة دخول حيوان لشخص في دار لآخر وتعذر إخراجه إلاّ بنقض الدار أو جانب منها:

ذهب جماعة من الفقهاء إلى وجوب نقض البناء وإخراج الحيوان، وعلى رب المال المخرج ضمان أي: إصلاح الجدار؛ لأنه إنما حق له ذلك لتخليص ماله إن لم يفرط صاحب الدار، فإن فرط فلا ضمان على رب المال؛ لأن المفرط أولى بحصول الضرر كما لو كان بتعديه (١٠٠).

ومثل ذلك: ما لو دخلت سيارة مسرعة بنايةً لآخر - داراً أو محلاً - ولم يمكن إخراجها إلاّ بنقض جانب من البناء فإنه يضمن ما تهدم أو تلف من البناء أو الأشياء؛ لأنه حق لتخليص سيارته، ولا يتصور تفريط صاحب الدار إلاّ أن يكون قد أنشأ بناءه على الطريق العام، إذ يعد - حينئذٍ - متعدياً، فيضمن ما تسبب في تلفه إن لم يكن صاحب السيارة مفرطاً.

جاء في رسائل الشيخ الأنصاري من الإمامية: (وكذلك حكمهم بضمان صاحب الدابة إذا دخلت في دار لا يخرج إلاّ بهدمها، معللا ذلك الضمان بأن هدم الدار لمصلحة صاحب الدابة، فإن الغالب أن تدارك المهدوم أهون) (١٠١).

ويتضح - كما ذكر الفقهاء ـ: أنه في جميع الصور التي تقرر اختيار الأقل ضرراً أو الأخف فإن ذلك لا يلغي حق الغير في الضمان؛ لأنه مع أن الشارع أجاز وأباح ارتكاب أحد الضررين إلاّ أنه لا ملازمة بين الجواز الشرعي وعدم الضمان) (١٠٢). كما أنه في انضمام جبران الضرر الذي أصاب الغير كما الامتنان، وهو الذي تقتضيه نظرية (نفي الضرر).

١ - العين للفراهيدي ٧: ٦.

٢ - لسان العرب لابن منظور ٤: ٤٨٤.

٣ - راجع النهاية لابن الأثير ٢: ١٦.

٤ - القواعد الفقهية ١: ١٧٨ - ١٧٩.

٥ - فتح المبين لشرح الأربعين: ٢٣٧.

٦ - شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا: ١٣.

٧ - المدخل الفقهي العام ٢: ٩٧٧.

٨ - معين الحكام: ٢١٢.

٩ - جامع العلوم والحكم: ٢٨٨.

١٠ - المنتقى في شرح الموطأ ٦: ٤٠.

١١ - الوسيط شرح القانون المدني للدكتور السنهوري ١: ٩٧١.

١٢ - راجع تحقيق الحديث في (قاعدة لا ضرر) لشيخ الشريعة الإصفهاني، ونصب الراية في أحاديث الهداية للزيلعي: ج ٤.

١٣ - المصدر السابق.

١٤ - الأشياء والنظائر: ٨٥.

١٥ - المنتقى في شرح الموطأ ٦: ٤٠.

١٦ - النهاية في غريب الحديث ٢: ١٦.

١٧ - رسائل الشيخ الأنصاري.

١٨ - فتح المبين: ٢٣٧.

١٩ - حقائق الأصول للإمام الحكيم ٢: ٣٧٧.

٢٠ - بدائع الصنائع ٧: ١٦٥.

٢١ - غالية الدرر لأبي الفضل النبوي القمي: ٢٤.

٢٢ - راجع: غالية الدرر للنبوي القمي: ٢٣.

٢٣ - الأشباه والنظائر: ١٥٠.

٢٤ - راجع: أ - تهذيب الأصول للشيخ جعفر السبحاني، تقريرات بحث الإمام الراحل الخميني قدس سره ٢: ٤٦٥.

ب - والقواعد الفقهية للبجنوردي ١: ١٧٩.

جـ - والمدخل الفقهي العام للدكتور مصطفى الزرقا ٢: ٩٧٧، مع ما نقلناه من كلماتهم في المقام.

٢٥ - راجع: مصباح الفقاهة للإمام الخوئي رحمه الله ٢: ٢٦٣ , والأشباه والنظائر للسيوطي: ٨٧، وتحرير المجلة للشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ١: ٢٧.

٢٦ - الأشباه والنظائر الإشارة السابقة.

٢٧ - طريق الوصول إلى تحقيق كفاية الأصول للخراساني للشيخ محمد الحويزي الكرمي ٤: ٦٤. وعناية الأصول للفيروز آبادي ٤: ٣٢٣.

٢٨ - حقائق الأصول للإمام محسن الحكيم ٢: ٣٦٦، ومصباح الفقاهة للإمام الخوئي الإشارة السابقة.

٢٩ - قواعد الأحكام ٢: ٨٩.

٣٠ - الأشباه والنظائر: ٨٥.

٣١ - الأشباه والنظائر لابن نجيم: ٨٩، والهداية للمرغيناني الحنفي ٣: ٢٧٧.

٣٢ - أعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ٣: ١.

٣٣ - راجع بحثاً قيماً في مستند تحرير الوسيلة للشيخ أحمد المطهري ط ١ سنة (١٤٠٢هـ).

٣٤ - فقه الإمام الصادق لمغنية ٤: ١٩٠.

٣٥ - بداية المجتهد لابن رشد ١: ٤٧٦.

٣٦ - الميزان الكبرى للشعراني ٢: ٥٨.

٣٧ - سنن أبي داود ٤: ٦ برقم ٣٨٧٤.

٣٨ - وسائل الشيعة للحر العاملي ١٧: ٢٧٥.

٣٩ - القواعد والفوائد للشهيد الأول ١: ١٢٦.

٤٠ - أحكام القرآن للجصاص الحنفي ١: ١٢٦.

٤١ - الميزان الكبرى ٢: ٥٨.

٤٢ - المحلى ٧: ٤٢٦.

٤٣ - الأنعام: ١١٩.

٤٤ - اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، عن أنس ٣: ٣٢.

٤٥ - أحكام القرآن ١: ١٢٦.

٤٦ - راجع ما نقله الشيخ مغنية عن الشيخ الطوسي ٤: ١٩٠.

٤٧ - راجع قاعدتان فقهيتان للشيخ جعفر السبحاني: ٩٤، والموافقات للشاطبي ٢: ٣٤٨.

٤٨ - سنن أبي داود ٤: ٦ برقم ٣٨٧٤.

٤٩ - راجع: الرسائل للشيخ الأنصاري: ٢٩٥، والطرق الحكمية لابن قيم الجوزية: ٢٦٤.

٥٠ - راجع: تحرير المجلة لكاشف الغطاء ١: ٢٧.

٥١ - راجع: القواعد والفوائد للشهيد الأول ١: ١٤٤، والموافقات للشاطبي ٢: ٣٥٠، والأشباه والنظائر للسيوطي: ٨٥.

٥٢ - راجع: رد المحتار لابن عابدين ٥: ١٤.

٥٣ - الموافقات ٢: ٣٥٤.

٥٤ - راجع مصباح الفقاهة للإمام الخوئي ٢: ٢٦٧، قال: (ليس هناك ملازمة بين الجواز الشرعي وعدم الضمان).

٥٥ - المدخل الفقهي العام للزرقا ١: ٦٩٠.

٥٦ - راجع: القواعد الفقهية لابن رجب الحنبلي: ٣٧.

٥٧ - راجع: أسهل المدارك للكشناوي المالكي ٣: ٦٩.

٥٨ - راجع ما نقلناه من كلمات الفقهاء في تقرير هذه القاعدة.

٥٩ - بدائع الصنائع ٦: ٢٦٤، جامع الفصولين لابن قاضي سماونة ٢: ٢٠٧.

٦٠ - الام للإمام الشافعي ٣: ٢٢٢.

٦١ - فرائد الأصول للشيخ الأنصاري ٢: ٥٣٨، ونقل دعوى الوفاق عليه عن الشيخ والحلبي وابن زهرة.

٦٢ - المحلى ٨: ٢٤١.

٦٣ - المصدر السابق.

٦٤ - جامع العلوم والحكم لابن رجب: ٢٩٠.

٦٦ - المصدر السابق.

٦٧ - قاعدة الجواز الشرعي تنافي الضمان وقد أشير إليها سابقاً.

٦٨ - مصباح الفقاهة للإمام الخوئي ٢: ٥٦٤.

٦٩ - النساء ١٢ قوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار (.

٧٠ - البقرة: ٢٣١ قوله تعالى: (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا… (.

٧١ - المحلى ٨. ٢٤١.

٧٢ - راجع قاعدتان للسبحاني: ٩٧.

٧٣ - فرائد الأصول للشيخ الأنصاري ٢: ٥٣٩.

٧٤ - كشف المغطى للطاهر بن عاشور: ٣٠٨.

٧٥ - الرسائل للشيخ الأنصاري.

٧٦ - الجامع لأحكام القرآن للقراطبي ١٦: ٣٢٧، وراجع الموافقات للشاطبي ٢: ٣٥٤.

٧٧ - فتح القدير ٦: ٤١٥، وراجع: الهداية، للمرغيناني ٤: ١٠٦.

٧٨ - الفتاوى الكبرى، لابن حجر ٣: ١٦٧.

٧٩ - جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي: ٢٩٠.

٨٠ - الروضة البهية في شرح اللعمة الدمشقية، للشهيد الثاني ٧: ٣٣.

٨١ - المحلى ٨: ٢٤١.

٨٢ - جامع العلوم والحكم، الإشارة السابقة.

٨٣ - تبصرة الحكام، للطرابلسي ٢: ٣٠٥.

٨٤ - بدائع الصنائع ٦: ٢٦٤.

٨٥ - نهاية المحتاج، للرملي ٥: ٣٣٣

٨٦ - الروضة البهية في شرح اللمعة ٧: ٢٣٣.

٨٧ - نهاية المحتاج، الإشارة السابقة.

٨٨ - راجع تحرير المجلة، لكاشف الغطاء: ٢٨

٨٩ - الفرائد، للشيخ الأنصاري، الطبعة الحجرية: ٢٩٨.

٩٠ - راجع: مصباح الفقاهة، للإمام الخوئي (قدس سره) ٢: ٢٦٥.

٩١ - الأشياء والنظائر للسيوطي: ٨٧.

٩٢ - الأشياء والنظائر للسيوطي ٨٦ / ٨٧، والأشياء والنظائر لابن نجيم: ٨٨.

٩٣ - الأشباه والنظائر للسيوطي: ٨٦.

٩٤ - الأشباه والنظائر لابن نجيم: ٨٨، وتكملة شرح فتح القدير للبهوتي ٩: ٣٤٢.

٩٥ - شرح منتهى الإرادات للبهوتي ٢: ٤٠٤.

٩٦ - مصباح الفقاهة للإمام الخوئي ٢: ٥٦٣.

٩٧ - مغني المحتاج للشربيني ٢: ٢٩٥، وشرح منتهى الإرادات ٢: ٤٠٤.

٩٨ - قاعدتان للشيخ جعفر السبحاني.

٩٩ - قاعدة الضرر للشيخ الزنجاني: ١١٧.

١٠٠ - شرح منتهى الإرادات ٢: ٤٠٤.

١٠١ - الرسائل للشيخ الأنصاري، طبعة حجرية: ٢٩٩.

١٠٢ - مصباح الفقاهة للإمام الخوئي ٢: ٢٦٧، وراجع فواتح الرحموت لابن عبد الشكور ١: ٢٩٥.



[ Web design by Abadis ]