ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أسباب الاختلاف بين أئمة المذاهب الإسلاميّة \ الشيخ محمّد محمّد المدني «رحمه الله»

القسم الأول

القطعي والظني في الشريعة الإسلاميّة:

١ - القطعيات، أو (ما ليس محلاً للاجتهاد): العقائد الأساسية في الإيمان - الأحكام العملية التي التحقت بها - القواعد الكلية القطعية.

٢ - الحكمة في ورود الشريعة الإسلاميّة بهذين النوعين.

٣ـ هذا التقسيم مسلم به على الجملة من جميع علماء المسلمين، وإنما وقعت الفرقة والتشاحن من إلحاق بعض الظنيات بالقطعيات اشتباهاً أو تعصباً.

* أمثلة لذلك في المسائل الكلامية: القضاء والقدر - الحسن والقبح العقليان - رأي ابن القيم في هذه المسألة.

* أمثلة لذلك في المسائل الفقهية: حل متروك التسمية عمداً من

الذبائح - المسح على الخفين - نكاح المتعة.

٤ - الخلاف لا يمنع الإنصاف والائتلاف.

١ - هناك نوعان من المسائل والأحكام يستطيع الناظر في علم الشريعة الإسلاميّة أن يفرق بينهما، وأن يهتدي بهذا التفريق في بحثه ودرسه:

النوع الأول:

الأحكام القطعية التي قام الدليل على أنها ثابتة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان، ولا يجوز الاختلاف فيها، ولا تخضع في ثبوتها ونفيها لاجتهاد المجتهدين.

ويمكننا أن نرجع هذا النوع إلى ما يأتي:

أولاً: العقائد القاطعة التي يجب الإيمان بها لقيام الدليل اليقيني في ثبوته ودلالته عليها، وعلى أنها الحد الفاصل بين المسلمين وغير المسلمين، ومن جحد شيئاً منها فقد خرج من ربقة الإسلام، وذلك: كالتوحيد، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وختم النبوة بمحمد صلوات الله وسلامه عليه، والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال في الدار الآخرة، وأن الله تعالى متصف بكل كمال، منزه عن كل نقصان، وأن الرسل لا يجوز عليهم الكذب ولا الكتمان ولا الخيانة، إلى غير ذلك من العقائد التي يكون بها المسلم مسلماً، والتي يخرج من الإسلام إذا جحد شيئاً منها.

فليس لأحد أن يجتهد في ذلك وأمثاله، لأنه ليس محلاً للاجتهاد، إذ هو حقائق متعينة ثابتة باقية لا تتغير مهما تغير الزمان أو المكان إلى يوم الدين، وليس هناك احتمال ما لثبوت تغيرها أو بطلانها.

ثانيا: الأحكام العملية التي جاءت بها الشريعة بطريقة واضحة حاسمة في جانب الإيجاب أو المنع أو التخيير، وذلك مثل: وجوب الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وكون الصلوات خمساً في اليوم والليلة، وكون هيئة الصلوات هي هذه الهيئة المعروفة، وأعداد ركعاتها هي الأعداد المعروفة، ومثل:

تحريم قتل النفس بغير الحق، وأكل الأموال بالباطل، وقذف الأعراض، والزنا، والإفساد في الأرض، ونحو ذلك، ومثل: إباحة الطيبات وتحريم الفواحش…. الخ.

ثالثا: القواعد الكلية التي أخذت من الشريعة بنص واضح ليس فيها ما يعارضه تقريرا أو تفريعاً، أو استنبطت بعد الاستقراء التام وعلم أن الشريعة تجعلها أساساً لأحكامها وذلك مثل: (لا ضرر ولا ضرار). (ما جعل عليكم في الدين من حرج).

(الحدود تدرأ بالشبهات). ٠ لا يعبد الله إلاّ بما شرع) (المعاملات طلق حتى يثبت المنع) ونحو ذلك.

النوع الثاني:

أحكام أو نظريات لم تجئ على هذا النحو الواضح القاطع في وروده ومعناه، ولكنها جاءت أو جاء ما يدل عليها أو يشير إليها على نحو صالح لأن تختلف فيه الأفهام، وتتعدد وجهات النظر: إما لأمر يتعلق بأصل الورود، أو بالدلالة والإفادة.

وهذا النوع هو الذي جعلته الشريعة موضع اجتهاد المجتهدين، وجعلت منه مجالاً للنظر والتفكير والموازنة والترجيح والاستقراء والتتبع وتقدير المصلحة والعرف وتغير الحال، إلى غير ذلك من وجوه النظر، وأسباب الاختلاف.

ومن هذا القبيل:

أ - في جانب المعارف الكلامية: ما كان من اختلاف النظر في شأن القضاء والقدر، وفي تأويل ما ورد من إثبات الوجه واليد والعين ونحو ذلك لله تعالى على معنى يليق بالتنزيه، أو التفويض بإبقائها على ما وردت عليه بدون تأويل، مع اعتقاد أنه تعالى (ليس كمثله شيء (، وفي إمكان رؤية المؤمنين لله أو عدم إمكانها، وفي وجوب التوقف عن الخوض فيما شجر بين الصحابة من خلاف أفضى إلى التنازع والحرب، أو إباحة ذلك لمن شاء، إلى غير ذلك.

ب - وفي جانب الأحكام الفقهية: اختلاف الفقهاء في مقدار الرضاع المحرم

لقيام علاقة زوجية، وفي حكم القصاص في القتل بالإكراه، وفي صحة النكاح ونفاذه ولزومه إذا باشرت المرأة العقد دون وليها، وفي القضاء بشاهد ويمين من جانب المدعي، وفي القضاء بالقرائن، وغير ذلك من المسائل الخلافية الفقهية.

ج - وفي جانب القواعد الأصولية أو الفقهية التي تفرع عليها الأحكام: اختلاف النظر في أن القرآن ينسخ أو لا ينسخ، وبم ينسخ، وفي العمل بالقياس، وفي العمل بالعقل، وفي كون الزيادة على ما في الكتاب نسخاً، وفي تقديم أحاديث الآحاد أو أقوال الصحابة على القياس، إلى غير ذلك.

٢ - والحكمة في ورود هذه ين النوعين من الأحكام في الشريعة الإسلاميّة: أن أمر الناس لا يصلح إذا جاءت الأحكام والمسائل كلها على نمط واحد؛ فلا يصلح في أمور العقائد وأصول الدين أن يترك الناس لعقولهم وأفهامهم وظنونهم، كما لا يصلح ذلك في حقائق العبادات وصورها ورسومها، ولا في أصول المعاملات التي تقوم عليها، فكان من رحمة الله بالناس أن وقاهم شر التفرق فيها، ورسم لهم دائرة محدودة واضحة المعالم، يعرف من دخلها ومن خرج عنها، وسما بالحقائق الواقعة عن ان تكون محل خلاف أو تنازع، أما الفروع التي لا يضر الاختلاف فيها - سواء أكانت في الجوانب النظرية أم في الجوانب العملية - فلم يكن يصلح أمر الناس على توحيدها، ولو أنها وحدت لجمدت العقول، ولاصطدمت الشريعة في كل زمان ومكان بما يجد للناس من صور المعاملات، وبما لابد منه من مراعاة المصالح، ودرء المفاسد؛ لذلك كان من رحمة الله بالناس وحكمته في التشريع لهم أن يفتح للعقول مجال النظر، وأن يجعل من ذلك مدداً لا ينضب معينه لما يجد من القضايا والصور، ولما تساير به الشريعة المصالح [١]

٣ - وهذا التقسيم الذي ذكرناه مسلم على الجملة لدى جميع علماء الإسلام في مختلف المذاهب، لا تكاد تجد فيه خلافاً بين سني وشيعي، ولا بين أشعري ومعتزلي،

ولكن يوجد كثيراً من يبالغ في مسألة من المسائل الخلافية الكلامية أو الفقهية فيلحقها - اشتباها أو تعصباً - بالمسائل القطعية التي لا يجوز الخروج عنها، ويترتب على ذلك أن يرمي مخالفيه عنها بأنهم أهل بدعة أو ضلال أو هوى، أو غير ذلك من الأوصاف التي تسوق إليها الحماسة والعاطفة المذهبية.

ومن أمثلة هذا:

أ - في جانب المعارف الكلامية:

١ - اختلاف النظر في شأن (القضاء والقدر) [٢]: فمن الناس من تأملوا في القرآن والأحاديث فوجدوا فيها أشياء ظاهرها الإجبار والإكراه كقوله تعالى (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ( [٣].

(ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ( [٤] وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه) فبنوا من هذا النوع: أن العبد مجبر ليس له شيء من الاستطاعة.

ومن الناس من نظروا إلى آيات أخر، وأحاديث أخر تدل على أن العبد مستطيع مفوض أمره إليه يفعل ما يشاء، كقوله تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر ( [٥] (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ( [٦] وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل مولود يولد على القطرة حتى يكون أبواه هما اللذان

يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ثم بنوا من هذا النوع مقالة ثانية أصلوها على أن العبد مخير مفوض إليه أمره يفعل ما يشاء، ثم عمدت كل طائفة من هاتين إلى ما خالف مذهبها من الآيات والأحاديث، فأولته ما أمكنها التأويل، وردت منه ما استطاعت رده.

وطائفة ثالثة توسطت، فجمعت بين مشيئة العبد ومشيئة الرب، وعلى معنى أن للعبد مشيئة، ولكنها لا تتم إلاّ بمشيئة ربه، وذلك أخذاً من مثل قوله تعالى: (وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله ( [٧] (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تزكن إليهم شيئا قليلاً ( [٨]

ومن مثل ما وري عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه من أن رجلاً سأله: هل العباد مجبرون؟ فقال: الله أعدل من أن يجبر عبده على معصية ثم يعذبه عليها، فقال له السائل: فهل أمرهم مفوض إليهم؟ فقال جعفر: الله أعز من أن يجوز في ملكه ما لا يريد، فقال السائل: فكيف الأمر إذن؟ فقال جعفر: أمر بين الأمرين، لا جبر ولا تفويض - وكنحو ما روي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه لما انصرف من صفين قام إليه شيخ فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت مسيرنا إلى صفين أبقضاء وقدر؟ فقال علي رضي الله عنه: والله ما علونا جبلا ولا هبطنا وادياً ولا خطونا خطوة إلاّ بقضاء وقدر، فقال الشيخ: فعند الله احتسبت عنائي، إذن ما لي من أجر! فقال له علي: مه يا شيخ، فإن هذا قول أولياء الشيطان وخصماء الرحمن، قدرية هذه الأمة، إن الله تعالى أمر تخييراً، ونهى تحذيراً، لم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرها فضحك الشيخ ونهض مسروراً ثم قال:

أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * * * * يوم القيامة من ذي العرش رضوانا

أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * * * * جزاك ربك عنا فيه إحسانا

ويتلخص هذا في أن الله تعالى علم كل ما هو كائن قبل أن يكون، ثم خلق الإنسان فجعل له عقلاً يرشده واستطاعة يصح بها تكليفه، ثم طوى علمه السابق عن خلقه، وأمرهم ونهاهم، وأوجب عليهم الحجة من جهة أمرهم ونهيهم، لا من جهة علمه السابق فيهم، فهم يتصرفون بين مطيع وعاص، وكلهم لا يعدو علم الله السابق فيه، وإلا انقلب العلم جهلاً، تعالى الله عن ذلك، ولكن ليس في أن يعلم الله الأمور قبل وقوعها إجبار؛ لأن العلم ليس من صفات التأثير، فمن فعل شيئاً فقد فعله باستطاعة منه في ظل المشيئة الإلهية، ولم تجر المشيئة الإلهية بأن تجبر أحداً على طاعة أو معصية، ولكن تيسر وتمد: (فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ( [٩] (والذين اهتدوا زادهم هدى ( [١٠] (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً ( [١١] (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ( [١٢] (وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله رب العالمين ( [١٣].

هذه مقالات الطوائف الثلاث في (القضاء والقدر)، وذلك سر اختلافهم في هذه المسألة، والخير كل الخير في الوقف وعدم الخوض في ذلك وأمثاله، لقول صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا ذكر القضاء فأمسكوا) ونعم ذلك مذهبا لمن آثر الخلاص والسلامة، وشغل نفسه بالعمل النافع، متوفراً عليه، مستريحاً من السير في طريق طالما زلت فيه الأقدام، وتحيرت الأفهام.

٢ - ومن الأمثلة في هذا المقام أيضاً: اختلاف الأشاعرة مع المعتزلة والإمامية في مسألة الحسن والقبح العقليين، فالأشاعرة يقولون: لا حسن إلاّ ما حسنه الشرع،

الخبيث كان خبيثاً قبل تحريمه، ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس الحل والتحريم، فإنه بمنزلة أن يقال: يحل لهم ما يحل، ويحرم عليهم ما يحرم، فثبت أنه أحل لهم ما هو طيب في نفسه قبل الحل فكساه بإحلاله طيباً آخر فصار منشأ طيبه من الوجهين معاً. ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ( [١٤] وهذا دليل على أنها فواحش في نفسها لا تستحسنها العقول فتعلق التحريم بها لفحشها، فإن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على أنه هو العلة المقتضية له، والعلة يجب أن تغاير المعلول، فلو كان كونه فاحشة هو معنى كونه منهياً عنه، وكونه خبيثا هو معنى كونه محرما كان العلة عين المعلول وهذا محال. ومن ذلك قوله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ( [١٥] فأخبر تعالى أن ما قدمت أيديهم قبل البعثة سبب لإصابتهم بالمصيبة، وأنه سبحانه وتعالى لو أصابهم بما يستحقون من ذلك لاحتجوا عليه بأنه لم يرسل إليهم رسولاً، ولم ينزل عليهم كتاباً، فقطع هذه الحجة

بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وهذا صريح في أن أعمالهم قبل البعثة كانت قبيحة بحيث استحقوا أن تصيبهم بها المصيبة، ولكنه سبحانه وتعالى لا يعذب إلاّ بعد إرسال الرسل، وهذا هو فصل الخطاب، وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن القبح ثابت للفعل في نفسه، وأنه لا يعذب الله عليه إلاّ بعد إرسال الرسل [١٦].

ومن هذا يتبين أن ابن القيم يأخذ من المعتزلة قولهم بالحسن والقبح العقليين وأن الشرع لا ينشئ في الأشياء حسنا ولا قبحاً، بل يؤكد الحسن بالحل، والقبح بالتحريم، ولكن ابن القيم في الوقت نفسه ينفي أن يكون التعذيب على القبائح إلاّ

ولا قبح إلاّ ما قبحه الشرع، وأنه تعالى لو خلد المطيع في جهنم والعاصي في الجنة لم يكن قبيحاً، لأنه يتصرف في ملكه ولا يسأل عما يفعل، وليس للعقل حكومة ولا إدراك للحسن والقبح في حق الله تعالى، أي أنه ليس له وظيفة الحكم بأن هذا حسن من الله، وهذا قبيح منه، تعالى الله عن ذلك.

أما المعتزلة والإمامية فقالوا: إن الحاكم في ذلك هو العقل مستقلاً وجاء الشرع مرشداً لحكمه أو مؤكداً له، والعقل يحكم بحسن بعض الأفعال وقبحها، ويحكم بأن القبيح محال على الله؛ لأنه حكيم، وفعل القبيح منافٍ للحكمة، وتعذيب المطيع ظلم، والظلم قبيح مناف للحكمة، لا يقع منه تعالى [١٧].

وينبغي أن يعلم أن نظرية الحسن والقبح - وإن نسبت إلى المعتزلة أو الإمامية يقول بها بعض علماء السنة، ومنهم ابن القيم، قال في كتابه (مفتاح دار السعادة) (فمن جوز عقله أن ترد الشريعة بضدها من كل وجه في القول والعمل، وأنه لا فرق في نفس الأمر بين هذه العبادة وبين ضدها: من السخرية والسب والبطر وكشف العورة والبول على الساقين والضحك والصفير وأنواع المجون وأمثال ذلك فليعز في عقله، وليسأل الله أن يهبه عقلاً سواه، وقد سئل بعض الأعراب فقيل له: كيف عرفت أن محمداً رسول الله؟ فقال: (ما أمر بشيء فقال العقل ليته ينهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به). فهذا الأعرابي أعرف بالله ودينه ورسوله من هؤلاء، وقد أقر عقله وفطرته بحسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه، حتى كان في حقه من أعلام نبوته وشواهد رسالته. ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ( [١٨] فهذا صريح في أن الحلال كان طيباً قبل حله، وأن بعد إقامة الحجة بالرسالات والكتب.

والواقع أن المختلفين جميعاً مستهدفون هدفا واحداً هو: اتصاف الله تعالى بأوصاف الكمال والجلال، ولم يقل أحد إن العقل والشرع قد اختلفا في شيء ما من جهة أنه حسن أو قبيح، وإنما الكلام في جواز ذلك أو عدم جوازه، فمن جوزه فإنما يفر من تقييد الله تعالى المنافي لالوهيته، وكونه يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه، ومن أحاله فإنما يفر من وصفه - جل شأنه - بأنه يجوز عليه فعل شيءٍ يراه العقل قبيحاً، وليس المصير إلى أحد القولين بواجب في العقيدة.

وقل مثل ذلك في جميع المسائل النظرية التي تذكر في كتب الكلام ويهتم بها علماؤه، وتعطى في نظر كثير من أهل المذاهب أو الطوائف أهمية فوق ما تستحق، ويصل بها الأمر أحياناً إلى أن تكون سبباً في الفرقة بين المسلمين، بل إلى أن ينظر بعضهم إلى بعض كأنهم أهل أديان مختلفة، وربما طوعت العصبية المذهبية لبعضهم أن يستنصر بمخالفيه في الدين على مخالفيه في المذهب أو الطائفة، مع أنهم جميعاً إخوة في الإسلام.

ب - وفي جانب المسائل الفقهية:

من أمثلة ذلك:

١ - تشديد بعض العلماء على الشافعية في قولهم بحل الحيوان الذي تركت التسمية عليه عمداً؛ لظنهم أن هذا مصادم مصادمة ً صريحةً لقوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ( [١٩] وقد بلغ ببعضهم التشديد في ذلك إلى أن عدوه زيغا، مع أنها مسألة خلافية، وللشافعية فيه وجهة نظرهم، حيث حملوا الآية على آية أخرى وهي قوله تعالى: (قل لا أجد في ما أو حي إلي محرما على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دما مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ( [٢٠] فهذه الآية تفيد أن المحرم من الذبائح إنما هو الحيوان الذي أهل لغير الله به، وهذا غير الحيوان الذي لم يذكر اسم الله عليه عمداً أو سهواً، فحملوا النهي في قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه (على ما أهل لغير الله به، وآزروا هذا بما روي من: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - سئل فقيل له: إن ناساً من البادية يأتوننا بلحمان ولا ندري أسموا الله عليها أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (سموا الله عليها ثم كلوها) وما روي من قوله عليه الصلاة والسلام: (المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم) ومن أنه سئل فقيل له: أرأيت الرجل منا يذبح

وينسى أن يسمي الله؟ فقال: (اسم الله في قلب كل مسلم).

فالذين شددوا على الشافعية اعتبروهم مخالفين للنهي الصريح المتبع بأن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه فسق، ولكن الشافعية متأولون في أمر محتمل لهم فيه وجهتهم، وحاشاهم أن يرفضوا نصاً لا احتمال فيه.

٢ - ومن أمثلة هذا في المسائل الفقهية أيضاً: مسألة الاختلاف في المسح على الخفين، فقد أولاها المختلفون أهمية كبرى: فبينما يعتبر أهل السنة جواز المسح على الخفين في منزلة الأصول التي لا يجوز إنكارها ولا التردد فيها نرى الشيعة - من زيدية وإمامية - ينازعون في الجواز منازعة شديدة، ويقولون: إنه نسخ.

وقد روى أهل السنة أحاديث كثيرة في جواز المسح، وقالوا: ثبت هذا الجواز عن أكثر من سبعين صحابياً، وصرح جمع من الحفاظ بأنه متواتر، ويقول بعض العلماء من أهل السنة: (رأينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - كانوا يقولون: الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والصبر على حكم الله، والأخذ بما أمر الله والمسح على الخفين، فهو قد جعل المسح على الخفين عديلاً للعقائد القاطعة.

والشيعة يقولون: إن ما ورد من مسح النبي صلى الله عليه وآله وسلم - إنما يذكر

ما كان منه قبل آية الوضوء التي في سورة المائدة، فيكون منسوخاً ويقول يحيى بن الحسين، وهو من المنكرين لجواز المسح على الخفين: (لأن تنقطع رجلي أحب إلي من أن أمسح على خفي) ورووا عن ابن عباس وغيره ما يدل على نسخ الجواز.

٣ - ومن أمثلة هذا النوع أيضاً: ما وقع من الخلاف بين الجمهور والشيعة الإمامية في نكاح (المتعة) وهو: العقد على الزوجة إلى أجل، فالإمامية يبيحونه والسنة يمنعونه، ويعتبرون إباحته خرقاً للإجماع، ويذكرونه في معرض النبز للإمامية بمخالفتها أمراً مجمعاً عليه. والأمر في هذه المسألة له جانبان: جانب متفق عليه، وهو: أن ذلك كان مشروعاً في أول الإسلام، شرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وأباحه وعمل به جماعة من الصحابة وجانب مختلف فيه: وهو: أن أهل السنة يقولون: نسخت الإباحة، والشيعة يقولون: لم تنسخ، ولكل أدلته على ما يقول، وهي أدلة صالحة للنظر والدرس والترجيح، فالمسألة إذن من المسائل الخلافية التي يباح للمجتهدين أن ينظروا فيها.

(ج) وفي جانب القواعد الأصولية: من أمثلة ذلك:

١ - اختلافهم في الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة، وذلك أنه إذا ورد في الكلام جمل متعاطفة ثم جاء استثناء ولم يكن في الكلام دليل على عوده إلى جميع الجمل أو إلى بعضها بخصوصه فهل تكون القاعدة أن يعود الاستثناء إلى جميع الجمل، أو إلى الأخيرة منها فقط؟

فالأول هو: مذهب الشافعية، والظاهر من مذهبي المالكية والحنابلة. والثاني هو: مذهب الحنفية. وذهب جماعة إلى التوقف، منهم: القاضي أبو بكر، ومنهم: المرتضى من الشيعة الإمامية.

ويترتب على هذه القاعدة اختلاف في مثل قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور

رحيم ( [٢١].

فالذين يعيدون الاستثناء إلى الجمل كلها يقولون: قد ذكرت عدة جمل قبل الاستثناء هي أحكام مترتبة على القذف: (فاجلدوهم ثمانين جلدة (. (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً (. (وأولك هم الفاسقون (والاستثناء يعود إلى الكل، إلاّ أن الدليل دل على أن التوبة لا تسقط حقوق العباد، وبقي بعد ذلك الجملتان: الثانية والثالثة، فمن تاب وأصلح قبلت شهادته، ولم يعتبر فاسقاً.

والذين يعيدون الاستثناء إلى الأخيرة فقط يقولون: لا تقبل شهادة القاذف بالتوبة، ولكن لا يعد فاسقاً بعد توبته، ويؤيدون ذلك بمعنى عقلي هو: ان رد الشهادة من تمام الحد والعقوبة، فإن الله جعل على القاذف نوعين من العقوبة: عقوبة بدنية هي: الجلد، وعقوبة أدبية هي: الحرمان من مركز الشهادة، فكما أن التوبة لا ترفع الجلد لأنه حق من حقوق العباد كذلك لا ترفع العقوبة الأدبية التي هي رد الشهادة لهذه العلة نفسها.

فالمبدأ في هذا الخلاف يرجع إلى القاعدة التي ارتضاها كل من الفريقين، ولك منهما دليله على ما ارتضى في علم أصول الفقه، ثم آزر الحنفية ما رأوا بالمعنى الذي ذكرناه، كما آزر الفريق الآخر رأيهم بأن رفع الفسق بالتوبة يناسبه قبول الشهادة، وليس مما يتناسب أن يرفع الفسق ويبقى رد الشهادة.

٢ - ومن ذلك أيضاً: اختلافهم في مسألة الزيادة على النص هل تعد نسخاً أو لا؟ وستأتي أمثلة لذلك تغنينا عن التمثيل.

(د) وفي جانب القواعد الفقهية: من أمثلة ذلك.

١ - ما ذكره الإمام أبو زيد الدبوسي في كتابه (تأسيس النظر) [٢٢] حيث يقول: (الأصل عندنا عندنا - أي: الحنفية - أن المضمونات تملك بالضمان السابق، ويستند الملك فيها إلى وقت وجوب الضمان إذا كان المملوك مما يجب تملكه بالتراضي. وعند الإمام القرشي، أبي عبد الله الشافعي: المضمونات لا تملك بالضمان، وعلى هذا مسائل:

منها: أن الغاصب إذا ضمن قيمة المغصوب ثم ظهر المغصوب فهو له؛ لأنه ملكه بالضمان، فاستند ملكه إلى وقت وجوب الضمان عند علمائنا، وعند الإمام القرشي - أبي عبد الله الشافعي ـ: لا يكون له المضمون ملكاً، والمغصوب منه إذا أخذ القيمة كان عليه رد القيمة وأخذ المضمون من الغاصب؛ لأن الغاصب لا يملكه….

ومنها: إذا غصب حنطة فطحنها ملكها؛ لأنه عجز عن ردها بعينها، فأشبه فواتها من يده، فضمن مثلها ضمانا مستقراً لا موقوفاً فملك المطحون؛ لأن الملك يتبع سابقه وجوب الضمان عندنا، فإن قيل: ما الدليل على أنه عجز عن ردها بعينها، ودقيقها عينها؟ قيل له: الدقيق غير الحنطة اسماً وحكماً ولوناً وصورة، وعند الإمام أبي عبد الله الشافعي: لا يملك ذلك الطحين بالطحن.

ومنها: إذا غصب ساجةً فأدخلها في بنيانه وفي نزعها ضرر لصاحب البنيان ملكها صاحب البناء عندنا؛ لوجوب الضمان اللازم عندنا له بالملك المستقرّ في ذمّته، وعند أبي عبد الله: لا يملك الساجةً، ويجب عليه نزعها).

٤ - ويتبين من هذا كله أمران:

أحدهما: أنّ الخلاف بين المسلمين في المسائل الخلافية من كلاميةٍ وفقهيةٍ ليس

أساسه - إذا أرجعناه إلى مراجعه الأولى - أن هؤلاء سنة وهؤلاء شيعة، أو أن هؤلاء حنفية، وهؤلاء شافعية أو مالكية…. الخ، أو أن القائل بكذا أشعريّ والمخالف له معتزليّ إلى غير ذلك، ولكن أساسه هو: اختلاف النظر والتقدير وما ترجح عند كل فريقٍ، ثم جاء الأتباع فورثوا هذا عن المتبوعين وتعصبوا له، ووجد من متأخريهم من يصور المذهبية على أنها التزام لمذهبٍ معينٍ، فما دام الإنسان قد اختار أن يكون حنفياً - مثلاً - فليس له أن يعمل بمذهبٍ غير الحنفية، وإذا كان عالماً بالفقه كان عليه أن يدور في فلك الحنفية، فيخرج أقوالهم ويدافع عنها، ويجتهد في إبطال آراء الآخرين ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

وتفرع على ذلك أنهم قرروا أن من قلد مذهباً ليس له أن ينتقل إلى غيره، وقد جاء في فرع باب التعزير من كتاب (الدر المختار): (من ارتحل إلى مذهب الشافعي يعزر) وقرروا أن ليس للإنسان إذا قلد مذهباً معيناً - ولابد له أن يقلد - أن يقلد غير هذا المذهب في بعض الوقائع إلاّ بشروط، وقرروا أن ليس للمتأخر أن يبحث أو يرجح فيما بحثه المتقدم أو رجحه…. الخ) [٢٣]

وليس هذا صحيحاً، وإنما قاله بعض المتأخرين حينما تحكمت فيهم روح الخلاف، وملكتهم العصبية المذهبية، فراحوا يضعون من القوانين ما يمنع الناس من الخروج عن مذاهبهم، وانتقلت المذاهب بهذا الوضع عن أن تكون أفهاماً يصح أن تناقش فترد، أو تقبل إلى التزامات دينية لا يجوز لمن نشأ فيها أن يخالفها أو يعتنق غيرها.

وقد وصف الشيخ عز الدين بن عبد السلام موقف هؤلاء المتأخرين فقال: (ومن العجب العجاب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعاً، وهو مع ذلك يقلده، ويترك من شهد له الكتاب والسنة، ويتأولهما

بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالاً عن مقلده). ثم قال: (لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيدٍ بمذهبٍ ولا إنكارٍ على أحدٍ من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين، فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة، مقلداً له فيما قال كأنه نبي أرسل، وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب، لا يرضى به أحد من ذوي الألباب).

وقد عهدنا العلماء الراسخين يتبعون الدليل من أي أفقٍ ظهر، ولا يعبأون بمخالفة مذاهبهم، فقد يخالف الحنفي الحنفي، وقد يخالف الشافعي الشافعي، وقد يخالف الإمامي الإمامي، وقد ينتصر العالم لرأي في غير مذهبه؛ لأنه يراه الصواب، ومن أمثلة هذا: مخالفة ابن تبمية وابن القيم لجميع مذاهب أهل السنة في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وأخذهم بمذهب الإمامية لا يوقعون به إلاّ طلقة واحدة؛ لأن الدليل معهم. وقد كان لبعض العلماء المعاصرين يوم قرر قانون الأحوال الشخصية في مصر الأخذ بمذهب الإمامية في ذلك ضجة كبرى؛ لأن المذاهب الأربعة توقع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثاً، وقد استقر أمر الناس عليها حتى اعتبرها العامة والخاصة مسألة في صف المسائل الأساسية، فكان هذا القانون سبباً في قيام اعتراضاتٍ كثيرةٍ ومناقشاتٍ متعددةٍ، ثم استقر أمره وصار العمل عليه، وهجر رأي المذاهب الأربعة وما يوافقها في ذلك، ولم يعد أحد يهتم بهذا أو يراه حدثاً في الإسلام.

الأمر الثاني: أن كلا من الاتفاق والاختلاف أمر لازم لا مناص منه، فلا يمكننا أن نتصور المسلمين أو أية أمة من الأمم متفقين في كل شيء، ولا أن نتصور هؤلاء وأولئك مختلفين في كل شيء، ولكن الذي هو واقع فعلاً ولا مناص من أن يقع هو: أن الأمة الواحدة لها مواضع كثيرة تتفق عليها، وهي التي ربطت بينها وجعلتها أمة واحدة، ولها مع ذلك مواضع كثيرة تختلف فيها لاختلاف العقول والمصالح والأدلة بينها، وهي بحكم اتفاقها فيما اتفقت فيه أمة واحدة، وبحكم اختلافها فيما اختلفت فيه مذاهب متعددة، والمذهبية الخاصة لا تخرج أهلها عن كونهم من الأمة، ولا تعطيهم في نفس الوقت قرباً أو نسبةً في القرب من الدين ليست لأصحاب مذهبٍ آخر، ومن

ثم لا يستطيع منصف أن يقول: إن مذهبي حق كله وصواب كله، ومذهب غيري باطل كله وخطأ كله، ولكن يقول: إن هذا هو ما رأيته بحسب فهمي واجتهادي وما علمته، فأنا أرجحه ولا أقطع به، ويحتمل أن يكون ما رآه غيري هو الحق والصواب، ولست مكلفاً إلاّ بما وصلت إليه، وليس مخالفي مكلفاً إلاّ بما وصل هو أيضاً إليه.

وقد اشتهرت في هذا المعنى عبارة جيدة تصور اختلاف المختلفين المنصفين لأنفسهم وغيرهم، إذ تقول بلسان كل مجتهد: (مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب).

وما من مجتهد إلاّ وقد روي عنه ما يدل على سماحته العلمية، وأنه كان يأبى على الناس أن يقلدوه في كل ما قال، ويلغوا ما سواه.

فأبو حنيفة رضي الله عنه - كان يقول: (لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي) وكان إذا أفتى يقول: (هذا رأي النعمان بن ثابت - يعنى: نفسه - وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب).

والشافعي - رضي الله عنه - كان يقول: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) وقال يوماً للمزني: (يا إبراهيم لا تقلدني في كل ما أقول، وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين).

وكان الإمام أحمد - رضي الله عنه - يقول: (ليس لأحدٍ مع الله ورسوله كلام) وقال يوماً لرجلٍ: (لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الأوزاعي ولا النخعي ولا غيرهم، وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسنة).

وهذه النظرة المنصفة تغيب أحياناً عن بعض أهل العلم، أو تغمرها العصبية، أو المصلحة الشخصية، فيشتد الخلاف، وينقلب لجاجاً وخصومة، وربما أدى إلى قطيعة.

وقد عرف التاريخ العلمي الإسلامي كثيراً من صور الخلاف والتعصب، ليس المجال لبيانها أو تحليل أسبابها؛ كما عرف صوراً رائعة من صور الاختلاف المهذب بين الأئمة الأعلام والعلماء الراسخين، أفادت العلم ووسعت دائرة الفكر، وجعلت معين الفقه الإسلامي فياضاً.

وإن خير ما يقدمه خاصة أهل العلم إلى أمتهم في هذا العصر: أن يتناولوا

بحوثهم العلمية في إنصاف ورفق، وأن يكون رائدهم الحق من أي أفق ظهر، وأن يحسن كل منهم الاستماع إلى ما يقوله الآخرون، فربما وجد عنده صواباً، وربماً استعان به على الوصول إلى درجة الكمال المنشود.

١ - راجع في ذلك رسالة (نقط على الحروف) لسماحة الأستاذ الشيخ محمد التقي القمي، وتجدها كذلك في مجلة (رسالة الإسلام) ص ٣٧٧ من المجلد الخامس.

٢ - راجع كتاب (الإنصاف) للبطليوسي ص ٨٣ وما بعدها.

٣ - الأنعام: ٣٥.

٤ - البقرة: ٧.

٥ - الزمر: ٧.

٦ - فصلت: ١٧.

٧ - التكوير: ٢٩.

٨ - الإسراء: ٧٤.

٩ - الليل: ٥ - ١٠.

١٠ - محمد: ١٧.

١١ - مريم: ٧٥.

١٢ - الأنعام: ٣٥.

١٣ - التكوير: ٢٩.

١٤ - الأعراف: ٣٣.

١٥ - القصص: ٤٧.

١٦ - الأعراف: ١٥٧.

١٧ - راجع كتاب (القواعد الكبرى) لعز الدين بن عبد السلام ص ١٩٢ / ١٩٣ ج ١ وفيه أمثلة عدة للاختلاف في الفروع الكلامية مع الاتفاق على الأصل.

١٨ - ص ٣٢٩ وما بعدها: الطبعة الثانية سنة ١٣٥٨ هـ. ١٩٣٩م.

١٩ - الأنعام: ١٢١.

٢٠ - الأنعام: ١٤٥.

٢١ - النور: ٤ - ٥.

٢٢ ـ. ص ٥٦ طبع المطبعة الأدبية بمصر.

٢٣ - انظر مقارنة المذاهب لفضيلتي الأستاذين: الشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد علي السايس ص ٣ وما بعدها.



[ Web design by Abadis ]