ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 إسلام بلا مذاهب \ نقد و تقويم الدكتور طه الديواني

مقدمة:

لا شك أن دراسة المذاهب والفرق الإسلاميّة دراسة علمية تلتزم أصول البحث العلمي الحديث، وتتقيد بالموضوعية والأمانة العلمية، ستكون مثمرة ونافعة جداً، لما لذلك من القيمة التاريخية والمعرفية التي تتمثل بإجلاء الحقائق، ونفض الغبار عن كثير من الوقائع، وإزاحة الأوهام واللبس، ولما تنطوي عليه مثل هذه الدراسات أيضاً من تقريب لو جهات النظر، وتحقيق الاحترام للرأي، خاصة إذا ما تم الكشف عن المباني والمستدات الدينية الأصيلة لمثل هذه الآراء.

والواقع أننا بحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى مثل هذه الدراسات الجادة التي تبني ولا تهدم، وتقرب ولا تفرق، وهي إذا ما حملت في ثناياها نقداً أو ملاحظة فلا ينبغي أن يكون إلاّ النقد النزيه أو الملاحظة السديدة التي تستند إلى أصل معتبر أو حجة منطقية أو إثارة من علم أو كتاب منير.

إن هذه الدراسة التي بين أيدينا (إسلام بلا مذاهب) كانت إحدى المحاولات العلمية الجادة في هذا المجال، وقد أتيح لي أن اطلعت عليها منذ زمن في طبعتها

الأولى، وكانت مثار إعجاب وتقدير لما تميزت به من جرأة في المعالجة، وأسلوب في العرض جميل، وسلامة في المنهج، على الرغم مما كان من مؤاخذات وملاحظات. ولقد كان من المؤمل بالباحث الدكتور الشكعة - وهو يعيد النظر في كتابه ويأخذ بالملاحظات التي وصلته وحسنا فعل - كان من المؤمل فيه أن يكون أكثر إنصافا، وأهدى منهجا، وأكثر استفادة مما اغتنت به المكتبة العربية من دراسات رصينة خاصة في مذهب أهل البيت عليه السلام. ولكن المفاجاة كانت أمر عندما رأيناه - ويا للأسف - ينجر إلى أحابيل السياسة ويقع في شراكها وما تمليه من تحريف وتزييف.

وعلى أي حال، فإن هذه الدراسة وهذا الكتاب يبقى من أولى المحاولات التي تصدت لمثل هذه المواضيع الخطيرة، وعالجتها معالجة لا تخلو من طرافة وجدية، وسنقدم عرضاً موجزاً لمضامين الكتاب، ثم نبين بعد ذلك ما ينطوي عليه من مفارقات ومخالفات منهجية، ومجانبة للصواب، وما يرد عليه من إشكالات ومؤاخذات إتماماً للفائدة، وبيانا للحق والحقيقة.

أولا: عرض الكتاب مع بعض التعليقات المناسبة:

الكتاب في الأصل: دراسة صدر في طبعته الأولى عام (١٣٧٩ هـ - ١٩٦٠م) وكانت محاولة لعرض آراء وعقائد المذاهب الإسلاميّة بصورة مركزة ومختصرة خالية تقريباً من الاحتجاجات والاستدلالات، وقد أدعى المؤلف: أنه يهدف من ورائها إلى تسليط الضوء على القواسم المشتركة ونقاط الالتقاء بين المذاهب الإسلاميّة، واستبعاد التشويش والتهريج الذي يرافق مثل هذه الدراسات عادة، وقد اختار الدكتور الشكعة عنوان الكتاب: (إسلام بلا مذاهب) ليوحي - ومنذ اللحظة الأولى - أنه يهدف إلى عرض الإسلام ومذاهبه عرضا أميناً، خاليا من الشوائب، بعيداً عن المشاحنات والمزاعم والتقولات التي طالما ابتلينا بها. ثم هو اختار أن يعرض للمذاهب الإسلاميّة كالآتي:

(الخوارج، الأباضية، الشيعة الإمامية، الزيدية، الإسماعيلية، الدروز، العلويون، القاديانية، الأحمدية، المعتزلة، السنة، السلفيون، المتصوفة) وأثبت هذه العناوين على غلاف الكتاب.

ويبدو - كملاحظة أولية - أن مثل هذا التوزيع اعتمد خارطة جديدة وأسلوباً غير مألوفٍ، إذ خلط بين المذاهب الفقهية والمذاهب الكلامية أولا، ثم إن القاديانية والأحمدية ليستا من المذاهب بالمعنى المعروف، وإنما هما حركتان ذات اتجاه معروف. ثم إن السلفية والمتصوفة هم من السنة أيضاً، وإن الدروز من الإسماعيلية، وإن الأباضية هم من الخوارج بالأصل، وإن العلويين لهم دعوى أنهم من الشيعة الإمامية، فكان الأليق الاقتصار على العنوان الأعم.

لقد تضمن الكتاب في طبعته السابعة عرضاً للمذاهب المذكورة، حاول فيه المؤلف الرجوع إلى أقوال كل فريق والى كتبهم المعتمدة، وهو أمر يحمد له ويقتضيه البحث العلمي النزيه، ولاشك أن الباحث سيحالفه التوفيق لو التزم بهذا المنهج على طول بحثه الشيق، إلاّ أنه من الواضح من تقسيمات الكتاب وتبويبه وتوزيع العناوين أنه لم يلتزم لا بما أثبته على غلاف الكتاب، ولا بأصول البحث العلمي النزيه، إذ تركز حديثه على الغلاة، وهم عليهم النكير والإنكار، والظاهر أن هناك حاجة في نفس يعقوب، والله أعلم.

وعلى أي حال فسنجري مع المؤلف فيما اختاره، ونعرض دراسته وما تقدم به، ولنا معه حساب في آخر البحث إن شاء الله تعالى.

أقسام الكتاب وأبوابه:

قسم المؤلف كتابه على ستة أقسام، عناوينها كالآتي:

[١] - القسم الأول: ماهية الإسلام، من صفحة (٣٩) إلى صفحة (١١٤)

سبقه مقدمات الطبعات السابقة.

وقد عرض هنا لأمور ومباحث تتعلق بالإسلام، فبحث في مسألة كون الإسلام دين الفطرة، وبحث في سماحة الإسلام ومرونته، ثم تناول مسألة الرق وموقف الإسلام منه، وانتقل إلى مسألة تعدد الزوجات وموقف الشريعة الإسلاميّة، ثم انتقل بعد ذلك إلى قضية الإسلام والسيف، وعالج دعوى انتشار الإسلام بالسيف التي افتراها المستشرقون. وكان أسلوبه وعرضه حديثاً شيقاً، وكانت مناقشته لهذه المسائل تنم عن سعة اطلاع وطول باع، فجزاه الله خيراً.

[٢] القسم الثاني من الكتاب: وعنونه المؤلف بـ (انقسام الإسلام إلى مذاهب وفرق) وبحث تحت هذا العنوان الخوارج، والأباضية، والشيعة الإمامية، والزيدية من صفحة (١١٧) إلى (٢١٣) والعنوان بهذا الشكل يوحي أن الإسلام انقسم إلى هذه المذاهب والفرق فقط:

آ - لقد بدأ حديثه أولاً عن الخوارج، فتكلم على نشأتهم وعزاها إلى وقعة صفين وما جرى من مسألة التحكيم المشهورة وذكر ارتكابهم المخالفات وإقدامهم على القتل، مما حدا بالإمام إلى شن الحرب عليهم ومحاولة تصفيتهم. وهو يرى هنا أن الأفضل أن يقال عنهم بأنهم حزب سياسي من أن يقال فرقة. ثم ذكر انقسامهم إلى الأحزاب الرئيسية الكبرى وهي: الأزارقة، والنجدات، والبيهسية، والعجاردة، والثعالبة، والأباضية، والصفرية، وقال بعد أن عرض لهذه الانشطارات وزعمائها: إن أكثرهم قد ذاب في غمرة أحداث الزمن وكر الأيام، ولم يبق منهم إلاّ الأباضية، ولذا فهو يخص الأباضية - لأنها الفرقة الباقية اليوم - بالذكر والحديث.

ب - انتقل بعد ذلك إلى الكلام على الشيعة، فتكلم عن النشأة والماهية، فذكر: أن الشيعة تأتي بمعنى: الأعوان والأنصار، وأن المشايعة تعني: الموافقة وبمرور الزمن اكتسب هذا اللفظ معنى محدداً هو: (أنصار علي بن أبي طالب عليه السلام) وأبنائه وأحفاده، ثم قال: ومهما كان فالشيعة يرون أن التشيع عقيدة دينية خالصة. ثم ينقل آراء تذهب إلى أن التشيع فكرة سياسية خالصة، أو وجدان عاطفي خالص. وينقل حجج هؤلاء دون ان يسمى أحداً منهم، ويزعم أن حججهم كثيرة منها: (أن حق الأقربين في وراثة الرئاسة أمر لا يقره الإسلام) [١] ولكنه لم يوضح الدليل على هذه الدعوى، مع أن التشيع لا يذهب إلى أن الرئاسة وراثة أصلاً، بل هي بالوصية والتعيين [٢]، ومع ذلك فقد أقر طوائف من المسلمين خلافة أقرباء الأمويين، ثم ينقل رأيا غريبا فيقول: (إن البديهة الدينية تقول: إن الأنبياء لا يورثون ولو شاء الله لجعل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ولداً وهو الرسول الذي اصطفاه…. ) [٣].

ولكن نقول للكاتب المحترم: إن مثل هذه البديهة تصطدم بالبديهة القرآنية التي تقول (وورث سليمان داود [٤]، وقوله تعالى: (وإني خفت الموالي من ورآئي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب…. ( [٥].

ثم ينتقل إلى رأي آخر في مسألة الإمامة والرئاسة الدينية فيقول: إن الذين بايعوا عليا لم يبايعوه لأنه رمز ديني أو لأنه وصي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل لأنهم رأوه أحق المسلمين بولاية أمر المسلمين، ويعقب على ذلك قائلاً: إن الشيعة لم يكونوا فرقة دينية، بل فكرة سياسية تعبر عن رأي سياسي في أحقية الإمام علي من معاوية بالخلافة! وهنا أود أن ألفت نظره إلى أن نفراً من الصحابة الأوائل مثل: سلمان، وأبي ذر، والمقداد، والعباس بن عبد المطلب عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) [٦].

وغيرهم كانوا يرون أحقية علي بن أبي طالب بالرئاسة والخلافة، فهل كانت فكرة أولئك تعبيراً عن موقف سياسي؟ ! وإذا كان تعبيراً عن موقف سياسي فيكون هؤلاء الصحابة الكرام قد طرحوا أحقية علي قبل معاوية بزمنٍ كبيرٍ، أي: أثناء خلافة الصحابي أبي بكر. وعليه فالشيعة إذن أسبق من قضية الصراع مع معاوية.

ثم ينتقل بعد ذلك ليؤكد أن التشيع بدأ مذهباً سياسياً وليس عقيدةً دينيةً - كذا وذلك حسب رأيه أو رأي من ينقل عنه بدليل إجماع الفرس - ولا يزالون حتى اليوم على التشيع لآل علي، ثم يعقب على ذلك قائلاً: (والمنطق في ذلك أن الفرس يعتقدون أنهم أنسباء الحسين؛ لأنه تزوج منهم (شهربانو) فولدت له زين العابدين، وإذن فهم أخوال علي زين العابدين، ويمكن الربط بين تحمسهم لابن بنتهم وتشيعهم، فتشيعهم والحال كذلك لا يمكن أن يقال له تشيع عقيدةٍ خالصةٍ، بل هو أقرب إلى تشيع العصبية… ففكرة التشيع من ناحية الفرس على الأقل فكرة سياسة خالصة) [٧].

ولا نريد أن نناقش هذا الرأي تفصيلاً فهو من البعد عن المنطق والواقع ما يكفي للكشف عن تهافته، وهو من السذاجة ومجانية الصواب بمكان؛ وذلك لان الفرس لم يتشيعوا لآل علي إلاّ بعد قرون طويلة، فهل اكتشفوا أنهم أخوال علي زين العابدين - بعد تلك القرون كلها فصاروا شيعة، أم ماذا؟ ! والأغرب في الأمر أنه يعود بعد صفحات ليطرح نفس المسألة فيذكر: أن بعض الدارسين - دون أن يسمي أحداً منهم - يبرهن على أن التشيع فكرة سياسية وعصبية أكثر من كونه عقيدة بقوله: (إنها لو لم تكن كذلك فلماذا أجمع الفرس على التشيع، ولم يجمع جمهور المسلمين من بقية الأجناس: كالعرب والترك والهند والبربر على نفس المذهب الجديد - كذا ـ؟ ).

ونقول له اختصاراً:

إن بعض الأجناس الذين ذكرهم قد كان منهم أمهات الأئمة، فالإمام موسى الكاظم أمه بربرية [٨].، والإمام علي بن موسى الرضا أمه يقال لها: النوبية [٩] أي: من بلاد النوبة [١٠]، وكذلك الإمام الجواد أمه كانت نوبية، ثم الإمام علي الهادي أمه أم ولدٍ

اسمها (سمانة) المغربية، وأم الإمام المهدي المنتظر رومية [١١]، وهكذا يتضح أن أجناساً أخرى قد تزوج منهم الأئمة، ولكنهم لم يتشيعوا لآل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم لماذا يكون تشيع الفرس سياسياً، ولا يكون تسنن الترك - مثلاً - سياسياً أيضاً؟ ! لقد كنا نربأ بالدكتور الشكعة أن ينساق مع هذه التفسيرات التي أقل ما يقال فيها: إنها لا تستند إلى منطقٍ سليمٍ ولا يؤيدها الواقع، ولا يقبلها الباحث المنصف.

إن المؤلف ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن أشهر الفرق الشيعية فيقول: (كانت الفرق الشيعية كثيرة الأسماء، متعددة الاتجاهات، متباينة العقائد، واختلفت مذاهبها، وتباعدت مشاربها، فبعضها التزم جانب القصد والاعتدال، وبعضها الآخر جنح إلى الغلو والضلال) [١٢].

ثم يتطرق إلى السبئية (نسبة إلى عبد الله بن سبأ) ثم يتحدث عن التوابين، ثم عن الكيسانية أو المختارية، ثم عن المغيرية، ومع أن التحدث عن التوابين هنا ليس له ما يبرره منهجياً أو منطقياً، فلعل من المفارقات الغريبة أنه يذكر السبئية ويرميها بالغلو والقول بالحلول، ثم يعدها من فرق الشيعة متابعاً في ذلك لما يردده كتاب الفرق من قبله. ووجه المفارقة أن الكتاب وهو في طبعته السابعة - يفترض في المؤلف أن يكون قد تابع آخر الدراسات التي تظهر في عالم الفرق والمذاهب لكنه يجهل أو يتجاهل أن هناك دراسات علمية رصينة كشفت عن أكذوبة المدعو ابن سبأ قام بها العلامة السيد مرتضى العسكري [١٣] وأثبت فيها: أن تلك الشخصية خرافية لا وجود لها أصلاً ولكن الوضاعين نسجوا الكثير حوها وأعطوها دوراً خطيراً في الفكر الشيعي والعقيدة

الشيعية، وفي مزاعمهم الباطلة أن هذه الشخصية اليهودية هي التي روجت لفطرة الوصية والرجعة، فتأمل.

انتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن الشيعة الإمامية، بعد أن أفرد عنواناً مستقلاً لذلك، فقال: وهؤلاء هم جمهور الشيعة الذين يعيشون بيننا هذه الأيام وتربطهم بنا - نحن السنة - روابط التسامح والسعي إلى تقريب المذاهب؛ لأن جوهر الدين واحد، ولبه أصيل لا يسمح بالتباعد. ثم ذكر أماكن وجودهم وانتشارهم في جمهورية إيران الإسلاميّة والعراق ولبنان والهند وأفغانستان وغيرها، ثم تحدث عن عقائدهم، ولكنه قال: إن الإمامية فرق متعددة.

ثم قال: وأشهر هذه الفرق الاثنا عشرية، وهم الشيعة الآن، والجعفرية، ثم قال: فعندما يطلق القول بالشيعة فهم الذين يتجه القصد إليهم، وهؤلاء سموا اثني عشرية؛ لأنهم يؤمنون باثني عشر إماماً متتابعين أولهم الإمام علي عليه السلام وآخرهم الإمام المنتظر. ثم قال: وهذه الفرق أبعد الفرق عن الاتصاف بالغلو، ولكنه عاد واستثنى قائلاً: إلاّ في حالات معينة - كذا ـ!

ثم قال: والاثنا عشرية في حقيقة أمرها وروح عقيدتها - كذا - بعيدة عما تورطت فيه فرق شيعية كثيرة، فهم يبرأون من المقالات التي جاءت على لسان بعض الفرق [١٤] ويعدونها كفراً وضلالاً، وهم كما يقول الشيخ كاشف الغطاء أحد شيوخهم المحدثين: ليس دينهم إلاّ التوحيد المحض، وتنزيه الخالق عن كل مشابهة للمخلوق أو ملابسة له في صفة النقص والإمكان والتغير والحدوث، وما ينافي وجوب الوجود والقدم والأزلية إلى غير ذلك من التنزيه والتقديس وبطلان التناسخ والاتحاد والحلول والتجسيم [١٥].

ثم قال الدكتور شكعة: والإمامية يزيدون ركناً خامساً على أركان الإسلام،

وهو: الاعتقاد بالإمامة [١٦]، والإمامة عندهم منصب إلهي، وأن الله سبحانه لا يخلي الأرض من حجة على العباد نبي أو وصي ظاهر مشهور أو غائب مستور، وهم يروون الأحاديث الكثيرة في هذا. ويتحول إلى الحديث عن مسائل أخرى فيقول: إن الإمامية ينفردون بها، فيذكر زواج المتعة، ويشير هنا إلى أن طائفة من أهل السنة يذهبون إليه، ونقل رأي الإمامية في أن الطلاق الثلاث بعبارة واحدة لا يقع إلاّ طلقة واحدة، وأن الزوجة لا تحرم على زوجها بل له مراجعتها، ويشير هنا إلى أن هذا الرأي أخذ به علماء الشريعة من أهل السنة. ثم انتقل إلى مسألة التقية التي يأخذ بها الشيعة، وأشار أيضاً إلى أن بعض فقهاء السنة يقولون بها في حالة الضرورة. ثم يعرج بعد ذلك فينقل عن صاحب كتاب (الشيعة والتصحيح) نعيه على القائلين بالتقية وإنكاره لها: (إن الشيعة يجب أن تجعل نصب أعينها تلك القاعدة الأخلاقية التي فرضها الإسلام، وهي: أن المسلم لا يخادع ولا يداهن ولا يعمل إلاّ بالحق ولا يقول إلاّ الحق).

أقول: إنه يعرف قبل غيره عن تأريخ الشيعة المليء بالدماء والآلام، وبالشهادة وقرابين الفداء من اجل كلمة الحق ونصرة الإسلام العزيز.

والأمر المؤسف أن الدكتور الشكعة عن قصدٍ أو غير قصدٍ اعتمد على هذا الكتاب في مناقشة آراء الإمامية ومعتقداتهم، كما اعتمد أيضاً على ترجمة غير أمينة وغير دقيقة لكتاب كشف الأسرار [١٧] للإمام الراحل الخميني (قدس سره) هذا الإمام الذي بذل الغالي والنفيس من أجل عزة الإسلام وكرامة الرسول الأعظم، ومن أجل توحيد المسلمين ضد الاستكبار العالمي ومطامعه الخبيثة.

ثم يستمر الشكعة بعرض عقائد الشيعة وآرائهم، فيضع عنواناً جانبياً هو:

(الغلو في تقديس الأئمة) ص ١٨١، وكأنه يريد أن يوحي أن الإمامية الاثني عشرية يجنحون إلى الغلو، وإذن أين ما صرح به والتزم بإقراره في (ص ١٧٠) من كون الإمامية الاثني عشرية أبعد الفرق عن الاتصاف بالغلو. ثم ينقل عناوين من كتاب الكافي بطريقة توحي بما يريد أن يقرره من الغلو، ولعل من المناسب أن ننقل له ولغيره نصا من الكافي يزيف مثل هذه المزاعم والاتهامات: جاء في أصول الكافي: (عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: إن الله عز وجل - ختم بنبيكم النبيين فلا نبي بعده أبداً، وختم بكتابكم الكتب فلا كتاب بعده أبداً، وأنزل فيه تبيان كل شيءٍٍ، وخلقكم وخلق السماوات والأرض ونبأ ما قبلكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما بعدكم…. ) [١٨]

وينتقل الدكتور الشكعة إلى عنوان آخر يتعلق بمسألة الإمام المهدي المنتظر، فيضع العنوان بالصورة الآتية: (هل الإمام الثاني عشر شخصيّة حقيقية؟ !).

ولعل في طرح المسألة بهذه الصيغة محاولة تشكيكية تنم عن اللاموضوعية في البحث، ثم يتطرق أكثر فيرى أن المهدي المنتظر من المخترعات - كذا ـ، ومع أن أصل هذه العقيدة ثابت في كتب الصحاح والمسانيد [١٩] من كل الفرقاء المسلمين، وقد كتب كثيرون من علماء الملة الإسلاميّة حول هذه المسألة، فكيف تكون شخصية

الإمام المنتظر مخترعة يا رجل؟ ما هكذا تورد يا سعد الإبل.

وينتقل بعد ذلك إلى مسألة زيارة القبور، ويحاول التشنيع على الشيعة فيها، مع أن هذه المسألة لا مخالف فيها من المسلمين إلاّ الوهابيون [٢٠].

ويستمر الدكتور الشكعة بوضع العناوين وصياغتها بطريقة توحي بالتشنيع على المذهب، مع أنه التزم أن يعرض العقائد كما هي دون مداخلة بعيدة عن الإنصاف والحق، ولكنه للأسف لم يلتزم، وهكذا وضع عنواناً آخر يتعلق بالمصحف الشريف ورأي الإمامية الاثني عشرية فيه، وكان العنوان الذي صاغه كالآتي: (تحريف المصحف) ثم كتب قائلاً: إن المتابع لفكر جمهرة الشيعة يقرأ عجباً، فالذين لم يقولوا بتحريف المصحف قالوا بإمكان حدوث ذلك.

هكذا يطلق القول دون أدنى روية أو تبصر، والعجب كل العجب أن رجلاً يدعي العلم والتزام المنهج العلمي، ثم ينحدر إلى هذا المتسوى الذي لا يدل إلاّ على جهل أو تجاهل، فالإمامية كانوا من أصلب المدافعين عن القرآن الكريم وعن حفظه وصيانته، بل أنهم يجعلون صحة الحديث - أي حديث وارد - متوقفة على عرضه على كتاب الله، فإن وافقه أخذوا به، وإن خالف القرآن ضربوا به عرض الحائط [٢١]، وليس أبلغ من ذلك حجة وبرهاناًَ على احترامهم القرآن وتقديسهم له ورعايتهم إياه. ولعل من المناسب الإشارة هنا إلى أن ما أودع في كتب الصحاح والمسانيد لدى الجمهور من أخبار صريحة [٢٢] بوقوع نقص في القرآن لم يحملنا على اتهام القوم بالتحريف، على أنهم يعتقدون بصحة كل ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم خاصة، ولكنهم يتأولون ذلك بأنه من قبيل (نسخ التلاوة).

أما علماء الإمامية [٢٣]: فهم لا يرون أن ما ورد من أخبار في كتب الحديث كلها على درجة الصحة والوثاقة أولاً، وليس في كتبهم ما هو تصريح بوقوع التحريف، بل ولا حتى إشارة، والروايات المذكورة إنما تتعلق بوقوع التحريف في الفهم والتفسير وليس في النص القرآني [٢٤].

أما ما أورده من رواية عن الكافي فليس فيها ما يوحي من قريب أو بعيد بالتحريف إطلاقاً، وغاية ما تدل عليه: أن الإمام علي - عليه السلام - جمع القرآن على حسب نزوله….، وأما التشنيع على الكليني فيما نقله في مسألة (مصحف فاطمة) فمن أعجب العجب، ومما يحّز في النفس أن باحثا مثله ينساق وراء الأوهام والتهريج، فالرواية نفسها التي ينقلها تشير إلى أن مصحف فاطمة ليس فيه من القرآن شيء، بل ليس فيه حرف واحد من القرآن كما هو لسان الرواية، وإذا كان لفاطمة كتاب اسمه الصمحف أو شهر بهذا الاسم كما شهر كتاب سيبويه بالكتاب فهل يعني هذا القول بالتحريف؟ ! [٢٥].

ثم إن كلمة مصحف ليست من أسماء القرآن، وإنما هي لفظة اخترعت بعد عصر الرسالة، فليتنبه إلى ذلك.

ويختم هذا الفصل أخيراً بعنوان جانبي آخر جرياً على منهجه المذكور فيكتب تحت عنوان: (الإمامة كمنصب إلهي قضية اخترعت في زمن متأخر).

ويعقب على هذا العنوان بقوله: هذا العنوان الجانبي ليس من عندي، فإنه من الوضوح بمكان أنني لم أشترك في هذا الموضوع وغيره من موضوعات المذاهب الإسلاميّة كطرف مباشر، ولكني استنطق الوثائق والأحداث والأشخاص…. أقول: ليته فعل حقاً. بعد هذه المقدمة ينقل عن صاحب كتاب (الشيعة والتصحيح) - الذي

منحه لقب العالم المجتهد - أنه يلغي مبدأ الإمامة كمنصب ديني سماوي إلغاء تاماً، ولا نعلم أنه إذا كان من حق أحد أن يلغي مثل هذا المبدأ….

أما قول الدكتور الشكعة: بأن هذا المبدأ اخترعه فريق من الشيعة…. وأن هذه القضية فرقت شمل المسلمين وبددت جهودهم وجعلتهم فرقاً بعد أن كانوا إخوة… كذا، فالواقع أن لا أحد من المسلمين يرى أن الاختلاف في منصب الرئاسة الدينية والإمامة العامة نشأ متأخراً أو هو أمر مخترع، بل الخلاف وقع منذ وقت مبكر، وقد أشار وصرح هو في أكثر من مناسبة بذلك. ثم إن ادعاء الإمامية لهم عليه حجج وبراهين وليس مبدأ الامامة بمخترع قال تعالى: (اني جاعلك للناس اماما…. ) [٢٦]

(ج) عرض الدكتور الشكعة بعد ذلك للزيدية بصفتها من الشيعة الإمامية، فعرض لنشأنها التاريخية وأنهم أتباع زيد بن علي بن الحسين عليه السلام. ثم قال عنهم: إنهم أكثر تسامحاً من غيرهم من الشيعة في الإمامة، والبعد عن مهاجمة الصحابة وإنهم يقولون بإمامة المفضول مع وجود الأفضل…

[٢] القسم الثالث من الكتاب: وعنونه بـ (غلاة الشيعة) ووضع تحت هذا العنوان: الإسماعيلية، والدروز، والعلويين، من صفحة (٢١٧ - ٣٥٣) وألحق بهذا القسم: القاديانية والأحمدية من ص (٣٥٥ - ٣٦٩).

(ألف) فعرض أولاً للإسماعيلية وقال: إنها من الفرق التي جنحت إلى الغلو، وهي سميت بذلك؛ لأنها قالت بإمامة إسماعيل بن الإمام الصادق، ثم في ابنه محمد، ثم في ولده. والفرق بينهم وبين الشيعة على ما ذكروه هو أن الاثني عشرية لا تعترف بإمامة إسماعيل…. وهؤلاء لم يعرفوا كفرقةٍ سياسيةٍ أو دينيةٍ إلاّ أواخر القرن الثالث الهجري.

(ب) يتعرض بعد ذلك إلى الدروز والعلويين: فيذكر: أن الدروز إسماعيلية

اتسمت بطابع الباطنية، وأن نشأتهم كانت إبان العصر الفاطمي. وقد اختلف المؤرخون في نسبتهم، كما اختلفوا في سبب تسميتهم: فهناك من ينسبهم إلى محمد بن إسماعيل الدرزي، وهو أحد الداعين إلى تأليه الحاكم بأمر الله الفاطمي، وأنه نشر هذا المذهب في وادي التيم، وأنه كانت له ميول يهودية مجوسية، هذا المعروف باسم (نشنكين الدرزي) وهناك آخر اسمه (أنوشتكين) وهو: أحد قواد الحاكم بأمر الله.

وقال: إن الطائفة الموجودة اليوم تنسب إليه وهو غير ذلك. وموطنهم في جبال لبنان وجبل العرب بسوريا وبعض قرى أنطاكية، ويكثرون في بعض مدن فلسطين المحتلة مثل: عكا وجبل الكرمل.

(ج) ينتقل إلى الحديث عن العلويين وفي إطار ما اصطلح عليه بالفرق الغالية، ويعترف بادئ ذي بدء بصعوبة البحث؛ لعدم كفاية المصادر، ثم يذكر: (أن القوم لم يفصحوا عن عقائدهم بسبب باطنية المذهب - على حد قوله - أو للغلو الذي مال إليه فريق منهم دون جمهرتهم).

وهنا نقول: إذا كانت جمهرتهم ليست مغالية فلماذا أدرجهم ضمن الفرق الغالية؟ ! وينتقل الدكتور الشكعة إلى الحديث عن نشأتهم وينسبهم إلى محمد بن نصير النميري، ويقول: ومن هنا نسبوهم إليه فسموا نصيرية، ومحمد هذا ادعى أنه الباب للإمام الحسن العسكري - عليه السلام - أو الإمام الهادي - عليه السلام - ولكنه ينفي ذلك عنهم ويرى أن الصحيح نسبتهم إلى جبل النصيرة….

(د) ينتقل بالحديث إلى القاديانية والأحمدية: فيعرف بنشأتهما ويقول:

تنسب هذه الفرقة إلى الميرزا غلام أحمد القادياني نسبة إلى بلدة قاديان إحدى مدن إقليم البنجاب. وقد أسس عقيدته التي عرفت باسمه، وسجل مذهبه رسمياً سنة ١٩٠٠م /، وأنشأ مجلة تنطق باسمه، كما ألف مجموعة من الكتب شرح فيها أفكاره، وأشهر تلك الكتب (براهين الأحمدية) و (أنوار الإسلام) و (حقيقة الوحي). ولعل من الغريب هنا جداً أن يلحق الدكتور الشكعه هذه الفرقة أو الحركة بالشيعة، لا لسبب أو نسب، الله إلاّ أن الميرزا غلام هذا ادعى من جملة ادعاءات كثيرة أنه المهدي

المنتظر. والأنكى من ذلك تعليله وتبريره لهذا اله لحاق، إذا يقول: لأن أمر المهدي المنتظر ينفرد به الشيعة دون بقية المسلمين - على حدّ زعمه طبعاً - ولذا يكون حسب رأيه ارتباط الميرزا غلام بالشيعة أقرب من نسبته لغيرهم من الفرق الغلاة على حدّ تعبيره.

إن هذا النص يحتاج إلى أكثر من تعليقة، وهو يكشف في الواقع عن خروج الباحث عن الحياد المزعوم؛ وذلك لأن عقيدة المهدي ليست مختصة بالشيعة كما نوهنا، وثانياً أن الإيمان بالمهدي المنتظر - الذي هو عقيدة إسلامية، وأمر ثابت في صحيح السنة النبوية المطهرة لدى كل الفرقاء المسلمين - كيف يكون غلوا؟ ! وثالثا: هل أن كل من يدعي أنه المهدي المنتظر يجب أن ينسب إلى التشيع؟ وما هو الوجه في ذلك؟ وليرجع إلى مدعي المهدية في التاريخ فسيجد أغلبهم من غير الشيعة، وعلى أية حال فالقاديانية - كما نقل - ادعت حلول المسيح بالميرزا، ثم ادعت حلول الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) به أيضاً. وإذا كانت القاديانية تدعي أن الميرزا غلام نبي مرسل مثل بقية أنبياء الله فكيف جاز نسبتهم إلى الشيعة؟ !

أما الأحمدية: فقد أنكروا معجزات القرآن والحركتان حرمتا الجهاد وعطلتا هذه الفريضة، فكان في ذلك خدمة للمستعمر الكافر.

وليعلم الدكتور المحترم: أن الجهاد عند الشيعة كما هو عند عامة المسلمين وبخاصة ضد قوى الاستكبار لا ينقطع ولا يفتر ولا يتهاون فيه مطلقاً ومهما كانت الظروف.

٤ - القسم الرابع: (المعتزلة) من ضفحة (٣٧٣ - ٣٨٢) وفيه ينتقل المؤلف إلى الحديث عن المعتزلة، فيتكلم عن نشأتهم، وينسبهم إلى واصل بن عطاء، وبسبب اختلافه مع أستاذه الحسن البصري في مسألة مرتكب الكبيرة، وذهابه إلى أنه في منزلة بين المنزلتين، أي: لا هو بالمنافق ولا هو بالمؤمن. ثم يذكر: أن مدرسة الاعتزال لم تتخذ طابعاً مستقلاً إلاّ على يد واصل وعمرو بن عبيد اللذين اعتزلا مجلس الحسن البصري.

٥ - القسم الخامس: وقد خصصه إلى الحديث عن أهل السنة. وقد وزع الحديث هنا على ثلاثة أمور هي: أهل الحديث والرأي ثم أئمة أهل السنة، ثم المتصوفة من ص ٣٨٥ - ٥٠٠. وتحدث ضمناً عن الأشاعرة والسلفية والوهابيين.

ويتحدث هنا باسلوب مختلف عما عودنا عليه، فيقدم مقدمة قائلاً: في الوقت الذي ظهرت فيه الأفكار الدينية المتطرفة أو الاعتقادات المذهبية الغالية كانت هناك طائفة من المسلمين ترجع الحكم في كل أمر إلى الكتاب العزيز والى السنة مكتوبة في شكل أحاديث أو مأثورة في شكل أفعال، كما كانت طائفة تقول بالرأي. وبالمناسبة أقول: لا توجد فرقة إسلامية أو مذهب اسلامي إلاّ ويرجع إلى الكتاب أو السنة المطهرة…. وقد نقل هو ذلك عن كل من تحدث عنهم.

أ - وقد تحدث عن الرأي وتطوره، وكيف أن هذا النهج كان يعمل به في المدينة المنورة، ثم انتقل إلى العراق، وكان على رأس أهل الرأي: الإمام أبو حنيفة مؤسس المذهب الحنفي، وكان إذا لم يجد من الكتاب والسنة ما يسعفه أعمل الرأي في حكمة واتزان.

وقد انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن أئمة المدارس الفقهية وسماهم أئمة أهل السنة وهم: أبو حنيفة (ت ١٥٠ هـ) والإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ)، والإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) ثم عرض للإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ).

قال الدكتور شكعة: وهكذا نجد أن لقب أهل السنة أطلق أول ما أطلق على الأشاعرة ومن نحا نحوهم، ثم اتسعت دائرته فشملت أصحاب المذاهب والفقهاء. وقد نقل عن البغدادي شرحاً لعقيدة أهل السنة وعدد أصنافهم.

ب - الوهابية: وتحدث بعد ذلك عن الوهابيين، فقال: تعتبر هذه الحركة امتداداً لمذهب السلفيين، ولكنها سميت كذلك نسبة إلى الشيخ محمد عبد الوهاب النجدي المولود في نجد سنة ١١١٥ هـ. وقد ثار هذا على ما عليه المسلمون، واستعان بنشر أفكاره وآرائه بأمير الدرعية محمد بن سعود، ومع أن هذا النهج هو نهج ابن تيمية وهو امتداد له، إلاّ أن الفرق: أن ابن تيمية نشر آراءه بالكتب والرسائل، اما محمد بن

عبد الوهاب فقد نشر آراءه بالسيف والإرهاب بعد أن أنكر على المسلمين ما عده منافياً للتوحيد مثل: بناء الأضرحة، وإقامة الاحتفالات الدينية، وشرب الدخان، وإقامة الأذكار الصوفية.

ج - المتصوفة: تحدث عن نشأتهم وسبب تسميتهم، ثم قال: إنهم وإن تعددت سبلهم وتباينت وسائلهم للوصول إلى الله تعالى إلاّ أنها جميعاً تستهدف نيل الغايات.

وقد كان لبعض ذوي الرأي مآخذ على مسلكهم، وانصرافهم عن الآيات البينات إلى الباطن والذوق والمواجيد، ولذا ثار عليهم الفقهاء.

وقد عرض لرواد التصوف ومريديه من المشارقة والمغاربة، وذكر: أنهم على صنفين: صنف من المعتدلين، وصنف رموا باعتقاد الحلول والتجسيم.

ثم قال: إن أغلبهم من أهل السنة، ونقل جملة من آرائهم وموضوعاتهم عن دائرة المعارف الإسلاميّة، وانتهى إلى القول: إنهم يسلكون طريق مناجاة الله ويسعون إلى الفناء فيه، كذا.

٦ - القسم السادس والاخير عنوانه: حرب وقتال بسبب المذاهب:

وقد عرض عرضاً تاريخيا لأثر الاختلاف وتحوله من الحجاج إلى العنف والقتال وذكر ما عاناه الشيعة خاصة من اضطهاد على طول التاريخ، فقال في ص ٥٠٥: ويظل الشيعة عرضة للاضطهاد في كل بقعة من بقاع المسلمين: في العراق والحجاز ومصر وأفريقا وتركيا. قال وما تزال دماؤهم التي أراقها السلطان التركي نقطة سوداء في التاريخ؛ لأن هذا الانتقام لم يكن له ما يبرره سوى التعصب. ثم نقل ما لاقاه أهل السنة على يد الفاطميين، إذ عزلوا عن المناصب وتم حبس قاضي القضاة.

وانتهى إلى القول إن المستعمرين دائماً يستفيدون من هذه الخلافات والفرقة فيحاولون إشعال الفتيل، ولم عملاء يأتمرون بأمرهم، وأن التوحيد أمر ميسور، والخطوة الأولى تبدأ بمحاولة التقريب.

ثانيا: الملاحظات العامة للمنهجية:

علينا أن نختم هذا العرض المكثف لمثل هذه الدراسة المستوعبة بالملاحظات المنهجية، آملين من الدكتور الشكعة أن يلتفت إليها، ليسلم الكتاب والدراسة مما شابه ولصق به من شوائب وأوصاب، فنقول وبالله المستعان:

١ - لم يعرض للمذاهب الإسلاميّة وفق منهج موحد، ولم يحالفه التوفيق أحياناً لا في المعالجة ولا في أسلوب العرض، فمثلاً:

ألف - عندما يعرض للشيعة يدخل فيها ما ليس منها، كما في إلحاقه القاديانية - مثلاً - بالتشيع، لا لسبب أو نسب، اللهم إلاّ أن زعيمهم ادعى أنه المهدي المنتظر، في حين ينقل آراءهم ويصرح بأنها أقرب إلى أهل السنة.

ب - عندما يعرض للشيعة يورد من العناوين الفرعية بما يوحي بالتشهير، فهناك انتقائية في العناوين تتلائم مع ما ينوي الباحث إلصاقه بهم، وما يهدف إليه من غرض. وكان يقتضيه المنطق أن يعرض لنفس المسائل عند كل مذهب ليتبين الوجه فيها وتجري الموازنة بينها، ولكنه للأسف لم يفعل ذلك.

ج - بأن تحيزه للمذهب السني بوضوح حين عرض له مذهباً فقهياً وحين نفى عنه بوجه مطلق ظاهرة الغلو، وهي ظاهرة برزت في أكثر المذاهب الإسلاميّة. ويلزم في الواقع دراسة هذه الظاهرة بصورة مستقلة للكشف عن دوافعها وأهدافها.

٢ - لم يلتزم الأمانة العلمية، ولم يلتزم الموضوعية في البحث، ويتضح ذلك كما يأتي:

ألف - لا يرجع إلى المصادر الأصلية والمعتمدة لدى المذاهب بالأخص عندما يتعلق الحديث بالشيعة الإمامية. وهذه النقطة على غاية من الخطورة والأهمية؛ لأن الباحث العلمي لابد له من الرجوع إلى المصادر المعتمدة، كما لا ينبغي أن يغفل عن الدراسات الحديثة التي تظهر بالنسبة إلى المذاهب الإسلاميّة. وكان من الضروري أن

يرصد مثل هذه الدراسات ويفيد منها: كالدراسة التي قدمها العلامة السيد مرتضى العسكري مثلاً.

ب - لم يلتزم الدقة في النقل، ولم يتحر بنفسه الرأي من مصدره الأصيل، فعندما نقل عن تحرير الوسيلة للإمام الراحل الخميني (ره) لم يكن نقله أميناً ولا دقيقاً، وعندما أراد أن ينقل عن كتاب كشف الأسرار للإمام الخميني رجع إلى نسخة مترجمة ترجمة محرفة وغير دقيقة، ولو رجع هو بنفسه لنأى بنفسه عن الاتهام والتقول والتخرص، ففي الكتاب الأصلي (كشف الأسرار) نجد أن النص الذي نقله الدكتور عن الترجمة في صفحة ١٦٤، وفي هذا النص يحيل الإمام القارئ إلى ما تقدم من بحث في المسألة وقد وجدته في صحفة ١٤١ وما بعدها، ولو رجع إليها الباحث لبان له الخطأ الذي ارتكبه في الاتهام، على أن هناك مسألة مهمة نريد أن نلفت نظره ونظر القارئ إليها، وهي: أن الإمامية الاثني عشرية لا يرون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مجتهداً أي: يقول برايه أو يفعل برأيه، وإنما يرونه دائماً لا ينطق عن الهوى كما نص القرآن. وعليه فإذا ما نسب إليه فعل أو قول فإنما هو يقوله أو يفعله بوحي الله تعالى، بناء على المبنى الذي يعتمدونه، وهو: أنه ليس هناك حالة نطق للرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ وهو ينقل عن الوحي.

أما مسألة خشية النبي أو خوفه من التصريح باسم الإمام علي ورسمه فيدل عليه قوله تعالى: (وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ( [٢٧]

وهذا ما ذكره الإمام الخميني بعد صفحة واحدة من النص المنقول عنه. وأقول أيضاً: إن مسألة خشية النبي لها مؤيد من القرآن في مناسبة ومورد آخر، وذلك في قضية إعلام الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن مولاه زيد سيطلق زوجته زينب بنت جحش، وأن عليه أن يتزوجها هو، وذلك في قوله تعالى: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ( [٢٨].

ج - يذكر فرقاً لا ترتبط بالتشيع لا من قريب ولا من بعيد، وإنما حاولت السياسة أن تلحقها بهم في محاولة لتشويه عنوان التشيع بما تلصقه به من أمر الغلو والغلاة، مع أن التشيع وأئمة أهل البيت - عليهم السلام - كان لهم أصلب المواقف في التصدي [٢٩] للغلاة ومجابهتهم وكشف ألا عيبهم.

ثم هو لا يكتفي بذلك بل يلحق بالتشيع فرقا لا توجد إلاّ في مخيلة بعض المؤرخين كالسبئية مثلاً.

د - عندما يعرض للإمامية الاثني عشرية يصرح بأنهم معتدلون على حدّ تعبيره، ثم لا يلبث أن يتهمهم بالغلو أو الاعتقاد بأمور ليس لها أساس في المذهب، كما في اتهامه بتحريف المصحف.

هذا ما أردنا ذكره اختصاراً، ويمكن للقارئ أن يكتشفه بوضوحٍ في كتاب الدكتور الشكعة.

ولا يسعنا أخيراً إلاّ أن نثمن للباحث جهده الشاق، وعمله الكبير وقصده النبيل في محاولة التقريب.

والحمد لله رب العالمين

١ - راجع صفحة ١٥٢ من الكتاب.

٢ - أصول الكافي ٢: ٣٧، ح ٧٤٠.

٣ - صفحة ١٥٢ من الكتاب.

٤ - النمل: ١٦.

٥ - مريم: ٥ - ٦.

٦ - الإرشاد للشيخ المفيد ت ٤١٣ هـ: ٢٨٨.

٧ - راجع صفحة ١٥٣ من نفس الكتاب.

٨ - الإرشاد للشيخ المفيد ٣١٦: ٣٢٧ وأعيان الشيعة ٢: ١٦ وما بعدها.

٩ - أعيان الشيعة ٢: ٥.

١٠ - النوبة: بلاد واسعة عريضة ضرب مصر، ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خير سبيكم النوبة) راجع معجم البلدان للحموي ٥: ٣٠٩ طبعة دار إحياء التراث العربي / بيروت ١٩٧٩م.

١١ - الإرشاد للشيخ المفيد.

١٢ - إسلام بلا مذاهب: ١٥٥.

١٣ - عبد الله بن سبأ للسيد العسكري، وراجع حركات الشيعة المتطرفين للدكتور جابر محمد عبد العال: ١٩ وقد نقل عن باحثين: أن المتأخرين اختلقوا هذه الشخصية.

١٤ - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة للشيخ أسد حيدر ٢: ٢٢٤ وما بعدها.

١٥ - إسلام بلا مذاهب: ١٧٢، وراجع أصل الشيعة / كاشف الغطاء.

١٦ - معالم المدرستين للسيد العسكري ٢.

١٧ - محاكمة هذه الترجمة وبيان التحريف والتزييف المقصود الذي قام به المترجم وأعوانه، والغرض السياسي الذي كانوا يهدفون إليه، مجلة التوحيد عدد ٥٥: ١٣٣.

١٨ - أصول الكافي ٢: ١٠، و١: ٦٩، فقد نقل عن عدة من الأصحاب عن أبي عبد الله الصادق قوله: (كل شيء مرود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف). دار الكتب الإسلاميّة / طهران / ١٣٨٨ هـ / ط.

١٩ - سنن أبي داود ٢: ٤٢٢ ط مصطفى الحلبي / القاهر / ١٩٥٢، رواية عن الإمام علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:؟ لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم واحد لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً؟ ورواية أخرى عن أم سلمة (قالت: سمعت رسول الله يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة) وراجع عقد الدرر في أخبار المنتظر - يوسف بن يحيى المقدسي الشافعي من علماء القرن السابع - تحقيق الدكتور عبد الفتاح محمود الحلو / ط ١ - ١٩٧٩، مطبعة عالم الفكر، وراجع أعيان الشيعة ٢: ٦٤، وما نقل عن علماء الجمهور في هذه المسألة التي تصل إلى حدّ أنها من ضروريات الدين الإسلامي.

٢٠ - راجع الدكتور شكعة: ٤٧٦.

٢١ - أصول الكافي ١: ٦٩ باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، وسائل الشيعة ١٨: باب ٩ من أبواب صفات القاضي أحاديث: ١٠، ١٢، ١٤، ١٥، ٢١، كفاية الأصول للخراساني - ط مؤسسة أهل البيت ١٤١٩ هـ - ٤٤٤.

٢٢ - سنن أبي داود ٢: ٤٥٦ باب في الرجم من كتاب الحدود.

٢٣ - معالم المدرستين للعلامة السيد مرتضى العسكري ٢: ٣٠ وما بعدها.

٢٤ - راجع تفصيلاً وافياً، ومناقشة علمية دقيقة للإمام الراحل السيد الخوئي (قدس سره) في كتابه (البيان في تفسير القرآن) المدخل: ١٣٦ - ١٨١، صيانة القرآن من التحريف، ونقل إجماع الإمامية عليه المطبعة العلمية - النجف الاشرف - ١٣٧٧ هـ ١٩٥٧ م.

٢٥ - معالم المدرستين للعلامة العسكري ٢: ٣٢.

٢٦ - البقرة: ١٢٤.

٢٧ - المائدة ٦٧.

٢٨ - الأحزاب: ٣٧.

٢٩ - الامام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر ٢: ٢٢٤ وما بعدها.



[ Web design by Abadis ]