ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 المنهج الوحدوي لدى السيد جمال الدين و الشيخ محمّد عبده \ شاكر الفردان

الإنسان حي بحركته في هذه الحياة يسعى جاداً في البحث عن طرق سعادته التي تبلغ به الكمال، كما أن مجموعة المخلوقات العاقلة منها وغير العاقلة في حركتها الجوهرية طالبة كمالها، ولك يبحث عما يرتبط بشؤونه ويصب في طريقه.

ولو ألقينا نظرة على هذا الكون الفسيح للحظنا قسمين من الاندماج، يمكن أن يطلق على أحدهما تجمع والآخر مجتمع، والأول: حالة من ضم شيء إلى شيء آخر: كضم الحجر إلى الحجر، أو بنظرة أرقى: كتجمعات الحيوان في مراكز تربيتها. والثاني: حالة من الضم تتبعها مجموعة من القيود والضوابط التي نعبر عنها بالقيم والتقاليد.

والإنسان دائماً يتحرك في المحور الاجتماعي لا المحور التجمعي، وذلك يتبع مقدار ما يمتلك من قيم وضوابط، وكلما ابتعد عنها تفكك المجتمع وبرزت روح الانفصال والتفرق والتمزق.

من هذا المنطلق يتحرك الإنسان طالباً الوحدة مع بني مجتمعه باعتبارها نزعةً إنسانيةً لا يمكنه أن يتخلى عنها، والسجل التاريخي لمسيرة الإنسان يسجل لنا حركة

الإنسان في طلبه للوحدة والاتحاد مع الأفراد الآخرين، وكيف أنه يسعى لتطبيقها بصور متعددة ونظرات مختلفة، وذلك لما لها من الارتباط الوثيق مع طبيعته الاجتماعية.

المهم أن هذه الدعوات والتحركات تنبئ عن الحس الداخلي للإنسان، وهي: نزعته للاتحاد والوحدة، ونتيجة لقصور الإنسان وانحصار نظرته إلى ما بين قدميه وانشداده إلى بدنه المادي والى عالمه المادي وعدم إدراكه لمصالحه ومفاسده كانت نظراته ودعوته تعكس نفس النظرة القصيرة، ولذلك كان يطرح الوحدة تارةً على أساس اللغة، وأخرى على أساس الجنس، ومرة على أساس القرب الجغرافي، وأخرى على أساس المصالح الاقتصادية، وهكذا دواليك… وما أن يظهر هذا النوع من الوحدة إلى العلن ويتحرك خطواتٍ حتى تضعف قواه ويسقط في منتصف الطريق…. وكيف ما كان فإنها تعبر عن نزعةٍ إنسانيةٍ ملحةٍ وضروريةٍ يطلبها الإنسان.

ولن يستطيع الإنسان بنفسه أن يقدم لنفسه طرحاً وحدوياً يملك الشمولية ويحظى بقدرة الاستمرار والبقاء، والجهة الوحيدة التي يمكنها ذلك هي: الجهة التي تكفلت بخلق الإنسان، وتعلم الحاجات التي تتناسب مع هذا المخلوق، وهذه الجهة هي: السماء، لأنها تعرف أنه لو اتبعها لبلغ إلى نقطة الكمال والسعادة.

والشريعة الإسلاميّة مشروع من ضمن المشاريع الدينية التي تقدم الطرح لهذه النزعة، والطرح الإسلامي يتميز بقدرته على تقديم الطرح الوحدوي بصورةٍ متكاملةٍ، وذلك من خلال عنصري: الشمولية والاستمرار، وقدرته هذه نابعة من صميم القيم التي يطرحها، حيث إنها ثابتة لا تتغير من جهة، ومن جهة أخرى تمثل الاستجابات الحقيقية لفطرة الإنسان.

على هذا الأساس نعتبر: أن المشروع الإسلامي الوحدوي هو المشروع الوحيد الذي يستطيع أن يجيب هذه النزعة الإنسانية، خصوصاً في هذا الظرف من الصراع الحضاري الذي نحتاج فيه إلى تأسيس حضارة الإنسان، ولا حضارة له سوى حضارة الإسلام.

ومن هذا المنطلق أكد الدين الإسلامي على الوحدة بين المسلمين

(واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا… (. وهكذا جاءت التأكيدات على السنة أئمته ودعاته، ولم تقف النوبة عند الطرح النظري فقط، بل تعدته إلى الطرح العملي، كما يلحظ ذلك في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التي مثلت أجلى مصاديق الوحدة بين المسلمين، وأيضاً يلحظ في حياة الأئمة المعصومين - عليهم السلام - ما يشير إلى ذلك في ممارساتهم العملية.

ولما أن تحولت الدولة الإسلاميّة إلى جسد ممزق وعصفت بهم التفرقة والتمزيق، وشقت عصاهم الفرقة الطائفية والفرقة السياسية، وبعد أن كان اختلاف الألسن والألوان آية من آيات الله أصبح عاملاً من عوامل التفريق، حتى ضعفت شوكة المسلمين واستضعفهم الكافرون فانبرى لإنقاذ هذه الأمة من الضياع والتيه (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه…. (نقشوا أسماءهم على هامة الدهر، وقادوا مسيرة الإصلاح، ودعوا الناس إلى الوحدة والاتحاد بحسب ما يمليه الإسلام.

ومن هؤلاء: (السيد جمال الدين الحسيني الأسد آبادي الشهير بالأفغاني) و (الشيخ محمد عبده) و (الامام شرف الدين) و (الامام الخميني - قده ـ). وبطبيعة الحال، كل طرح نظرته الإصلاحية بحسب ظروفه الطبيعية والموضوعية، ولهذه تختلف الحركة الإصلاحية في تفاصيلها وتتحد في هدفها وأغراضها.

وسأنتاول هنا - بقدر الاستطاعة - (دور الإمام السيد جمال الدين الأسد آبادي والإمام محمد عبده) في توحيد المسلمين مبيناً بإيجاز دور المستعمر في عهدهما وشيئاً من حياتهما، ثم المنهج الذي اتبعاه في دعوة المسلمين إلى الوحدة، وفي الختام مقارنة قصيرة بحركة الإمام الخميني (رض).

وما سأقدمه سيكون إجابة لمجموعة من الأسئلة في حياة السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده.

ـ كيف كان يفكر السيد جمال الدين في الوحدة؟

ـ كيف كان الاستعمار في عهده؟

ـ ما هو المنهج الذي اتبعه في سبيل الوحدة؟

السيد جمال الدين في فكرة الوحدوي:

الذي يبدو لي أن معظم علماء الإسلام كان يفكر في الوحدة ويتمنى الاتحاد لكل المسلمين، ولكنهم لم يصلوا إلى (مرحلة الهم) حيث يكون مشروع الوحدة الشغل الشاغل له في تفكيره وسلوكه، وهذا ما نلحظه من حياة السيد جمال الدين، حيث هاجر من بقعة إلى أخرى منتقلاً من إيران إلى النجف الأشرف في العراق، ثم إلى أفغانستان، فإلى إيران ومن إيران إلى الهند ومن الهند إلى مصر ومن مصر إلى فرنسا ومنها إلى الآستانة بتركيا حيث خلافة الدولة الإسلاميّة، وفي جولته هذه كان لسان المسلمين الناطق بأفكارهم ومحروميتهم ولم تحجزه حدود جغرافية ولا حاجز اللسان ولا البشرة، بل كان يركز في نفوس المسلمين عزتهم وكرامتهم من خلال منهج محدد سار عليه.

(وهذا ما نراه من زيارة السيد جمال الدين إلى الهند، حيث يصف الزيارة الأستاذ صلاح البستاني في مقدمة كتاب العروة الوثقى: سأله المستعمر عن المدة التي سيقضيها في البلاد فقال الأفغاني: لا أكثر من شهرين، فبثت الحكومة البريطانية عيونها حول زوار ضيفها الجديد. فجاءه في اليوم الأول عشرات… وفي اليوم الثاني مئات…. وهرع العلماء والأعيان لملاقاة بطل جري… وغصت الساحات بالوفود…

وحدث ما كان في الحسبان… وتقدم مندوب الحكومة أمام الحشود يستعجله في مغادرة الهند).

هذه الصورة التي ينقلها البستاني تمثل حالة الالتحام بين السيد جمال الدين وبين الشعوب الإسلاميّة وأن حاجز اللغة والقومية لم يكن مانعا من تقريب المسلمين وتوحيدهم تحت راية الإسلام.

ولذا كان المشروع الوحدوي هماً عند السيد جمال الدين أين ما حل، فكان يعالجه بمعالجاته الخاصة بحسب ظرفه.

وكذلك الشيخ محمد عبده كان متأثراً بأستاذه تمام التأثر حتى أدى ذلك إلى

أن ينتقم منه شيوخ الأزهر، حيث أعطوه الشهادة من الدرجة الثانية. وتعرض للعزل وتحديد الإقامة، كل ذلك بسبب ما يحمل من هم - على غرار أستاذه - وحدوي ونظرةٍ للإصلاح.

فلنرى كيف يتحدث السيد جمال الدين عن الوحدة:

(أمران خطيران تحمل عليهما الضرورة تارة ويهدي إليهما الدين تارة أخرى، وقد تفيدهما التربية وممارسة الآداب… وبهما نمو الأمم وعظمتها ورفعتها واعتلاؤها، وهما الميل إلى وحدة تجتمع، والكلف بسيادة لا توضع) [١].

نعم، هكذا كانت الوحدة في فكره ضرورةً ملحة يهدي إليها الدين وتفيدها التربية والسنن، وأنها سبب لرقي المجتمعات ورفعتها، وهذا ما لحظناه في الصدر الأول من رفعة مجد المسلمين.

وهكذا تمثل الوحدة هما للسيد جمال الدين يحمله على كتفه متنقلاً به بين البلدان، ويستدعيه الأمر أن يوجه خطاباتٍ صريحة للأمة الإسلاميّة تنبئ عن حرقته على المسلمين لما هم فيه، يقول السيد جمال الدين:

(…. هل يسوغ لنا أن نرى أعلامنا منكسة، وأملاكنا ممزقة، والقرعة تضرب بين الغرباء على ما بقي في أيدينا ثم لا نبدي حركة، ولا نجتمع على كلمة، ندعي مع هذا أننا مؤمنون بالله وبما جاء به محمد. واخجلتاه لو خطر هذا ببالنا، ولا أظنه يخطر ببال مسلم يجري على لسانه شاهد الإسلام.

إن الميل للوحدة والتطلع للسيادة وصدق الرغبة في حفظ حوزة الإسلام كل هذه صفات كامنة في نفوس المسلمين قاطبة……).

نعم، هكذا كان يحترق ألماً لما عليه المسلمون من تمزق وتفرق، وهكذا كان يتحرك نحو الوحدة في البحث عن طرق تجميع المسلمين من خلال تذكيرهم بمجدهم، واستنهاضهم مما هم فيه، مما جعل الاستعمار يفكر في السيد جمال الدين كمحور لوحدة المسلمين التي تخيفهم وتعصف بهم.

الاستعمار في عهد السيد جمال الدين:

كان الدول الإسلاميّة في عهد السيد (ره) ترزح تحت نير الاستعمار الأوربي المتمثل في (بريطانيا العظمى) في ذلك الوقت، وكان الاستعمار البريطاني يتميز بالخبث والنفس الطويل في تذويب المسلمين ومسخهم من شخصيتهم الإسلاميّة.

وما كان يصنعه الاستعمار كان مبنياً على أساس حسابات دقيقة ودراسات علمية موسعة، إضافة إلى الحالة التي يعيشها المسلمون من جهل وغفلة وتمزق، كل ذلك أدى إلى أن يحكم المستعمر قبضته على رقاب المسلمين.

وكان الاستعمار يركز في حركته على أمرين:

الأول: مسخ الشخصية الإسلاميّة، وتحطيم المعنويات والقيم التي يتمتعون بها، بل السعي في إذابة كل ما للمسلمين من فكر وعقيدة وسلوك وفلسفة. يقول كلادستون رئيس وزراء بريطانيا الأسبق: -

(ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق) [٢].

هكذا كان يفكر المستعمر في إبعادنا عن قرآننا الذي هو مصدر عزتنا وكرامتنا، فلو ابتعدنا فإنه يستولي علينا، والمقصود من ذلك: تعاليم القرآن التي تأمرنا بالوحدة وتدعونا إلى الجهاد، لا القرآن مجرداً عن تعاليمه.

الثاني: جعل البلاد الإسلاميّة مركزاً تمويلياً لاقتصادهم وجعلها إقطاعيات زراعية ومناجم لبلدانهم وأن يسوقوا شعوبها بالتبعية من خلفهم.

كل هذه الأمور جعلت السيد جمال الدين (ره) أن يتخذ موقفه السلبي من هذه التحركات الحاقدة التي تخفيها من وراء وجهها الباهت.

يقول الدكتور محمود قاسم في كتابه (جمال الدين الأفغاني) عن (العروة الوثقى):

كانت كراهية الإنجليز سمة من السمات الجوهرية في شخصيته؛ ذلك أنه أيقن منذ عهدٍ مبكرٍ وعن تجربةٍٍ أن هؤلاء القوم يكنون للمسلمين عداء شديداً…. كان لهذه الدولة الماكرة لذة من النكاية بأهل الدين…. وكمال بهجتها أن تراهم أذلاء، لا يملكون من أمرهم شيئاً) [٣].

ومن أهم ما يميز الاستعمار البريطاني بصورة خاصة والاستعمار الأوربي بصورة عامة هي سياسة (فرق تسد) وهي سياسة خبيثة نجحت فيها نوعاً ما حينما فرقت المسلمين بعد سلبها لأراضيهم وخيراتهم، صنعت منهم دويلاتٍ صغيرةً لا تقوى على شيءٍ وأثارت بينهم غبار الفتنة، وجعلت من نفسها مرجعاً لهم في حل مشاكلهم وقضاياهم.

ولنرى كيف كان السيد جمال الدين يتحدث مع (بريطانيا العظمى) عندما كان في الهند حيث التقى به مندوب الاستعمار:

(إنني ما أتيت لأضعف حكومة بريطانيا العظمى، ولا أنا على استعداد للشغب، ولكن تخوفها من زائر أعزل مثلي، وتفريقها المتظاهرين من زواري - وهم أضعف مني - إنما يسجل على حكومة بريطانيا وهن عزيمتها، وضعف شوكتها، وضيق صدرها، وعدم أمنها من حكمها وأنها - بريطانيا - في حقيقة حكمها لهذه الأقطار الشاسعة أضعف بكثير من شعوبها) [٤].

على هذا كان الاستعمار في عهده ناهباً لكثيرٍ من أراضي المسلمين ولكثير من خيراتها، إضافة إلى مسخه للعقول الإسلاميّة وممارسته لسياسة التفريق على المستوى الفكري وعلى مستوى تقسيم الدول، مما جعل المهمة شاقةً على المصلحين في جمع

المسلمين تحت مظلة الإسلام، ومن هنا ينكشف لنا عظم ما قام به السيد جمال الدين مع صحبه في مواجهة هذا الاستعمار الماكر، وما يمتلك من إمكانيات جعلته يطارد السيد في كل مكان، خصوصاً في البلدان الإسلاميّة حتى أذاقه السجن والتشريد.

منهج السيد جمال والشيخ عبده في الوحدة:

يمكننا أن نلخص هذا المنهج في بعض النقاط التالية:

١ - بيان علل ضعف المسلمين.

٢ - التوجه إلى العدو المشترك.

٣ - رفع الرين والبدع عن الدين الحنيف.

٤ - معالجة غياب العلماء عن سدة الحكم.

وهذا المنهج عبارة عن بيان أسباب الفرقة في بعض نقاطها، وجعل البعض الآخر سبباً للوحدة كالنقطة الثانية.

وقبل الخوض في تفاصيل هذه النقاط لابد من الإشارة إلى مقدمة مهمة في هذا المقام: إن من أصعب الأمور عملية التشخيص بين الوظائف المتشابكة، حيث إننا نعلم أن الوظائف والمسؤوليات بينهما ترتب طولي، وحينها يقدم الأهم على المهم، وهذه المسألة وإن كانت في ظاهرها سهلة واضحة، إلاّ أنها في المجال العملي في غاية الصعوبة، ولذلك نجد كثيراً من الذين خطوا في مجال الوحدة كيف تعثرت بهم الخطى، أو أنهم زاغوا عن طريق الوحدة إلى نقيضها، فمثلاً: عندما تتظافر عليك مجموعة من الأعداء كيف تشخص العدو الأول بين هؤلاء؟ ! وهذا الأمر يحتاج إلى نباهة وكياسة من قبل دعاة الوحدة، والسيد جمال الدين (ره) كان من الدعاة الذين يمتلكون هذه القدرة في التشخيص، وذلك لما يتمتع به من كياسة وتجربة، فهو إلى جانب كونه شخصية علمية فلسفية دينية كان فطنا في المجال السياسي والاجتماعي، ودقيقا في استخدام العبارات والألفاظ.

١ - بيان علل وضعف المسلمين:

من أهم العوائق التي تمنع الوحدة بين المسلمين هي: حالة الضعف والخوار بينهم، خصوصاً حالة الضعف التي ركزها الاستعمار، والحل لمثل هذه المشكلة هو: بيان هذه العلل وتعريف المسلمين بها، فإن معرفة الداء نصف الدواء.

يقول السيد (ره):

(هل يمكن تعيين الدواء إلاّ بعد الوقوف على أصل الداء وأسبابه الأولى والعوارض التي طرأت عليه؟ ! إن كان المرض في أمةٍ فكيف يمكن الوصول إلى علله وأسبابه إلاّ بعد معرفة عمرها وما اعتراها فيه من تنقل الأحوال وتنوع الأطوار) [٥].

علل الضعف والفرقة بين المسلمين:

أـ الوهم:

ب - التقليد:

ج - عدم التمسك بالدين:

أ - الوهم: وهو من الأمور القاتلة للأفراد فكيف بالأمم؟ فالأمة التي تفسح المجال للواهمة أن تصور لها الأشياء ستصير لها الحقير خطيراً والخطير حقيراً.

يقول السيد جمال الدين (ره):

(الوهم يمثل الضعيف قوياً، والقريب بعيداً، والمأمن مخافةً…. الوهم يذهب الواهم عن نفسه، ويصرفه عن حسه…. )

(كان الإنجليز أمة مجتمعة القوى، مستكملة العدد، مستعدة للفتوحات، وذلك في زمان بليت فيه الأمم الشرقية بتفريق الكلمة

واختلاف الأهواء، وحجبت بالجهل عن معرفة أحوال الغربيين وصنائعهم….، فكان الشرقيون يعدّون كل غريبةٍ معجزةً، وكل بديعٍ من الاختراع سحراً أو كرامةً…. ) [٦].

الوهم كان سبباً في ضعفهم وتفرقهم حتى كانوا يخافون من الإنجليز في زمن ضعفهم بأنهم لا زالوا أقوياء، مما ولد الجبن في نفوسهم، فأصابهم الله بالصغار والذلة. يقول السيد جمال الدين (ره):

(من يتوهم أن يجمع بين الجبن والإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد غش نفسه وغرر بعقله… وهو ليس من الإيمان في شيءٍ…. المؤمنون لا يحتاجون إلاّ لقليل من التنبيه…. فينهضون نهضة الأسود فيستردوا مفقوداً ويحفظوا موجوداً، وينالوا عند الله مقاماً محموداً) [٧].

ب - التقليد: وهو انسلاخ الأمة من شخصيتها واتخاذها دور التبعية بدل الاستقلال، المسلمون عاشوا هذه الحال من التدني والهبوط الذي جعل منهم أمة ضعيفة لا تقوى على مواجهة أحد، بل أصبحت هشة يتناولها الاستعمار حيثما يريد. ولنستمع إلى كلام السيد جمال الدين عن المقلدين:

(علمتنا التجارب ونطقت مواضي الحوادث بأن المقلدين من كل أمة المنتحلين أطوار غيرها يكونون فيها منافذ وكوى لتطرق الأعداء إليها، وتكون مداركهم مهابط الوساوس…. ويصير أولئك المقلدون طلائع لجيوش الغالبين، وأرباب الغارات يمهدون لهم السبيل ويفتحون الأبواب، ثم يثبتون أقدامهم ويمكنون سلطتهم…. ) [٨].

ج - عدم التمسك بالدين: إن كثيراً من المسلمين نتيجةً للضعف والانبهار من بريق الغرب وما قدمه في مجال العلوم استدعى المسلمين أن يتخلوا عن دينهم، فلا تكون وشيجة القيم ورابطة الدين هي التي تربط بينهم، فتفككوا وأصبحوا شيعاً، فلن يكون اتحادهم إلاّ على أساس الرجوع إلى الدين والتمسك بأصوله.

وها هو السيد يطرح التمسك بالدين علاجاً لذلك:

(فعلاجها الناجع إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته، وإرشاد العامة بمواعظه الوافية…. فإذا قاموا لشؤونهم وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم فلا يعجزهم بعد أن يبلغوا بسيرهم منتهى الكمال الإنساني) [٩].

٢ - العدو المشترك: من أهم الأمور هو: توجيه الأمة وتحشيدها باتجاه العدو المشترك؛ لأنه بعدم ذلك يحصل الاختلاف وتتمزق الأمة، فيسهل على العدو أن يعبر من خلال ذلك.

السيد جمال (ره) حشد الأمة نحو عدوها المشترك وهو: الغرب الكافر، بالخصوص (الإنجليز) حيث كانت معظم أراضي المسلمين في ذلك الوقت تحت هيمنته، وكانت دول الاستعمار من الدرجة الثانية تتحرك وفق ما تمليه دولة الإنجليز، وهذا الذي أزعج الإنجليز مما حدا بها إلى أن تشوه شخصية السيد جمال الدين وتطاردها في كل مكان.

يشير السيد جمال (ره) إلى أن الإنجليز هم مصدر الفساد والإفساد، وأنه لا يوجد بلد لم يمسها ضرر من بريطانيا:

(لا نظن ولن نظن أن يجد الإنجليز لهم يوم التصادم نصيراً من دول أوربا ولا من دول المشرق ولا من الهنديين….؛ لأنه لا توجد نفس تشعر بوجود حكومة الإنجليز على سطح الأرض إلاّ وقد

مسها منهم شيء من الضر) [١٠].

فعلى هذا تكون بريطانيا عدوة لكل الشعوب، لا للمسلمين خاصة وإن كان الحقد الصليبي يدفعها نحو تركيز حقدها على المسلمين خاصة، مستغلة حالة الضعف بينهم، فبتتشخيص العدو المشترك الواحد تتظافر الجهود وتقوى الشوكة، اعرف عدوك تكسب النصر.

٣ - رفع الرين والبدع عن الدين الحنيف:

تقدم أن من الأمور التي توحد المسلمين هي: الرجوع إلى الأصول الدينية الثابتة، وهنا نقول: بأن البدع والإضافات التي دخلت على الدين، بل التأولات والاجتهادات المنافية لروح الدين جعلت من الدين مجموعة من الطقوس الهشة والعقائد المبنية على الخرافة، مع أنه الدين القويم القائم على البرهان والوجدان، ولذلك اعتبرت تصفية الزوائد والشوائب التي علقت بالدين من أهم المسائل التي توجب وحدة الدين ووحدة المسلمين، وذلك بالرجوع إلى القرآن وسنة الرسول القطعية التي لا تخالف الكتاب، فإن أكثر خلاف المسلمين ناتج للرين والبدع التي ألصقت بالدين الحنيف.

يقول السيد (ره):

(هل تعجب أيها القارئ من قولي: إن الأصول الدينية الحقة المبراة عن محدثات البدع تنشئ للأمم قوة الاتحاد وائتلاف الشمل وتفضيل الشرف على لذة الحياة) [١١].

٤ - عدم المنافاة بين العلم والدين:

من الأمور التي استغلها الاستعمار في تمزيق الأمة، عملية التمزيق بين أعلى طبقات المجتمع وهم: العلماء، الدينيين والطبيعيين، فأوجد حالة من الفرقة بينهم تستدعي التفريق بين العلم والدين، وقد استلهم الاستعمار ذلك من مجتمعه الأوربي، وقد استجاب البعض لهذه الدعوات التي فتتت المجتمع، ووضعت العلماء في زاوية حرجة يستضعفهم المستعمر، وبهذا يكون قد أقصاهم عن المجتمع ليصبح لقمة سائغة في فم الأعداء.

السيد جمال الدين (ره) حاول أن يوجد التلاحم بين هذين الجناحين اللذين تطير بهما الأمة، واعتبر الجهل من أسباب ضعف الأمة وتفرقها، كما أن بعدها عن الدين والأصول الحقة تيه وضلال يغرب بالأمة ويضيعها.

٥ - معالجة غياب العلماء عن سدة الحكم:

إن وجود العلماء يعتبر ضمان الأمان لإدارة أي حركة في المجتمع؛ وذلك لما يتمتعون به من محبة في نفوس المجتمع، فإذا أردنا أن نوجد الوحدة بين المسلمين علينا أن نبدأ أولا من العلماء، فإن اتحدوا استطعنا أن نوحد الأمة، وما نراه من تمزق وتفرق بين المسلمين منشؤه بعض العلماء.

لا أقصد أن الوحدة بينهم تحدث بين عشية وضحاها، وإنما تحتاج إلى خطط ودراسات وإعادة نظر في كثير من المناهج، حتى صياغة العقلية المسلمة من جديد لتستوعب الكثير من المفاهيم التي تتناسب مع الوحدة.

يقول السيد جمال الدين (ره) محملاً المسؤولية العلماء في توحيد الأمة وتوجيهها:

(إن كان للعامة عذر في الغفلة عما أوجبَ الله عليهم فأي عذر

يكون للعلماء وهم حفظة الشرع والراسخون في علومه، لم لا يسعون في توحيد متفرق المسلمين لم لا يبذلوا الجهد في جمع شملهم؟ لم لا يفرغون الوسع لإصلاح ما فسد من ذات بينهم؟ ) [١٢].

هذا دور العلماء في تجميع طاقات الأمة وتوحيدها، ولن يكون هذا الدور إلاّ إذا كانت أزمة الأمور بأيديهم، أي: لابد أن يكونوا في سدة الحكم حتى يوحدوا المسلمين، وإلا فإذا كان الحكام من غيرهم تفرق المسلمون وضعفوا وتسلل العدو من بينهم، هذا إذا لم يكن الحكام من الخونة الذين يجلبون السمتعمر لبلدانهم، أو يعيشوا على تفريق المسلمين لتستقر عروشهم.

يقول السيد جمال الدين (ره) في أسباب انحطاط المسلمين:

(بدأ هذا الانحلال والضعف في روابط الملة الإسلاميّة عند انفصال الرتبة العلمية عن رتبة الخلافة وقتما قنع الخلفاء العباسيون باسم الخلافة دون أن يحرزوا شرط العلم والتفقه في الدين والاجتهاد في أصوله وفروعه…. ) [١٣].

فلا بد للمسلمين أن يسعوا جادين لتوحيد صف الأمة من خلال تمكين العلماء مباشرة في إدارة أمور المسلمين من قبل أيدي عالمة عارفة بدين الله، ويقول السيد في هذا المقام:

(كان من الواجب على العلماء قياماً بحق الوراثة أن ينهضوا لإحياء الرابطة الدينية ويتداركوا الاختلاف) [١٤].

منهج السيد جمال الدين من خلال مجلة العروة:

يمكن ملاحظة عناوين المجلة التي تشير إلى هذا المنهج:

١ - الجنسية والديانة الإسلاميّة: الذي يبين فيها أن الميل إلى التراب ليس طبيعة أصيلة، وإنما هو من الملكات العارضة القابلة للزوال.

٢ - ماضي الأمة وحاضرها وعلاج عللها: حيث يشير من خلاله إلى الوحدة كعامل قوة للمسلمين، وأن الابتعاد عن الدين عامل ضعف.

٣ - انحطاط المسلمين وسكونهم وسبب ذلك.

٤ - التعصب باعتباره مانعاً من فهم الدين وحاجزاً عن وحدتهم، ثم امتداحه للتعصب الممدوح: كالتعصب للدين باعتباره قائماً على الحق.

٥ - الوحدة الإسلاميّة.

٦ - الوحدة والسيادة.

٧ - الأمل وطلب المجد.

٨ - رجال الدولة وبطانة الملك.

٩ - دعوة الفرس إلى الاتحاد مع الأفغان، حيث سعى الجانبان إلى إيجاد اتحاد نسبي بينهما، مما شد السيد جمال الدين لهذه الفكرة ودعاهم لمواصلة الدرب.

١٠ - الأمة وسلطة الحاكم المستبد، باعتبار ما يشير إليه السيد جمال الدين من أن العلماء ما لم يكونوا في سدة الحكم فالأمة لا تستطيع أن تعيش الوحدة.

١١ - (الشرق) حيث يشير فيه إلى الدفاع عن شرق المسلمين.

١٢ - (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات). إشارة إلى التفرق وحالة التمزق بين المسلمين.

١٣ - (سنن الله في الأمم) بأن الأمة التي لا تتحد ولا تعي نقاط الضعف فيها تؤول إلى الزوال.

١٤ - (الوهم) حيث يؤدي إلى قوة العدو وضعف المسلمين.

١٥ - (الجبن).

مقارنة مختصرة بعهد الامام الخميني (رض):

أحاول أن أختم هذه الوريقات بمقارنة بسيطة بين حركة السيد جمال الدين وحركة السيد الإمام الخميني (رض).

كانت حركة السيد جمال نابعة من ردة الفعل، ولم تتعد إلى قلب العدو، بينما حركة الإمام (رض) كانت من دائرة الفعل والتأثير متعدية دور الانفعال وردود الفعل، إضافة إلى أن الامام (رض) حاول أن يتعدى إلى قلب العدو من خلال هزيمته في داخله، سواء على المستوى الفكري أو العملي.

كانت طروحات السيد جمال الدين مبنية على أسس نظرية، بينما كانت حركة الامام (رض) تطبيقية من خلال تشكيل الحكومة الإسلاميّة وإدارة العلماء لدفة أمور المسلمين.

كان الاستعمار في حياة السيد جمال الدين استعماراً مكشوفاً مستغلاً لأراضي المسلمين، ولذا كان من السهل مواجهة هذا العدو أما الاستعمار - المتمثل في أمريكا - في عهد الإمام (رض) فإنه خفي واتخذ أساليب جديدة في مواجهة المسلمين، خصوصاً في المواجهة الثقافية.

إن حالة الوعي التي يعيشها المسلمون كانت ضعيفة في عهد السيد جمال الدين، ولكن لم تصل إلى حالة من التمزق والتفكك كما هي عليه الآن، إلاّ أن حالة الوعي واليقظة في هذه الفترة أكثر مما كانت عليه.

بقي شيء يجب أن نؤكد عليه وهو: الظروف الموضوعية لكل فترة تختلف، وهذا لا يعني الاختلاف في الحركة، والسيد جمال الدين يمثل حلقة من ضمن حلقات الدعاة إلى الوحدة، توجت هذه الحلقات بالحلقة القوية المتينة، وهي: حركة الإمام (رض) بما تمتلك من قوة واتساع وتجاوب شامل.

١ - العروة الوثقى: ٧٤.

٢ - دمروا الإسلام أبيدوا أهله - جلال العالم.

٣ - العروة الوثقى: ٢٧.

٤ - العروة الوثقى: (د).

٥ - العروة الوثقى: ١٤.

٦ - العروة الوثقى: ١٣٥.

٧ - المصدر السابق: ١٤٢.

٨ - العروة الوثقى: ١٩.

٩ - العروة الوثقى ٢١.

١٠ - العروة الوثقى: ١٢٣

١١ - العروة الوثقى: ٢١.

١٢ - العروة الوثقى: ٨٦

١٣ - نفس المصدر: ٣٤.

١٤ - العروة الوثقى: ٣٤.



[ Web design by Abadis ]