ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 اتجاه التقريب في مجمع البيان \ الأستاذ عبد الكريم «بي آزار» شيرازي

كان المسلمون قبل الزحف الاستعماري على أراضيهم يتعايشون فيما بينهم متآخين متحابين في جو من الود والإخاء، فإذا ما حصل بينهم خلاف كانوا ينهونه بطرق سلمية على أساس روح التقريب والتضامن الإسلامي، ويسيرون قدماً يخطى ثابتة يجوبون العالم لإرساء قواعد مجدهم، ولم تظهر بوادر مجد المسلمين إلاّ بعد أن وحد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين بأواصر الأخوة الإسلاميّة. وعلى رغم الاضطرابات والخلافات بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فان الامام عليا عليه السلام جمع شمل المسلمين ووحد كلمتهم وصان بنفسه الوحدة الإسلاميّة ومن وراء تلك الجهود الجبارة نبذ المسلمون خلافاتهم وراء ظهرانيهم وأوقفوا إراقة دمائهم وقاموا بإصدار ثورتهم المباركة إلى أصقاع العالم.

لكن مما يؤسف له أن الاستعمار الغاشم حاول - وسيحاول أبداً - عن طريق سياسة مرسومة (فرق تسد) أن يدس الخلاف بين المسلمين، ويصطنع التهم فيقتتل المسلمون فيما بينهم، ويحل العداء والبغضاء محل الأخوة والسلام.

إن موسم الحج ليعتبر فرصة ذهبية للتقريب بين المسلمين وترك الأحقاد والضغائن. ومن جملة التهم التي تكال ضد الشيعة؛ القول بتحريف القرآن، وأن الشيعة لا تعير اهتماما بهذا القرآن، وأن لهم قرآنا يسمى (مصحف فاطمة) ! والحال أن كبار فقهاء الشيعة الإمامية مثل: الشيخ المفيد. والشيخ الطوسي، والشريف المرتضى إلى عصر الامام الخميني (رض) يذهبون إلى صيانة القرآن عن التحريف، ولا شك أن آراء فردية خاصة لا توضع على حساب القوم، سواء كانت شيعية أم سنية، وأن المفسرين والفقهاء من الشيعة يتزودون دائماً من معين التفاسير السنية مثل: تفسير الامام عبد الله الأنصاري) (الميبدي)، و (المواهب العلية) للكاشفي، وتفسير (أنوار التنزيل) للبيضاوي و (الكشاف) للزمخشري، و…. وأن هذه التفاسير في مكتبات الشيعة تقع موقع تفاسيرهم، وأضف إلى ذلك أن من بين تلك التفاسير ما تدرس في الجامعات المدنية والدينية، وأن قائد الثورة الإسلاميّة ولي أمر المسلمين السيد الخامنئي قد نقل قسما من تفسير (في ظلال القرآن) للسيد قطب إلى اللغة الفارسية، وتتكرر هذه الحالة لدى المفسرين وشيوخ الأزهر وعلماء مصر، حيث أقبلوا إقبالا منقطع النظير على تفسير الإمام الشيعي الطبرسي (مجمع البيان)، وأ

ن الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت، والفقيه الكبير الشيخ عبد المجيد سليم الشيخ الأسبق للجامع الأزهر الشريف قد أعجبوا بالكتاب، وأوصوا إلى (دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة) بالقاهرة بطبع الكتاب كنموذج لأبدع التفاسير، ومن حسن الحظ فقد أخرج الكتاب إخراجاً رائعاً مع مقدمة قيمة للسكرتير العام لدار التقريب، ومقدمة أخرى للشيخ محمود شلتوت، وعليه هوامش وتعليقات مفيدة لبعض مشايخ الأزهر.

تفسير (مجمع البيان) على إيجازه واختصاره قد جمع مؤلفه فيه علوم القرآن من القراءات، وشأن نزول الآيات، واللغة، والإعراب، ونظم الآيات، والسور، والأخبار والقصص، وأحكام الحلال والحرام، و…. وهذا التفسير قد حاز إعجاب المسلمين من السنة والشيعة بآراء معتدلة غير متطرفة، وهو يمثل عقائد الشيعة بالنسبة إلى كتاب الله العزيز.

ويقول شيخ الجامع الأزهر الأستاذ الشيخ عبد المجيد سليم:

(لا احسبني مبالغاً إذا قلت: إنه في مقدمة كتب التفسير التي تعد مراجع لعلومه وبحوثه، ولقد قرأت في هذا الكتاب كثيراً، ورجعت إليه في مواطن عدة فوجدته حلال معضلات، كشاف مبهمات، ووجدت صاحبه - رحمه الله - عميق التفكر، عظيم القدر، متمكنا من علمه، قويا في أسلوبه وتعبيره، شديد الحرص على أن يحل للناس كثيراً من المسائل التي يفيدهم علمها).

ويقول الأستاذ الكبير الشيخ محمود شلتوت في مقدمته على هذا التفسير:

(…. وشمرت عن ساق الجد، وبذلت غاية الجهد والكد، وأسهرت الناظر، وألقيت الخاطر، وأطلت التفكير، وأحضرت التفاسير، واستمددت من الله سبحانه التوفيق والتيسير، وابتدأت بتأليف كتاب هو في غاية التلخيص والتهذيب، وحسن النظم والترتيب، يجمع هذا العلم وفنونه، ويحوي فصوصه وعيونه، من علم قراءاته، وإعرابه ولغاته، وغوامضه ومشكلاته، ومعانيه وجهاته، ونزوله وأخباره، وقصصه وآثاره، وحدوده وأحكامه، وحلاله وحرامه، والكلام على مطاعن المبطلين فيه، وذكر ما ينفر منه أصحابنا - رضي الله عنهم - من الاستدلالات بمواضع كثيرة منه على صحة ما يعتقدونه من الأصول والفروع، والمعقول والمسموع، على وجه الاعتدال والاختصار، فوق الإيجاز ودون الإكثار، فإن الخواطر في هذا الزمان لا تحفل بأعباء العلوم الكثيرة).

ثم أضاف الشيخ شلتوت:

(وإن من ميزات هذا التفسير حرية الفكر والتقريب بين المذاهب التي يعرضها على مدار الحق والحقيقة، وبإخلاص تام، وربما قدم في مرحلة التطبيق مذهب غيره على مذهبه، وبتوخي

الأمانة والدقة في نقل الآراء بريئا عن السب والشتم، وكأنه هو مبتني ذلك المذهب، وذلك على عكس بعض إخواننا السنة حينما يتحدثون عن الشيعة يرمونهم بالرفض، ويدعونهم بالرافضة، أو بعض إخواننا الشيعة حين يدعون السنة بالناصبة. والطبرسي يجعل دائماً نصب عينيه هذه الآية الكريمة (وجادلهم بالتي هي أحسن ( [١] ومن ذلك يقول في تفسير سورة الحمد:

(وقيل في معنى الصراط المستقيم وجوه:

أحدها: أنه كتاب الله وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وابن مسعود رضي الله عنه.

وثانيها: أنه دين الإسلام، وروي عن جابر وابن عباس.

وثالثها: أنه دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره، عن محمد بن الحنفية.

والرابع: انه هو الرسول الأعظم والأئمة القائمون مقامه، وهذا ما ورد في أخبارنا).

ثم يضيف الطبرسي: (والأفضل أن تحمل الآية على العموم لتشمل جميع تلك الوجوه؛ لأن الصراط المستقيم هو الدين الذي أمر الله به من التوحيد، والعدل، وولاية من أوجب الله طاعته).

ويضيف الشيخ شلتوت: (ومن المعلوم أن الرواية الأخيرة هي أنسب الروايات إلى مذهب الشيعة وانطباقها على الأئمة التي جاءت في أخبارهم، ولكن الطبرسي لا يعطي الرجحان لتلك الرواية ولا يقدمها حين ذكر الآراء والنظريات).

بل يضعها في جنب باقي الآراء المطروحة، ثم يحمل الآية على العموم. وما

أبرعه إذ يقول: (ولاية من أوجب الله طاعته) وهذه العبارة لا تبغض أي أحد لا سني ولا شيعي، فكل مؤمن يعتقد أن هناك من أوجب الله طاعته، وفي مقدمتهم الرسول، وأولوا الأمر، ووجه البراعة في ذلك أنه لم يعرض للفصل في مسألة (الولاية) و (الإمامة) هنا؛ لأن المقام لا يقتضي هذا الأمر، ولكنه مع ذلك أتى بعبارة يرتضيها الجميع ولا ينبو عنها أي فكر.

ولقد ذكر المؤرخون لسيرة الطبرسي أمراً عجيباً، ذلك أنه الف كتابه هذا المسمى (مجمع البيان) جامعا فيه فرائد كتاب من قبله اسمه (التبيان) للشيخ محمد بن الحسن بن علي الطوسي، ولم يكن قد اطلع على تفسير الكشاف للزمخشري، فلما اطلع عليه صنف كتابا آخر في التفسير سماه:

(الكافي الشاف من كتاب الكشاف) ويظهر من اسمه أنه أتى فيه بما اطلع عليه من تفسير الزمخشري، ولم يكن قد عرفه حتى يودعه كتابه الأول، ويذكرون اسما آخر لكتاب ألفه بعد ذلك أيضاً وأسماه (الوسيط) في أربع مجلدات، وكتابا ثالثا اسمه (الوجيز) في مجلد أو مجلدين، كل ذلك في تفسير القرآن الكريم ألفه بعد تفسيره الأكبر (مجمع البيان)، وبعض هذه الكتب يعرف باسم (جامع الجوامع) لجمعه فيه فرائد التبيان وزوائد الكشاف.

ثم الشيخ بعد المقاسية بين تفسير الطوسي وتفسير الزمخشري يؤكد على سعة النظر، وسماحة الطبرسي، ويقول:

(ولذلك طربت وأخذتني روعة لصنيع هذا العالم الشيعي الإمامي، حيث لم يكتف بما عنده وبما جمعه من علم شيخ الطائفة ومرجعها الأكبر في التفسير (الامام الطوسي صاحب كتاب التبيان) حتى نزعت نفسه إلى علم جديد بلغه)، وهو: علم صاحب الكشاف، فضم هذا الجديد إلى القديم، ولم يحل بينه وبينه اختلاف المذهب، وما لعله يسوق إليه من عصبية، كما لم يحل بينه وبينه حجاب المعاصرة - والمعاصرة حجاب - فهذا رجل قد انتصر بعد انتصاره العلمي الأول نصرين آخرين: نصراً على العصبية المذهبية، ونصراً على حجاب المعاصرة، وكلاهما كان يقتضي المعاظمة

والمنافرة، لا المتابعة والمياسرة، وأن جهاد النفس لهو الجهاد الأكبر لو كانوا يعلمون.

ثم يقول الشيخ شلتوت (ره).

(فإذا كنت أقدم هذا الكتاب للمسلمين في كل مذهب وفي كل شعب فإنما أقدمه لهذه المزايا وأمثالها، وليعتبروا بخير ما فيه من العلم القوي، والنهج السوي، والخلق الرضي.

إن المسلمين ليسوا أرباب أديان مختلفة، ولا أناجيل مختلفة، وإنما هم أرباب دين واحد، وكتاب واحد، وأصول واحدة، فإذا اختلفوا فإنما هو اختلاف الرأي مع الرأي والرواية، والمنهج مع المنهج، وكلهم طلاب الحقيقة المستمدة من كتاب الله، وسنة رسول الله، والحكمة ضالتهم جميعا ينشدونها من أي أفق).

فأول شيء على المسلمين وأوجبه على قادتهم وعلمائهم أن يتبادلوا الثقافة، والمعرفة، وان يقلعوا عن سوء الظن، وعن التنابز بالألقاب، والتهاجر بالطعن وأسبابه، وأن يجعلوا الحق رائدهم، والإنصاف قائدهم، وأن يأخذوا من كل شيء بأحسنه.

(فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب [٢]

١ - النحل: ١٢٥

٢ - الزمر: ١٨.



[ Web design by Abadis ]