ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الوحدة الإسلاميّة من منظور حضاري \ سماحة الحجة السيد محمّد باقر الحكيم

القسم الأول

أهمية الوحدة الإسلاميّة

لا شك أن الوحدة الإسلاميّة هي من أهم الموضوعات التي نواجهها في عصرنا الحاضر، والتي يجب أن نتناولها بالبحث والتمحيص وتحديد المعالم الأساسية لها؛ ليتضح الموقف تجاهها بشكل كامل، خصوصا بعد وجود الكيان السياسي الإسلامي المتمثل بالجمهورية الإسلاميّة في إيران، ووجود النهوض الإسلامي الواسع الذي جعل المسلمين يتوجهون إلى وضع الحياة الاجتماعية لهم على أساس النظرية الإسلاميّة، والمصالح الحقيقة للمسلمين، الأمر الذي أدى بعد عقد من الزمن - تقريبا - إلى قيام دولتين إسلاميتين أخريين، وحدوث صراع واسع بين المسلمين والأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين التي لازالت تتمسك بمنهج الظلم والطغيان، والتبعية، والمصالح الأنانية الضيقة، وتحرص على البقاء في مستنقع الحضارة الغربية وتحمل جميع مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية، بل القبول بالمظاهر الغربية، بعيداً عن العلم والتطور التكنولوجي، أو العزة والكرامة الإنسانية.

ويزداد الموضوع أهمية عندما ننظر إلى الظروف العالمية وطبيعة الصراع القائم في عالمنا اليوم على المستوى الحضاري والاجتماعي والاقتصادي، بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وانهياره وخروجه من محاور الصراعات الإنسانية الأساسية، حيث يلاحظ أن الاتجاهات الجديدة لرياح الحرب الباردة تعطي لموضوع الوحدة الإسلاميّة أهمية خاصة من هذه المرحلة من التطور الحضاري.

اتجاه رياح الحرب الباردة:

لقد تحولت رياح الحرب الباردة بسقوط المعسكر الاشتراكي إلى اتجاهين رئيسين:

الأول: اتجاه الانكفاء على الذات، حيث نجد الحضارة الغربية بسبب انتهاء المواجهة ذات الوتيرة والمستويات العالية مع المعسكر الاشتراكي، وعدم وجود ذلك المستوى من المخاطر والمحفزات للدفاع عن النفس التي كانت تجعل القوامين على هذه الحضارة يغضون الطرف - سابقا - عن الاهتمام بمشاكلهم الداخلية الإنسانية المعقدة؛ ليولوا الصراع والمواجهة والخطر العسكري والعقائدي والسياسي مع الأعداء الخارجيين القدر الأكبر من الاهتمامات.

كل هذا التطور سوف يؤدي إلى أن ينكفئ الغربيون على أنفسهم في الاهتمامات الداخلية والصراعات والتنافس غير الشريف بينهم من أجل المصالح الذاتية الضيقة.

وهنا ترشح التوقعات بعض المحاور الأساسية للصراعات الذاتية:

أ - الصراع الأوربي الأمريكي:

لا على المستوى العسكري ولا العلمي، حيث بلغ التنافس في هذين الميدانين إلى القمة، ثم الطريق المسدود، بل على مستوى الحرب الاقتصادية، والمزيد من الترف والرفاه على حساب شعوبهم والشعوب الفقيرة.

وقد بدت في الأفق بعض المؤشرات في هذا المجال، سواء في حرب الخليج، إذ

حاول الأمر يكيون فيها الاستيلاء على مصادر النفط والهيمنة على هذه المنطقة الغنية؛ من أجل أن يمسكوا بزمام المبادرة في هذا المجال الحيوي والطاقة المؤثرة في جميع اقتصاديات العالم.

وكذلك في قضية فرض الرسوم على الصادرات الزراعية الأوربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن رفض الأوربيون أن يلغوا الدعم الزراعي الذي يقدمونه للمنتوجات الزراعية في بلادهم للمحافظة على انخفاض الأسعار.

وكذلك في نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة [١] التي كان العامل المؤثر فيها هو: الاهتمامات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية بعد الاضطرابات الواسعة التي شهدتها بعض الولايات الأمريكية في العامين الماضيين، وتنامي خطر المخدرات، والأمراض الفتاكة التي هي وليدة التفسخ الأخلاقي، والغرق في الشهوات، والتحلل غير المحدود.

وفي مقابل ذلك: السعي الأوربي للوحدة الأوربية، ومعاهدة (ماستريخت)، والمشاكل الاقتصادية التي أحدثتها لبعض البلدان الأوربية؛ فضلاً عن المشاكل الاجتماعية والإنسانية الأخرى التي تواجهها أوربا وأمريكا في داخل شعوبها أو في علاقتها مع العالم الثالث.

ب - الصراع الغربي الشرقي:

الذي يدور الآن بشكل واضح بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، واختلال التوازن التجاري بينهما، وبروز بعض الدول الشرقية مثل: كوريا الجنوبية وتايوان في هذه المعادلة، إلى جانب المشكلات الحادة التي ولدها انهيار الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا لكل من هذين المحورين.

واحتمال بروز العملاق الصيني إلى ميدان الصراع، أو انهياره تبعا للاتحاد السوفياني، الذي سوف يولد على كلا الحالتين مشكلات عميقة وواسعة في داخل الحضارة الغربية، بعد أن أصبحت هذه الحضارة هي الرائدة والقدوة لكل هذه المساحات، مما سوف يسلط الضوء بشكل أفضل على طبيعة وحقيقة المشاكل التي تعاني منها هذه الحضارة.

الثاني: اتجاه الحرب الباردة لمواجهة النهوض الإسلامي بسبب تنامي الخوف من الصحوة الإسلاميّة.

إن الصراع بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلاميّة ليس صراعا جديدا، بل هو صراع امتد في عمق الزمن إلى قرون، وكانت الحرب العالمية الأولى في أحد أبعادها المهمة هو، تقسيم تركة الدولة الإسلاميّة الكبرى المتمثلة بالدولة العثمانية، والاستيلاء أو الهيمنة على ما تبقى من العالم الإسلامي.

وقد تحقق هذا الهدف للحضارة الغربية بعد الحرب العالمية الأولى. وبدأ العالم الإسلامي وكأنه قد استسلم عسكريا وسياسيا للحضارة الغربية طيلة العقود الماضية منذ الحرب العالمية الأولى وان بقيت بعض الزوايا والجيوب والمنعطفات تشهد شيئا من المقاومة، خصوصا في مجالي الفكر والثقافة، ولكن الواقع الذي كانت تعيشه البلدان الإسلاميّة والأمة الإسلاميّة - طيلة هذه الفترة - لم يكن واقعا يتمثل فيه الصراع الشامل مع الحضارة الغربية، بل ولا حتى المقاومة الشاملة لها إذا أردنا أن ننظر إلى الساحة نظرة عامة وشمولية. نعم، كانت هناك أعمال مجيدة وبطولية قام بها بعض علماء الإسلام والمفكرين المسلمين في مختلف أنحاء العالم الإسلامي في الدفاع عن الإسلام، وكان لها دور عظيم بعد ذلك في استمرار المقاومة وأحياء روحها ومن ثم تصعيد المواجهة مع الحضارة الغربية.

وقد حدث تحول عظيم في الأوضاع السياسية والثقافية للعالم الإسلامي بعد قيام الثورة الإسلاميّة في إيران وتأسيس الحكم الإسلامي فيها، حيث انتشرت روح المقاومة والتصدي والنهضة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، بل وفي صفوف المسلمين

المغتربين، والذي كان يبدو للناظر - لأول وهلة - أنهم تحولوا في جميع أبعاد حياتهم ووجودهم إلى جانب الحضارة الغربية.

وهنا حاول القيمون على الحضارة الغربية أن يعالجوا هذه الظاهرة بالطريقة التي عالجوا وواجهوا بها ظاهرة النهوض القومي والوطني وحركة التحرر في العالم العربي والإسلامي، ومن دون الحاجة إلى التحول إلى الحرب الباردة في مواجهة عالمية شاملة. فكانت الحرب العدوانية على الجمهورية الإسلاميّة، والتدخل الأجنبي الواسع في منطقة الخليج، والحصار الاقتصادي والسياسي والتكنلوجي للجمهورية الإسلامية، ثم حرب الخليج ضد النظام العراقي لإخراجه من الكويت، والتواجد العسكري فيه، وكذلك ممارسة الضغوط المستمرة لإنهاء المشكلة الفلسطينية لصالح الهيمنة الصهيونية، وإثارة المخاوف والشكوك ضد الجمهورية الإسلاميّة ونواياها المستقبلية وعمليات القمع الواسعة للنهوض الإسلامي تحت شعار محاربة الإرهاب والتطرف الديني والتخلف الحضاري وإحياء التحالفات الجانبية بعيداً عن الأطر العامة للجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي، أو حركة عدم الانحياز، بل وحتى أبعد من ذلك من محاولة تسخير الأمم المتحدة ومؤسساتها خصوصا في مجال حقوق الإنسان لتحريض بعض الأنظمة في العالم الإسلامي للقيام بالمزيد من الانتهاك لحقوق الإنسان ضد شعوبها تحت هذه الشعارات.

ويبدو حتى الآن أن هذه المحاولة باءت بالفشل، وبدأ الصراع يأخذ أبعاداً جديدة في المواجهة مع الحضارة الغربية يمكن أن نؤشر فيها على عدة نقاط ذات تأثير كبير في هذا الصراع:

١ - ارتفاع درجة حساسية الأمة تجاه محاولات الحضارة الغربية في الانتقاص من الإسلام والعقيدة الإسلاميّة، وازدياد الشعور بالمظلومية من قبل الحضارة الغربية من ناحية، والاعتزاز بالكرامة الإسلاميّة وقيمها ومثلها من ناحية أخرى. وقد تكشف هذا الأمر في قضية المرتد سلمان رشدي والتي تبدو في البداية أنها قضية عادية، ولكن الغربيين في توجيههم للصراع حولوها إلى قضية ذات أبعاد عالمية كشفت في تفاعلاتها عن عمق جذور الصراع الحضاري الغربي الإسلامي.

فالغربيون يسمحون لأنفسهم أن يحولوا قضية الطائرة التي أسقطت في (اسكتلنده) إلى قضية عالمية ويطالبون بمحاكمة المتهمين بارتكاب الجريمة، وهي جريمة في حق جماعة من الركاب المدنيين العاديين؛ ولكنهم لا يسمحون بمحاكمة شخص ارتكب جريمة بحق الإسلام والأمة الإسلاميّة جمعاء، ولا يسمحون بإصدار الحكم الذي تقره الشريعة الإسلاميّة وجميع الأديان السماوية.

ولكن المهم في هذه القضية ليس هذا الجانب، بل في ما تكشفت عنه من مدى ارتباط المسلمين بالإسلام والثقافة الإسلاميّة، واستعدادهم لتوحيد موقفهم في الصراعات ذات البعد المركزي [٢]. وكذلك في بُعد الإجماع الإسلامي في هذه القضية على مستوى الأمة، وحتى دول العالم الإسلامي حيث لم يجرأ أي واحد من حكام المسلمين أن يقف موقف المخالف لها.

وفي جانب آخر مهم هو موقف المسلمين المغتربين، وحتى المولودين في الغرب منهم، والذي كان في قوته لا يقل عن موقف مسلمي العالم الإسلامي إن لم يكن أشد وضوحاً.

٢ - التراجع الحضاري والسياسي للحضارة الغربية وأطروحاتها وأتباعها في العالم الإسلامي أما التطورات السياسية في تيار النهوض الإسلامي الذي لا نحتاج إلى الحديث الواسع فيه، وخصوصاً ما حدث في جمهورية (السودان الإسلاميّة) أو في (جمهورية أفغانستان)، حيث تمكن التيار الإسلامي من خلال صراع طويل وفي أبعاد متعددة أن يكسب الجولة، ويقيم الحكومة الإسلاميّة تحت سمع وبصر الحضارة الغربية والأنظمة التابعة لها بما تملك من إمكانات وقدرات مادية وبشرية. وكذلك الصورة الرائعة والمروعة التي حصلت في الجزائر من إدلاء الأمة برأيها - وفي مباراة مفتوحة

وعلى الطريقة الغربية في الاختيار - إلى جانب الحكم الإسلامي والنهضة الإسلاميّة.

٣ - ازدياد الشعور لدى أتباع الحضارة الغربية ومنظريها بالعجز واليأس بالرغم من سعة دائرة التآمر والتوظيف للإمكانات والقدرات، حيث يعّبر عن ذلك طبيعة رد الفعل الغربي بشكل مباشر، أو عن طريق (الاتباع) من خلال تصعيد وتيرة القمع في العالم الإسلامي في عصر النظام الجديد الذي ينادي بالدفاع عن حقوق الإنسان، ويرفع شعار تهدئة مناطق التوتر والاضطراب وحل المشكلات المستعصية الإقليمية، والخروج من مخلفات الحرب الباردة إلى الأوضاع السلمية والأمن السياسي والاجتماعي.

إن ما حصل في بلدان مثل: أفغانستان، وفلسطين، والعراق، والجزائر، ومصر، وتونس، وغيرها من محاولة للقضاء على النهوض الإسلامي وعدم التمكن من ذلك حتى الآن بالرغم من استخدام جميع الوسائل الممكنة والمتيسرة حتى الأسلحة الكيمياوية وحرب الإبادة، ثم محاولة إلصاق التهم بالعوامل الخارجية؛ كإيران والسودان، أو التخطيط العشوائي في نسبة الإرهاب والتطرف لكل النهوض الإسلامي كل ذلك يدلل بوضوح على حقيقة هذا الشعور بالعجز والإحساس بالفشل للأطروحة الغربية وأنظمتها الهزيلة.

٤ - تطور الخطاب السياسي الإسلامي بشكل واضح من خلال أطروحة الثورة الإسلاميّة في إيران إلى خطاب إسلامي أصيل يهتم بالكرامة الإنسانية كما يهتم بكرامة الله والرسول والدين، ويهتم بالحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للإنسان كما يهتم بالشعائر والآداب الإسلاميّة، ويهتم بالعلم والفضيلة ومعالجة المشاكل الإنسانية، كما يهتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إن هذا التطور للخطاب السياسي والتأكيد على البعد الحضاري الأصيل في الإسلام هو الذي جعل هذا النهوض الإسلامي صامداً أمام عمليات القمع والاستئصال، بل ومتعالياً عليها. وإن تخلي الدولة العثمانية عن هذه الهموم الحقيقة للإنسان هو الذي جعلها تتراجع وتتداعى - بعد ذلك - أمام الضربات التي واجهتها من قبل الحضارة الغربية.

إن شعور الأنظمة في العالم العربي والإسلامي بالعجز أمام حل مشكلاتها الداخلية - الاجتماعية والسياسية - وبالتالي عدم قدرتها على مواجهة النهوض الإسلامي هو الذي أعطى هذا المؤشر الجديد للصراع، حيث بدأ القوامون على الحضارة الغربية يشعرون بالخوف من نتائج هذه المواجهة الجديدة، ويدركون الأخطار التي تهدد مفاهيمهم ومصالحهم في المنطقة، بحيث يجعلهم يصعدون من حدة القمع والاضطهاد والعدوان، وعمليات التضليل، ويؤشرون على محاور وخلفيات هذا الصراع الإسلامي الغربي.

إن هذا الأحداث ترشح النهضة الإسلاميّة أن تكون المحور الحضاري الجديد في الصراع مع الحضارة الغربية، وبأساليب وإمكانات جديدة قد لا تخطر على بال المحللين والدارسين الغربيين.

مستلزمات الموقف الإسلامي في الصراع:

ولكن السؤال المطروح على المسلمين في هذا المجال هو: أين تكمن المستلزمات الحضارية والمادية للوقوف في مواجهة هذا الصراع؟

ويمكن تقديم صورة عامة عن الجواب من خلال ملاحظة الأبعاد الثلاثة الآتية التي تشكل بمجموعها هذه المستلزمات الأساسية في تشخيص الموقف لهذه المواجهة من وجهة نظر إسلامية.

أ - مواجهة التحديات المعاصرة:

الأول: مواجهة التحديات الحضارية والسياسية والاجتماعية التي أفرزتها ظروف العصر الحديث وتطوراته في جوانبها الإنسانية والمدنية والعلمية، ومنها بالذات

إفرازات الحضارة الغربية والهيمنة العالمية، خصوصا بعد تراجع الحضارة الغربية وانهيار المعسكر الاشتراكي، حيث يمكن أن نشير إلى بعض هذه التحديات والقضايا:

الأولى: قضية التوفيق بين متطلبات الحرية الإنسانية على المستوى الفردي أو الاجتماعي، والاستقلال والإرادة في القرار السياسي، والتحرر من الهيمنة أو التبعية الأجنبية في الاقتصاد والثقافة والعلوم من ناحية، ومتطلبات العدالة الاجتماعية والرفاه الاقتصادي والتعايش السلمي من ناحية أخرى.

فإن هذه الأمور وإن كانت قد تبدو متجانسة في النظرة الأولى لها، ولكن التوفيق بين متطلباتها وضمان تحقيقها عمليا وواقعيا في الحياة الإنسانية المعاصرة والمتداخلة يحتاج إلى جهد حضاري وسياسي وتضحوي استثنائي، والى روح معنوية عالية خصوصا وأن الحضارة الغربية لازالت تزداد جفافا وتصحرا في معالجتها للمشكلات الإنسانية، بسبب فقدانها للعنصر الروحي والعلاقة بعالم الغيب، والارتباط بالله تعالى، الأمر الذي لا يمكن معالجته إلاّ من خلال الرسالة الإسلاميّة التي تمثل بتكاملها الحل الصحيح لهذا المشكلات.

فقد كان أحد الأسباب الرئيسية لسقوط الشيوعية التي نادمت بالعدالة الاجتماعية هو معاداتها لفطرة الإنسانية، وخصوصا الاتجاه الفطري للإيمان بالله.

وكان أحد أسباب ظهور الرأسمالية التي نادمت بالحرية هو: الفراغ الذي كانت تعيشه المسيحية في معالجتها للتطور العلمي والاجتماعي لا يمكن معالجة هذه التناقضات إلاّ من خلال رسالة الدين الذي يعالج المشكلات الإنسانية - كالحرية والعدالة الاجتماعية والمسألة الروحية - إلى جانب العلاقة بعالم الغيب، وهذا هو خصوصية الرسالة الإسلاميّة.

ومن هنا يبدو التحدي الجديد في معالجة مشكلة العدالة الاجتماعية؛ لأن المجتمع الإنساني بعد سقوط أسطورة الاشتراكية العلمية (الشيوعية)، كأطروحة التحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، والقضاء على مظاهر التمييز بين طبقات المجتمع، وإلغاء معالم الظلم والاستئثار والاستغلال الذي مارسته الرأسمالية الديمقراطية تحت

شعار الحريات العامة والفردية، وتحقيق التطور من خلال استنفار وتوظيف الدوافع الذاتية والمصالح الخاصة. بعد كل هذا تبرز الآن أخطار عظيمة في طغيان الظلم والاستغلال وبأشكال جديدة، وليس على حساب مجموعات وشرائح اجتماعية فحسب، بل على حساب شعوب وأمم بشرية بكاملها، ومن خلال النظام العالمي الجديد الذي أصبحت أمريكا وحلفاؤها فيه هي القوة الوحيدة التي تحاول الهيمنة على العام.

الثانية: قضية الصراع بين الاستكبار والاستضعاف، حيث لابد للحالة الإسلاميّة أن تتحول من حالة الدفاع وامتصاص الهجمات المتوالية التي تشنها قوى الاستكبار العالمي ضدها، باعتبار أن الحالة الإسلاميّة كان تعيش ضمن دائرة ومساحة الاستضعاف العالمي…. لابد لها من التحول إلى حالة المبادرة وتقديم الأطروحات المناسبة لحل مشكلات الإنسان، أو الوقوف على الأقل في المواجهة مع الاستكبار دفاعا عن كل مستضعفي العالم الذين سوف يقعون - بطبيعة الحال - لقمة سائغة هينة في يد الاستكبار العالمي المنفرد؛ إذا لا يوجد من يدافع عن حالة الاستضعاف غير الأمة الإسلاميّة، والحالة الإسلاميّة.

الثالثة: قضية النظام العالمي الجديد الذي أصبح حقيقة قائمة من خلال التطور العلمي والمدني والعلاقات الإنسانية الجديدة، وبالتالي فلابد من بناء هذا النظام وتطويره باتجاه التكامل الإنساني وخدمة المسيرة المتطورة للبشرية.

إن وجود نظام إنساني واحد للبشرية جمعاء هدف مقدس، وأمل كبير تعيشه البشرية منذ العصور الأولى للتأريخ، وقد بشرت به الرسالات الإلهية، ولذا فمن الضروري أن يتم التحرك بهذا الاتجاه، ولكن بشكل تكاملي يحقق أهداف البشرية في تكاملها، من خلال ارتباطها بالله سبحانه وتعالى، والتزامها بعهودها ومواثيقها، وتجسيدها لفطرتها الأصيلة، وحبها للخير والعدل والصلاح والرقي والتقدم والاستقرار والأمن، والعلاقات الإنسانية التي تسودها المحبة والود.

وعلى أساس هذا التطور نجد الحاجة الملحة إلى أن يقوم علماء الإسلام المفكرون

وقادة الحركات الإسلاميّة وغيرهم من حواري هذا الأمة بحملة تعبوية واسعة على المستوى السياسي والإعلامي والثقافي لطرح نظام عالمي جديد متكامل، يقوم على أساس العقيدة الإلهية ومبادئ الإسلام الحنيف، المستنبطة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، يخاطب البشرية جمعاء ويحل مشكلاتها ويملأ فراغها وخواءها، ويطلب منها الإيمان به والالتزام بأسسه وقوانينه. ولابد أن تبذل الجهود الخيرة والتضحيات الكبيرة من أجل إيصال هذا (البلاغ) وهذه (الدعوة العالمية) للبشرية كلها.

وعندما نتحدث عن هذه الجهود والتضحيات والدعوة والبلاغ لابد أن نضع أمام أعيننا مسيرة الأنبياء والربانيين والأحبار والعلماء والصديقين في التاريخ الإلهي، وخصوصاً سيرة سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، والتي تحدث عنها القرآن الكريم كثيراً؛ فإن مثل هذه المسؤولية الكبيرة لا يمكن أن تتحقق أهدافها إلاّ من خلال هذه الجهود والتضحيات.

إن هذه القضية تمثل قضية من أهم التحديات المعاصرة التي يواجهها الإنسان المسلم، وتواجهها الحالة الإسلاميّة وتكتسب أولوية في مجمل الحالة الإسلاميّة.

معالجة التحديات:

وبعد هذا الاستعراض للتحديات يبرز أمامنا هذا السؤال: كيف نعالج هذه التحديات الحضارية؟

ويأتي الجواب عن ذلك من خلال قضية (الوحدة الإسلاميّة) التي وضع أساسها القرآن الكريم، وعالجها أهل البيت - عليهم السلام - من خلال نظرية سوف نشير إلى معالمها في بحث قادم.

ولكن بصورة إجمالية نجد أن هذه المعالجة تأخذ بعدين رئيسين:

البعد النظري، والبعد العملي.

وقد أشرت إلى البعد العملي في الأسطر الماضية من خلال الاقتداء والتأسي بمسيرة الأنبياء والربانيين والصالحين.

وأما البعد النظري؛ فيمكن أن نجد معالمه في الحرية الفكرية والسياسية التي تبنتها نظرية أهل البيت في الوحدة الإسلاميّة، حيث يمكن على المستوى الفكري العودة إلى دراسة المصادر والمنابع الإسلاميّة، والتعرف على عناصر القوة فيها، واستنطاق هذه المصادر للجواب عن المشكلات الأساسية ضمن القوانين والضوابط الشرعية، وفتح باب الاجتهاد الصحيح، ونفض غبار الماضي عن النصوص الإسلاميّة.

وكذلك فسح مجال الممارسة السياسية الحرة المقننة والمشروعة على المستوى الاجتماعي، والاتصاف بسعة الصدر في فهم واحترام آراء العلماء من جميع المذاهب الإسلاميّة ونظرياتهم ودراستها بشكل موضوعي…. فإن كل ذلك أمور ضرورية في مواجهة هذه التحديات الحضارية.

ب: تطوير المضمون المعنوي للحالة الإسلاميّة:

لاشك أن المضمون المعنوي العقلي والعاطفي الذي تملكه الحالة الإسلاميّة يمثل أعظم طاقة وأكبر قوة تمتاز بها الحالة الإسلاميّة في موقفها العام تجاه هذا الصراع الحضاري؛ لأن الإيمان بالله تعالى وبالرسالة واليوم الآخر، والمضمون الأخلاقي والتشريعي، ومشاعر الحب والولاء لله تعالى، والعداء للشيطان وكل معالم الشر، والخوف من العذاب، والأمل في الفوز بالجنة، والأهداف السامية النبيلة المتمثلة بالرضوان الأكبر… هو القوة الحقيقية التي تتنزل عليها الملائكة (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة إلاّ تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ( [٣].

وبذلك يصبح هذا المضمون المعنوي والروحي أهم بعد في مستلزمات الموقف في هذه المواجهة، ومن هنا يكون تطوير هذا المضمون وتصعيده والارتفاع به أهم قضية في هذا المجال.

ولا شك أن تعميق حالة الإيمان بالله تعالى والشد الروحي والعاطفي للإنسان المؤمن بالله وبالرسالة والرسول واليوم الآخر تأتي في مقدمة أبعاد هذا التطوير.

وهذا الأمر يحتاج إلى منهج للعقيدة، وللتزكية والتربية النفسية والروحية، وهذا المنهج التربوي للتزكية نجد معالمه في نظرية أهل البيت في التزكية، وهو جانب مهم في معالجتنا لقضية الوحدة الإسلاميّة.

التمييز بين العقل والعاطفة:

ولكن الشيء الذي قد نغفل عنه في فهمنا لهذا المضمون الروحي هو قضية العقل والعلم والتمييز بينهما وبين العاطفة والشعور.

إننا بلا شك بحاجة إلى العاطفة والمشاعر الجياشة المتسمة بالحب والولاء لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين، وهذه العاطفة تعتبر الطاقة الحركية الدافعة والشعلة السرمدية التي لا تنضب. ولكن المواجهة الإسلاميّة بحاجة في نفس الوقت أيضاً إلى منهج عقلي وعلمي في التخاطب والعمل والمواجهة، كما هي بحاجة إلى العواطف والمشاعر، بل أن هذه العواطف والمشاعر إذا أريد لها الاستمرار والبقاء والثبات فلابد أن تقوم على أساس عقلي وعملي، وبالتالي فلا بد من تصعيدها من الحالة العاطفية والشعورية إلى المستوى العقلي والعلمي.

وهذا الأمر - بالإضافة إلى أن النظرية الإسلاميّة تؤكده وتدعمه، حيث دعا القرآن إلى التدبر والتعقل والعمل بمنهج العلم والحجة - تفرضه طبيعة التطور التاريخي لمسيرة البشرية التي بدأت تتحول إلى هذا المنهج، ولابد لها أن تستقر عليه في المستقبل. وهذا ما يفسر لنا ظاهرة اتصاف الرسالة الإسلاميّة بالرسالة الخاتمة؛ لأن البشرية وصلت في تطورها الإنساني إلى مستوى الاعتماد على العقل والعلم من ناحية، والرسالة الإسلاميّة هي رسالة العقل والعلم، والمنهج الذي يمكن للإنسان أن يفهمه في كل أدواره المستقبلية من ناحية أخرى. إذن فهناك حاجة إلى المناهج العلمية والعقلية في التعبير عن مواقفنا، ولا بد من الصعود بالحالة الإسلاميّة من حالة بمجرد رد الفعل والانفعال تجاه العهود الطويلة لاضطهاد الإسلام والمسلمين، والعدوان على القيم الإسلاميّة، ونهب ثروات الإنسان المسلم واستغلال الإنسان في العالم الإسلامي…. إلى غير ذلك من أسباب الظلم والضيم الذي تثير في الإنسان مشاعر الحقد والمقت والثورة والرفض والتحدي.

بل لابد من تحويل الحالة الإسلاميّة إلى حالة الفعل الذي يتسم بالثبات والتطور، وضمن الصيغ العلمية والعقلية في التحليل والتخطيط والبرمجة، ووضع الحلول لتشمل كل مجالات الحياة المهمة ونقاط التماس الحارة وقضايا الصراع والاضطراب الاجتماعي، والتي يمكن أن نشير إلى بعضها في النقاط التالية:

١ - الرؤية والبرنامج الاقتصادي الواضح الذي يكون قادراً على توظيف ثروات الأمة واستثمارها وتعبئة طاقاتها الواسعة والكبيرة، وحل مشاكلها الاجتماعية والفردية، وتحقيق الرفاه المعيشي، والاستقلال الاقتصادي، والتوازن التجاري، والوفرة في الإنتاج، والعدالة في التوزيع، والتكافل الاجتماعي، وحفظ القدرة على المواجهة الحضارية.

٢ - الخطة والبرنامج الاجتماعي الذي يكون قادراً على معالجة قضايا الشباب، والمرأة، والأسرة بشكل خاص، وتأثيرات التطور العلمي والمدني على الأوساط الاجتماعية، والاستفادة من هذه الطاقات الهائلة في خدمة التنمية، والابتعاد بها عن مساقط الانحراف والتبعية والشهوات، وتحقيق حالة الانسجام بين تطلعاتها وأحاسيسها والصيغ الإنسانية والشرعية والمتل والقيم الإلهية.

٣ - البرامج الثقافية والروحية التي تكون قادرة على مواجهة تطورات الفكر الإنساني وتطلعاته نحو الغيب والمجهول، من خلال التقدم العلمي وفرص الدراسات

العلمية المعمقة والإمكانات الهائلة في المعلومات والإحصاءات والوسائل، وبالتالي التيارات الثقافية الأخرى التي تعتمد بشكل أساسي على عناصر الشيطان والهوى، وإثارة الغرائز والشهوات، وسيطرة الملذات والمنفعة الشخصية.

إن تقديم مثل هذه الرؤية العلمية - والتي تعتمد على مخاطبة العقل الإنساني وتربية إرادته والجانب الروحي والمعنوي فيه - هو المنهج النظري السليم الذي لابد للحالة الإسلاميّة أن تقدمه للمجتمع الإنساني في هذه المواجهة.

ج - الوحدة الإسلاميّة:

تعتبر الوحدة الإسلاميّة من أهم مستلزمات الوقوف في وجه هذا الصراع الحضاري التي يجب على المسلمين جميعا والحركة الإسلاميّة بشكل خاص الاهتمام بها، وتوفير ظروفها وتبيين مناهجها وأساليبها والعمل على تحقيقها، بل يمكن أن نقول: إنها الأرضية والقاعدة التي يمكن أن تقوم عليها جميع المستلزمات الأخرى.

ولا شك أن الرغبة الأكيدة في نفوس المسلمين، والأمل الكبير الذي يعيشه أبناء الأمة الإسلاميّة لتحقيق الوحدة، يشكل أفضل أرضية يمكن أن يقام عليه بناء الوحدة الإسلاميّة، حيث تتطلع الأمة بإيجابية لإقامة هذا البناء.

كما أن أعداء الإسلام والأمة الإسلاميّة يعملون باستمرار من أجل التركيز على نقاط الخلاف وإبراز معالم التناقض والفرقة بين أبناء الأمة، بل يضعون العدسات المكبرة في كثير من الأحيان ويطلقون الأصوات المنكرة، ويملأون الدنيا ضجيجا من أجل تأكيد ذلك.

كل هذا يؤكد حقيقة لابد من الاهتمام بها في مسألة الوحدة، وهي: تحويلها من حالة الشعار والعواطف والمشاعر المحبوبة إلى عمل هادف له مبرراته ومجالاته الواضحة، لأن الوحدة الإسلاميّة ليست مجرد رغبة أكيدة وأمل كبير فحسب، بل هي عمل واجب من الناحية الشرعية والإسلامية، وفي نفس الوقت ضرورة من ضرورات

الحياة الإسلاميّة، وشرط من شروط القدرة على المواجهة في الصراع الحضاري.

آ - مبررات الوحدة الإسلاميّة:

وعندما نطرح موضوع مبررات الوحدة الإسلاميّة يمكن أن نشير إلى نقاط ثلاث:

الأولى: أن الوحدة الإسلاميّة توفر القدرة الحقيقية التي يمكن أن يستند إليها المسلون في صراعهم الحضاري بعد الله سبحانه، فإن الأمة الإسلاميّة وإن كانت تمتلك طاقات بشرية كبيرة، وإمكانات مادية هائلة، ومواقع استراتيجية هامة، وروح معنوية عالية، وحضارة ونظرية عقائدية وفكرية متكاملة في نظرتها إلى الحياة…. ولكن بدون هذه الوحدة بين أطرافها وأشلائها سوف تتحول - كما هي الآن - إلى مجرد فريسة للأعداء الذين يملكون كل هذه الإمكانات المادية والشيطانية الكبيرة والهائلة. وبمدهم رصيد من الهوى والرغبات والشهوات وحب الجاه والسلطان القائم في نفوس الضعفاء المضللين الشرسين من أبناء الأمة نفسها.

أو تتحول الأمة إلى إفراغ طاقاتها في الصراعات الداخلية والجانبية بعيداً عن الأهداف الحقيقية لها.

الثانية: أن الوحدة الإسلاميّة يمكنها أن توفر فرصاً كبيرة وواسعة للبحث والتقصي والاجتهاد والاستنباط للنظرية الإسلاميّة بما يخدم مواجهة التحديات الفكرية والنظرية، ومعالجة المشكلات الإنسانية التي خلقتها الحضارة المادية والتطور العلمي والمدني. فإن مثل هذا التطور في الأبحاث والدراسات والفهم إنما يمكن أن يحصل في ظل الاستقرار والتفاهم وحرية الرأي واحترامه، وتكامل الجهود بعضها إلى جانب البعض الآخر.

الثالثة: أن الوحدة الإسلاميّة يمكنها - أيضاً - أن توفر فرص التطور والنمو في العالم الإسلامي على المستويين المادي - بجميع أبعاده - والمعنوي. وبذلك يمكن للنظرية الإسلاميّة أن تثبت من خلال تحقيق النموذج الاجتماعي الإسلامي القدوة والمتطور، القادر على حل المشكلات الاجتماعية، فإن التكامل الاقتصادي والسياسي والثقافي والروحي والاجتماعي بين أطراف الأمة الإسلاميّة وإمكاناتها المتوزعة سوف يحقق ذلك إلى حد بعيد.

وبذلك يمكن للوحدة الإسلاميّة أن تساهم في خدمة الإنسانية والتطور الحضاري للبشرية جمعاء في نفس الوقت الذي تحقق فيه أهدافها على مستوى الأمة الإسلاميّة.

ب - مجالات الوحدة الإسلاميّة:

ومن أجل إكمال الصورة في الوحدة الإسلاميّة لابد ان نبين منذ البداية؛ أن المقصود من الوحدة الإسلاميّة ليس هو تحويل جميع النظريات العقائدية والاجتهادات الفقهية والآراء السياسية للمسلمين إلى نظرية واجتهاد ورأى واحد.

وإنما المقصود من ذلك هو: معالجة مجمل القضايا الأساسية التي تهم المسلمين بموقف واحد منسجم يحقق هذه الوحدة بينهم، وبالتالي يوضح على أرض الواقع مبرراتها السابقة. ويمكن تلخيص هذه القضايا في المجالات التالية:

الأول: النظرية الكلية العامة لدور الدين في الحياة الإنسانية، وأنه هل هو مجرد علاقةٍ روحيةٍ والتزاماتٍ قلبيةٍ بين الإنسان وربه، وممارساتٍ عبادية وسلوكٍ أخلاقي يمارسه الإنسان؟ أو أن دور الدين أوسع من ذلك وأشمل، بحيث يعالج الحياة السياسية للإنسان بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والإدارية والعلاقات الإنسانية… وكذلك دور الشريعة الإسلاميّة في تنظيم هذه الحياة.

وعندما نتحدث عن النظرة الكلية لا نقصد بطبيعة الحال المواقف السياسية التفصيلية التي تتخذها هذه الجماعة أو تلك، فإن ذلك يدخل في مجال الاجتهادات المتنوعة

ولاشك أن هناك شبه اتفاق عام بين العلماء والمفكرين المسلمين حول هذه النظرة الكلية، بالرغم من الإثارات ذات الطابع السياسي الذي تصطنعه الاتجاهات السياسية للدول المعادية، أو الأشخاص الذين يقعون تحت تأثيرها السياسي.

الثاني: الموقف العام تجاه الحقوق الإنسانية العامة في الفكر والرأي والعمل السياسي، والممارسة العبادية للمسلمين، والحقوق المدنية لاتباع المذاهب الإسلاميّة في العالم الإسلامي، بحيث لا يجوز حرمان أتباع هذا المذهب أو ذاك من هذه الحقوق العامة والتي يشتركون فيها مع بقية المواطنين المسلمين لمجرد انتمائهم إلى هذا المذهب أو ذلك، وأن لا يتحول عامل الانتماء المذهبي إلى امتياز أو نقطة أو عيب أو ضعف لصالح الأشخاص أو ضدهم.

الثالث: النظرة الكلية تجاه أعداء الإسلام الأساسيين، سواء على المستوى العقائدي مثل؛ حركة الإلحاد والتحلل من الالتزامات الأخلاقية الفطرية.

أو على المستوى السياسي: كحركة الكفر العالمي المتمثلة بقوى الهيمنة والتسلط والاستغلال القائمة على أساس المصالح والمنافع المادية، بعيدا عن جميع القيم والمثل الإنسانية والمصالح والمنافع المتبادلة.

وكذلك قوى الصهيونية العالمية والصليبية الطائفية الحاقدة التي تعمل ليل نهار في سبيل الكيد للمسلمين، أو نهب المزيد من أراضيهم وثرواتهم انطلاقا من الأحقاد التاريخية.

إن هذه القوى الشيطانية بما تملك من وسائل مادية للتضليل والإغراء والإمكانات السياسية والعسكرية والعلمية لممارسة مختلف الضغوط النفسية تمثل العدو الألد للمسلمين الذي يجب الحذر منه، وبالتالي لابد من تشخيصه ومواجهة أساليبه وأضاليله النفاقية.

الرابع: الخلافات المذهبية التي لابد من توحيد النظرة الكلية والمنهج الذي يتم على أساسه التعامل معها؛ فإنه لا معنى لافتراض الوحدة في هذا المجال على أساس توحيد المذاهب الإسلاميّة في مذهب واحد مشترك، فان هذا المنهج في الوحدة

غير واقعي، بل هو غير منطقي، وإنما لابد من وضع المنهج على أساس احترام آراء الآخرين من أصحاب المذاهب وممارساتهم العبادية والشخصية أولا، وتوحيد مناهج البحث وأساليب النقاش والنقد بعيداً عن النوايا والظنون والشبهات ثانياً.

وسوف نطرح في آخر هذا البحث المنهج الذي نراه صحيحا وقادرا على معالجة موضوع الوحدة في هذا المجال.

الخامس: توحيد النظرة الكلية إلى صيغة الحكم الإسلامي ودوره في الحياة السياسية والإنسانية، بحيث لا يكون هناك تناقض في الصيغ المطروحة للحكم، كما هو الحال في معالجة هذا الجانب في العالم الديمقراطي، فإنه بالرغم من وجود صيغ متعددة في بلدان العالم الديمقراطي ولكنها متفقة في أساسيات ومقومات النظرة الكلية للحكم تشترك فيها كل هذه الصيغ، ويتفق عليها الديمقراطيون. والنظرية الإسلاميّة من خلال تراثها الشرعي وتجاربها الطويلة قادرة على استيعاب الصيغ المتعددة منها.

ولا شك أن الأمة الإسلاميّة في مجال توحيد الموقف السياسي تحتاج إلى قيادة واحدة مركزية يمكن أن تبرز من خلال حركة الواقع العملي عندما تتوفر ظروف هذه الوحدة وتتحقق مستلزماتها.

١ - انتخابات عام (١٩٩٢) م التي فاز بها (بيل كلينتون) مرشح الحزب الديمقراطي على منافسه رئيس الجمهورية ٠بوش) مرشح الحزب الجمهوري، بعد استمرار الاتجاه السياسي لصالح الحزب الجمهوري اثنتي عشرة سنة هي فترة بداية النهوض الإسلامي وحتى الآن، مع أن (بوش) حقق انتصاراً كبيراً كما يدعي في حرب الخليج. والعامل في فوز المرشح الديمقراطي كما يقال هو: الاهتمام بالأوضاع الاقتصادية ومعالجتها.

٢ - لأنّ هذه القضية كانت تمس واحدة من أهم وأكبر القضايا الإسلاميّة وأن يجمع المسلمون على الالتزام بها، وهي قضية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

٣ - فصلت: ٣٠.



[ Web design by Abadis ]