ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 خاتمة

بعد هذه الجولة السريعة في العرفان والعشق والفن والأدب ضمن إطار «سعدي» و «حافظ»، قد يُثار سؤالان:

الاول: أدبي، يرتبط بالعطاء الذي يمکن أن يقدّمه الأدب الفارسي اليوم للأدب العربي.

الثاني: أخلاقي يرتبط بما نراه في الغزل العرفاني من خمر وحانة وسکر وعربدة.

في ثنايا الکتاب مرّت إشارات تجيب على السؤالين، ولکن إکمالاً للفائدة أقف عند شخصيتين أدبيتين مشهورتين من شخصيات الأدب والفکر ليجيب کل منهما على سؤال أو على السؤالين معاً.

الشخصية الاولى: الشاعر الکبير محمد مهدي الجواهري، العراقي المربي والمنشأ، واليمني في جواز سفره، والعربي في همومه وآلامه وآماله، والسوري في إقامته الاخيرة ومثواه الأخير.

لقد کان للجواهري زيارات لايران [١]. في شبابه وزيارة في اواخر حياته. الزيارات الاولى أتاحت لهذا الشاعر أن يتعلم اللغة الفارسية، وأن يتفاعل بالأدب الفارسي، وأن يترجم بعض أشعار حافظ الشيرازي الى العربية منظومة. وهذه الترجمة نشرها أولاً في صحيفة «النجف» تحت عنوان: «کنوز الفرس». ثم کتب إليه صديق يبدي إعجابه بهذا المنشور، ويطلب مزيداً من الايضاح عنها فکتب يقول:

«وبعد… فجواباً عن سؤال صديق علي عزيز فيما يتعلق بنشراتي المتوالية على صفحات «النجف» الأغر والمعنونة بـ «کنوز الفرس» وطلبه مزيد الإيضاح عنها… بعد الشکر على عنايته بها وإعجابه فيها مما أعدّه مشجعاً لي على مواصلتها أقول:

«لقد کان لوجودي في «طهران» عاصمة الفرس مدة صيف سنة (٤٣) و (٤٥) [٢]. الفضل الأدبي الذي لا ينسى… فقد لطّف أوضاع هذه المملکة الروحية، وأذواقها النفسانية من روحي وذوقي التلطيف المحسوس واستطاعت بما أوتيت من صفاء جو، واعتدال مناخ، وعذوبة هواء، وجمال طبيعي التأثير في هذه الروح العراقية تأثيراً قرّبها من روح «حافظ» و «سعدي» و «الخيام» و «الفردوسي» و «النظامي» وبالأخير من روح «عارف» و «ايرج»، وعرفانهم لحد المشارکة في الذوق والفن والمشاطرة للعواطف والميول.

«وبدافع الإعجاب بهذا الفضل، والاعتراف بهذا التأثير أقول: إن «على العراق العجمي» و «على کرند» و «البادية في ايران» و «الطبيعة في فارس» في الأولى. و «فارس الجميلة» و «شمران العروس» و «يوم في دربند» في الثانية هي أعز ّ ما ضمنته مذکرتي الشعرية، وأنفس ما عرفته صفحاتها… في هذه المقاطيع، وقليل من غيرها، استطعت أن أعرف ما هو الشعر الطبيعي، وکيف تثور النفس الشاعرة، وتختلج الفکرة، ويدب المعنى، ويختلق النفس.

«ولما کنتُ مدة بقائي هذين الصيفين هناک مضطراً إلى التحدث عن الأدب العراقي مع شذوذ من أدباء الفرس بصفتي أحد المتطفلين عليه، وطبعاً کان يجرّ ذلک إلى التحدث عن الأدب الفارسي والمقابلة بينه وبين تريبة ونسيبه الأدب العربي. فقد عدت وأنا أعتقد، بالدليل والبرهان، أن أبواب الشعر الخالد من وحي والهام وقريحة ثرة هي مفتوحة في وجه الشعر الفارسي أکثر منها في وجه الشعر العربي… ومعتقد أيضاً بوجوب انصراف الغيوريين على الآداب العربية، والمتطلبين التوسع والتجدد فيها، والساعين لإنهاضها من کبوتها، ولإنعاشها من انقباضها إلى تقريب هذه الروح الشرقية، روح «طهران» من الروح العربية عوضاً عن جلب ما لا يتناسب وإياه من روح «لندن» و «باريس» و «موسکو» و «روما» وجذبه بالحبال، خصوصاً أن القرب بين قواميس اللغتين، واندماج بعضهما في بعض، ووجود العارفين بهما من کلا الطرفين أکثر من أي لسان آخر… وتجانس الأمتين في کثير من الأخلاق والعادات، کل ذلک وغيره مما يشجع هذه الفکرة ويرغب فيها.

«وإجابة لهذا الداعي، وامتثالاً لهذا الواجب، جربت قلمي في هذا العنوان - کنوز الفرس».

«ومع أن کل ما نشر إلى الآن وکل ما عندي منه مما لم ينشر بعد هو «لحافظ» فقط، فقد وضعت العنوان ولم أخصصه بشاعر واحد من الفرس إباحة لدخول غيره منهم في هذا المضمون، ممن يستحسنهم ذوقي ويلائم شعرهم طبعي».

«هذا وقد کنت حين عنونت هذه المقتطفات (وهذا اسمها بعد اليوم) بهذا العنوان، معتمداً على فهم القراء والسامعين… ولکن طلب هذا الأخ الأديب واحتمال وجود کثيرين مثله ممن يرمون زيادة في البيان بکلمتي هذه، مبيناً فيها أن کل ما أنشره تحت هذا العنوان فإنما ترجمة من «دواوين» الفرس ومجاميعهم الأدبية.

«هذا ولابد أن أتدارک بعد اليوم ما فاتني قبله، من تصدير هذه «المقتطفات» بمقدمة أتفاهم فيها مع القراء الکرام عن مسلک حافظ الشيرازي وغيره من الأدباء ومذاهبهم الشعرية والفلسفية والاجتماعية… وأغتنم فرصة هذه المناسبة لأعلن إعلاناً عاماً لکل من يتصادم في هذه «المتقتطفات» بما لا يرتأي أو يستحسن من أفکار وآراء، أنني ليس لي من غرض خاص يحملني على نشرها سوى الخدمة الأدبية اللغوية، وفيما أنشره، في الضمن، من الآراء المقررة والقوانين العامة المتفق عليهما ما يبرر ذلک… وکل ما يأتي من ذلک القبيل فهو واسطة لا غاية. والأعمال بالنيات… والسلام». [٣].

إذن:

١ـ کان للأدب الفارسي فضل لاينساه الشاعر عليه، فقد لطف روحه وذوقه.

٢ - قصائده التي انشدها في ايران هي أعزّ ما تضمنه ديوانه، ففيها عرف الشاعر ماهو الشعر الطبيعي، وکيف تثور النفس الشاعرة، وتختلج الفکرة، ويدبّ المعنى، ويختلق النفس.

٣ - يعتقد بالدليل والبرهان أن النهضة الأدبية في الشعر العربي تتطلب تقريب روح طهران الشرقية الى الأدب العربي.

وهذه شهادة من شاعر العرب الاکبر في القرن العشرين بشأن السؤال الأول.

الشخصية الثانية: لم أخترها من بين الکتاب المتّهمين في تدينهم والتزامهم، بل هو شخص - إن اختلف الناس في نهجه الحزبي والسياسي والتنظيري - فلا يختلفون في تدينه والتزامه وأيضاً في قدرته الأدبية والنقدية. إنه «سيد قطب».

عند صدور «أغاني شيراز» للدکتور إبراهيم أمين الشواربي وهو يضم ترجمة منظومة ومنثورة لأشعار حافظ الشيرازي سارع سيد قطب لاقتناء الکتاب والتعليق عليه، وأظن ظناً أن إقبال الادباء والنقاد المصريين على ترجمة ديوان حافظ ينطلق من شوق عميق لديهم إلى تراث الشرق لخصلتهم الشرقية العميقة، ولسأمهم من کثرة ما طالعوه من ترجمات الأدب الأوربي التي لا تنسجم في کثير من نفحاتها مع روح الشرقيين.

وسيد يتحدث عن مشاعره مع أغاني حافظ فيقول:

«عشت أياماً جميلة مع (حافظ) أتاحها لي ولقراء العربية الدکتور إبراهيم أمين. لست أدري کيف أشکره، فهذه الساعات الحلوة التي أتاحها لي لا تقدّر بثمن تکافئ من ينقلک من الأيام الثقيلة الصاخبة الکئيبة، إلى جو طليق هادئ رفاف تشيع فيه الأنداء والأضواء، وترف فيه الأنسام والألفاظ، ويستقبلک بالطلاقة والبشر والإيناس!

لقد أخلدت - مع حافظ - إلى الغناء العذب بروح صادقة، لا تکدرها شوائب الحياة، ولا هموم العيش، ولا أحقاد الناس، ولا تفسدها کذلک غواشي القلق، ولا هموم الفکر، ولا الجدل الذهني العقيم.

کأس من الخمر، ووجه جميل، ورفاق مسعدون، وطبيعة باسمة. وعلى الدنيا السلام…!

«أي شيء أجمل من رفقة الأحباب، والتمتع باللهو والرياض والربيع الجميل؟ فأين الساقي؟ قل له: ماهذا الانتظار الطويل؟ واعتبر ما يتهيأ لک من طيب الوقت فرصة عزيزة وغنمية کبيرة. فلا علم لأحد بما تکون عليه نهاية الأمور» [٤].

ويشير «سيد» إلى أغاني شيراز وما فيها من عطاء للعالم العربي، ويرکز على النقاط التالية:

ـ زيادة ثروة الأدب العربي، وإثارة ألوان جديدة من التفکير وفنون من الشعور الخصب.

ـ زيادة رصيد الغناء في الشعر العربي.

ـ استرواح عطر الشرق البعيد وبساطته ومرحه، وغيبيته وتصوفه.

ثروة وألوان جديدة

يستشهد سيد بفقرة من مقدمة الدکتور طه حسين حيث يقول:

«… وهذه طرفة أخرى نفيسة رائعة، يسعدني أن أطرف بها قراء العربية! لأنها ستمتعهم من جهة، ولأنها ستزيد ثروة الأدب العربي من جهة أخرى، ولأنها بعد ذلک ستثير في نفوس الکثيرين منهم ألوانا من التفکير المنتج، وفنوناً من الشعور الخصب، ولعلها أن تفتح لبعض الشباب أبواباً في الحس والشعور والتفکير لم تفتح لهم من قبل» [٥].

ويعلق على ذلک بقوله:

«وهذه نبوءة تصح من غير شک لو خلي بين الأدباء - الشبان خاصة - وهذه المجموعة من شعر حافظ. فان قلة النسخ المطبوعة منها، وارتفاع ثمنها بالقياس إلى مقدرة هؤلاء الشبان، قد يجعلان الانتفاع بها محدوداً في الوقت الذي يجب أن تکون في متناول الأيدي جميعا».

حافظ والغناء في الشعر العربي

يرى سيد أن «أغاني شيراز» ستعمل على تغذية الشعر العربي بالروح الغنائية بعدما غرق الشعر العربي الحديث في موجة فکرية، يقول:

«إن هذه الأغاني تجيء في وقتها المناسب - والشعر العربي يعاني أزمة يحتاج فيها إلى مثل هذا الزاد - فقد آن للشعر أن يکون غناء بحتا، بعدما طوح بنفسه في مجالات لم تعد له، أو لم يعد يبدو فيها بأجمل ألوانه… طوح بنفسه في مجال الفلسفة، وفي لجج الفکر، کما أخذ يطوح بنفسه کذلک في مجال القصة والمسرحية وما إليها، بعد أن رأى أنّ روح العصر لا تهش للقصة، ولا للمسرحية الشعرية» [٦].

ويرى أن سبب طغيان الموجة الفکرية في الشعر العربي المعاصر يعود إلى اهتمام الشعراء المعاصرين بمواجهة موجة الأسلوب اللفظي أو الإيقاعي التي اهتمت بالمحسنات البديعية الجوفاء والإيقاع الموسيقي الذي لا يتسم بالحياة ولا بالجدية. يقول:

«والموجة الفکرية الفلسفية في الشعر العربي الحديث، کانت ضرورة في وقت من الأوقات، لأنها کانت رد فعل طبيعي لموجة أخرى سبقتها. موجة الأسلوب اللفظي، أو الأسلوب الإيقاعي. فکانت مهمة الموجة الجديدة أن تدخل القصد والمعنى إلى الأدب، وأن تمد الشعر بروافد نفسية وفکرية حية، لتنقذه من ذلک العبث بالمحسنات البديعية الجوفاء، ومن الإيقاع الموسيقي الذي لا يحمل وراءه حياة ولا جداً. وقد استطاعت أن تحيي الشعر العربي وتجدد مجده، وتزيد عليه متاعاً قيماً من صور الحالات النفسية الصادقة. عبرت عنها بدقة بالغة فأوجدت في الشعر العربي لوناً جديداً حقاً. ولکنها وقفت بالشعر الحديث حيث لا يجوز الوقوف، قصت من أجنحته المرفرفة. وغضت من غنائيته المنغمة، وأقلت فيه من السبحات والومضات، وجعلت عنصر الوعي الفکري بارزاً فيه» [٧].

وماهي مهمة الشعر إذن؟ يقول سيد إن الشعر:

«يجب أن يکون تعبيراً عن لحظات الإشراق والتهويم، ولحظات التوهج والانطلاق في النفس الإنسانية، تلک اللحظات التي يستحيل فيها الشاعر روحاً أکثر ما تکون تجرداً، أو حساً أشد ما يکون توهجاً. تلک اللحظات التي ينطلق فيها التعبير کأنما يکون نفسه - وإن کان الوعي يعمل فيه - وهي لحظات يعرف مثلها کل شاعر ملهم في حياته الطويلة. وما عداها من اللحظات والحالات فغير جدير بالشعر في اعتقادي، أو أنه من الدرجة الثانية أو الثالثة في حياة الشاعر الفنية» [٨].

وعن دور ترجمة شعر حافظ في مواجهة الموجة الفکرية في الشعر العربي المعاصر يقول:

«و (أغاني شيراز) تأتي في حينها المناسب لتساعد على انحسار الموجة الفکرية عن الشعر الحديث. وقد لا تلبي هذه الأغاني کل مطالب الشعر في هذه الفترة، لأن الحس يغلب عليها والأشواق الروحية الخالصة تقل فيها - على الرغم من طابعها الصوفي - ولکنها على کل حال تزيد من رصيد الغناء في الشعر العربي زيادة لها قيمتها. وحسبها أنها تجعل الشعر غناء خالصا ً لا تبهظه أثقال الفلسفة إلا حيث تعرض في سرعة وتختفي سريعاً، ولا تبرده ثلوج الفکر - وإن کان فيها على ما سيجيء - لعب بالألفاظ والصور والمعاني، ولکنه لعب لطيف حلوٌ لا يغض من حلاوة الغناء الطليق» [٩].

استرواح عطر الشرق

بعد انتشار موجة التقليد للآداب الغربية في الأدب العربي الحديث، ظهر لدى کثير من دعاة «الأصالة» حنين إلى الروح الشرقية، ووجد المرحوم الدکتور عبد الوهاب عزام ضالته في الأدب الفارسي فاهتم به، وألفت الأنظار إليه، وتوالت الترجمات العربية للشعراء الإيرانيين تظهر للقارئ العربي، ويتناولها الأدباء والمتأدبين بشوق کبير يدل على وحدة الجذور بين الأدبين العربي والفارسي، ووحدة الروح بين العرب والإيرانيين. وفي هذا الشأن يقول «سيد» عن أغاني شيراز:

«ثم إن لها عندي مزية أخرى:

فقارئ هذه الأغاني يستروح فيها عطر الشرق البعيد، وبساطته ومرحه، وغيبيته وتصوفه، ونن اليوم أحوج ما نکون إلى استرواح هذا کله، حين تغمرنا موجة العقلية الغربية، وهي موجة قوية طاغية، لا نجد لها في حاضرنا الروحي کفاء.

وفي أغاني حافظ، کما في رباعيات الخيام الفارسيين، وکذلک في أشعار تاجور الهندي - على بعد ما بينهم في الإحساس والاتجاه - ذلک الروح الشرقي العميق، الذي يستطيع اليوم أن يسعفنا، ويحفظ تراثنا الشعوري في وجه التيار.

وهذا هو ما أعنيه باسترواح الشرق البعيد، فليس نموذجا واحداً ما أريد، ولکنها نماذج شتى، تجمعها سمات أصيلة، تعبر عن الموروث والمذخور في نفس الشرق من رصيد» [١٠].

خصائص شعر حافظ

يستعرض سيد بعض خصائص شعر حافظ ونلخصها فيما يلي:

١ـ تکرار دون ملل

في شعرحافظ أو غزلياته کما تسمي بالفارسية ظاهرة التکرار وظاهرة اللعب بالنکات اللفظية والتعبيرية التي تزحم بالديوان. وهذا التکرار مشهود في شعر البديعيين في اللغة العربية، غير أنه هنا ممل يبعث على السأم وهناک في شعر حافظ «لا يدعک تسأم أو تمل وهو يکرر ويکرر إلى غير نهاية أوصاف طرة الحبيب التي هي تارة شباک لصيد المحبين، أو سلسلة يأوي إليها العشاق راضين، وتارة نافجة مسک يفوح منها الطيب، أو صولجان من العنبر يسحبه الحبيب على جبينه المشرق في وجهه الجميل. إلى آخر هذا الحشد المکرور من التشبيهات» [١١].

٢ - الجوّ الموحَّد

حافظ في رأي «سيد» درويش «يخطرف» في حديثه، ويلقي کلمة من هنا وکلمة من هناک حتى ليخيل إليک في بعض الأحيان أنه لا توجد في «الظاهر» رابطة بين الإشارات والإيماءات. غير أنها تربطها في «الباطن» رؤى درويش متصوف، تطالعه من وراء «الغيب» فيرمز لها ولا يبين.

أسلوب حافظ إذن غير مفکک «فوراء هذه الإشارات والإيماءات جو موحّد تعيش فيه الغزلية الواحدة، بل تعيش فيه الغزليات جميعاً، ذلک هو جوّ «الشهود» في اصطلاح الصوفية» [١٢].

ويذکر «سيد» أمثلة من شعر حافظ، ويرى فيها «أنها جميعاً أصداء لطيفة لانفعالات شاردة، تتوالى على حسّ مرهف، في «حضرة» الحبيب، ويربطها جميعاً ذلک الرباط اللطيف الدقيق (أي رباط جوّ الشهود).

٣ - الراحة اللذيذة السالبة

يرى سيد أن هناک تشابهاً بين شعر حافظ والخيام فکلاهما يستجليان السرّ الأعظم للکون، هذا السرّ الذي أوصدت دونه الأبواب، غير أن الخيام يدقها دقاً عنيفا متواصلاً، حتى کلّت يداه وأدرکه الإعياء وغشاه الملال، فجلس يُغرق أشجانه في کأس من الشراب، ويتسلى لحظة ريثما يعود الدق على الأبواب من جديد، لکن حافظاً يواجه الموقف في وداعة واستبشار، لا ليغرق همّاً ولا ليسکت حيرة، بل لينتشي ويثمل ويتملّى محاسن الحبيب. لقد يئس هو الآخر من استجلاء سرّ الغيب، ولکن هذا لا يعنيه، يطلب کأساً ليرى فيه وجه الحبيب، فربما تفتحت له فيها أسرار الغيوب:

«الآن ونسيم الجنة يهبّ من البستان إليّ بالخمرة المفرحة وبالحوراء التي قامتها کحور الجنان.

ولم لا يفخر السائل المسکين بأنه أضحى اليوم سلطان الزمان، وقد عقد له السحاب خيامه، وبسطت له الحقول مائدة الخوان؟

وهذا الربيع الجميل يحکي لي حکايته الجميلة.

فيقول: ليس عاقلاً من يفضل النسيئة ويترک النقد.

فعمّر قلبک بالشراب، فلا همّ لهذه الدنيا الخربة إلا أن تحيل ترابنا إلى لبنات وآجرّات…» الخ.

لعلّ ماکتب «سيد» عن حافظ لا يحتاج الى تعليق فهو قد فهم بعمق مافي شعر «حافظ الشيرازي» من ثروة أدبية وفکرية ونفسية وتربوية.

إن دعوتي الجواهري وسيد قطب لعودة التفاعل بين الادبين العربي والفارسي لها مايشابهها عند الأدباء العرب في مختلف العصور، وفي عصر النهضة الحديث، وهي دعوات آن لنا الأوان أن نأخذها بمأخذ الجدّ ونحن نتطلع - باذن الله - الى عودتنا الحضارية.

والحمد لله أولاً وآخراً

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

[١] - سيصدر قريبا کتاب مستقل عن هذه الزيارات.

[٢] - يقصد عامي ١٣٤٣ و ١٣٤٥ هجرية وهما يوافقان عامي ١٩٢٤ و ١٩٢٦ ميلادية.

[٣] - انظر ديوان الجواهري، ج ١، ط وزارة الاعلام العراقية، ومن المؤسف أن هذا النص حُذف من الطبعات التالية، لأسباب لا نريد ذکرها.

[٤] - کتب وشخصيات / ٦٨.

[٥] - مقدمة ديوان حافظ، ترجمة إبراهيم الشواربي.

[٦] - کتب وشخصيات / ٦٩.

[٧] - کتب وشخصيات / ٧٠.

[٨] - نفس المصدر.

[٩] - کتب وشخصيات / ٧١.

[١٠] - نفس المصدر السابق.

[١١] - نفس المصدر / ٧٢.

[١٢] - کتب وشخصيات / ٧٧.



[ Web design by Abadis ]