ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 سعدي الشيرازي شاعر الإنسانية

دور الأدب في حياة الشعوب ذو أهمية بالغة… فهو يحافظ على الذوق البشري من الانتکاس، وعلى المعنويات الإنسانية من الارتکاس. الجماعة الإنسانية حيّة بما تمتلکه من مقوّمات الحياة. وأهمّ هذه المقومات الذوق الإنساني والمشاعر الإنسانية… وإذا ضعفت هذه المقومات دبّ الموت في حياة الجماعة، وفقدت دورها على ساحة التاريخ.

ويعظُم دور الأديب ويتصاعد حين يعيش بين ظهراني أمة تکالبت عليها عوامل الموت والإبادة، لتحولّها من أمة متحرکة على طريق المستقبل الأفضل إلى مجموعة من الأفراد الذين يعيش کل منهم همومه الخاصة الصغيرة، وليتحرک على طريق أطماعه وأهوائه وأحقاده وحسده وضغينته، عندئذ تتحول هذه الأمة إلى شبح أمة وتفقد هويتها ومقومات حياتها ولا سبيل أمامها عندئذ إلا الفناء.

لاشک أن الأمة الإسلامية حيّة بقرآنها، لأنه الکتاب الذي يستطيع أن يضخّ في جسدها دائماً مقوّمات الحياة، ويحافظ على مستوى رفيع من ذوقها ومشاعرها الإنسانية، بما يحمله من إعجاز أدبي ومحتوى تغييري. لکنّ الظروف السيئة إذا تکالبت على الفرد أو على الأمة تخلق على القلوب حجاباً وتضرب على الآذان أسدالاً ووقراً، وتجعل بين الإنسان والخطاب القرآني حجاباً، وهنا يأتي دور المصلحين ليزيلوا هذه العوامل العازلة من وقر وحجاب، وليفتحوا قلوب الناس وآذانهم لتتلقي نداء الروح ولتصغي إلى کلام السماء. وأفضل وسيلة يستطيع أن يمارسها المصلح لتحقيق الهدف هو «الأدب» لأنه الخطاب الذي يحمل من نور الجمال ما يستطيع أن يشقّ به ظلمات کل قبح تسقط البشرية في أوحاله.

وشاعرنا «سعدي» الشيرازي من أولئک المصلحين الذين عاشوا في أحلک الظروف الاجتماعية حيث ادلهمّت خطوب الجهل الداخلي والغزو الخارجي لتمزّق وجود الأمة، فحمل قيثارة أدبه وظل يعزف عليها في أرجاء العالم الإسلامي، ليکون له الدور الخالد في مخاطبة جيله وکل الأجيال بلغة تنفذ إلى القلب والروح فتوقظ المشاعر الإنسانية من سباتها، وترفع الإنسانية إلى حيثُ أراد لها بارؤها من عزّة وکرامة.

من هو سعدي

رجل ظهر في القرن السابع الهجري بمدينة شيراز من بلاد فارس يتحدث بلغة تستولي على العقول والقلوب بنثرها وشعرها، وجدَ الناسُ فيه ضالتهم التي تنشدها فطرتهم الإنسانية، في وقت تکالبت فيه الظروف السيئة على العالم الإسلامي لتؤدي إلى هجوم المغول وسقوط الخلافة العباسية. وما کان هجوم المغول إلاّ بعد أن توفّرت في المسلمين قابليّة الغزو، فقد تفشّت أمراض النزاعات الداخلية والجهل، وأدى کل ذلک إلى غياب الأهداف الکبرى والمثل العليا في المجتمع، وما ينجم عن ذلک عادة من حرص وطمع وذلّ واختلال في القيم.

والفرق بين الأديب وغيره أن الأديب وهبه الله قدرة رؤية الأشياء بأعمق مما يراه الإنسان الاعتيادي، ومن هذه النظرة العميقة ينطلق لاتخاذ مواقف لا يتخذها الآخرون. وسعدي الأديب رأى ما رآه الآخرون من أمراض عصره، ولکنه لم يقف أمامها موقف الخاضع العاجز المستسلم الذي يبرّرها بأسباب غيبيّة ويعزوها إلى القضاء والقدر، بل نظر إليها نظر طبيب قادر على أن يشخّص أسباب هذه الأمراض ويهبّ لعلاجها.

بدأ شرف الدين مصلح بن عبد الله سعدي الشيرازي أول حرکته في انتقاله من الطريقة التقليدية السائدة في عصره لتعلّم الدين إلى طريقة العاشقين في فهم الدين والحياة والمجتمع، والعاشق له معناه الکبير لدى العارفين، فهو المتحرّک الذي لا يقرّ له قرار، يشدّه الجمال نحو هدف سام کبير، ويجعله مستعداً لتقديم ألوان التضحيات في سبيل هذا الهدف. يشير إلى هذا الانتقال بقوله:

همه قبيله ي من معلمان ديـن بودنـد

مـرا معلّم عشق ترا شاعري آموخت

أي: «کل أفراد قبيلتي کانوا معلمين في الدين / ومعلّـم العشـق علّمـک أن تنشـد الشعـر».

هذا التحوّل أثـّر على خطاب الشاعر، فقد اصبح إنسانياً جمالياً عميقاً، کما دفعه هذا التحوّل إلى الخروج من دائرة بيئته الضيقة ليسوح في العالم الإسلامي، ويتعرّف على مختلف الثقافات، في العالم العربي وآسيا الوسطى وشرق آسيا، وليعود وهو محمّل بتجارب إنسانية واسعة، خلّدها في نثره وشعره.

جُمعت آثاره في مجموعة سمّيت «کليّات»، والکليّات لأي أديب تعني مجموعة ما ترکه من أدب منثور ومنظوم.

وتضمّ کليات سعدي: «گلستان» أو روضة الورد، ويضمّ مجموعة من ذکريات الشاعر وقصصه ومواعظه هي مزيجة من النثر والشعر. وکتاب «بوستان» أو روضة العطر، ويتضمن حکايات منظومة وقصائد في المديح، وکتاب «غزليات» ويتضمّن الطيبات، والبدائع، والخواتيم، والغزليات القديمة، والترجيعات، والملحقات، والرباعيات. وکتاب «المواعظ» وفيه القصائد الفارسية والعربية، والغزل العرفاني، ونصحية الملوک، والمجالس.

منزلة الشاعر ومکانته

أطلق کثير من الشعراء القدماء ورجال التاريخ والأدب أحکاماً عامة على الشاعر، لا بأس أن نشير إلى بعضها. فمن المعاصرين له، الشاعر «همام التبريزي» وقد کان من مشاهير الغزليين في عصره، يصف نفسه بالإجادة في الشعر، لکنه يستدرک بأنه لم يبلغ في إجادته ما بلغه سعدي يقول:

همام را سخن دلفريب وشيرين هست

ولي چه سود بيچاره نيسـت شيرازي [١]

أي: «لهمام أسلـوب حلـو يخلـب الألباب / ولکن ما فائدة ذلک، فالمسکين ليس (سعدي) الشيرازي».

ومن معاصريه أيضاً شاعر آخر مجيد يسمي» مجد همگر «يقول عن شعر «سعدي» إنه کالکعبة يؤمه کل الناس، کما يشبّه فيض قلبه بزمزم.

از سعدي مشهور سخن شعـر روان جوي

کو کعبه فضلست و دلش چشمه زمزم [٢].

أي: «اطلب من سعدي المتکلّم شعراً سلسلاً / فهو کعبة الفضل وقلبه عين زمزم».

وقد ظل الذين جاؤوا بعده يفيضون کثيراً من ألوان التقدير له. وحتى «حافظ الشيرازي» شاعر العرفان الکبير - يجعل «سعدي» أستاذاً في جميع فنون الشعر، ليس في نظره - فحسب - بل في نظر جميع الناس.

أستاد سخن سعديست نزد همه کس أما

دارد سخن حافظ طرز سخن خواجوا [٣].

أي: «أستاذ الأدب سعدي باتفاق الجميع / أما لحافظ أدب يحذو فيه حذو خواجو».

ويرى «دولتشاه» أن أنبياء الشعر ثلاثة، کل واحد أستاذ في ناحية، لا يجاريه فيها غيره. هم «الفردوسي» في القصص، «الأنوري» في القصائد، «السعدي» في الغزل.

در شعـر سـه تن پـيمبراننـد

هـرچند که لا نبـي بعـدي

أوصاف وقصيـده وغـزل را

فردوسي و أنـوري وسعـدي

أي: «في الشعر ثلاثة هـم أنبيـاء / وإن کـان (لا نبي بعـدي) / في الوصف والقصيدة والغزل / فـردوسـي وأنوري وسعدي».

يؤيد هذا ما يذکره صاحب «حبيب السير» فيقول إن أحداً لم يبلغ ما بلغه «سعدي» في فن الغزل [٤].

ويورد الأستاذ «الگرگاني» في مقدمته على «الگلستان» أن سعدي بلغ مکانة في الغزل لم يدرکها أحد قبله، فقد ألبسه ثوباً جديداً، وکأنما کانت غزلياته دواء للولهى، ولهذا يعدّون ديوانه في الغزل «ملاحة الشعراء» [٥].

ويذکر «براون» في مقارنة طويلة بين «حافظ وسعدي» کيف أن «حافظاً» استعار کثيراً من المعاني التي تضمنتها أشعار «سعدي» في الگلستان، والطيبات، والغزليات، والبدائع. وينتهي من ذلک بأن «حافظاً» يعد مديناً إلى حد کبير للشاعر «سعدي».

ويرى الأستاذ «آربري» أن الشاعر الحق، والکاتب المبدع هو الذي يجمع بين سمو الفکرة وطرافتها، مع رقة العبارة وسلاستها، ومن هنا کان السبب في إعجاب الکثيرين من الفرنسيين «بسعدي» فقد أعجب به «ديدرو» وأطراه «فولتير» وأشادت به «مدام رولان» وقال عنه «رينان» إن سعدي في الواقع واحد منا، کما قال عنه «بارييه دي منار» إننا نجد فيه ما يذکرنا ببلاغة «هوارس» ورقة «اوفيد» وفصاحة «دي ريبالييه» وإنسانية «لا فونتين».

ولهذا أصبح الرجل - ذو الأسلوب البديع - أنموذجاً يحتذيه کل من يتعلم الفارسية [٦].

رسالة سعدي إلى عالمنا المعاصر

الخالدون في التاريخ هم الذين يخاطبون فطرة الإنسان. وفطرة الإنسان ثابتة (لا تبديل لخلق الله)، وهي دائماً تنشد الجمال والکمال. وشاعرنا سعدي کان جميلال عذباً في أسلوبه ومعلّم الکمال في مضمونه.

موسيقاه في نثره وشعره لا تزال تحتلّ مرکز الصدارة في الأدب الفارسي، بل في الأدب العالمي، حتى عند أصحاب الحداثة وما بعد الحداثة. لقد جاء بعده من نال شهرة واسعة في زمانه، لکنه مالبث أن اختفى من الساحة بعد زوال الظروف الخاصة التي أدّت إلى اشتهاره، أما سعدي فلا يزال من الخالدين، وهذا درسٌ لکل الأدباء والفنانين الذين يريدون أن يقدّموا العطاء الخالد لأمتهم.

في کتابه «گلستان» يشير إلى أن رسالته الأدبية تجاوزت - حتى في عصره - حدود المکان، وأصبحت أحاديثه متداولة على کل لسان، فذکره الجميل تناقلته الأفواه، وکلامه سرى في بسيط الأرض، وحديثه قصب الجيب الذي يرتشفه الناس کقصب السکر، ورقعة منشآته تتداولها الأيدي کورقة ذهبية [٧].

ألا يذکرنا هذا بالمتنبي الذي تجاوز حدود زمانه ومکانه، فکان ينشد قصائده في الشام ومصر والعراق، فتتناقلها الأفواه في إيران، ويتصدى لها وزير إيراني کبير مثل الصاحب بن عباد فينقدها في زمن حياة الشاعر؟ !

ألا يذکرنا سعدي والمتنبي وأمثالهما من العظام بما کان يسود في الأمة الإسلامية من وحدة حضارية وحرکة حضارية مع کل الظروف الصعبة التي ألمّت بالعالم الإسلامي آنئذ؟ !

سعدي من رموز وحدتنا الحضارية

بداية أذکر أن العالم الإسلامي ينتظره مستقبل عظيم على الساحة العالمية إن أحسنَ استعمال ما يمتلکه من مقوّمات حضارية. إن بريق التطوّر التقني في السلاح والارتباطات وفي سائر المجالات قد بهر وغطّى على عظمة وجود أمتنا الحضاري. لکنّ النور الذي سيبقى هو نور الحضارة، والحضارة الإسلامية لا ينافسها منافس على الساحة العالمية.

لا نذهب إلى ماذهب إليه هنتنغتون في صراع الحضارات، ولا نؤمن بما يقوله، ولا نعتقد أن مايجري في الساحة العالمية هو صراع بين حضارات، لأن المصارع القوي اليوم على الساحة العالمية لا يمتلک حضارة… بل إنه ينطلق من عقدة نقصه الحضاري ليشيع في العالم الدمار، وليقضي باسم عولمة خاصة به على حضارات العالم، وإذا کان توجّهه الأول اليوم نحو العالم الإسلامي، فلأنه مهدُ الحضارات الإنسانية، ولأن المنظّرين الاستراتيجيين أوحوا له بأن الحضارة الإسلامية مؤهّلة لأن يکون لها الدور الريادي على الساحة العالمية.

والعودة إلى وحدتنا الحضارية ما عادت ضرباً من المستحيل کما کان بعضهم يوحي بذلک، لأن الوحدة الأوروبية أثبتت إمکان توحيد شعوب نشبت بينها في القرن الماضي على الأقل حربان عالميتان، کما أن وحدتنا الحضارية ضرورة حتمية لبقائنا في عالم التکتلات. وکل مقومات الوحدة الأساسية قائمة بين ظهرانينا ونحتاج إلى تفعيلها.

أعود إلى سعدي الشيرازي لأقول إنه من رموز وحدتنا الحضارية. فهو إضافة إلى خطابه الذي يتجاوز حدود الزمان والمکان استطاع أن يقدم النموذج الرائع للامتزاج الحضاري بين الإيرانيين والعرب.

هذا الامتزاج نشاهده فيما خلّفه لنا من تراث. مؤلفاته مزجت بين العربية والفارسية بحيث لا يمکن أن يطالعها أحد إلا أن يکون ملمّاً باللغتين معاً. ولم يکن ذلک مصادفة، بل تعمّد إلى ذلک - فيما أعتقد - ليثبت أن الامتزاج هذا يبلغ باللغة إلى ذروة الکمال.

کثرة التضمينات القرآنية وکثرة العبارات والأبيات العربية التي تتخلل نثره وتـُلمّع شعره، والقصائد العربية التي تحتويها کلياته تثبت أنه أراد التوفيق بين اللغتين العربية والفارسية ليخرج بنصوص تجمع بين الاثنين في إطار جميل خلاّب بعيد عن أي تکلّف.

في کتابه «گلستان» على سبيل المثال ترى في الصفحة الأولى نثراً مليئاً بالمفردات العربية: مِنّة… عزّ وجلّ… طاعة… موجب… قرب… شکر… مزيد… نعمة… نـَفَس… ممدّ… حياة… مفرّح… ذات… واجب… تقصير… عذر… رحمة… حساب… ناموس… فاحش… وظيفة… خطأ… کريم… خزانة… غيب…وظيفة… محروم… نَظَر… فرّاش… فرش… داية… بنات… نبات… خلعة… قباء… ورق… أطفال… قدوم… موسم… ربيع…و…

وترى آية هي قوله تعالى: (اعملوا آل داود شکراً وقليل من عبادي الشکور) … وهکذا تستمر الصفحات على هذا المنوال تتخللها أبيات بالعربية مشفوعة بأبيات في الفارسية.

والعربية في کليات سعدي نراها:

ـ في المفردات العربية الکثيرة في نثره.

ـ وفي أبياته العربية المتناثرة خلال نثره.

ـ وفي قصائده العربية التي أفرد لها المحققون قسماً خاصاً.

تبدأ أولها بقوله:

الحمد لله رب العالمين على

ما درّ من نعمة عزّ اسمه وعلا [٨]

وهي في ذکر الله ونِعَمه.

والثانية في رثاء بغداد والمعتصم بالله بعد هجوم المغول ومطلعها:

حبستُ بجنفنيّ المدامع لا تجـري

فلما طغى الماء استطال على السکر [٩]

وتزيد على تسعين بيتاً.

والثالثة في مدح نور الدين بن صياد ومطلعها:

مادام ينسرح الغزلان في الوادي

احذر يفوتک صيد يا ابن صيّاد [١٠]

عدد هذه القصائد العربية يربو على العشرين، وأکثرها في الغزل کما ذکرنا، ومن غزله العربي قوله:

يا نديمي قم تنبّه واسقني واسقِ الندامى

اسقياني وهدير الرعد قد أبکى الغماما

وشفا الأزهار تفترّ من الضحک ابتساما

قل لمن عيّر أهل الحبّ بالجهل ولاما

لا عرفت الحبّ هيهات ولا ذقـت الغرامـا [١١]

ونرى العربية في ملمّعاته نظير قوله:

وقتها يکدم برآسودي تنم [١٢]

قال مولائي لطرفي لا تـَنَمْ

اسقياني ودعاني أفتضحْ

عشق ومستوري نياميزد بهم [١٣]

ما بمسکيني سلاح انداختيم [١٤]

لا تحلّوا قتلَ من ألقى السّلَم

قد ملکت القلب ملکاً دائماً

خواهي اکنون عـدل کـن خـواهي ستم [١٥]

وليست مظاهر الوحدة الحضارية عند سعدي متجلية في الامتزاج اللغوي بين العربية والفارسية فحسب، بل أيضاً فيما يعرضه من قصص حقيقية أو رمزية دارت في بلاد عربية أو غير عربية أحياناً من العالم الإسلامي.

فتجواله في العراق والشام ومصر والجزيرة العربية أمدّه بخصب حضاري في شعره ونثره. في أحاديثه عن الشام مثلاً يتکرر ذکر دمشق والقدس وحلب وطرابلس، ويذکر عنها قصصاً فيها عبرة وتذکير.

من ذلک قصة أسْرِهِ في الشام يرويها على طريقته في السرد. يذکر القصة منثورة ثم يقطـّع فقراتها بقطعة شعرية أو بيت، وفيها من العبر الکبيرة المرتبطة بواقعنا الراهن، يقول [١٦]:

«ذات يومٍ بدت لي ملالة من صحبة إخواني الدمشقيين، فهمت على وجهي في صحراء القدس واستأنست بالحيوانات، إلى أن صرت مرة أسير قيد الفرنج، وسخـّروني في عمل الطين مع اليهود في خندق طرابلس، حتى مرّ بي واحد من رؤساء حلب کان لي به سابق معرفة، وعرفني فقال: أي فلان! ماهذه الحال؟

(قطعة شعرية)

«کنت أفر من الناس إلى الجبل والصحراء / لأنه لم يکن لي عن الله انشغال بالغير / فقس أية حالة تکون في تلک الساعة / إذ يتحتّم عليّ أن أعمل في حظيرة اللئام».

(بيت شعر)

«لإن يکون الرجل مقيّداً عند الأصدقاء / خير من أن يکون المرء في البستان مع الغرباء».

* * *

«فأشفق على حالي التّعسة، وخلّصني من القيد بعشرة دنانير، وأخذني إلى حلب، وزوجني ابنته، بصداق قدره مائة دينار، بعد أيامٍ، أخَذَت ابنته في المشاکسة والعصيان وطول اللسان، وکانت تنغـًص عيشي».

(ابيات مثنوي)

«المرأة الخبيثة في بيت الرجل الطيب / جحيمه في هذا العالم أيضاً / فحذار من قرين السوء حذار، (وقنا ربنا عذاب النار» ).

* * *

«فأطالت مرّة لسان التعنت وکانت تقول: ألست أنت الذي خلّصک أبي من قيد الفرنج بعشرة دنانير؟ فقلت بلى! أنا ذاک الذي خلصني أبوک من قيد الفرنج بعشرة دنانير وجعلني أسيراً في يدک بمائة دينار».

(أبيات مثنوي)

«سمعت أن رجلاً کبيراً خلّص خروفاً من فم ذئب / وفي وقت الليل أمرّ السکين على حلقه / فأتته روح الخروف قائلة: لقد اختطفتني من براثن الذئب / فلما نظرتُ، کنت أنت ذئبي في النهاية».

* * *

وفي القصة إضافة إلى السرد الأدبي الممتع:

ـ أن الإنسان إذا ملّ المقام في مکان فعليه أن ينتقل منه، وهي دعوة إلى عدم الخضوع للعادة، وعدم الخضوع للعادة من أهم محاور دعوة العرفاء.

ـ مقارنة بين العيش مع البشر الطبيعيين (مردم)، وهم الدمشقيون، والعيش مع البشر اللئام (نامردم)، وهم الفرنج الغزاة. وتأکيده على أن الإنسان إذا ملّ المقام مع أهله فلابدّ أن يتنقّل بين أهل آخرين من أبناء أمته لا أن يوقع نفسه في ورطة اللئام من أعداء أمته. فقَيدُ الأصدقاء أفضل من بستان الغرباء.

ـ إشارة إلى إمکان أن يلقى الإنسان العنت من الأصدقاء الجهال المشاکسين، بما في ذلک الزوجة.

- إشارة إلى أن المتظاهرين بالإنقاذ والتحرير قد يکونون هم أنفسهم الجزّارين.

* * *

وفي قصة أخرى له مع قاضٍ حلبي رواها من أثق بروايته في أحد مجالسه الأدبية، ولم أعثر عليها في کلياته الموجوة بحوزتي، يذکر جهل القاضي في إشارة إلى الجهل المتفشي، يقول ما معناه:

«کنت في حلب جالساً عند قاضٍ فجاءه شخصان يترافعان. أحدهما يتهم الثاني بأنه سارق. فالتفت القاضي إلى المتهم وقال له: هل سرقت شيئاً، فقال: لا. قال القاضي: أقسمْ على ذلک، فأقسم. فقال القاضي: أخرجا لم تثبت التهمة. حين خرجا التفتُّ إلى القاضي وقلتُ له: يا شيخ أما سمعت قول القائل:

ولا تقبـل لسارقة يمينـاً

ولـو حلفت بـربّ العالمينـا؟

فارتبک القاضي، وعاد إلى نفسه متأملاً وقال: أعيدوا الرجلين، وقبل أن يأتي الرجلان سألني: في أية سورة من القرآن هذه الآية!!

قلت: يا شيخ!! هذه ليست آية بل بيت من معلقة عمرو بن کلثوم:

ألا هبّـي بصحنک فاصبحينـا

ولا تبقي خمـور الأنـدرينا!!

«فهزّ القاضي رأسه وقال: عجيب! کنت أظنّ أنها في سورة: (إنا فتحنا لک فتحاً مبينا) !!»

* * *

وخارج العالم العربي يذکر قصة من إقليم ترکستان، ومن مدينة کاشغر حين عُقد الصلح بين خوارزم والخطا، بأسلوب ممزوج بين الدعابة والاعتبار. دعابته يذکرها في وصف فتى جميل رآه في جامع کاشغر يدرُس النحو ويردد الجملة المعروفة في النحو القديم:

ضرب زيدٌ عمراً. فيخاطبه سعدي بالقول:

«مذ صار طبعُک ولعاً بالنحو / امّحت من قلوبنا صورةُ العقل / فيا مَنْ قلوب العشاق صيد في شرکک / نحن مشغولون بک وأنت بزيد وعمرو» [١٧].

ويذکر ما دار بينه وبين ذلک الصبي على النحو التالي:

«کانت في يد الصبي مقدمة النحو للزمخشري، ويقرأ: «ضرب زيدٌ عمرواً» فقلت أي بُني: حصل الصلح بين «خوارزم والخطا» [١٨] ولا تزال خصومة زيد وعمرو باقية؟ فضحک وسأل عن موطني فقلت: من أرض شيراز الطاهرة. فقال: أتعرف شيئاً من کلام سعدي؟ قلت نعم، وأنشدت:

بُليتُ بنحويّ يصول مغاضباً

عليّ کزيدٍ في مقابلة العمرو

على جرّ ذيلٍ ليس يرفع رأسَهُ

وهـل يستقيم الـرفع مـن عامـلِ الجرّ [١٩]

فغاص في الفکر لحظة وقال: غالبُ أشعاره بالفارسية مشهورة في هذه البلاد، حبذا لو قلت شيئاً هو أقرب إلى الفهم: «کلّم الناس على قدر عقولهم».

* * *

وفي هذه القصة إضافة إلى الدعابة وموسيقى العبارات الجميلة نرى إشارات إلى:

ـ الطريقة الجافة في تدريس اللغة العربية آنئذ، وقد تکون قائمة حتى اليوم بدرجة وأخرى، فالشواهد لا تتجاوز زيد وعمرو، والعلاقة بينهما علاقة خصام، وهي علاقة ليست ببعيدة عن الذهنية السائدة في عصور الانحطاط.

ـ وإلى انتشار شعر سعدي واللغة الفارسية في آسيا الوسطى، وهي ملاحظة هامة عن الوحدة الحضارية، وعن دور اللغة الفارسية في حمل الثقافة الإسلامية إلى تلک الأصقاع من وسط آسيا.

ـ وإلى ضررة الابتعاد عن التعقيد في الخطاب الأدبي.

ـ وإلى ضرورة ابتعاد العلماء عن التبختر والتحجّر.

الخطاب الإنساني المعتدل

حضارتنا تقوم على أساس الخطاب الإنساني العام، ومخاطبة الإنسان وتکريمه بما هو إنسان. کثير من الآيات القرآنية تبدأ بعبارة: (يا أيها الناس) ومنها آية الدعوة إلى التعارف بين الشعوب: (يا أيها الناس إنا خلقناکم من ذکر وأنثى وجعلناکم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أکرمکم عند الله أتقاکم).

والنصوص الدينية الأخرى تؤکد أن الإنسان أخو الإنسان، شاء أم أبى. وتؤکد أن کل أبناء البشر من بني آدم، وآدم من تراب، فلا تفاضل ولا تفاخر في الأنساب والأعراق، والتفاضل عند الله - لا عند البشر - بما يقطعه الإنسان على طريق کماله، وهو الذي عبّرت عنه الآية بالتقوى.

وعلى الصعيد العملي انفتحت الحضارة الإسلامية على لغات الشعوب وثقافاتهم، ولم تـُفرض اللغة العربية - مع قداستها - على غير العرب، ولا أدلّ على ذلک من بقاء اللغة الفارسية إلى جوار اللغة العربية في إيران، بل من إقبال القبائل العربية المهاجرة إلى إيران على تعلم اللغة الفارسية، حتى أصبح الجيل الثالث منهم لا يعرف اللغة العربية إلا عن طريق التعلّم. وهکذا الموقف من الديانات الأخرى، کان موقف احترام واعتراف، والدليل على ذلک تعايش المسلمين مع المسيحيين واليهود والزرادشتيين حتى يومنا هذا، رغم استفزازات الحروب الصليبية وممارسات الحرکة اليهودية العالمية التي أنجبت الصهيونية.

واشتهر سعدي برفع هذا الصوت الإنساني في أدبه حتى عُدَّ من شعراء الانسانوية، واشتهر خاصة بقوله:

بني آدم اعضاي يکديگـرند

که در آفرينش زيک گوهـرنـد

چـو عضوي بدرد آورد روزگار

دگـر عضـوها را نماند قرار

تـو گر محنت ديگران بي غمي

نشايد که نامت نهند آدمـي [٢٠]

أي: «بنو آدمٍ جسدٌ واحدُ

إلى عنصر واحدٍ عائدُ

إذا مسّ عضواً أليم السقام

فسائر أعضائه لا تنام

إذا أنت للناس لم تألم

فکيـف تسميـت بالآدمـي «

وبهذه الروح الإنسانية نظر إلى العرفان، فذهب إلى أن العارف أو الصوفي هوالذي يخدم الناس لا الذي يختار العزلة والاعتکاف، ويطلب من کلّ الناس حتى الحکام أن يتخلـّقوا بأخلاق الدراويش:

«ليس العبادة سوى خدمة الناس / ليست بالتسبيح والسجادة وارتداء الدلق / ابقَ أنت على عرش سلطنتک / بأخـلاق طـاهـرة وکـن درويشاً».

ويرى أن المعتکفين في الخانقاه لا نفع فيهم، وأن العارف لابدّ أن يتزوّد بالعلم الذي يخدم فيه الناس يقول:

صـاحب دلي بمدرسه آمد زخانقاه

بشکست عهد صحبت أهـل طريق را

گفتم ميان عالم و عابد چه فرق بود

تا اختيار کـردي از آن اين فريق را

گفت آن گليم خويش بدر ميبرد زموج

وين سعي مي کند که بگيرد غريـق را [٢١]

أي: «عارف جاء من الخانقاه إلى المدرسة / وقطع عهد الصحبة مع أهل الطريقة / قلت: مالفرق بين العالم والعابد / حتى جعلک تختار هذا الطريق؟ / قال: ذاک ينقذ سجادته من الموج وهـذا يسعـى للأخـذ بيد الغريـق».

کما أن حضارتنا دعت دائماً إلى الوسطية، وإلى الابتعاد عن الإفراط والتفريط، فأمتنا الوسط مدعوة إلى أن تکون شاهدة، والشاهد لا ينحاز إلى طرف، بل يسير على الجادة الوسطى، والانحياز إلى طرف هو التطرّف، وهو مرفوض… وهي مدعوة إلى الاعتدال وإلى الطريق المستقيم.

وسعدي عاش في عصر الإفراط بين المدرسة والخانقاه، أي بين العلم والدروشة، فدعا إلى عرفان مقرون بالعلم والفکر والحکمة يقول:

سخنـدان پـرورده پير کهـن

بينديشد، آنگه بگويـد سخـن

نـزن تاتوانـي بگفتـار دم

نکو گوي، گرديرگوئي چـه غم

بينديـش وآنگـه بر آور نفس

وزان پيش بس کن که گويند بـس

بنطق آدمي بهترسـت از دواب

دواب از تو به گر نگوئي صواب [٢٢]

أي: «إن الشيخ المعمّر، البليغ المربّي / يفکر ثم يتکلّم / لا تنطق بغير تروّ وتأمّل / أحسن القول، وماذا يضيرک إن أبطأتَ في الکلام؟ / فکر ثم افتح فمک / واسکت من قبل أن يقال: کفى! / إنّ الآدمي بالنطق أفضل من الدواب / والدواب خير منک إن لم تقل الصواب».

ويقول بشأن السلوک المقرون بالحکمة:

» لقمان را گفتند: حکمت از که آموختي؟ گفت: از نابينايان که تا جاي نبينند پاي ننهند. قدّم الخروج قبل الولوج، مرديت بيازماي وآنگه زن کن « [٢٣].

أي: «قيل للقمان الحکيم ممن تعلّمت الحکمة؟ قال: من العُميان، فإنهم لا يضعون القدم حتى يعرفوا المکان. (قَدّم الخروجَ قبل الولوج) جرّب رجولتک ثم تزوّج».

والدعوة إلى الخطاب المعتدل نراها في شعر سعدي حين يتحدث عن الصمت والکلام، فلا الصمت المطبق مطلوب ولا الهذر الکلامي، فالصمتُ له وقته، والکلام له وقته. يقول:

اگر چه پيش خردمند خامشي ادب است

به وقت مصلحت آن به که در سخن کوشي

دو چيز طير عقل است: دم فروبستن

به وقت گفتن، وگفتن به وقت خاموشي [٢٤]

أي «ولو أن الصمت في رأي اللبيب من الأدب / لکنک اجتهد في أن تتکلم حين تقتضي المصلحة / شيئان من خفّة العقل: السکوت / في وقت الکلام، والکلام في وقت السکوت».

وما أحوجنا اليوم إلى أن نخطط لحياتنا الفردية والاجتماعية في الکلام والسکوت، کي لا نقع في إفراط الهذر أو تفريط الإعراض عن قولة الحق.

والاعتدال نراه أيضا في موقفه المذهبي، ولعل هذا الموقف استلهمه من أستاذه الغزالي. فالغزالي لم يتعصّب لمذهب معين. يقول في رسائله الفارسية ما ترجمته:

«أسير في المعقولات على مذهب البرهان وما يقتضيه الدليل العقلي. وفي الشرعيات على مذهب القرآن، ولا أقلّد أحداً من الأئمة، فليس للشافعي عليّ عهد ووصية، ولا لأبي حنيفة حجة وسند» [٢٥].

وليس من شک أنّ دراسة سعدي کانت على يد أساتذة من أهل السنّة، وفي کليّاته ما يشير إلى أنه سنّي المذهب، ولکنک ترى في هذه الکليات حديثاً عن علي بن أبي طالب وعن أهل البيت ما يوحي أنه شيعي، والمحصلة من کل ذلک أنه أراد أن يتجاوز المذهبية في نهجه، ويقف الموقف الذي يمليه عليه فکره وشخصيته المستقلة، لا التقليد الأعمى.

نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى هذا الاعتدال في الموقف المذهبي. بحاجة إلى تفهم السنّة بأنها التزام بسنّة رسول الله (ص)، وهو التزام واجب على کلّ المسلمين، عندئذ يکون کلّ المسلمين سنّة، وأن نفهم التشيع بأنه ولاء لآل بيت رسول الله (ص)، وهو ولاء أوجبه القرآن الکريم (قل لا أسألکم عليه أجراً إلا المودة في القربى) عندئذ يکون کلّ المسلمين شيعة، وما عدا ذلک فهو إما خلافات تاريخية لا علاقة لنا بها، وإما اختلافات اجتهادية طبيعية بين البشر، أجازها الإسلام وشجّع عليها.

الدعوة إلى العزّة

المجتمع البشري حيّ بعزّته فإذا ذلّ مات… هذه حقيقة تؤکدها کل الدراسات التاريخية والاجتماعية، وتثبتها حقائق الواقع الراهن، من هنا فإن کلّ الأنبياء المصلحين دعوا إلى صيانة عزّة الإنسان وکرامته على ظهر الأرض. کي يستشعر الحياة، ويسير على طريق استخلاف الله في الأرض وما يتطلبه هذا الاستخلاف من إبداع وابتکار واستثمار لمواهب الطبيعة وکنوزها.

وسعدي بأسلوبه الأدبي الرائع جَهَد لأن يحافظ على روح العزّة في مجتمعه بعد أن تکالبت عليه أنواع الظروف لإذلاله.

وأهم وَتـَر ضرب عليه لصيانة روح العزّة في المجتمع هو إنقاذ الناس من التهافت على الدنيا کتهافت الذباب على قطعة الحلوى. وإيقاظ العقول والقلوب على حقيقة هذه الحياة التي لا تبقى لأحد. وهذا لا يعني أنه دعا إلى ترک الدنيا، بل دعا إلى ممارسة الحياة ممارسة مترفعة عن الدنايا وعن الذاتية والأنانية، وعن الحرص والطمع، وعن کل العوامل التي تخلق السلبيات في العلاقات الاجتماعية، وتحول دون تفتح مواهب الانسان وکفاءاته ودون العطاء الاجتماعي العام. دعا إلى أن لا يتحول الإنسان إلى دودة تعيش في الظلام، لا تعرف إلا ماحولها، ولا تعمل إلا لإشباع نهمها الغريزي.

نراه في حکاياته بکتاب گلستان يخاطب النفس الإنسانية بأساليب مختلفة لينتشلها من وهدة الهبوط ويرفعها إلى الارتباط بالکون الفسيح وخالقه.

يقول في الباب السابع: «سمعت أحداً من الشيوخ المربين کان يقول لمريد: أي بني! لو کان ارتباط ابن آدم بالرازق بقدر ارتباطه بالرزق لارتقى على الملائکة في المقام».

وفي هذا المضمار ينشد أحياناً بيتاً بالعربية فيقول:

بئس المطاعم حين الذل يکسبها

القِدر منتصب والقَدرُ مخفوضُ

وأحياناً ينشد بيتاً بالفارسية يقول:

هرکه نان از عرق خويش خورد

منـّـت از حاتـم طائي نبـرد

أي: «کل من يأکل الخبز من عمله / لا يتحمل المنّة من حاتم الطائي».

وأحياناً ينشد قطعة شعرية يقول:

«إذا أردت الغنى، لا تطلب غير القناعة / فإنها دولة هنية / إذا نثر الغني الذهب بحجره / فحذار أن تنظر إلى نواله / فقد سمعت کثيراً من الأکابر (يقولون) / إن صبر الفقير خير من بذل الغني».

وفي کتابه بوستان خصص باباً للقناعة يدعو إليه بقوله مثلاً:

ـ «اقنعي أيتها النفس بالقليل / حتى تري السلطان والفقير متساويين».

ـ «وابغ جوفاً طاهراً أينما تذهب / فإن البطن لن يمـلأه إلا التـراب».

ـ «والنفس الأمارة تـُحيل المرء ذليلاً / فلا تطعها إن کنـت عاقـلاً».

وفي قطعاته الشعرية الشعرية يکثر من التأکيد على عزّة النفس، وفي إحداها يصوّر أصدقاءه يقولون له:

«لماذا أنت يا سعدي لا تتحرک للحصول على المال والمتاع؟ / فأنت تتربع على عرش الشعر، فلماذا تعيش کما يعيش المرتاضون؟ / لو مدحت قليلاً فستنال الحظوة / وصاحب الفن إن کان معدماً فهو مغبون، ولا يقدر أن يکسب ودّ الاخوان».

ثم يجيبهم: «لا أستطيع أن أرفع حاجتي إلى هذا المالک وذاک الثري / فهذا من فعل المتکدين / لو طُلب مني أن آخذ إبرة من اللئام / لتحولت هذه الإبرة إلى إبر على جلدي مثل القنفذ / لقد قلتَ: إن رضا الصديق لا يتيسّر إلا بالمال / وهذا أيضاً خلاف المعرفة والرأي الصحيح / فألف کنز ثمين يعادل حبّة من الفن / والمنّة بعد ذلک على المعطي، والحيف عَلَيَّ.

وهذه القطعة الشعرية تذکرنا بأديب إيراني أخر هو علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت ٣٦٦هـ)، فقد دعا جميع ذوي القلم والفن أن يحافظوا على شرف علمهم إذ قال:

يقولون لي: فيک انقباضٌ وإنما

رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

إذا قيل: هذا مَنْهَلٌ قلتُ: قد أرى

ولکـنّ نفسَ الحرّ تحتمل الظّمَا

ولم أقضِ حقّ العلم إن کان کلّما

بـدا طمـعٌ صَيّرتـُه لي سُلّما

ولم أبتذل في خدمة العلم مُهجتي

لأخْـدُمَ مَنْ لاقيتُ لکنْ لأخدَما

أأشقى به غَرْساً وأجنيـه ذِلّةً

إذن فاتـپاع الجهل قد کان أحزَما

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

ولـو عظّموه في النفوس لعُظِّما

ولکن أهانوه فهانَ ودنّسـوا

محيـّاه بالأطماعِ حتى تجهّما

تربية الذوق الجمالي

ذکرنا أن سعدي الشيرازي عاشق بالمعنى العرفاني، والعاشق بهذا المعنى هو الذي يغلي صدره بالمشاعر النبيلة التي تدفعه إلى حبّ الجمال والکمال، من هنا فالعاشق لا يستقرّ ولا يخنع ولا يستسلم للظروف، بل يتحرک رغم کل الصعاب على طريق الجمال.

وعلى العکس من العاشق الإنسان المتبلّد الاحساس، الضعيف الهمّة، الذي لا يهتزّ أمام السحر ولا يطرب أمام الجمال.

وتربية الذوق الجمالي هدف کل الأنبياء والمصلحين، لأنه يدفع الإنسان للحرکة نحو الجمال المطلق ويجعل الکائن البشري مُعرضاً عن القبائح والسيئات.

نحن اليوم بأمس الحاجة لتربية الذوق الجمالي لشبابنا لکي يطلبوا الجمال في کل مجالات حياتهم، ويعرضوا عن القبيح في المظهر والسلوک. والذوق الجمالي يبعد الشباب عن الوقوع في مستنقع الرذيلة، لأن الشاب - إن تحلّى بالذوق الجمالي - يستطيع أن يفهم قبح الرذائل، ويفهم الفرق بين الجمال الحقيقي والجمال السرابي الخدّاع.

وهي مسألة نحتاج إلى الوقوف عندها طويلاً، لکنّا نکتفي بهذه الإشارة ونعود إلى سعدي الشيرازي الذي سعى فيما سعى إلى أن يستثير الذوق الجمالي الفطري في مجتمعه، الذي تکالبت فيه ظروف سحق هذا الذوق وإماتته، بفعل الظروف الاجتماعية السيئة.

هو أولا يکرر الدعوة إلى التأمل في مظاهر الطبيعة ومافيها من جلال وجمال وأسرار، والى التعمّق بما وراء الظواهر من علاقات تربط کل الکون بهدف تکاملي واحد. يقول:

بذکرش هرچه بيني در خروش است

ولي داند درين معنى که گوش است

نه بلبل بر گلش تسبيح خوانيست

که هر خاري بتسبيحش زبانيسـت

أي: «کل ماتراه يموج بذکره / لا يفهم ذلک إلا القلب السميع / ليس البلبل فحسب يسبّح على وردته / بل کل شوکةٍ لسانٌ ينطق بتسبيحه».

والقلب الذي يستطيع أن يتفهّم حقائق الأشياء هو القلب الذي يخفق بالعشق لا القلب المتبلّد الجامد. کلّ مظاهر الطبيعة تدعو الإنسان إلى أن ينفتح قلبه وينصقل ذوقه، بل لقد عُرِف عند العرب عن الجمل بأنه يطرب للصوت الجميل، فما بال الإنسان لا يهزّه الجمال؟

يقول سعدي:

داني چه گفت مرا آن بلبل سحري؟

تو خود چه آدمي کز عشق بي خبري

اشتر بشعر عرب در حالتست وطرب

گر ذوق نيست ترا کژ طبع جانوري

أي: «أتدري ماذا قال لي البلبل في السحر؟ / أي إنسان أنت يامن لا معرفة لک بالعشق؟ / الجمل في الشعر العربي له ذوق وطرب / وإذا لم يکن لک ذوق فأنت حيوان معوجّ الطبع [٢٦] «.

ثم يردف سعدي هذين البيتين بيت عربي فيقول:

وعند هبوب الناشرات على الحمى

تميل غصـون البـان لا الحجـر الصلـد

يضع سعدي مواصفات للعاشقين منها أنهم لا يملّون الطلب والبحث للوصول إلى الجمال، يقول:

چو يعقوبم ارديده گردد سپيد

نبردم ز ديدار يوسف اميد

طلبکار بايد صبور وحمول

که نشنيده ام کيمياگر ملول

چه زرها بخاک سيه در کند

که باشد که روزي مسي زر کند [٢٧]

أي: « - فلئن ابيضّت عيناي، کما ابيضّت عينا يعقوب / فلن أقطع الأمل، من رؤية يوسف / ولابدّ للطالب أن يکون صبوراً قادراً على التحمّل / إذ لم يُسمع أن کيماوياً (ساعياً للحصول على الذهب من معادن أخرى) أصبح ملولاً / فما أکثر ما ينفقه من مال وذهب / لعلّه يوماً يستطيع أن يحوّل النحاس إلى ذهب».

ومن صفات العاشقين أنهم يشعرون - رغم ثقل أعباء العشق - بالبهجة والسرور والحبور.

وسعدي مبتهج دائماً، لأنه يعيش في عالم مبتهج بخالقه، وسعدي عاشق لکل العالم، لأن کل العالم من فيض المحبوب. يقول:

بجهان خرّم از آنم که جهان خرّم از اوست

عـاشقم بر همه عالم که همه عالم از اوست

أي: «أنا مبتهج بالکون لأن الکون مبتهج به / أنا عاشق لکل العالم لأن جميع العالم منه»

وما أجمل هذا الارتباط بالکون، ارتباط يشرح الصدر، ويبارک العمر ويزکيه ويرفعه، ويجعل العلاقة بين الإنسان والکون علاقة العاشق بالمعشوق.

ويفصل سعدي بين حديث العشق وحديث العقل، فالعشق حديث تضحية وفداء وتحمّل ومعاناة وإيثار، وحديث العقل حديث مصلحة ومنفعة واستئثار وطلب السلامة. يقول سعدي:

درديست درد عشق که هيچيش طبيب نيست

گر دردمنـد عشق بنالـد غريب نيست

دانند عاقـلان کـه مجانين عشـق را

پـرواي قول ناصـح و پند اديب نيست

أي: «ما أشدّ ألم العشق الذي ليس له طبيب / وإذا ناح المصاب بالعشق فليس ذلک بغريب / يعلـم العقـّال أن مجانين العشـق / لا يرعوون لقول ناصح وموعظة أديب».

وهذا لا يعني أن سعدي يدعو إلى ترک العقل، بل يرى أن عالم العشق غير عالم العقل، عالم العشق يتجاوز الذات، وعالم العقل يکرّس الذات. ولا نبالغ إذا قلنا أن کل الذين بذلوا جهودهم من أجل خدمة البشرية في أي مجال من المجالات هم عاشقون. والعرفاء يرون أن العشق هي النار التي تحرّک البشرية، وهو طاقتها المحرکة، ويعبّرون عن العقل بأنه الدخان المصاحب للنار. يقول العطار في منطق الطير:

عشـق جانان آتش است وعقل دود

عشق چون آمد گريزد عقـل زود

أي: «عشق الحبيب نار والعقل دخان / وحين يحل العشق سرعان ما يهرب العقل».

ويقول سعدي:

حديث عقـل در ايام پادشاهي عشق

چنان شده است که فرمان حاکم معزول

أي: » حديث العقل في أيام سلطنة العقل / أصبح وکأنه فرمان الحاکم المعزول»

منطق العاشقين غير منطق الأنانيين. والعرفاء يرون أن العاشقين هم أصحاب الرأي الصائب والنظر الثاقب. يقول سعدي:

هر کسي را نتوان گفت که صاحب نظر است

عشق بازي دگر و نفس پرستي دگر اسـت

أي: «لا يمکن أن يقال عن أي شخص بأنه صاحب نظر / فالسير على طريق العشق شيء وعبادة النفس شيء آخر».

سعدي يضع العاشق مقابل الأناني وعابد الذات، وبذلک يدعو إلى أن يکون الإنسان عاشقاً ينشد الجمال بعيداً عن الذاتية والأنانية، مندفعاً دائماً ليقدم الخير والعطاء للبشرية جمعاء.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

[١] - . الدکتور رضا زاده في تاريخ الأدب الفارسي ص ١٦٦، من النسخة المطولة.

[٢] - المصدر نفسه ص ٢٥٥.

[٣] - ويقصد به الشاعر الکبير خواجو الکرماني. المصدر نفسه ص ٢٢٦.

[٤] - حبيب السير، ص ١٣٠.

[٥] - الگرگاني - مقدمة الگلستان ص - يب.

[٦] - Ross: sadi’ Gulistan p. ٢٣.

[٧] - النص الفارسي: ذکر جميل سعدي که در افواه عوام افتاده است، وصيت سخنش که در بسيط زمين رفته، وقصب الجيب حديثش که همچون شکر مي خورند، ورقعه ي منشآتش که چون کاغذ زر مي برند… کليات سعدي ص ٤.

[٨] - کليات إقبال، ص ٧٣.

[٩] - نفس المصدر، ص ٧٣ - ٧٧.

[١٠] - نفس المصدر، ص ٧٧ - ٧٨.

[١١] - کليات إقبال، ص ٨٧.

[١٢] - بين آونة وأخرى دع جسمي يسترحْ.

[١٣] - العشق والستر لا يجتمعان.

[١٤] - نحن لمسکنتنا ألقينا السلاح.

[١٥] - إن شئت أن تعدل الآن أو تجور. کليات إقبال، ص ٣٧٧.

[١٦] - ص ١٤٢ - ١٤٣ من کتاب جنة الورد» گلستان».

[١٧] - النصّ الفارسي: طبع ترا تا هوس نحو کرد

صورت صبر از دل ما محو کرد

أي دل عشّاق بدام تو صيد

ما بتو مشغول و تو با عمرو وزيد

(گلستان - کليات اقبال، ص ١٣٩ - ١٤٠).

[١٨] - کانت الحرب سجالاً بينهما في ماوراء النهر، ثم عقد الصلح في أيام الشاعر سعدي…

[١٩] - جرّ الذيل، وعدم رفع الرأس کنايتان عن التبختر والغرور، والنکتة فيهما استعمال الجرّ والرفع.

[٢٠] - گلستان - کليات اقبال، ص ٢٥.

[٢١] - کليات سعدي، فروغي وآشتياني، گلستان، ص ٨٠ - ٨١.

[٢٢] - گلستان، کليات اقبال، ص ١٠.

[٢٣] - گلستان، کليات اقبال ص ١١.

[٢٤] - گلستان، ط ١ يوسفي، ص ٥٣.

[٢٥] - النص الفارسي: در معقولات مذهب برهان، وانچه دليل عقلي اقتضاء کند. وأما در شرعيات مذهب قرآن. وهيچ کس را از ائمه تقليد نمي کنم، نه شافعي بر من خطى دارد، ونه ابو حنيفه بر من براتي (مکاتيب فارسي غزالي به تصحيح عباس اقبال، ص ١٢).

[٢٦] - گلستان، کليات اقبال، ص ٦٩.

[٢٧] - سعدي الشيرازي، هنداوي، ص ٤٠٠.



[ Web design by Abadis ]