ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفصل الثالث: أسلوبه الشعري عند السيد محسن الأمين

قالوا: إن الأسلوب هو الرجل. يريدون بذلك أن أسلوب الأدب مرآة صافـية لشخصيته كلها، نقرأه فنحس صاحبه يطالعنا دائماً بعقله وشعوره وخلقه ومزاجه وعقيدته، وكل ما يميزه عن سواه، فإذا عرفناه وقرأنا له أثراً أدبياً أضفناه إليه وإن لم يكن عليه اسمه، فهذا الكلام يدل على أن أظهر خواص الأسلوب إنما نشأ فـي شخصية كاتبه، فهي التي تطبع الكلمات والعبارات والصور البيانية بطابع ممتاز يدل على أن تجارب خاصة وطريقة فـي التخييل والتفكير والتعبير ليست لغيره [١].

من هنا فإنَّ لكل أديب أو شاعر طريقته الخاصة فـي التعبير تنبع من ذاته ووجدانه، وألاَّ يكون مقلداً لغيره " ويمكن أن يقال على العموم: إن هناك مذهبين فـي التعبير: مذهب يميل أصحابه إلى الدقة والوضوح، ومذهب يميل أصحابه إلى الضخامة والتهويل " [٢].

وإذا حاولنا أن نعيش أسلوب الأمين على ضوء هذين المذهبين رأيناه يجمع بين الاثنين، فهو تارة يميل إلى الفصاحة فـي تعبيره، والدقة والفكرة الواضحة، وأحياناً تظهر الفكرة عنده غير واضحة وغير محددة، إذ يعتني بالتنميق والفخامة.

تناول الأمين فـي ديوانه " الرحيق المختوم " غالبية الفنون الشعرية التقليدية التي عرفت منذ الجاهلية وما تزال حتى عصرنا الحاضر ومن أبرزها: المديح، والرثاء، والغزل، والنسيب، والهجاء، والوصف، والحماسة … الخ.

فالمديح عنده يمتاز:

١ - بصبغة دينية تنم عن عاطفة وجدانية صادقة، بعيدة عن التزلف والرياء، خاصة أنه مولع بحب النبي وآل البيت فامتدح فـيهم الحق والعلم والفضل.

٢ - بالإعجاب والتقدير بما أبداه القادة من بطولات وانتصارات كالحسين بن علي الذي غدا قائدا قومياً فامتدح فـيه التضحيات والإخلاص والنضال والتفاني فـي سبيل طرد المستعمرين، وعبر عن حبه له بصدق إذ كان يعلق عليه آمالاً عظيمةً منها إعادة الخلافة الإسلامية.

٣ - ببعده عن التكلف، وتجرده عن الغايات والنيَّات الخفـية، وكان الأمين فـي معظم مدائحه هذه بعيداً عن التكسب، لا يوجد أية منفعة أو مصلحة من ورائها.

بالنسبة للرثاء فقد كان الأمين فـي رثائه سواء أكان رثاءً لآل البيت أم للأهل والأقارب والعلماء صادقاً، تكتنفه اللوعة والأسى والحزن ويشوبه اليأس والشجن وتبلل عاطفته بالدموع، دموع الوفاء والمحبة. ويغلب على رثائه لآل البيت الحماسة والتحريض، فالحسين فـي نظره يمثل ثورة شعبية تحريرية قام بها ضد نظام الأمويين، أما يزيد وأتباعه فـيمثلون الظلم والشر.

أما الهجاء فـيتناول فـيه البخيل والمخلفـين بالوعد والبلد والطبيب. فـيصور البخيل بصورة كاريكاتورية فـيها من التهكم والعبث الشيء الكثير مظهراً عيوبه وشحه وبخله، وكيفـية معاملته للناس بضروب فـيها من الحنكة والدهاء. ويهاجم المخلفـين بالوعد ناعتاً إياهم بالكذب والجهل والبلادة، وهذه الصفات متأصلة فـيهم ومتوارثة عن أجدادهم. ويهجو البلد الذي لا خير فـيه ولا فـي أهله. ويرسم للطبيب صورة فـيها من السخرية والهزء فهو لا يحمل من الطب إلا اسمه فقط.

بالنسبة للغزل والنسيب، فهو فـي غالبيته من النوع العذري العفـيف المترفع عن الفحش. يصور فـيه معاناته وآلامه وسهاده، وله أيضاً غزل حسيّ في المرأة باعتبارها رمز الجمال النسبي الذي يحلق بالإنسان نحو الجمال المطلق.

أما الوصف فـيتناول فـيه الكتاب والسكة الحديدية والرحلات.

١ - بالنسبة للكتاب فقد شخصه بوصفه صاحبه الصدوق المسلي والمرفه عن همومه، الهادي إلى الصواب والهدى، والحلال لمشاكله العويصة.

٢ - وقد وصف سرعة السكة وجسمها الحديدي وصوتها الحاد مقارناً بينها وبين الفرس.

٣ - ووصف الرحلات وصفاً مسهباً، فهو لا يدع أية صغيرة أو كبيرة إلا ويأتي على ذكرها، مما يجعل القارئ يتلذذ بقراءتها، شاعراً كأنه كان مشاركاً فـيها.

أما باقي الفنون فتمتاز بالصدق والدقة، وقد ساير فـيها طريقة القدماء دون أي تجديد أو تعديل فـيها. ومعظم فنونه هذه لا تشكل قصائدَ مستقلةً خاصة بكل فن، بل هي تبدأ دائماً بمقدمات طويلة، سواء بالوقوف على الأطلال، أم ذكر الأحبة أم الغزل، ويخلص بعدها إلى الموضوع الأساسي، فهو بهذه الاستهلالات يجاري الشعراء الأقدمين وبخاصة الجاهليين، حيث القصيدة تظهر عنده مفككة لا ترابط وانسجام بينها، مثلاً فـي الوصف والرثاء والغزل … الخ. كقصيدة " مدح النبي وآل بيته " ورثاء الحسين …

ومن جهة أخرى نراه دائماً يمتدح نفسه مع الممدوح، ويظهر أن نسبه ينتمي إليه، وينتهي بعد ذلك إلى طلب الشفاعة فـيه فـي الآخرة.

وفـي قصائد أخرى يخرج عن هذا النمط التقليدي، ويقدم لنا قصائد متحدة الموضوعات كتقريظ " مفتاح الكرامة " والتغزل فـي غانة من ظباء " ومدح النبي صلى الله عليه وسلم والشيب والعتاب … الخ.

وهكذا نرى أن الأمين يهتم بعمود الشعر، ويقدسه بوصفه شاعراً تقليدياً، وإن كان يهاجم الوقوف عند الأطلال أحياناً، مما يشير إلى غلبة المنطق فـي نهجه الشعري، فالشعر عنده أداة تعبير يجب أن تتوافر كل مواصفاتها العروضية كما هي الحال لدى التقليديين مع حذف النافل وغير الضروري من مستلزمات عمود الشعر العربي كالطلل.

أما من حيث التجديد فقد " كان السيد الأمين علاَّمة عصره، إذ درس علوم العربية والمنطق والفقه والأصول … وبلغ مرتبة الاجتهاد والفتوى " [٣] وقد انعكست ثقافته الغزيرة على مؤلفاته، فجاءت أفكاره متجددة، حية، من روح العصر " فهو وإن كان قد ثار على طريقة القدماء فـي الشعر كما ثار أبو النواس وبشار إلا أنه لم يخرج عن أساليبهم … ومهما يكن من أمر فقد كان محسن الأمين مقلداً فـي شعره على رغم ما اتصف به من تجديد فـي الفكر والحياة" [٤].

١ - من حيث الألفاظ:

قال العلماء ": اللفظ أغلى من المعنى ثمناً وأعظم قيمة، وأعز مطلباً، فإن المعاني موجودة فـي طباع الناس يستوي الجاهل فـيها والحاذق، ولكن العمل على جودة الألفاظ وحسن السبك وصحة التأليف، ألا ترى لو أن رجلاً أراد فـي المدح تشبيه رجل لما أخطأ أن يشبهه فـي الجود بالغيث والبحر، وفـي الإقدام بالأسد … فإن لم يحسن تركيب هذه المعاني فـي أحسن حلاها فـي اللفظ الجيد الجامع للدقة والجذالة والعذوبة والطلاوة والسهولة والحلاوة لم يكن للمعنى قدر " [٥].

واللفظ هو بمنزلة الجسم، لا يمكن له أن يستمر دون الروح. فالارتباط بينهما قوي حيث إذا ضعف اللفظ ضعف المعنى والعكس. ولقد تميز السيد محسن الأمين فـي ألفاظه وعباراته بالمميزات التالية:

أ - استعمال الألفاظ القديمة:

تناول الأمين فـي قصائده الكثير من الألفاظ القديمة ولا سيّما تلك التي وردت على السنة الشعراء الأقدمين كامرئ القيس وأبي النواس والمتنبي ولسان الدين بن الخطيب … الخ وقد استعمل هذه الألفاظ فـي " وصف القطار الحديدي " وغيره فـي القرن العشرين.

وهذه أبيات حافلة بالألفاظ القديمة.

تسابق الريح مهما هب أو نسما

سرت بنا تقطع الغيطان والأكما

سرجاً ولا مضغت فـي دهرها اللجما

من السوابق فـي المضمار ما حملت

وتارة تسبق الليل الذي دهما [٦]

تخب طوراً وطوراً سيرها رمل

ذميلها والخبب [٧]

تطوي أديم البيد فـي

ما فـي فؤاد المغرم المشغوف [٨]

بقوامها ما فـي القنى وبقرطها

لهاروت يعلمه [٩]

ومن فـي طرفه سحر

فأين منه خدودك [١٠]

إن كان للريم جيدك

ولاتسل أين حلوا أم متى ارتحلوا [١١]

لا يوقفنك فـي ربع لهم طلل

أقصى نفانفهن الخيل والإبل [١٢]

لأطوين قفار البيد تورد فـي

حياك فـيض الديم

يا دارمي باللوى

ـي بالغدير واسلمي [١٣]

عمي صباحاً دارمـ

وأتانا فـي غفلة الرقباء [١٤]

جاد بالوصل بعد طول تنائي

نلاحظ السيد الأمين هنا، قد استعمل الكلمات التالية " الغيطان - الأكما - سرجا - اللجما - رحل - البيد - الخبب - القنا - بقرطها - سحر - لهاروت - للريم - جيدك - ربع - طلل - قفار - الخيل - الإبل - دار مي - جاد - بالوصل - تنائي …" وهي ألفاظ كانت كثيرة الاستعمال فـي الجاهلية.

ب - سهولة الألفاظ، والنغم الموسيقي:

إلى جانب الألفاظ التقليدية القديمة نجد عند الأمين ألفاظاً سهلة واضحة لا يشوبها العيب والتعقيد، ولا تحتاج فـي شرحها إلى معجم أو قاموس.

فـي المدح:

بالتهاني والسرور اكتنفا

يوم ميلاد النبي المصطفى

طاب فـيه الأنس والعيش صفا [١٥]

ياله يوماً عظيماً شأنه

وفـي الغزل:

عليك وأنت نائمه

وليلٍ بتّ أسهره

سوى همٍّ أُنادمه [١٦]

وليس بجانبي أحد

وفـي الرثاء:

آل العلى والهمم

آل الهدى آل التقى

ح والندى والكرم

آل الصلاح والفلا

ل والوفاء بالذمم [١٧]

آل الكمال والجلا

وفـي الهجاء:

ما بينها والخير بون بعيد

لا ترجون الخير من بلدةٍ

وأهلها طرا فذاك السعيد [١٨]

إن الذي يبعد عن أرضها

وفـي التهاني:

ابتهج الكون بميلاده

هنئت بالبخل السعيد الذي

مشاهداً أولاد أولاده [١٩]

دمت له فـي غبطة باقيا

وفـي الصفات:

والله للإنسان نعم العون

فكان فـي طريقنا القرعون

فـي أرضها ما ذقت إلا تعباً

وعندها جسر إليها نسبا

جسر طويل ينتمي إليها [٢٠]

وجب جنين وذي لديها

ج – التكـرار:

من جهة أخرى نلاحظ أن الأمين أكثر من تكرار الألفاظ والعبارات المتشابهة حتى شملت جزءاً غير يسير من قصائده. ولكنها تبدو محببة لأنه أحسن وصفها فـي مكانها المناسب. فهي جذلة وبعيدة عن التبذل والنفور. ومنها قوله:

جلاها على الندمان كأسك والثغر [٢١]

تشابهت الراحان ريقك والخمر

أم الكأس قد أهدت شراباً معتّقاً [٢٢]

وفـي فـيك هذا الريق لذ لشارب

لشاربها تروق بلا مزاج [٢٣]

سقاني من سلاف الريق كأسا

ما حساه مدنف إلا شُفـي [٢٤]

ثغره والريق كاس ورحيق

ميت لأحيى ميت الأرماس [٢٥]

والريق مثل الشهد لو يسقى به

وقد وردت كلمة الريق هنا خمس مرات.

ونلاحظ تكرار الألفاظ أيضاً فـي هذه الأبيات:

فقلت هيهات ما بالشيب من عار

باتت تعيرني بالشيب حين بدا

يا ميّ بالشيب لذاتي وأوطاري [٢٦]

ما شاب عزمي ولا حلمي ولا نقصت

وما تم لي عشر مضت وثماني

دهى مفرقي بالشيب صرف زماني

ومن ذا الذي يبقى على الحدثان

وأسرع فـي الشيب قبل أوانه

وما أوفت علي العشرين سنى

وشيب مفرقي صرف الليالي

وضرائر للشيب والإفلاس

والبيض ألف للشبيبة والغنى

فالآن صعبك بعد طول شماس

قالت علاك الشيب قبل أوانه

لرجوح حلم كالأشمِّ الراسي [٢٧]

فالشيب عنوان الوقار وآية

نجد أن كلمة الشيب وردت هنا تسع مرات.

المحسنات البديعية:

" قسَّم البلاغيون المحسنات البديعية إلى قسمين: معنوية ولفظية. وقالوا: إن المعنوية هي التي يكون التحسين بها راجعاً إلى المعنى أصالة، كما أن اللفظة هي التي يكون التحسين بها راجعاً إلى اللفظ أصالة. " [٢٨]

أ - المحسنات المعنوية:

غمر الأمين معظم قصائده بالمحسنات المعنوية من طباق وتورية وما شابه. ويظهر الطباق الذي " هو الجمع بين الشيء وضده فـي الكلام، سلباً أو إيجاباً" [٢٩] فـي قوله:

أي ولا كنت يا زمان الفراق [٣٠]

جادك الغيث يا زمان التلاقي

والطباق هنا إيجابي.

وقد ظهر الطباق الإيجابي أيضاً فـي الأبيات التالية:

فاليوم يصرفن الوجوه غضابا

كانت وأوجهها إليك بواسم

غمروشيخ فـي المشيب تصابى [٣١]

سيان فـي الدنيا تشيخ يافع

الصبح والناس بالهنا معلنونا [٣٢]

والدجى فـيه أزهر اللون يحكى

وما زال فـي اليسرى لهم معدن اليسر [٣٣]

فـيمناهما أمن من الفقر للورى

صام النهار وقام الليل مبتهلاً

يا فتنة العابد استخلى بصومعة

أمر الهوى وعصى من لام أو عذلا [٣٤]

أطاع حبك جهد النفس ممتثلاً

رفـيع غدا من دونه العبد والحر [٣٥]

وكم من زمان كان للقرد منزل

أما الطباق السلبي فظهر فـي هذا البيت:

ـه وبالروح ولست عنه ضنينا [٣٦]

وضنين عني بلمحة عينيـ

ومن الواضح فـي هذا الديوان أن الأمين استعمل الطباق الإيجابي أكثر من السلبي بكثير.

أما التورية عند الأمين فنراها فـي هذا البيت.

والروض غض والزمان سعيد [٣٧]

بسناك ثغر الشام أصبح باسما

فكلمة ثغر لها معنيان: المعنى القريب هو الحصن أو القلعة التي يدافع عنها الجند، والمعنى البعيد هو الفم.

ب - المحسنات اللفظية:

أكثر الأمين من استعمال المحسنات اللفظية فـي قصائده ومنها الجناس بنوعيه التام والناقص، والتضمين والاقتباس من المعاني التي وردت فـي القرآن الكريم وبلغاء العرب، بالإضافة إلى التشطير، والتذييل والتخميس، والألغاز والأحاجي، والتقليد، والترصيع والمحاورة.

١ - الجناس:

ومن الجناس قوله:

هيهات مالجرح شيب آسي [٣٨]

أرجو من البيض الحسان مودة

ورد تفتح فـي حديقة آسِ

وكأن خديه ولون عذاره

فـي البيت الأول، آسي: بمعنى طبيب.

وفـي البيت الثاني، آس: بمعنى نبات الزعفران.

والجناس هنا تام [٣٩].

وقوله أيضاً:

ورثت قديماً عن أجل بلاغي

قل للجواد المنتمي لبلاغة

مهما أقل فـيه ولست بلاغي [٤٠]

رب المزايا الغر لست مبالغاً

فـي البيت الأول، بلاغي من بلاغة.

وفـي البيت الثاني، بلاغي بمعنى بتارك.

والجناس هنا تام.

أما الجناس الناقص فظهر فـي هذه الأبيات.

بنان بان عندمه [٤١]

أبان الأمن عن دمه

طابت وطالت لياليه إلى أجل [٤٢]

يا مي كل نعيم فـي الزمان وإن

قصبات السباق دنيا ودينا [٤٣]

هضب الحلم أبحر العلم نالوا

قد به غصن الأراك آراكا [٤٤]

ثقلت روادفه فناء بحملها

يسيرها النساك قد أنساكا [٤٥]

علم وبأس قاهر وعبادة

وله غدا هام السماك سماكا [٤٦]

نلت المقام المعتلي فوق السما

خفاقة القرط والخلخال ذو زجل [٤٧]

دعج نواظرها زج حواجبها

٢ - التضمين:

أورده الأمين مراراً. إذْ استقى الكثير من المعاني والألفاظ فـي أبياته الشعرية من الشعراء الأوائل، وفـي ذلك:

ليس جليسي فـيه غير الكتاب [٤٨]

رضيت بالوحدة فـي منزل

وقد نظم مثل هذا البيت من قبل شعراء آخرين قبله.

وقوله:

كأنها السيل من فوق الربىهجما [٤٩]

تمشي على عجل مشياً على عجل

نرى أنه أخذ العجز من قول لامرئ القيس:

كجلمود صخر حطه السيل من عل

مكر مفر مقبل مدبر معاً

وقوله:

فقلت هيهات ما بالشيب من عار [٥٠]

باتت تعيرني بالشيب حين بدا

وقد عكس القول المعروف:

ليتها عيرت بما هو عار

تعيرني بالشيب وهو وقار

وقوله:

أو الهجر كان الهجر من زرعه حصدا (٥١)

ومن يزرع المعروف فهو حصاده

٣ - الاقتباس:

اقتبس الأمين من المعاني والعبارات الواردة فـي القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والقصص الإسلامية التاريخية. تتجلى فـي قوله:

للمرسلين به الرحمن قد ختما (٥٢)

خير النبيين خير الخلق سيدها

وقد أخذ معاني هذا البيت من القرآن الكريم، حيث ورد فـي كتاب الله " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً" (٥٣)

وقوله:

وكما غرست ستثمر الأغراس (٥٤)

مهما زرعت اليوم تحصده غدا

المعنى من القرآن الكريم " فأما من أوتيَّ كتابه بيمينه [٧] فسوف يحاسب حساباً يسيراً [٨] وينقلب إلى أهله مسروراً [٩] وأما من أوتي كتابه وراء ظهره [١٠] فسوف يدعو ثبوراً [١١] ويصلى سعيراً [١٢] إنّه كان فـي أهله مسروراً [١٣] " (٥٥)

وقوله:

وبيوم الأحزاب والنهروان (٥٦)

يوم بدر وخيبر وحنين

مقتبس من القصص التاريخي الذي يروي بطولات الإمام علي.

وقوله:

منه لا من سواه فـي كل آن (٥٧)

باب علم مدينة العلم تؤتى

مقتبس من الحديث النبوي " أنا مدينة العلم وعلي بابها ".

" هذا وقد اقتبس العامليون كثيراً من مواضيع قصائدهم من القرآن الكريم وحوادث تاريخية معينة …. وقد اختلط الأمر على النقاد، فمنهم من عَدَّه سرقة أدبية ومنهم من عَدَّهُ اقتباساً أو تضميناً أو أخذاً أميناً (٥٨).

٤ - التشطير:

" وهو أن يعمد الشاعر إلى أبيات غيره فـيضم إلى كل شطر منها شطراً له " (٥٩) ويقول الأمين مشطراً هذه الأبيات:

وقد يلقى به أمراً جسيماً

(أرى ولد الفتى كلا عليه)

(فطوبى للذي أمسى عقيماً)

فإن أمسى به برا وإلا

وإما أن يربيه حميما

(فإما أن يربيه عدوا)

(وإما إن يخلِّفه يتيما)

وإما أن يقر به عيونا

فـيعقب رزؤه أجراً عظيما

(وإما أن يصادفه حمام)

(فـيصبح حزنه أبداً مقيما) (٦٠)

فإن لم يعتصم بالصبر عنه

٥ - التذييل:

وهو " أن يأتي الشاعر ببيت أو قصيدة لشاعر سواه ثم يبني على أساسها قصيدة أخرى تكون وكأنها امتداد لشعر الآخر " (٦١) وقال الأمين مذيلاً أبيات أبي الحسن التهامي وهي هذه:

ما هذه الدنيا بدار قرار

حكم المنية فـي البرية جاري

حتى يرى خبراً من الأخبار

بينا ترى الإنسان فـيها مخبراً

صفواً من الأقذاء والأكدار

طبعت على كدر وأنت تريدها

متطلب فـي الماء جذوة نار

ومكلف الأيام ضد طباعها

تبني الرجاء على شفـير هار

و إذا رجوت المستحيل فإنما

والمرء بينهما خيال ساري

فالعيش نوم والمنية يقظة

أعماركم سفر من الأسفار

فاقضوا مآربكم عجالاً إنَّما

أن تسترد فإنهن عواري

وتراكضوا خيل الشباب وحاذروا

خلق الزمان عداوة الأحرار

ليس الزمان وإن حرصت مسالما

منقادة بأزمة الأقدار (٦٢)

والنفس إن رضيت بذلك أو أبت

وهذا تذييلها وهو فـي رثاء الحسين عليه السلام:

غدرت بعترة أحمد المختار

لا تأمن الأيام يوماً بعدما

مختار فـي خلق وفـي أطوار

فجعت حسيناً بابنه من أشبه الـ

قى فـي الثرى يذري عليه الذاري

لما رآه مقطع الأوصال ملـ

مع تستهل بدمعها المدرارِ (٦٣)

ناداه والأحشاء تلهب والمدا

٦ - التخميس:

" وهو أن يقدم الشاعر على البيت من شعر غيره ثلاثة أشطر على قافـية الشطر الأول فتصير خمسة " (٦٤).

ومما خمسه السيد الأمين فـي قول الغزل لأحمد شوقي بعدما شطره. وهذا هو التشطير:

ملك الحشا بهواه حين نظرته

(و أعن أكحل من مها بكفـية)

(علقت محاجره دمي وعلقته)

لما رنا بلحاظ أحور شادن

فمشى الهوينا معجباً فتبعته

(دخل الكنيسة فانتظرت فلم يطل)

(فوقفت دون طريقه فزحمته)

فأتى إلى سنن الطريق فلم يقف

قبلت وردة خده وضممته

(لما ظفرت به على حرم الهوى)

(لابن البتول وللعفاف وهبته) (٦٥)

ورشفت شهد رضابه لكنني

والتخميس هو:

لسع الفؤاد من الجعود بحية

ومليك حسن باخل بتحية

وأغن أكحل من مها بكفـية

ورمى حشاي بأسهم ثعلية

علقت محاجره دمي وعلقته

ويرد عني طرفه شبه الخجل

يمشي الهوينا معجباً مشي الثمل

دخل الكنيسة فانتظر فلم يطل

قد مال عني فـي هواه ولم أمل

فوقفت دون طريقه فزحمته

ووفى ديونه فـي هواه وما لوى

قد جاد لي بالوصل من بعد النوى

لما ظفرت به على حرم الهوى

وشفى فؤاده الصب من ألم الجوى

لابن البتول وللعفاف وهبته (٦٦).

٧ - الألغاز والأحاجي:

اللغز " ما يعمى به ويشبه معناه أو ما كان ملتبساً …. ويجيء على طريقة السؤال " (٦٧). والمقصود من الألغاز هو إيجاد الحلول لها أو فك الرموز التي تتألف منها، وهي عادة تكون مسلية وتساعد على تفتح الأذهان وتشغيل العقول. وقد وردت عند الأمين بشكل متنوع منها فـي المشتري حيث يقول:

هل مشتر يلفى بلا بائع

ما مشتر ما باعه بائع

وليس طول الليل بالهاجع (٦٨)

يخفى وراء الستر فـي يومه

وقالوا ملغزاً فـي لمياء

ركب من حرفـين مع ياء

ما اسم خماسي ولكنه

ثلاثة للسامع الرائي (٦٩)

مبدؤه حرف ومن بعده

وقال ملغزاً فـي عطارد

شطره الآخر أمر بالورد

أي لفظ شطره جود وفـي

طار باقيه وللطير هجود (٧٠)

ألق أمر الوعد فـيه تلفه

وقال ملغزاً فـي طائرين يسمى الذكر النهار والأنثى الليل:

فكل ما شئت ليلاً أو نهاراً

إذا شهر الصيام إليك وافى

وفـي تفسير هذا العقل حارا (٧١)

بهذا شرعة الإسلام جاءت

أما الأحاجي فهي " نوع من الألغاز واحدها أحجية وهو أن يؤتى بلفظين مرادفـين لجزئي اسم أو أكثر " (٧٢). ومنها قوله فـي جلنار.

وسما فأدرك فـيهما أعلى الرتب

يا من تقدم فـي الفصاحة والأدب

ما قول من حاجيته (أكثر لهب) (٧٣)

وله انتمى فن الأحاجي وانتسب

وقال محاجياً فـي رمان:

وفـيه تفسير المعمى قد طلب

يا من له فن الأحاجي ينتسب

وأقول من حاجيته (أقصد كذب) (٧٤)

فهذه أحجية عنها أجب

٨ – المـحاورة: وهي عبارة عن سؤال وجواب. ومنها قول الأمين: (٧٥)

وعاد بين الورى يمشي بغير أب

س: هل اليتيم الذي قد مات والده

كلا ولكن عديم العلم والأدب

ج: ليس اليتيم الذي قد مات والده

ج: كلا ولكن فقير العلم والحسب

س: هل الفقير الذي لا مال فـي يده

- تداخل الفنون الأدبية وتشابكها:

فبينما نجد الشاعر يتكلم فـي الشيب نراه ينتقل فـي القصيدة نفسها إلى الغزل أو إلى الحنين أو إلى الحكم. وما شابه.

- إخضاع النظم للمحسنات البديعية:

وهي عبارة عن قصائد ذات روي واحد أي بمعنى آخر موحدة الروي. وقد نظم الأمين قصيدة فـيها، مؤلفة من مئة بيت وبيت حيث يوجد فـي كل بيت كلمة " العجوز " بمعنى يختلف عن المعنى الآخر الوارد فـيه. وجاء فـيها:

ولا تخشى غداً حر العجوز

أتعمل طول دهرك للعجوز

لديك من النضار أو العجوز

تروح وتغتدي فـي جمع مال

مغذا بالسرى فوق العجوز

وفـي تحصيله تطوي الفـيافـي

غدا من فضة أو من عجوز

ستترك ما جمعت لوارثيه

بسيطة قيد قدك فـي العجوز

وحظك عند موتك من جميع الـ

سوى ما كفنوك من العجوز

ولست بآخذ منها حطاماً

ولو أمسى مقرك فـي العجوز

ولست بدافع عنك المنايا

تساوي الليت فـيه مع العجوز

فإن الموت غاية كل حي

ولا ظهر المطهمة العجوز

إذا هو جاء لم تمنع حصون

ورمي السهم عن كبد العجوز

وليس بمانع سيف ورمح

فحسن زاد سيرك للعجوز

ستترك هذه الدنيا وتمضي

وإما أن تساق إلى العجوز (٧٦)

فإما جنة من بعد هذا

ونظراً لطول هذه القصيدة سنكتفـي بهذه الأبيات فقط، وقد جاء شرح معنى العجوز المتكررة هنا ثلاث عشرة مرة. الأولى بمعنى الدنيا، والثانية جهنم والثالثة الفضة، والرابعة الناقة، والخامسة الذهب، والسادسة الأرض، والسابعة الثوب، والثامنة دارة الشمس، والتاسعة الأرنب، والعاشرة الفرس، والحادية عشرة القوس، والثانية عشرة الآخرة، والثالثة عشرة النار.

التقلـيد:

عمد الأمين فـي بعض قصائده إلى تقليد الشعراء القدماء فـي أوزانهم وألفاظهم ومعانيهم. فنسج على منوالهم. ومنها ما قاله على طريقة أهل الأندلس المعروفة بالموشح:

وزمان قد مضى بالأجرع

عللا قلبي بذكر المنحنى

لي فتخبو جمرة فـي أضلعي

هل يعيد الله ذاك الزمنا

بالجفا والصد أوهى جلدي

لي بوادي المنحنى ظبي غرير

ويباهي قده الورد الندي (٧٧)

قده يهزأ بالغصن النضير

الترصيع: و " يقال له التقسيم " وقد كثر فـي شعر الأمين وفـيه:

أزكاهم نسباً أوفاهم ذمما (٧٨)

أسمى الورى حسباً أعلاهم رتباً

معدن الإحسان طراً والوفا (٧٩)

منبع العدل ملاذ الملتجي

الأوزان والقوافـي:

ينقسم الشعر إلى نوعين: موزون وبغير وزن. ولكل من هذين النوعين أنصاره ومؤيدوه.

أما شاعرنا فكان محافظاً على الوزن والقافـية، ومقلداً لبعض الموشحات الأندلسية، ومن ذلك قوله: (٨٠)

صائدي باللحظ من أجفانه

يا بنفسي أنت من ظبي غدا

ومتى أصبح من أقرانه

من رأى الظبي يصيد الأسدا

حسبوا قامته من بانه

وعلى المنهل لما وردا

من ناحية ثانية، فإن معظم الأوزان التي تقوم عليها قصائده هي على البحر الكامل والطويل والبسيط، (٨١) وإن جاء بعضها على غير ذلك فهو قليل. " فالطويل يتسع لكثير من المعاني وأكمالها …. والبسيط يقرب من الطويل وإن كان لا يتسع مثله لاستيعاب المعاني، ولا يلين لينه للتصرف بتراكيب مع تساوي أجزاء البحرين، ولكنه يفوقه رقة وجزالة …. والكامل أتم الأبحر السباعية يصلح لأكثر الموضوعات " (٨٢).

وبعد دراسة الديوان دراسة عروضية، تبين لنا أن الأمين سلك الأبحر الشعرية التالية:

النسبة على ٣٩٦ (أي على عدد قصائد الديوان)

البحر

١٠٩

الكامل

٩

مجزوء الكامل

٩٨

الطويل

٧٧

البسيط

٢٣

الوافر

٥

مجزوء الوافر

٢٤

الخفـيف

النسبة

البحر

١٦

السريع

١٠

الرجز

٤

مجزوء الرجز

٨

الرمل

٢

مجزوء الرمل

٥

المتقارب

٤

المجتث

١

المنسرح

أما النسبة المئوية للأبحر التي استعملها الأمين فهي كالتالي:

النسبة المئوية %

البحر

٢٧. ٥

الكامل

٢. ٥

مجزوء الكامل

٢٤. ٧٥

الطويل

١٩. ٥

البسيط

٦. ١

الخفـيف

٥. ٨

الوافر

١. ٢٥

مجزء الوافر

٤. ١

السريع

٢. ٥

الرجز

١,١

مجزوء الرجز

٢. ١

الرمل

٠. ٥

مجزوء الرمل

١,١

المجتث

١. ٢

المتقارب

٠. ٢٥

المنسرح

وهكذا، فمعظم أوزانه كانت صحيحة، ولا يشوبها الضعف أو الوهن أو الاضطراب. باستثناء ما رأيناه من خلل عروضي، إنما بشكل قليل ونادر، نظراً لكثرة القصائد. ففـي هذا البيت مثلاً: (٨٣)

للجود كم حج لها المعدم

حججت للبيت وأنت كعبة

نلاحظ خللاً عروضياً، فالصدر على بحر الرجز، والعجز وباقي أبيات القصيدة على البحر السريع.

وقد حافظ الأمين فـي قصائده على أن تكون قوافـيها عذبة الحروف وسلسلة المخارج وجميلة الصور، ومن ذلك قوله: (٨٤)

فرقت أحبابي فصرت وحيداً

مالي ومالك يا زمان السوء قد

كالصاب لا تدع الجليد جليداً

همٌّ يذوب له الفؤاد وغربة

وقد زين الأمين مقطوعاته الشعرية بالعديد من الاستعارات والتشابيه والمجازات …. الخ. ولأن هذه المحسنات باتت تقليدية، فإنني سأكتفـي بالتلميح إليها فقط.

بعض ما قيل فـي السيد محسن الأمين:

لجنة التشييع:

" استأثرت رحمة الله بقلم من أعلام الدين الإسلامي الحنيف، ورجل من رجال البر. عاش محبوباً، مخلصاً حياته للعلم والدين والدعوى إلى الإصلاح – ذلك هو سماحة الإمام الكبير السيد محسن الأمين العاملي. مؤلف الموسوعة التاريخية العظيمة أعيان الشيعة " ووالد الشاعر العربي المعروف الأستاذ حسن الأمين، والأديب الموهوب السيد عبد المطلب الأمين ".

جريدة الأمة البغدادية:

" كان عطر الله ثراه، حركة متواصلة لا تهدأ ولا تستقر، وكان على رغم شيخوخته المضنية لا يفتأ يواصل الجهد والمسعى لأداء رسالته السامية، فكان يعقب ويؤلف ويؤرخ ويمد الجيل بالرأي الصائب والموعظة الحسنة والتوجيه السليم ".

جريدة العلم العربي (٨٥):

" مات من حرر الدين من آفاته وشوائبه، ومحا البدع فـي الإسلام، وهاجم الرجعية والخزعبلات الدينية، ونشر ألوية العلم فـي ربوع الوطن، وأخرج من كنوز العلم كل دفـين. مات من حارب دعاة السوء المتحذلقين، وحرر العلم من الجهل المطلق وأطلق حرية الاجتهاد، وسار فـي مواكب الحضارة والمدنية ".

الأستاذ يوسف صارخي (٨٦):

" عبقرية فذة مؤمنة عارفة مجاهدة ألّفت وأصلحت بين قلوب العرب أجمعين، المسلمين منهم وغير المسلمين، ألفت بينهم، أصلحت على مختلف مللهم ونحلهم، وعلى كثرة فرقهم وشيعهم ومنازعهم وأهوائهم. "

الشيخ محمد رضا الشبيبي (٨٧):

" كان السيد محسن الأمين مجدداً فـي طريقته التعليمية. أنشأ مدارس عدة ناجحة للجنسين فـي دمشق، وقد تخرج فـيها إلى الآن عدد غير قليل من رجال سوريا ولبنان ".

" ثار مرة أمامي على أحد الأساتذة الجامدين الذين يقدسون طريقة القدامى، ويحرصون على أن لا تمس قائلاً: لماذا نحذو حذو الأقدمين؟ هم رجال ونحن رجال. وكان ذلك فـي سنة ١٩٢٠ م فـي مجلسنا بدمشق الشام ".

الأستاذ علي بزي (٨٨):

" إن الأخلاق التي صورها الخيال، وعجز عن الأخذ بها الإنسان، وحسب الكثيرون تحقيقها إعجازاً، قد عرفناها فـي الفقيد العظيم واقعاً محسوساً. لقد كنت فـي حياتك وستظل فـي مماتك منارة وهدياً لنا فـي جبل عامل".

الدكتور حكمت هاشم (٨٩):

" لست أقوى، على تناول هذا النشاط الهائل فـي تفصيله ولا مجمله. وكم كنا نأنس بزيارته من حين لآخر لما نلاقي فـي أحاديثه المتعة ودعاياته الوطنية المخلصة من التشجيع والتنشيط والحث على متابعة الجهاد فـي سبيل الله والوطن، وتحقيق غايات البلاد فـي الحرية والاستقلال والدفاع عن كرامة الإسلام والمسلمين، والتضامن مع مختلف الطوائف والمذاهب، والتسامح والاتحاد ونبذ الضغائن والأحقاد ".

بعض مراثيه:

قال ولده، عبد المطلب الأمين فـي رثائه: (٩٠)

بأني معانيك أستلهم

أمولاي حسبي انتساباً إليك

يوشح بالنور ما أرسم

وحسبي من الهدى هذا الشعاع

فما حجبت ظلها الأنجم

لئن كنت منك امتداد الظلال

شريك الحنان ولا نعلم

أبانا وكم من شقيق لنا

وقال الشيخ محمد علي اليعقوبي (٩١) فـي رثائه: (٩٢)

فجع الشرق فـيه دنيا ودينا

جلل بالشآمِ أبكى العيونا

ب حديثاً ما كان إلا شجوناً

وأذاع الأثير فـي الشرق والغر

سبق الدمع فاستحال يقينا

قابلته الأسماع بالشك لكن

لم تدع للحلوم طوداً ركيناً

أي دهياء فـي البلاد ألمت

ونظم الشاعر يونس يونس (٩٣) فـي رثائه للأمين هذه الأبيات (٩٤)

له الأمين بروحه المتجدد

إن الأمين بفضله وصلاحه

لله، شأن الزاهد المتعبد

قد عاش عيش الزاهدين تقشفاً

وزمام دنياه منوط باليد

نبذ النعيم تواضعاً وترفعاً

فأبادها بين النهى والسؤدد

وجد الحياة قصيرة آمادها

قدماً على ضوء النبي محمد

سبط النبي لأنت أول من سرى

ورثاه الشيخ محمد علي ناصر قائلاً: (٩٥)

ويريك كيف تفند الأفكار

يأتيك بالرأي السديد محققاً

ما حام حول رواقه النظار

ويريك من وجه الحقيقة رونقاً

للحق أما عزت الأنصار

فجعت به دنيا المعالي ناصراً

قد أيدوا ما شرع " الدولار"

ومؤيداً للدين فـي عصر به

الخاتـمـة

الشعر مرآة تعكس آمال الشاعر وتطلعاته، وهي تجسيد لأماني الأمة وتصوير لما يدور فـي أحلامها، وتسجيل لهمسات ضميرها وخلجات وجدانها.

والأمين كشاعر يمثل إحدى الظواهر المهمة التي تبرز جمال البيئة العاملية، والبلدان التي زارها والعلوم والمعارف التي تناولها وغرف من معينها سواء فـي وطنه، أم من خلال رحلاته العلمية، والأغراض المختلفة المواضيع.

ومن المعلوم أن صورة السيد محسن الأمين فـي أذهان الناس الذين عرفوه وعاصروه، هي صورة العلامة الفقيه والمتشرع، لذلك نرى أن ديوانه الشعري لم يشتهر رغم كونه مطبوعاً. إلا أن هذا الديوان يعبر عن مرحلة معينة من سلوك العلماء الأدباء. إذ إنَّ غالبية العلماء الذين عاصروا شاعرنا من الشعراء. وشاعريتهم تختلف حسب درجة علومهم ونسبتها.

وقد أضافت الأجواء القروية العاملية وثقافته الدينية الواسعة إلى تعابيره وأساليبه الروعة والصفاء، ومع ذلك فهو يبدو من خلال قصائده كلاسيكياً، محافظاً على الأنماط التقليدية التي كانت معروفة منذ الجاهلية وحتى اليوم مع كثير من الشعراء، حيث تنشب المعارك بين أنصار القديم والجديد، وهي دعوى تتوالى منذ الصيحات الأولى التي أطلقها بعض الشعراء منذ العصور العباسية دون أي حسم لها.

وترجع الكلاسيكية فـي شعر الأمين إلى تأثره المباشرة ببيئته ودراسته الدينية المعمقة، وقد تناول بديوانه معظم الأغراض الشعرية التقليدية من مدح ورثاء ووصف وغزل وحكمة وفخر …. الخ. ولكنه أضفى عليها الروح العصرية فجاءت محملة بسمات واقعية.

ففـي المدح يركز على إظهار فضائل آل البيت وحقهم بالخلافة، إضافة إلى مدح العلماء والزعماء الذين عاصرهم وولع بحبهم. وفـي الرثاء يرثي آل البيت مضيفاً لوعته وأسفه عليهم، وقد غدا الرثاء عنده كناموس أزلي خط عليه التفجع واللوعة ونظراً لأن شعر السيد محسن الأمين بمعظمه شعر ديني، متأثر بثقافته الدينية. لذلك نراه يركز نظم أبياته فـي المدح والرثاء أكثر من سائر الفنون الشعرية الأخرى، حيث استطاع أن يعبر فـيهما عن ميوله ومعتقداته، وأن يغدق فـيهما كل عاطفته الدينية، وخصوصاً فـي أهل البيت، ويتناول بوصفه الرحلات وما لاقاه من مصاعب وما شاهده من قرى وبلدان وقلاع، ولا ينسى المخترعات الحديثة وخصوصاً السكة الحديدية.

وجاء معظم غزله عفـيفاً، بريئاً كبراءة الريف العاملي، وإن كنا نرى بعض اللمحات الجريئة فهو إنسان قبل أن يكون فقيهاً وعالماً. والأمين يمثل بحق كبار الشعراء العلماء الفقهاء، وشعره لا يختلف كثيراً عن شعر عبد الحسين صادق وسليمان ضاهر …. الخ.

نستنتج من هذه الدراسة أن الأمين رغم ابتعاده عن وطنه كان دائم الحنين. وبخاصة إلى ربوع جبل عامل التي عرفت أيامه الأولى واحتضنته طويلاً. وكذلك فهو لم يعرف التزمت والتعصب، وقد دعا إلى وحدة المسلمين والتقريب بين المذاهب المختلفة، ووقف ضد المستعمر سواء الفرنسي أم التركي، لأن هدفه الأسمى كان أن يرى وطنه حراً، مستقلاً، وبعيداً عن النعرات الطائفـية التي كان الاستعمار يعمل على غرسها بين بنيه، وقد أحبه الجميع وها هو جوزيف شلهوب يقول فـيه:

" إن قيمة ما أعطاه هذا القلم (قلم محسن الأمين) إنما ترتسم فـي معانقة طيبية وإيمان عميق بما يخط ويكتب، لا مجرد غبار وضجيج وإنما دفاع إنساني عن حقيقة يعيشها الكاتب ويحبها ويريد أن ينشرها. هذا هو " محسن الأمين " رجل الدين والكاتب (٩٦). ومن جهة ثانية، فرغم المظـاهر التقليدية البادية على شعره، فقد امتاز بمعانيه المتجددة سواء من حيث الفكرة أم الحياة. كل ذلك بأسلوب سهل واضح، بسيط وممتع أحياناً.

ختامـاً: إن اهتمامي، طوال هذه المرحلة، كان منصباً على الديوان فـي محاولة جادة لفهم الشاعر فهما جيداً، وربطه بالأدب العاملي، بحيث لا يعود كما هو الآن حلقة ضائعة فـي سلسلة أدبنا العربي الذي نريد له أن يتكامل. وعذري إذا قصرت فـي بلوغ الغاية، أني فتحت الباب للداخلين الذين يسعون إلى استيعاب أفضل لقيم التراث الشعري العاملي.

وللحقيقة أقول، إنَّ وريقات كهذه لا تكفـي لإظهار المكامن النادرة فـي تراث الأمين، وإن كشفت القناع عن بعض نتاجه، إضافة إلى ما أظهره الآخرون، فإننا سنظل مقصرين تجاهه. لذلك سأترك الباقي للزمن.

١ - الشايب، أحمد، أصول النقد الأدبي – القاهرة (مكتبة النهضة المصرية ط٧، ١٩٦٤؛ ص ٢٥٨.

٢ - م. ن. ص ٢٥٩.

٣ - مصطفى، قيصر، الشعر العاملي الحديث فـي جنوب لبنان، ص ٥٩٤.

٤ - م. ن. ص ٥٩٦.

٥ - القيرواني، ابن رشيق: العمدة. حققه محمد محي الدين عبد الحميد. القاهرة (المكتبة التجارية الكبرى) لا. ط.، لا. ت؛ ج ١: ص ١٠٦.

٦ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول ص ٤، الأبيات (١، ٣، ٤).

٧ - م. ن. ص ٩، البيت [٢].

٨ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. ص ٥٩، البيت [٢].

٩ - م. ن. ص ٨٨، البيت [٨].

١٠ - م. ن. ص ٩٣، البيت [٤].

١١ - م. ن. ص ٢١٦، البيت [١].

١٢ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. ص ٢١٦، الأبيات (١، ٦).

١٣ - م. ن. القسم الثاني. ص ٣٨، الأبيات (١، ٢).

١٤ - م. ن. القسم الأول. ص ٩٣، البيت [١٠].

١٥ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ٧، الأبيات (١، ٢).

١٦ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. ص ٨٨، الأبيات (١، ٢).

١٧ - م. ن. القسم الثاني ص ٣٩، الأبيات (٢ - ٤).

١٨ - م. ن. القسم الثاني ص ٧٥، الأبيات (١، ٢).

١٩ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ١٢١، الأبيات (١، ٢).

٢٠ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ٢٤٤، الأبيات (١، ٢، ٣).

٢١ - م. ن. ص ٩٠، البيت [١].

٢٢ - م. ن. ص٩٢، البيت [٢].

٢٣ - م. ن. ص ٩٣، البيت [٢].

٢٤ - م. ن. ص ٩٦، البيت [٣].

٢٥ - م. ن. ص ١٠٦، البيت [٤].

٢٦ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ١٠٤، الأبيات (١، ٢).

٢٧ - م. ن. ص ١٠٥ الأبيات، (١، ٢، ٤، ٧، ١٠، ١٣).

٢٨ - الشيخ أمين، بكري. البلاغة العربية فـي ثوبها الجديد. بيروت (مكتبة كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الجامعة اللبنانية) لا. ط. ١٩٧٧؛ ص١٥٤.

٢٩ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. ص ١٥٥.

٣٠ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الثاني. ص ٣٠، البيت ١.

٣١ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول ص ١٠٦، الأبيات (٣، ٨).

٣٢ - م. ن. ص ١٠٩، البيت [٥].

٣٣ - م. ن. ص ١١١، البيت [٢١].

٣٤ - م. ن ز ص ١١٢، الأبيات (٣، ٦).

٣٥ - م. ن. ص ٢٨٩، البيت [١٠].

٣٦ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ١٠٨، البيت [٩].

٣٧ - م. ن. القسم الأول. ص٨٢، البيت [٢].

٣٨ - الامين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص١٠٥، البيت [٢].

٣٩ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ١٠٦، البيت [٥].

٤٠ - م. ن. القسم الأول. ص ١٣٠ الأبيات (٥، ٦).

٤١ - م. ن.، القسم الأول. ص ٨٧، الأبيات [٦].

٤٢ - م. ن. القسم الأول. ص ١٢٢، البيت [٥].

٤٣ - م. ن. القسم الأول. ص ١٠٩، البيت [٢٠].

٤٤ - م. ن. القسم الأول. ص ٦٢، البيت [٤].

٤٥ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص٦٣، البيت [٧].

٤٦ - م. ن. ص ٦٣، البيت [١٤].

٤٧ - م. ن. القسم الأول. ص ٦٤، البيت [٥].

٤٨ - م. ن. القسم الأول. ص ٢٤١، البيت [١].

٤٩ - م. ن. القسم الأول. ص ٤، البيت [١٢].

٥٠ - م. ن. القسم الأول. ص ١٠٤، البيت [١].

٥١ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ١٢٥، البيت [١٢].

٥٢ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ٥، البيت [١٨].

٥٣ - القرآن الكريم، سورة الأحزاب. الآية [٤٠].

٥٤ - م. س. القسم الأول. ص ٢٢٤، البيت [١].

٥٥ - القرآن الكريم، سورة الانشقاق. الآيات (٧ - ١٣).

٥٦ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ١٣، البيت [٦].

٥٧ - م. ن. القسم الأول. ص ١٣، البيت [١٢].

٥٨ - مصطفى، قيصر. الشعر العاملي الحديث فـي جنوب لبنان. ص ٤٩١.

٥٩ - مصطفى، قيصر. الشعر العاملي الحديث فـي جنوب لبنان. ص ٤٩٣.

٦٠ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص٦١، الأبيات (١ - ١٠).

٦١ - م. س. ص ٤٩٦.

٦٢ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الثاني. ص٦١، الأبيات (١ - ١٠).

٦٣ - م. ن. القسم الثاني ص ٦٢، الأبيات (١ - ٤).

٦٤ - مصطفى، قيصر. الشعر العاملي الحديث فـي جنوب لبنان. ص ٤٩٤.

٦٥ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الثاني ص ٢٢، الأبيات (١ - ٦).

٦٦ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الثاني. ص ٢٢ - ٢٣، الأبيات (١ - ٩).

٦٧ - الشرتوني، سعيد الخوري. قاموس أقرب الموارد. ج ٢: ص ١١٤٩.

٦٨ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ٢٥٩، الأبيات (٧، ٨).

٦٩ - م. ن. القسم الأول. ص ٢٥٩، الأبيات (٩، ١٠).

٧٠ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ٢٥٩، الأبيات (١١، ١٢).

٧١ - م. ن.، القسم الأول. ص ٢٦٠، الأبيات (١، ٢).

٧٢ - م. ن.، القسم الأول. حاشية ص ٢٦٠.

٧٣ - م. ن.، القسم الأول. ص ٢٦٠، الأبيات (٣، ٤).

٧٤ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ٢٦٠، الأبيات (٥، ٦).

٧٥ - م. ن.، القسم الثاني. ص ٧٠، الأبيات (١ - ٣).

٧٦ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص٢٣٠، الأبيات (١ـ١٢).

٧٧ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ٩٤، الأبيات (٦ - ٩).

٧٨ - م. ن. القسم الأول. ص ٥، البيت [١٢].

٧٩ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ٨، البيت [٩].

٨٠ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ٩٦، الأبيات (١٠ـ ١٢).

٨١ - الأبحر الشعرية موجودة بشكل مفصل بعد باب الخاتمة مباشرة، وتندرج تحت عنوان " فهرس القصائد " فـي الملحق.

٨٢ - الشايب، أحمد. أصول النقد الأدبي. ص ٣٢٢ - ٣٢٣.

٨٣ - الأمين، محسن. الرحيق المختوم. القسم الأول. ص ١٢١، البيت [١].

٨٤ - م. ن. ص ٢٧١، الأبيات (٧، ٨).

٨٥ - صحيفة تصدر فـي مدينة " بونس ايرس " عاصمة الأرجنتين، فـي افتتاحية عددها يوم الخميس فـي ٢٣ رجب ١٣٧١ ه / ١٧ نيسان ١٩٥٢م.

٨٦ - يوسف صارخي: كان صاحب مجلة المواهب التي تصدر فـي الأرجنتين.

٨٧ - محمد رضا الشبيبي: كان رئيس مجلس الأعيان، ورئيس المجمع العلمي فـي دمشق، ووزير المعارف العراقية الأسبق.

٨٨ - علي بزي: هو نائب بنت جبيل الأسبق.

٨٩ - مقطع من خطاب ألقاه الدكتور حكمت هاشم فـي الجلسة التي عقدت لاستقباله فـي ٢٥آذار سنة ١٩٥٤ م.، بعد انتخابه عضواً عاملاً فـي المجمع العلمي العربي.

٩٠ - الأمين، محسن. سيرته بقلمه وأقلام آخرين. ص ٢٧٨.

٩١ - محمد علي اليعقوبي: كان عميد جمعية الرابطة العلمية الأدبية فـي النجف الأشرف.

٩٢ - م. س. ص ٢٨٦.

٩٣ - يونس يونس: كان شاعراً وأديباً، وله مع أخويه السيدين ابراهيم حاوي ونجيب صعب فضل إحياء الأدب العربي، والتغني بالشعر فـي المهجر الأفريقي. توفـي فـي حادث اصطدام سيارة فـي مهجره بالسنغال.

٩٤ - الأمين، محسن. سيرته بقلمه وأقلام الآخرين. ص ٣٠٣.

٩٥ - م. ن. ص ٢٩٠.

٩٦ - الأمين، محسن. سيرته بقلمه وأقلام آخرين. ص ١٨٩ - ١٩٠.



[ Web design by Abadis ]