ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 بعض المداخلات

مداخلة على بحث

الدكتور أبو يعرب المرزوقي

أ. سيد إدريس هاني *

الأمر الهام في ورقة د. «أبو يعرب»، هو منحاه التأصيلي ونزعته التأسيسية. سأبدأ ملاحظتي من نقطة، أتمنى أن أجد لها جواباً شافياً عند د. «أبو يعرب»، الأمر يتعلق بـ «هيغل»، طبعاً لست هنا بصدد الدفاع عنه، وإنما أريد التحري عن الحقيقة، لقد أظهرت ورقة د. «أبو يعرب»، «هيغل» كمؤسس للعنصرية، من خلال مفهوم «روح الشعب». طبعاً ثمة كثيرون وقعوا في فخ اتهامه بالعنصرية والاستبداد و…الخ.

لكنني أعتقد أن مفهوم «روح الشعب» هو أساس الفكر أو الاجتماع الحر، فروح الشعب هي معيار تقدمي، وأساس حركة التاريخ الذي تصنعه إرادات الشعوب الحرة. ومن هنا فإن «روح الشعب» الهيغلية في يوم ما، كانت تمثلها في نظر «هيغل» الثورة الفرنسية، إن «هيغل» قصد من وراء مفهوم «روح الشعب» التأسيس للعقل المنطلق لا التأسيس للعنصرية التي هي أمر في غاية التناقض مع العقلانية أو المثالية الهيغلية. إن النزعة العنصرية ليست حكراً على ألمانيا، بل هي ثقافة أوروبية شاملة. وما انبعاث النازية سوى حدث تاريخي له أسبابه الموضوعية.

هـ «ارندت» في كتابه (L’inperialisme) يفضح ذلك بكثير من التعليل والموضوعية. إن العنصرية الألمانية جاءت متأخرة عن أشكال أخرى لها في أوروبا، ولعل أهم أسباب ذلك، الاجتياح النابوليوني لألمانيا وللتخوم البروسية.

أعود إلى النقطة الأساسية في مداخلتي، وهو ما يتعلق بأصل عنوان «حوار الحضارات» أعتقد أن العنوان في أصله واقع في مغالطة مفهومية، فهو ينحو منحى الخلط بين مفهوم الثقافة ومفهوم الحضارة، وهنا تكمن المشكلة!

«هينتنغتون» نفسه يؤكد على أن الحضارات هي هويات ثقافية، في التقليد الانتربولوجي الأمريكي، قلّ ما يفرقون بين الثقافة والحضارة. من هنا اعتادوا في الترجمات ذات الأصول الأمريكية، أن يترجموا Cultur بـ Civilisation انظر مثلاً كتاب لـ “Paterns of culture” Benedict يترجم إلى الفرنسية بـ “Echantillons de civilisation” فالمترجم يدرك أن معنى «الثقافة» عند الأمريكي تؤدي عبارة «حضارة» نفسها!

إن الخلط بين المفهومين هو ما يؤدي إلى الصراع الحضاري، أقول إن الحضارة واحدة والثقافات متعددة، ففي عصر ثورة الاتصالات هناك حضارة واحدة، "وستاندار" موحد… في الماضي سمعنا عن وجود حضارات وهذا إنما يرجع إلى أزمة التواصل ومشكلة العزلة. إن الحضارة ليست هي مطلق الحضور، كما ينحو الجميع - «مالك بن نبي» مثالا - وهو الرأي التقليدي السائد. الحضارة هي أخص من الحضور. إنها حضور أمثل أو أقوى، الحضارة هي القوة، وفي تقديري أن الثقافة هي أمر ملازم لكل أشكال الحضور… الثقافة هي إفراز وجودي لكل الكيانات الاجتماعية، لكن الثقافة ليست بالضرورة حضارية. أنا شخصياً أميز بين مقامات من الحضور… بين الحضارة والتحضر والاستحضار والاحتضار… وأعتقد أن الخالة الوحيدة ربما، التي تندمج فيها الحضارة بالثقافة على شكل حلولية واتحاد، هي عندما تكون الثقافة حضارية، أي لا تعيش على سبيل الغربة والانفصال عن الحضارة. الثقافة والحضارة هنا - فقط - أمر واحد. الثقافة الحضارية، هي القادرة على إنتاج القوة، والثقافة المتحضرة هي القادرة على الاندماج برسم الشراكة، فتعيد انتاج القوة مثل اليابان، والثقافة الاستحضارية، هي ثقافة استملاك واستحضار ما ينتج أو ما يعاد انت

اجه هناك، بينما الثقافة الاحتضارية، هي ثقافة استملاك واستحضار ما ينتج أو ما يعاد انتاجه هناك، بينما الثقافة الاحتضارية، ثقافة المدارات الحزينة Tristes Tropiques كما يصفها «ستراوس»، تلك التي تعيش على سبيل العزلة، فلا هي تنتج الحضارة، ولا هي تعيد إنتاجها، ولاهي تستهلكها…

وفي ضوء هذا التقسيم الحضوري للثقافة، نستطيع القول، بأن الثقافة تمثل من الحضارة مرحلة القوة، والحضارة تمثل من الثقافة مرحلة الفعل، والحضارة أخصّ من الثقافة… فالقوة واجبة في حق الحضارة، ممكنة في حق الثقافة، ما يعني أن كل ثقافة تملك إمكانية التحضر… ولا يجب لها التحضر حتى تصبح قادرة على إنتاج القوة!

مداخلة على تعقيب الدكتور غريغوار مرشو

د. عبد النبي اصطيف

أريد أن أشير إلى أننا قد ننصرف إلى حوار الحضارات، لكن ينبغي ألاّ ننسى حقيقة مهمة، وهي أن المفهوم الذي طرح الآن بعنوان حوار الحضارات إنما طرح رداً على نظرية (صموئيل هانتنغتون) بصدام الحضارات، فقد حاولت أن أحصي الاستجابات التي قام بها العرب والمسلمون بشكل عام فوجدت أنها انطلقت في الدعوة إلى حوار الحضارات بعد سنة ٩٣ أي بعد أن أطلق (هانتنغتون) نظريته.

الغرب الآن يتسنم الذروة في كل شيء، وبالتالي فمن صالحه أن يشيع مناخ مواجهة لأن الصدام سيكون في النهاية لصالحه، ويؤدي إلى غلبته، وهذا ما سيمكنه من إشاعة ما يريد من قيم، وأخلاق، ومعايير تمثّله هو، ولكنه سيسميها إنسانية.

وبالمقابل فإن دول الجنوب بما فيها دول العالم الإسلامي حاولت أن تطرح مفهوم الحوار الذي ينطوي على الكثير من الأمور البعيدة عن الواقع الذي نعيش فيه. نحن نطرح مسألة الحوار لأننا غير قادرين على الصدام، فنحن لا نستطيع أن نواجه الغرب الآن لأنه في موضع قوة، ونحن في موقع ضعف، فنحن متفرقون وضعاف ولذلك نطرح فكرة الحوار ونتحدث عن الاستعلاء والاستخلاف وأمور أخرى كثيرة.

لكن أعتقد أن المسلم ينبغي أن يتدبر واقعه، ثم ينطلق لتجاوزه مستعيناً بالقيم الروحية التي آمن بها، وتمثلها في سلوكه، وبسبب إيمانه العميق بها ستكون الغلبة له، لأن الغلبة للحق، وللقيم الإسلامية التي نزلت من السماء رحمة للناس، وعلى المسلم أن يستمر في الكفاح والنضال لتطبيقها في الأرض. ولكن تجاوز الواقع والتفكير في أشياء بعيدة عنه لا يجدي نفعاً.

فمثلاً نحن الآن نهتم بوضع إخواننا الفلسطينيين ومعاناتهم، والغرب وأمريكا ينتظران ماذا يمكن أن نفعل. فماذا فعلنا نحن؟ في الحقيقة أننا اكتفينا بإرسال بعض الأموال، وإطلاق التصريحات، وعقد المهرجانات، وتسيير المسيرات.

لكن أعتقد أن الواقع يفرض علينا أن نقوم بشيء آخر، ودون أن نتدبر الواقع فإننا لا نستطيع أن نرتقي إلى مستوى حوار الحضارات، فمسألة حوار الحضارات طرحت ضمن واقع سياسي معين، ونحن لا نستطيع أن نُسهم بها دون أخذ الواقع بالحسبان.

مداخلة على بحث

الدكتور أبو يعرب المرزوقي

أ. هادي الخزرجي*

أقدم جزيل الشكر على المحاضرة القيمة التي ألقاها الدكتور أبو يعرب المرزوقي من تونس تحت عنوان «مقومات الحوار السوي وشروطه»، كما نشكر الأخ الدكتور المعقّب رضوان زيادة، وكذلك جميع الذين ساهموا في المداخلات، إلا أننا نريد أن نوضح لتتكامل الفكرة بعض النقاط…

١ - إن الحضارة الإلهية هي المؤسسة الحقيقية للحوار والداعية له، وهناك عشرات النصوص الدّالة على ذلك:

فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب (الزمر / ١٧ـ ١٨).

وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين (سبأ / ٢٤).

كما أن قادة الإسلام الكبار وفي المقدمة منهم أئمة أهل البيت (ع) كانوا يتحاورون برحابة صدر مع كل أصحاب الأفكار ومنهم الزنادقة في بيت الله الحرام ولا يتبرمون منهم. وما ذلك إلاّ لإيمان الإسلام بالتنوع في الانتماء، والإيمان بوجود الفوارق في الفهم ومستويات الاستيعاب ودرجات تزكية النفس، ولا يحول دون الحوار بين بني البشر، ويُحلُّ محله الصراع والأحتراب إلا القوة ومنها السلطة، والمال، كما أفاد الدكتور المستشار الثقافي، أو بعبارة أخرى لايحول دون الحوار إلا غياب (الدين) و (العقل).

٢ - إن جوهر التحريف، تحريف الحوار عن مساره السوي، كما أفاد الدكتور المحاضر إنما هو التصور بالتمييز والأمتياز من بعض بني البشر، كما حصل ذلك للجرمان والصهاينة حينما شعروا بالامتياز عن سائر الناس، وقالوا بنظرية (شعب الله المختار) وأما الآخرون من بني أدم فهم في نظرهم يجب أن يكونوا في خدمتهم لأنهم حيوانات أو كالحيوانات، «كوييم» على حد تعبير اليهود، وقد أدت هذه النظرية إلى آثار تخريبية واسعة ومدمرة في الحياة البشرية لا تزال تعاني منها حتى اليوم، ومنها الحرب العالمية الأولى والثانية !!

وإن المؤسس الأول لنظرية التمييز العنصري هو (إبليس) إذ امتنع من تنفيذ الأمر الإلهي له بالسجود معللاً ذلك بأنه مخلوق من نار بينما آدم مخلوق من طين، والنار في نظر إبليس خير من الطين ولقد خلقناكم، ثم صورناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس لم يكن من الساجدين، قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟ قال أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين (الأعراف / ١١ - ١٢).

٣ - إن الحوار بين الحضارات ينبغي أن يستهدف «الحقيقة» من جميع الأطراف المتحاورة، وأما إذا كان القصد من الحوار هو «الغلبة» وإلغاء الآخر ومصادرته، وتعميم الحضارة الشاعرة بالامتياز عن بقية الحضارات ولو بالقوة الغاشمة الظالمة الباطشة، فليس أمام الحضارة المراد التغلب عليها بالقوة إلا المواجهة بالمثل لإيقاف الحضارة المعتدية عند حدّها، والحديد لا يفلّه إلاّ الحديد، فقد قال علي عليه السلام: (ردّوا الحجر من حيث جاء فإن الشر لا يدفعه إلاّ الشر).

وما قيل من قبل بعض الأخوة المداخلين من أن الغرب وصل إلى الذروة في كل شيء ليس صواباً على إطلاقه فإنه وصل في الجانب الروحي والأخلاقي إلى الحضيض، وإذا كانت هناك نقاط قوة لدى الحضارة الغربية المادية فإن فيها نقاط ضعف كذلك، كما أنه لدينا نحن المسلمين نقاط قوة ونقاط ضعف، وعلينا كما يقول المفكر الإسلامي الكبير السيد فضل الله، "أن نهاجم الغرب من نقاط ضعفه بنقاط قوتنا، فليس هناك ضعف أبدي وليس هناك قوة أبدية في البشر، فقد يتحول الضعيف قوياً وبالعكس، والمعارك سجال".

٤ - إننا نؤكد ما قاله الدكتور المحاضر في رده على المداخلات من أن أبناء الإسلام قد ضعفوا عندما توزعوا شتاتاً في الأقفاص القومية التركية والفارسية والعربية وغيرها، ولكنهم ارتفعوا وسادوا عندما هيمن الإسلام على أفكارهم وعواطفهم وقاد سلوكهم وحركتهم في الحياة، هذه قضية فلسطين شاهد عدل وحق على ماذهب إليه، فعندما كانت الأنظمة الرسمية تنادي بـ «عروبة القضية» و «قومية المعركة» لم نحصد إلا الهزائم، وعندما ندخل المعركة باسم الله وتحت راية الإسلام صادقين مخلصين فإن النصر سيصاحبنا أينما كانت، وهذه لبنان ومقاومتها الإسلامية الباسلة ناطقة على ما نقول، وهذه الانتفاضة الفلسطينية البطلة هي الأخرى ستشهد الانتصار المؤزر وما النصر إلاّ من عند الله

(آل عمران / ١٢٦).

مداخلة حول التعقيب على بحث

الدكتور المرزوقي

د. انصاف أحمد*

أشكر الجميع، أعتقد أن الدكتور رضوان زيادة والدكتور عبد النبي اصطيف، لم يصيبا عين الحقيقة في تعقيبهما على الدكتور المرزوقي، ولست بصدد الدفاع عنه - فهو الأقدر والأجدر بذلك، لكن أعتقد أنني فهمت منه أنه لا مع صراع الحضارات، كما أنه لم يدع إلى توفير الشروط لنكون شركاء أكفاء في الحوار، لقد اعتبر أن من عوائق الحوار إهمال الأدوات والتركيز على الغايات عند المسلمين، إن حوار التعارف لا يكون إلا بين أكفاء، ويجب أن يمر بحوار التعايش الذي يمتلك القدرة على الردع، ولذا دعا إلى البدء بأنفسنا وتوفير شروط التطوير والتقدم…

اسمح لنفسي بأن أتطرق إلى مسألة منطقية، من موقعي التدريسي، وأمضي لأسأل الدكتور المرزوقي عن القول الانشائي الذي أراد أن يحكم عليه بمعيار الزيف والحقيقة، بحسب القصد…

فكيف سنعرف القصد وهو مسكوت عنه وليس مصرحاً به، فكيف نحكم على النيات، ألا يمكن أن تكون قراءتنا للخطاب الانشائي قراءة مرغوباً بها، وبذلك نقع في فخ الذاتية والإرادية؟ وأين منها المعيار الموضوعي؟

مداخلة عن الحوار والقيم الإنسانية

د. محمد علي طعمة*

إن مجرد طرح موضوع الإسلام والديمقراطية، أو الإسلام وحوار الحضارات عليه ملاحظات أحاول أن أسجلها باختصار فأقول: إن هناك حضارة صالحة للحوار، وأخرى معادية بطبيعتها للحوار كالجرمانية أو اليهودية وغيرهما، ويبدو لي أن هناك أمراً آخر ممكن أن يكون صالحاً للحوار أو فاسداً غير صالح، هو الوضع البشري نفسه، حيث أن هناك حالات بشرية كثيرة فاسدة أو سلبية حوارياً حتى في مضمون حضاري إنساني عظيم كما شاهدنا، وهناك حضارات كثيرة أسيء إليها من قبل بعض أبنائها.

بتعبير آخر، إن الوضع الإنساني، أي نمط العلاقة مع الحضارة، هو أمر يجب إدخاله في قضية الارتقاء، وهنا لابد أن يكون موضوع الحوار موضوعاً توجيهياً وتربوياً في أوساطنا في العالم الإسلامي.

ألقى المفكر «روجيه غارودي» محاضرة في «مكتبة الأسد» تحدث فيها عن كتابه الذي تُرجم عنوانه بـ «الإسلام هو الحل» وعبر عن دهشته لهذه الترجمة، وقال: إنني وضعت للكتاب عنواناً بالفرنسية وهو (ما يمكن أن يُسهم به الإسلام) وهناك فارق كبير بين هذا وذاك، فحينما ندعو إلى الحوار فهذا يعني أن الحوار موجود، وبصرف النظر عمّا نملكه من مقومات صحيحة للحوار فإننا يجب أن نعلم أن هناك شركاء حقيقيين لنا في الحوار.

إن إطلاق حوار الحضارات في عالمنا العربي والإسلامي هو اعتراض على هيمنة الحضارة الواحدة، ولكن يجب ألا يكون الاعتراض على القيم الإنسانية المشتركة، الموجودة في صلب كل حضارات العالم لكي لايُساء لها، وينبغي أن تحتوي الدعوة إلى حوار الحضارات على الدفاع عن هذه القيم الإنسانية المشتركة.

مداخلة حول شمولية الحوار

أ. فرحان اليحيى*

إن حضارة الغرب هي - بلا شك - سائدة بقدرات موضوعية، تتمركز حول المعرفة التكنولوجية، والأسس العلمية، وتتخذ من الصناعة أداة تحدي في السيطرة والهيمنة، ولها إنجازات عديدة من التخصص والتخصيص، ومن هذا المنظور يمكن أن نعتبر الحوار من قبل الحضارة الغربية حواراً من موقع القوة. كما ذكر الأستاذ المحاضر، فهي ذات بعد واحد.

وعلينا أن نتذكر الربط بين البزوغ الحضاري والإرهاصات الأولى للإسلام، والمفاعلات الثقافية والحضارية له، فالإسلام بأبعاده المتعددة يظل في موقع التحدي وإن كان مهزوماً، لأنه ينظر إلى الحياة نظرة كونية شاملة، هذا يقودني إلى اقتراح طرحه الأستاذ «هشام شرابي» (كي نفهم الغرب تماماً) فيمكن أن نجعل مثلاً معهداً للدراسات يهتم بالشؤون الأمريكية، وآخر للشؤون الأوروبية بشكل عام. كما هم يفعلون بالنسبة للشرق الأوسط، حتى يكون عندنا فهم كامل لهذه الحضارات العالمية، وبالتالي نستطيع التحاور معهم بعد أن نعرف مواطن الضعف والقوة عندهم، ونستطيع بعدها أن نقلع إقلاعاً سليماً، وحتى لايكون الحوار مجرد حوار ثقافي بعيد عن الحالات الأخرى مثل الحوارات الاقتصادية والتكنولوجية.

مداخلة حول الاستفادة من دروس

البوسنة والهرسك في الحوار

أ. ابراهيم افتديج*

إن الحوار بين الثقافات أو الحضارات أو الديانات المختلفة يدخل في إطار وجوب أن يخاطب الإنسان أخاه الإنسان من أجل التعارف والتعاون واحترام الإنسان لرأي الغير ومعتقدات الغير وعادات وتقاليد الغير إلى غير ذلك.

إن الحوار البنّاء كان يساهم في التقدم وغياب الحوار نتائجه كانت مأساوية.

إن الاختلاف بين الناس والشعوب حكمة إلهية ونعمة من نعمه للبشر من أجل أن تكون هذه الدنيا أجمل وأعمق تفكيراً وإحساساً، فشكر الإنسان لخالقه، هو أن يقيم هذا الإنسان حواراً مع من يختلف معه.

إن محاولة فئة لإجبار فئة أخرى على أن تعيش على نمط واحد مثلما فعلت الشيوعية مثلاً تؤدي إلى الانحراف في النظرة إلى الحضارات والثقافات والديانات المختلفة، والدليل على ذلك مأساة البلقان خلال العشر سنوات الأخيرة، وكان الحوار بين الديانات المختلفة والثقافات المختلفة من المواضيع المحرمة. الشيوعية كانت تبغي محو الفروقات الدينية والثقافية مما كان خرقاً سافراً للتشريعات الإلهية، والنتيجة كانت انحراف بعض الشعوب في تفسيرهم ونظرتهم إلى ثقافات وديانات غير ثقافاتهم ودياناتهم، فالخلاص بالنسبة لهم كان إبادة الناس الذين لا ينتمون إلى دينهم وتدمير معابدهم ومعالم حضارتهم من أجل محو تاريخهم، ففي البوسنة والهرسك دمِّر حوالي ثمانمائة مسجد وقتل مائتا ألف مواطن بريء.

من جانب آخر فرئيس البوسنة والهرسك آنذاك وحكومته لم يردا بالمثل في مناطق كانت تحت سيطرة الحكومة، لأنه كان يفرّق بين السياسة المنحرفة وانحطاط الفكر والوعي للفئة التي كانت تقود شعبه إلى مثل هذه الأعمال الرهيبة وبين مفهوم الحضارة لشعوبهم. وفي حين كانوا يدمرون مساجدنا ويمارسون القتل الجماعي بحق شعبنا أمر الرئيس علي عزت بحماية معابدهم ومعالم حضارتهم وحماية أفراد شعبهم.

إن الرئيس علي مسلم مشهور ألّف كتباً كثيرة عن الإسلام وقال فيها أجمل الكلام ليس فقط عن المسيحية والحضارة الغربية المسيحية بل أيضاً عن الديانات الأخرى والحضارات الأخرى.

إن الرئيس علي انتصر في مجازر البوسنة لأنه كوّن الجيش للدفاع عن البلد وليس لقتل الأبرياء ولا لقتل حضارتهم إنه بقي متمسكاً بمبادىء الإسلام إلى النهاية فيما يتعلق بالنظرة إلى حضارات الغير وديانات الغير.

إن الأمة الإسلامية موجهة إلى الحوار واحترام حضارات وثقافات وديانات الغير بغض النظر عن تصرف الغير، فالدفاع عن الأمة شيء والحوار واحترام الغير شيء آخر، فأمثال ذلك في التاريخ الإسلامي عمر في القدس، وصلاح الدين الأيوبي مع الصليبيين ولم لانقول بأن الرئيس علي عزت خطا في البوسنة والهرسك على خطاهما وخطى كثيرين في التاريخ الإسلامي، فالرئيس علي عزت بيغوفيتش دعا الزعماء المسلمين في قمة المؤتمر الإسلامي في طهران للتعاون مع الغرب وعدم الصراع معه لأننا نستطيع أن نتعلم من الغرب حالياً.

إنه كان دائماً قادراً أن يفرق بين مفهوم الحضارة الغربية وبعض الانحرافات السياسية في تلك الحضارة. وإنه كان ضحية بعض سياسات الحضارة الغربية ثلاث مرات: مرتين عندما تم سجنه من قبل الشيوعيين (والشيوعية هي من إفرازات الحضارة الغربية) ومرة عندما شاهد الغرب المجازر في البوسنة أربع سنوات ومع ذلك لم يوجه التهم إلى الغرب، إلى الحضارة الغربية بل إلى بعض السياسات الغربية ولم يرد أبداً أن يوجه التهم إلى الغرب بالتآمر ضد مسلمي البوسنة والهرسك.

وفي الواقع وبالاستفادة من دروس البوسنة والهرسك تدخل الغرب حالاً لانقاذ شعب كوسوفو الذي كان مخططاً له أن يُباد.

أما إعادة الحضارة العربية الإسلامية فإنها تتطلب عملاً كثيراً لأنه لا يعني أنه لا بد أن تكون للمسلمين حضارة عالمية لأننا مسلمون ولأنه كانت لنا حضارة عظيمة في الماضي، لأن هذا النمط من التفكير يعارض الشريعة الإلهية في الأرضوقل اعملوا فسيرى اله عملكم  (التوبة / ١٠٥).

أعتقد بأن بعض الفئات في العالم الإسلامي ذات تفكير خاطىء في هذا الموضوع فيعتقدون أنه بمجرد الرجوع إلى الماضي ستؤمن لنا مرة أخرى حضارة عظيمة كالتي كانت لنا في الماضي.

مداخلة على بحث

د. نادية محمود مصطفى

أ. سيد إدريس هاني

مع تقديري لهذا التقريب الذي تفضلت به د. «نادية» وأيضاً تعقيب د. «محمد الأرناؤوط»، إلا أنني أود أن أسجل جملة من الملاحظات بصورة مختصرة. تتحدث د. «نادية» عن تصنيف جديد للقوة، تسميه القوة الرخوة، في قبال القوة الاقتصادية والقوة العسكرية، والحق أن كل هذه الأشكال من القوة تعود إلى أصل القوة الرخوة، القوة المعلوماتية! وما القوة الاقتصادية أو العسكرية أو غيرهما سوى مصاديق ومظاهر لهذه القوة المعلوماتية، فلا داعي لتصنيف هذه الأخيرة كقوة ثالثة أو رابعة … الخ، بل هي في صلب هذه القوى جميعاً، فهي الكلي الطبيعي والمشترك بينها جميعاً. من ناحية أخرى، أجد تأثيراً باراديغمياً في هذا التقريب، الذي ينزع إلى تأكيد نظام علاقات دولية، وإن كان منتظماً بدينامية القوة والسيطرة، فهو مختل وغير متكافىء، والسؤال: هل هناك نظام علاقات دولية فعلاً؟ أو هل ثمة نظام عالمي، خصوصاً في ظل اندحار دور الأمم المتحدة ويأس موظفيها المهددين بالعطالة، وتقزيم ما كان يعرف يوماً بالمساعي الحميدة؟ أنا على كل حال لست متفائلاً إلى هذه الدرجة! بل إنني لا أجد اهتماماً بالبعد الاقتصادي والتنموي، باعتباره بؤرة العلاقات الدولية، وبالتالي أرضية حوار الحضارات - و

أ

قول دائماً الحضارات بين قوسين - كيف يمكننا تصور قيام حوار كهذا في ظل اختلاف العلاقات الدولية، وأفول الخطاب التنموي، في عصر منظمة التجارة الدولية وفي عصر الاتفاقية متعددة الأطراف للاستثمار (MIA) … إننا اليوم بدأنا نستشعر بأن التنمية أصبحت وهماً، حيث وضع الكبار قوانين اللعبة ورفعوا الأقلام! إنها حرب اقتصادية بامتياز!

ثمة ملاحظة أخرى، فيما يتعلق بـ «صامويل هينتنغتون»، أعتقد بأن المسألة لا تقتصر على «هينتنغتون» باعتباره خبيراً استراتيجياً وصاحب رأي في الدوائر السياسية والاستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية بل ثمة ماهو أهم، فـ «هينتنغتون» يعيش في مجتمع تسوده طبائع العنف والغلبة… وتنخره قيم العصبيات والشوكة… إنه مجتمع أقليات وشبح جماهير متعايشة في مدارات القلق المستدام. إنه مجتمع غياب الجماهير كما يصفه "توفلر" إذاً هو حقاً، وكما أكدت الأخت د. «نادية» أعرب عن حقيقة الموقف، أو عبّر عما لا تظهره السياسة الرسمية الأمريكية. فإذاً يمكننا القول باستحالة حوار حضارات في ظل علاقات دولية مختلة، لأننا وإن كنا نعيش في ظل منتظم دولي ترعاه مؤسسة دولية - الأمم المتحدة - فإننا لا زلنا نواجه نموذج الكوبوي الأمريكي، والـ “Pistolero” الأمريكي الذي يحسم نزاعاته ومصالحه بالذخيرة الحية!

لقد مرت علينا مداخلة لأحد الفضلاء صباحاً، مشيراً إلى أننا نرفض صراع الحضارات لأننا ضعفاء، وعلى الرغم من كوننا مررنا عليها كراماً، إلا أنها تظل ملاحظة في محلها.

تصوروا أن العالم اصبح كله يغازل الغرب بهذا الشعار، لقد كانت روسيا تمثل بكل مؤسساتها السياسية والأيديولوجية والاقتصادية والحزبية - «كومنترن» و «كوميكون» و «وارسو» - النقيض الأيديولوجي والحضاري للرأسمالية الغربية، بل حتى إسرائيل اليوم التي تكتسح المجال وتسرق الأوطان، تنادي بالعولمة وحوار الحضارات من خلال دعوة الشراكة والشرق أوسطية و… الخ

دعوني أعود لأحدثكم عن نكتة في منتهى الغرابة، توضح إلى أي حدّ لا يزال الغرب وتحديداً أمريكا، لا بل اتجاه من داخل أمريكا، لا يزال يساهم بشكل كبير ومؤسسياً في تأزيم خيار أو إمكانية الحوار. في حالة «نوستالجيا»، راجعنا سلسلة قصص رسوم متحركة أمريكية للأطفال، السلسلة شهيرة وقديمة لـ Texte Weiller أفاجأ بأن إحدى الحلقات المطبوعة في أواخر التسعينات، تضم قصة متخيلة لـ «الطوارق» العرب والمسلمين، وهم يتهيؤون للإجهاز على الهنود الحمر في «مكسيكو»، ويريدون فتحها بالقوة وباسم الله وجباية الخراج والعبيد. سوف يكون هذه المرة الـ Sherif هو من يتدخل لحماية الهنود الحمر من خطر الفتح الإسلامي الوحشي الدموي!!. انظروا إلى هذا الاسقاط الخبيث والمتخيل… وكيف يصبح جلاّد الهنود الحمر ومبيدهم إلى صديق يحميهم من خطر وهمي، اسمه «الفتح الإسلامي»؟ ! هكذا يربون أطفالهم على هذه الصورة النمطية، وحيث يتحول مجرم الحرب إلى حامي الملة في «مكسيكو» … حدث ذلك طبيعياً في أواخر التسعينيات… وهذا لم نكن نجده قبل أكثر من عشرين سنة من عمر هذه السلسلة التربوية التثقيفية المخضرمة… إنها جاءت في سياق بروز ما يسمى بالصحوة الإسلامية، وحرب الخليج الثانية، واستفحا

ل

وضعية الاتحاد السوفياتي… تلك هي الصورة النمطية التي يتربى عليها الطفل الأمريكي وأطفال العالم المتأمركون!.

أعود لأؤكد على أن المجتمع الأمريكي، مجتمع عنف واختلال جماهيري، وإذا كان المجتمع الأمريكي فاشلاً في إقامة حوار حضاري أو سلم مجتمعيّ في الداخل، كيف يتسنى له إقرار السلم العالمي في الخارج وبين الثقافات والأقوام والشعوب؟ !… إنه مجتمع مدمن على العنف والإقصاء… إن حوار الثقافات يقتضي عقلاً مفتوحاً تثاقفياً في حين تنزع أمريكا إلى الإلغاء المنظم للثقافات وتاريخها في ذلك مشهود. أخيراً وليس آخراً، وكما قلت صباحاً بأن المغالطة في العنوان تجعل حوار الحضارات يدخل ضمن ما يطلق عليه: القضية السالبة بانتفاء الموضوع. ليس ثمة حضارات في ظل الثورة الاتصالية ثم حضارة واحدة Standard واحد، بل القضية هي قضية حوار ثقافات! نتمنى أن لا يربك الحوار في زمن تضخم قضية الصراع، خصوصاً وأن قضية القدس طفت على السطح، ومؤشرات الصراع لا تزال في اتجاه التصعيد. فلنحذر.

مداخلة على بحث

الدكتور محمد السعيد إدريس

أ. سيد إدريس هاني

أشكر د. «محمد أدريس» وأقدره على ورقته القيمة، وكذا الأخ المعقب د. «أنور أبو طه». ثمة جملة من الإشارات يجدر التوقف عندها. أتفق مع ما أشار إليه مساء أمس د. «أبو يعرب المرزوقي»، بخصوص العولمة باعتبارها تحدياً للدول الأوروبية أيضاً، إذاً العولمة هي مأزق لأوروبا نفسها، هذه الأخيرة التي أصبحت تشكو من الاجتياح الهوليودي الواسع. وإذا وسعنا من دائرة المأزق، نقول بأنها مأزق للشعب الأمريكي نفسه. ذلك بأن العولمة - أو الثقافة الأمريكية المعولمة - هي ثقافة لا تمثل الثقافة الأمريكية عموماً.

فأنا لازلت مصراً على التمييز بين الثقافة والحضارة. بل إنني اختلف مع د. أبو يعرب المرزوقي بخصوص هذه النقطة. إن الدمج بين الثقافة والحضارة، هو ما يؤدي إلى القول بصراع الحضارات وليس العكس، لكنني أريد أن أشير إلى نقطة حساسة، إن القول بأن العولمة هي هجمة ثقافية، هو أمر طبيعي! فهل إذا ما أصبحنا أقوياء، أفلا نطبق عالمية الإسلام؟ !

نعم، بلا شك. لذا علينا أن نتحدث عن كيفية الانخراط في الحوار… فعالمية الإسلام كما نفهمها، حوارية برهانية… أما عالمية الرأسمالية المتوحشة كالتبشير، عالمية عنفية وخطابية، قوامها الوهم (وهم الاستهلاك). نحن نقول «الدعوة»، وهم يقولون «التبشير»، عملياً نمارس الإقناع، هم يمارسون الإثارة وشراء الذمم، نحن لسنا ضد الغرب في أن يسعى لتعميم ثقافته، بل لأن ثقافته غير مؤهلة لأن تكون عالمية. لأنها ثقافة في جوهرها مادية ميركونتيلية، ثقافة موت الإنسان متعدد الأبعاد.

إن العولمة خيار من أمريكا وليس خياراً أمريكياً، خيار هوليودي لا خيار أمة حرّة بكاملها. ليس ثمة مجتمع أمريكي: هناك كما قلنا شبح أمة يظهرها ويشخصها قانون قوي. وأنا هنا أعترف بأن ما وقع في التاريخ العربي والإسلامي هو ما كان وراء هذه الصورة النمطية التي لايزال يحملها الغرب عنا. لا ننسى أن حركة الفتوح كانت في آخرها فتوح خراج… لا أكاد أبرئ ما سمي بالفتح الأموي أو العباسي أو التركي … ولا أميز إرادة الغزو الأموية - وإن تلبست بالشعار الإسلامي - عن فتوحات «كاليغولا» أو «نبوخذ نصر» … لنكن صرحاء… تلك هي الحقائق المؤسسة للصورة النمطية للإسلام في الغرب، أو ما يعرف بـ Islamophobie. لقد ظل الإسلام ضحية تاريخ طويل من التحريفية النقيضة لتعاليمه، فمفهوم حوار الثقافات ينبغي تأسيسه على تصور التعاليم الإسلامية، لا على التاريخ المأزوم!

هناك ثغرة في الورقة التي قدمت حتى الآن… غياب الدينامية التهويدية. إنهم قد يقولون بأننا اقتصاديون حينما نجعل بؤرة العولمة اقتصادية… وهم الآن سيقولون بأننا من أنصار نظرية المؤامرة حينما نتحدث عن المؤامرة الصهيونية. ولكن هذه الحساسية من استحضار عنصر المؤامرة، هو في حدّ ذاته مؤامرة، انظروا كيف أن الغرب يوظف كل دينامياته وأطره في اتجاه تعزيز هذه الرؤية النمطية. انظروا كيف تحولت نبؤات «نوستراداموس» إلى «تلمود» جديد يحدثنا عن فواجع وكوارث ونهاية الغرب على يد من سموهم - هم - الـ Antichristes يطالعنا بعد ذلك «أرمسترنغ» زعيم كنيسة الرب في الولايات المتحدة الأمريكية وصاحب مجلة “The plain truth” الصادرة بكل اللغات الحية في أوروبا… يعلن بأن البشارة بتفوق بني إسرائيل، تشمل بريطانيا وأمريكا… ففي كتاب له عن بريطانيا وأمريكا في الكتاب المقدس يؤكد على أن البشارات التوراتية حول بني إسرائيل أعم من كونها بشارات لليهود، فبنو إسرائيل تضم اليوم أمريكا وبريطانيا. فالمسألة أصبحت أكبر من حفنة من اليهود وشذاذ الآفاق يتهددون القدس، بل قضية الغرب، وتحديداً بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

اليهود اليوم الذين يبشرون بالعولمة وتجاوز عقدة الهوية والأوطان والحدود من أجل عالم مفتوح وبلا دول أو أوطان مسيحية - وهذا يذكرنا بتعريف هيغل لليهودي كحيوان بلا دولة أو وطن، لأن الصهيوني بالنتيجة ليس مواطناً صالحاً - هم أنفسهم الذين يجتاحون الأرض ويستعمرون الأوطان ويحصنون الدولة العبرية.

في مسألة الحوار نعود ونقول ببداهة: من يحاور من؟ ! نحن مهزومون حتى النخاع، مجزّؤون، منهكون سياسياً واقتصادياً ومعرفياً … هم أقوياء متحدون، منتعشون… القوي لا يحاور الضعيف… القوي لا ينزل… علينا أن نصعد… لدينا عناصر القوة الكامنة… لدينا النفط، ولدينا عقول جبارة / مهدورة… لدينا ثروة طبيعية وبشرية هائلة… كل هذا رهين بتفعيل الموقف السياسي. إن بؤسنا الحضاري يعود في النهاية إلى غياب الإرادة السياسية، وبؤس على مستوى إدارة الأزمة. إنها سياسة البؤس في عالم البؤساء. فبدون القرار السياسي، سوف يكون حوار الحضارات - تجاوزاً - حوار الطرشان… إننا في حاجة إلى القوة كي نفرض أنفسنا، لا أن نتحاور مع غرب أدمن العنف فلا يقيم وزناً إلاّ للأقوياء. إذن فلنكن أقوياء !.

مداخلة على ورقة

الدكتور دومينيك ماليه

أ. سيد إدريس هاني

أستطيع القول بأننا مع ورقة د. «دومينيك»، دخلنا بالفعل مغامرة حوار الثقافات. فالدكتور «دومينيك» ينتمي إلى الضفة الأخرى للمتوسطي. لكن ثمة أمر غاية في الأهمية، فهو ينتمي إلى دولة كانت بالأمس "دولة" استعمارية. وأنا أنتسب إلى دولة كانت بالأمس دولة مستعمَرة - بفتح الميم - المستعمِر هو بلده، والمستعمَر هو بلدي. فلأن فرنسا حقاً، لم تعد دولة استعمارية بالمعنى التقليدي للاستعمار، فإن بلدي لايزال مستعمَراً بكيفية أخرى - في ظل تركيبة الشمال / الجنوب غير المتكافئة، شأنه شأن كافة دول الجنوب، فليسامحني السيد «دومينيك» على هذا التحليل الواضح، فأنا أدرك تماماً أن العقل الفرنسي شجاع في صناعة الرأي والمعرفة، وأيضاً شجاع في استيعاب الرأي الآخر. لقد تعرض لنماذج من تراثنا فيها مايؤكد على منحى حوار الثقافات. وهناك الكثير مما يخفى، فالعرب والمسلمون كانوا سبّاقين إلى حوار الحضارات، وهناك وثائق لجغرافيين ورحالة أمثال «المسعودي» و «الإدريسي»، و «ابن بطوطة» تتعرض للثقافات الأخرى المختلفة مع إصرار لكبح الدهشة وإمعان التحليل والوصف… وهم من قد استوعب الموروث الأرسطي، ثم هم من قدمه إلى أوروبا خالصاً بعد أن قام «ابن رشد» بتجريد الأرسطية م

ن رو

اسب الموروث العربي والإسلامي، لا شيء إذاً يدهشنا في ذلك.

يتحدث أيضاً عن نماذج، مثل «رفاعة الطهطاوي» أو «طه حسين» … وعن أسماء استطاع الغرب احتواءها. لكن لم يحدثنا عن الغرب وعن الخطوات التي بذلها في سبيل محاورة الشرق. إذن هذا الذي تفضل به د. «دومينيك» لا يمثل إلا وجهاً فقط من وجهة النظر الفرنسية، وأنا أدرك أن الثقافة الفرنسية هي في حدّ ذاتها بنية تناقضية. إنها النموذج التحرري الأول في أوروبا (الثورة الفرنسية). نجد في فرنسا من يؤصل لنسبية الثقافات أمثال «ليفي ستراوس» و «كلاستر» أو «جارودي» … وفي الوقت نفسه نجد منظرين للاستعمار أمثال «غوتيه» و «رينان» أو مجرم الحرب الجنيرال "ليوتي". إذاً هناك وجهان للثقافة الفرنسية تجاه الآخر… إنها الثقافة التي أسست للإبادة الثقافية Deuclturation، وأيضاً المؤسسة للمثاقفة Acculturation. وحينما نقول الإبادة، فهو أمر متعارف عليه في كل أشكال الاستعمار الأوروبي، النازي أو البريطاني أو الإيطالي… لكن فرنسا جعلت من الثقافة وسيلة لاحتواء المستعمرات. ثمة إذاً جانب لم يفكر فيه تتجنب الورقة عرضه بوضوح، ثمة من يعتقد أننا لا زلنا نركب الجمال ونسكن الخيام أو الأكواخ… تلك هي الصورة النمطية التي يقدمها الغرب عنّا… إن فرنسا تحديداً لا تفرق بين الاستع

مار وسياسة الاحتواء الثقافي. لازلنا نذكر رحلة «شارل دو فوكو» الاختراقية التي لعبت وظيفة التبشير إلى جنب دراسة الخريطة الجغرافية للمنطقة تمهيداً للاحتلال.

يمكننا أيضاً أن نتحدث عن مواقف أخرى مختلفة. إنني استحضر موقفاً تاريخياً لأحد المبعوثين الرسميين في الإدارة الاستعمارية إلى العراق، أعني تحديداً «ماسينيون». فما أن تغيرت مواقفه تجاه الشرق، وما أن نقلته ثقافياً إلى أحضان «الحلاج» وإلى ماوراء الضفة الشمالية للمتوسطي، حتى تغير موقف الإدارة الاستعمارية منه. إن الكلمة التاريخية التي نطق بها «ماسينيون» وهي تستحق الاحترام، معلقاً على ما عبرت عنه بعض الدوائر الإعلامية في باريس، عن أمر أولئك العرب المقملين الذين يفكرون في الاستقلال… تزامن ذلك مع الملك «فيصل» … قال كلمته التاريخية تلك: "ثمة ماهو أسوأ من القمل، إنه الضمير الفاسد"… وقال بأن شعباً استطاع أن يحافظ على بقائه لمئات السنين في الصحراء القاحلة مثل الشعب العربي، لهو شعب عظيم حقاً… لقد ذكر بأن العرب كانوا على حق حينما لم يكوّنوا مدنية، لأنه لا يمكن قيام مدنية في الصحراء! لقد استطاع «ماسينيون» أن يُغيّر منحى الاستشراق الكلاسيكي، وكان هو أب المدرسة الاستشراقية الحديثة التي أفرزت أسماء عرفت بالبعث الموضوعي والنزاهة قدر الجهد، أمثال «برنار لويس» وأخيراً «هنري كوربان» الذي استطاع أن يجسر مسافات الحوار إلى الحدود ال

قصوى من الشرق الإسلامي استناداً إلى الخبرة والمعايشة، حيث قضى [٢٠] سنة في البعثة الثقافية في طهران، مما نتج عنه قراءة حيوية للاسلام، وتحديداً الإسلام الشيعي. لكن تبقى هناك مفارقـات عجيبة حتى في أكثر المواقف تحرراً من الأيديولوجيـا والرؤية النمطية.

انظر على سبيل المثال إلى ستراوس في Tristestropiques إنـه الرجل الذي نذر نفسه للتحاور مع كل أشكال الأساطير، ونهض بأدنى الثقافات جاعلاً منها ما يضارع قوة العقلانية المعاصرة، فحاور القبائل الهندية وأوّل حكايات «البورورو» و «النامبغوارا» … لكنه في رحلته إلى الهند يعلن عن دهشته من سلوك امرأة مسلمة تصرفت بطريقة محلية أو عرقية لا يهم، إلا أن صاحبنا بنى عليها موقفاً نهائياً معلناً عن التناقض الذي وضع فيه محمد (ص) المسلمين، التناقض بين الأخوة الإيمانية وعالمية الإسلام. هذه المواقف المزدوجة طبعاً يمكن إعلان تهافتها من خلال المنهج الذي اختطه «ستراوس» لنفسه، لكنها هفوة لم يتخلص منها مبشر كبير بنسبية الثقافات. أريد من د. «دومينيك» أن يكشف بشجاعة عن هذه الازدواجية… وأريد منه تفسيراً شجاعاً لذلك. وشكراً.

مداخلة على ورقة الدكتور

أبو يعرب المرزوقي

أ. جواد الخالصي*

هناك ملاحظة بسيطة تتعلق بمسألة الصراع والحوار، وهي نقطة يجب أن نقف عندها طويلاً، فهل إن الصراع ضرورة بحيث يجب أن يكون هناك صراع؟ ، أم أن الصراع سيكون ضرورة لأن بعض الأطراف لا تستطيع أن تتسامى على أنانيتها فتسوق الحوار إلى صراع؟ هذا جانب، وجانب آخر مهم جداً هو أن في الحوار جانباً روحياً وآخر مادياً، فلو التقت حضارتان كالحضارة الإسلامية المعاصرة بضعفها المادي، والحضارة الغربية المعاصرة بضعفها الروحي، مع القوى المادية عندهم والقوى الروحية عندنا. هل نستطيع أن ندخل في هذا الحوار من دون أن نفكر في تدمير قوتهم المادية وإضعافها، وإنما نجعلها قوة إنسانية تشملهم وتشمل كل القوى في الأرض؟

هذه المنطلقات يمكن أن تكون أساسية لكي نبحث موضوع حوار الحضارات، لأن ما نطرحه اليوم كما قال د. «أبو يعرب» هو جزء حقيقي من الدعوة، ولكنها ليست دعوة استعلائية، ولا دعوة تسلط إنما هي دعوة لنظام إنساني المقصود منه أن نرد على أطروحات مثل (نهاية التاريخ) أو (التسلط الحضاري) الذي يأتينا من عالم يدعي الإنسانية، وهو متقوقع على نفسه حتى في داخل حضارته.

فبالأمس كانوا يعرضون فلماً شيّقاً يقـول أغنى بلاد العالم، وهي أمريكا، لم تستطع أن تكفل حتى أبنائها الذين يموت الكثير منهم على الأرصفة والطرقات.

* - كاتب وباحث من تونس

* - كاتب وباحث من العراق.

* - جامعة دمشق - كلية الآداب - قسم الفلسفة.

* - كاتب من سورية.

* - كاتب من سورية.

* - القائم بأعمال البوسنة والهرسك في عمان الأردن.

* - كاتب إسلامي من العراق.



[ Web design by Abadis ]