ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تعقيب على محاضرة الدكتور دومينيك ماليه \ د. ماهر الشريف *

تعقيباً على المداخلة التي قدمها الزميل «دومينيك ماليه» واستكمالاً لها، سأحاول، من جهتي، أن أطرح عدداً من الأفكار:

أولاً: إن اجتماعنا هنا لنتناقش في حوار الحضارات يعني، فيما يعنيه، أننا جميعاً متفقون على تهافت أطروحة "صدام الحضارات"، التي طرحت في العام ١٩٩٣ وأثارت جدلاً حامياً على امتداد المعمورة، علماً بأنها لم تكن، في الحقيقة، أكثر من أطروحة إيديولوجية تفتقد الدقة العلمية، وذلك على الرغم من تبشير صاحبها بنهاية عصر الإيديولوجيات. يكفي هنا أن نلحظ بأن الإسلام، الذي رأى فيه «صمويل هنتنغتون» عدواً محتملاً للغرب وحضارته، قد بات اليوم، في ظل انكشاف الحدود، مكوناً رئيساً من مكونات أوروبا الموحدة، وعنصراً متزايد الأهمية في الحياة الأمريكية، بحيث أن أي صدام بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية سيعني اندلاع حرب أهلية داخل البلدان الغربية نفسها. ويلاحظ، من جهة أخرى، بأن العولمة المكتسحة، بمظهرها الراهن الذي يتخذ شكل "استعمار سوق" يسعى إلى تسليع كل شيء بما في ذلك الإنسان وثقافته، صارت - أي هذه العولمة - تدفع قطاعات واسعة من الغربيين إلى الهروب من طغيان المادة واللجوء إلى فلسفات وديانات الشرق، حتى أن هناك تقديرات تشير إلى أن عدد معتنقي البوذية من الغربيين قد وصل إلى حدود الخمسة ملايين.

ثانياً: لقد كان تاريخ الحضارات على الدوام تاريخ دورانها على مدار إنساني واحد، وهذه الفكرة تبناها، في الواقع، رواد النهضة العربية، الذين رأوا في تاريخ الحضارات تاريخ أخذ وعطاء، ولم يجدوا بالتالي أي غضاضة في أن يقتبسوا عن غيرهم، خصوصاً وأن الإغريق - على حد تعبير أحد أولئك الرواد - قد اقتبسوا كثيراً من عناصر مدنيتهم الزاهرة عن المصريين والفينيقيين والفرس والهنود القدماء، أي عن الشرق، وأن العرب المشارقة، ووارثي الإغريق المغاربة، هم الذين حملوا مشعل الثقافة والمدنية في أوروبا المظلمة عصوراً.

ثالثاً: لقد كان فيلسوف قرطبة، الذي مثّل جسراً ثقافياً ونقطة تواصل وتفاعل حضاريين، المثال الأبرز على هذه الحقيقة إذ برز «أبو الوليد» بوصفه فيلسوفاً عربياً إسلامياً ذا نزعة إنسانية عميقة، آمن بالتفاعل الثقافي وبواقع أن الثقافات كلها تتغذى من بعضها البعض، واعتبر أن على المسلم أن يفيد من غير المسلم فأقبل على ثقافة اليونان وتمثلها مبيّناً «أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك، وسواء أكان ذلك الغير مشاركاً لنا أو غير مشارك، في الملة، فإن الآلة التي تصح بها التزكية ليس يعتبر في صحة التزكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك إذا كان فيها شروط الصحة، وأعني بغير المشارك من نظر في هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام» وبولادة ما اصطلح على تسميته بـ «الرشدية اللاتينية»، التي مهّدت الطريق أمام فلسفة التنوير الأوروبية، ظهر بأن الثقافة الغربية التي حضنت وأطلقت مشروع الحداثة قد تغذت هي نفسها من الثقافات الأخرى، وأن الفكر العربي والإسلامي، إذا ما اتسم بالعقلانية وانفتح على «الآخر» المختلف، يمكن أن يكون مبدعاً وحاضراً بقوة على ساحة الفكر العالمي ورافداً رئيساً من روافد الحضارة ال

إنسانية.

رابعاً: إن حوار الحضارات يستند إلى أساس موضوعي يتمثل في وحدة النوع البشري، وإن العقلاء من «الحكماء المصنفين» و «العلماء المؤلفين» هم أكثر من يجسد وحدة النوع البشري، فهم يقومون، كما رأى «السيد جمال الدين» من خلال نشر العلوم ووضع القوانين العادلة واختراع الصنائع النافعة بدور في خدمة البشرية، أكثر أهمية من دور الأمراء والملوك، حتى حازوا - والكلام للأفغاني نفسه - السلطنة الحقيقية في المملكة الإنسانية، وصار توقيرهم في النفوس وتعظيمهم في الأفئدة فرضاً على كل شخص من النوع البشري. والواقع أن «المريد» قد تشارك مع أستاذه في تبني هذا الموقف، حيث خاطب الإمام محمد عبده، في الثامن عشر من نيسان ١٩٠٤، الأديب الروسي ليون تولستوي قائلاً: «لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكنّا لم نحرم التعارف بروحك، سطع علينا نور من أفكارك وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك ألّفت بين نفوس العقلاء ونفسك… أدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل… هذا وإن نفوسنا لشيقة إلى ما يتجدد من آثار قلمك فيما تستقبل من أيام عمرك، وإنّا نسأل الله أن يمد في حياتك ويسوق النفوس إلى الاقتداء بك فيما تعمل».

خامساً: غير أن وحدة النوع البشري، التي يقوم عليها الحوار بين الحضارات، هي، في الواقع، وحدة في إطار التنوع؟ فإن جعلت وحدة المكان الأرض وطناً لكل البشر، إلا أن الحكمة قضت - كما قدر رائد الإصلاح الديني الإسلامي - أن يكون لكل إقليم من أقاليمها خواص محددة ميزت الشعوب وقسمت المعمورة إلى «ما يسمونه ممالك وأوطاناً»، وصارت هذه الخواص، التي حددها الأفغاني في طبيعة الإقليم واللسان والأخلاق والعوائد والدين، صارت تؤثر على سكان الإقليم وتؤصل فيهم «محبة البقاء على مألوفهم والذود عنه». وعليه، فإذا كانت وحدة النوع البشري تفرض قبول التفاعل الحضاري، فإن التنوع يفترض رفض التقليد «الأعمى» والاقتباس غير المشروط.

سادساً: إن احترام التنوع يعني بالضرورة أن تقوم العلاقات بين الحضارات المختلفة على قاعدة العدل «فالعدل» هو - والكلام - للسيد - أساس الكون وبه قوامه». وإذا كان السعي من أجل إشاعة العدل وجعله أساساً للعلاقات بين الأمم يحتم النضال ضد الظاهرة الاستعمارية الغربية وإزالة الظلم الذي يحيق بالشرقيين، فهو يتطلب، في الوقت نفسه، تجنب المغالاة والإفراط في التعصب، ولاسيما في التعصب الديني والقومي، والانفتاح على أنصار العدل في الغرب نفسه وإقامة روابط التضامن والوحدة معهم. وهذه الحقيقة، أدركها «العقلاء» في كثير من أصقاع الشرق، الذين يتفكرون في توحيد الشرقيين وإنهاضهم، والذين رأوا أن «يعقدوا الروابط الأكيدة مع الذين يتململون من مصابهم ويحبون العدالة العامة ويحامون عنها من أهالي أوروبا»، كما أشارت إلى ذلك افتتاحية العدد الأول من مجلة «العروة الوثقى» (باريس، ١٣ آذار ١٨٨٤).

سابعاً: وفي ظني، فإن الحوار بين العقلاء من أنصار العدل في العالم يجب أن يستهدف، في ظروف اليوم، العمل على حماية الثقافة، وضمان استقلال الحيز الثقافي عن علاقات السوق الطاغية، ومقاومة كل المساعي الرامية إلى تسليع الثقافة وتنميطها، والتطلع، في الوقت نفسه على المدى الأبعد، إلى بناء ما أسماه الأنتروبولوجي الفرنسي «موريس غودولييه» بـ «رؤية ثقافية متسامية» (ميتا - ثقافية) للإنسان على هذا الكوكب، ينطلق بناؤها من واقع التنوع الثقافي للإنسانية ومن إدراك حقيقة أن أياً من هذه الثقافات المتنوعة لا يملك حقاً، أكثر من غيره، في أن يشيد نفسه كمرجعية وقاعدة كونية.

ملاحظة: كل الاستشهادات مأخوذة من كتابنا: «رهانات النهضة في الفكر العربي»، دمشق، دار المدى، ٢٠٠٠.

* - أستاذ في جامعة دمشق.



[ Web design by Abadis ]