ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أهمية الحوار و التواصل بين الحضارات \ البروفسور دومينيك ماليه *

أودّ في البدء أن أتوجه بشكري الجزيل إلى الصديق الزميل الأستاذ الدكتور آذرشب بدعوة المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق إلى المشاركة في هذا المؤتمر.

والواقع أن مشاركتنا هذه تمثّل خطوة جديدة على طريق التعاون المثمر القائم بين معهدنا وبين المستشارية الثقافية لسفارة الجمهورية الإسلامية الايرانية بدمشق.

فقبل عامٍ من الآن أتيحت لي فرصة تقديم محاضرة عن ابن خلدون في هذه المكان بالذات … محاضرة تمحورت حول التفاعل الثقافي المتبادل بين الفرس والعرب.

كما قدّمت زميلة لنا الدكتورة «هيلين بيلوستا» محاضرة عن انتقال العلوم بين الفرس والعرب …

وكان الأستاذ الدكتور آذرشب قد لبّى مشكوراً قبل أشهر دعوتنا لإلقاء محاضرة في المعهد عن مفكرٍ إسلامي بارز ألا وهو «محمد بن عبد الكريم الشهرستاني» صاحب كتاب «الملل والنحل».

ولا يخفى على أحد بأن هذا التعاون المتبادل بيننا هو شكل من أشكال حوار الحضارات، لقد كنت قبل أسابيع قليلة قد قدمت مداخلة في إطار الأسبوع الثقافي الذي نظمته «مكتبة الأسد» حول موضوع الاستشراق … وذلك على هامش معرض الكتاب … ومع أن مداخلتي تلك قد جوبهت بردة فعل عنيفة من قبل بعض المستمعين إلا أنني رأيت فيها - أي في ردّة الفعل - دليلاً على حيوية حوار يشكّل مدخلاً لكل لقاء وتفاعل مثمرين. إن الحوار هو مفهوم فلسفي ! وكان «سقراط» أول من أدخله إلى الحقل الفلسفي فجعل منه الممارسة الوحيدة الممكنة للفكر الفلسفي، ونظر «أرسطو» إلى الحوار باعتباره جزءاً من المنطق وأطلق عيه اسم (الجدل) الذي أصبح منذ ذلك الحين في يد الإنسان أداة من أدوات تمييز الحق عن الباطل.

وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى التوافق الذي قام بين منطق اليونان وفن المناظرة في الأدب العربي ! وكانت الثقافة العربية قد تركت لنا تراثاً عريقاً في الحوار بين الحضارات. والمثال الأبرز على ذلك تجلّى في المناظرة الشهيرة التي دارت بين (أبي بشر) متى بن يونس - معلم الفارابي - وبين (أبي الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي) في علاقات بين المعاني والألفاظ ومنطق أرسطو بالنسبة إلى العرب. وهي المناظرة التي رواها «أبو حيان التوحيدي» بأسلوبه الرائع في كتاب «الإمتاع والمؤانسة» وفي «كتاب المقابسات». وبعد هذا التقديم العام اسمحوا لي أن أحدّثكم قليلاً عن تجربة (المعهد الفرنسي للدراسات العربية) في إغناء الحوار بين الثقافتين العربية والفرنسية.

لقد تأسس المعهد الفرنسي في عام ١٩٢٢ تحت اسم معهد الفنون والآثار الإسلامية وخضع للإشراف المباشر لسلطات الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان، غير أن الثورة السورية التي اندلعت في عام ١٩٢٥ قد فرضت على الحكومة الفرنسية أن تعيد النظر في مكانة هذا المعهد ووظائفه، فقد أيقظت الثورة السورية سلطات الانتداب من نومها الاستعماري وجعلت السياسيين الفرنسيين الأكثر فطنة يدركون بأن سورية سائرة حتماً على طريق الاستقلال … وأن من مصلحة فرنسا أن تستعدّ لهذا الأمر كي تضمن إقامة علاقات ودية ومتبادلة النفع بين البلدين في المستقبل.

ومنذ ذلك الحين وضع المعهد لنفسه هدف تشجيع وتطوير الدراسات في العالم العربي الإسلامي …

لهذا المعهد مزايا تميزه عن المراكز الغربية الكثيرة الأخرى المنتشرة حول البحر المتوسط والمختصة بالدراسات عن العالم العربي والإسلامي، إذ هو الأقدم من الناحية التاريخية … كما أنه قام على سياسية تقضي بأن يكون الباحث المتخصص على اتصال وتماسٍّ مباشرين مع البيئة المحلية وثقافتهما وهذا يفترض بالضرورة أن يكون متملكاً لأداة التواصل أي أن يكون متملكاً للغة العربية …

وإذا كان المعهد قد أنجز أعمالاً علمية قيمة فالفضل - أو جزء من الفضل - في ذلك يعود إلى الشروط التي توفرت في دمشق لأصحاب تلك الأعمال ولا سيما احتكاكهم وتفاعلهم داخل المعهد وخارجه مع أساتذة وباحثين عرب قدّموا لهم مساعدات … فمن دون الحوار الحضاري الذي شجعه المعهد بين الطرفين لم تكن أعمال باحثين مرموقين مثل:

عن مدينة حلب وعن نور الدين الزنكي وعصره، وعن الحكم الفاطمي، والحكم العثماني في سورية … لم تكن تلك الأعمال قد رأت النور قط !.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى الدور الذي تلعبه مجلة المعهد السنوية في إثراء هذا الحوار وتعميقه … إذ تجمع مقالات باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية … وإذا كان المعهد قد خرّج أجيالاً من الباحثين والأساتذة الجامعيين فإن معظم هؤلاء قد تحوّلوا في الواقع إلى سفراء في بلدهم للقضايا العربية العادلة … ويساهمون بدورٍ بارزٍ في تبديد الأوهام وإزالة بعض الأفكار المسبقة المنتشرة عن العرب في مجتمعاتهم.

وختاماً لقولي الموجز هذا أودّ أن ألفت نظركم مرة ثانية إلى أهمية الحوار بين الحضارات في التراث العربي، وإلى تواصل هذا الحوار ولا سيما في عصر ازدهار الثقافة العربية.

يروي «ابن النديم» صاحب (الفهرست) أن الخليفة «المأمون» رأى في منامه «أرسطو» وناقش معه موضوع التوفيق بين الشرع والعقل في تجديد الفضائل والرذائل، فما مدى ذلك الحلم إن لم يكن ممارسة للحوار بين الحضارات؟

إنه كذلك حوار بين الحضارات عندما يوفد المأمون علماء عرب إلى بلاد الروم ليحصلوا على نسخٍ من كتب التراث اليوناني.

وعندما يؤسس الخليفة نفسه «بيت الحكمة» ويشجع على ترجمة الكتب اليونانية إلى العربية.

إنه حوار بين الحضارات كذلك عندما يجتمع متكلمون من ملل مختلفة ليتجادلوا حول أصول نصوصهم دون أن يتعاملوا مع هذه النصوص بوصفها نصوصاً مقدّمة …

وعندما يشرف «الكندي» على ترجمة «انولوجيا ارسطوطاليس».

إنه حوار بين الحضارات عندما يشير «أبو نصر» إلى انتقال الفلسفة من قوم إلى قوم إلى أن تصل إلى أيدي العرب …

وعندما يطلب السلطان الموحدي «أبو يعقوب يوسف من أبي طفيل» أن يشاركه في امتحان مدى معرفة «ابن رشد» لموقف الفلاسفة القدماء من قدم العالم وحدوثه … وعندما يطلب من ابن رشد أن يشرح كتب أرسطو ليجعلها سهلة الفهم …

إنه حوار بين الحضارات عندما يردّ «الشيخ جمال الدين الأفغاني» في جريدة فرنسية على محاضرة «ارنست رينان» بخصوص ما زعمه هذا الأخير عن وجود تناقض بين الإسلام والعلم ….

وعندما يروي «رفاعة الطهطاوي» انطباعاته عن رحلته إلى «باريز في تلخيص الابريز».

إنه حوار بين الحضارات عندما يدرج «طه حسين» مستقبل الثقافة في مصر ضمن آفاق عالم البحر المتوسط … وعندما يحاول «حسن حنفي» الرد على المستشرقين بابتكار الاستغراب.

وشكراً على انتباهكم.

* - مدير المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق.



[ Web design by Abadis ]