ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تعقيب على بحث الدكتور وجيه كوثراني \ أ. زكي الميلاد *

تتأكد قيمة مبادرة حوار الحضارات، التي توافق عليها المجتمع الدولي، أنها جاءت من طرف العالم الإسلامي، ولكي تؤكد على إمكانية الإسهام الحضاري لعالم الإسلام في هذا العصر. ولكي تبرهن من جهة أخرى على صحة المقولة التي يطرحها بعض الغربيين المعاصرين حول انتماء عالم الإسلام إلى عوالم الحداثة، بخلاف الرؤية الاستشراقية القديمة عند البعض، التي تعمدت توضيف وتصنيف عالم الإسلام بعوالم الشقاقات البدائية والمجتمعات التي تنتسب إلى المدارات المتخلفة أو التقليدية أو العاجزة.

والذي يختلف هنا، وهذا ما يحاول أن يركز عليه الدكتور (وجيه كوثراني) في ورقته، هو في منهج النظر، وبالتالي في طبيعة الطرائق والأدوات والمنهجيات المكونة والمولدة للمعارف والمفاهيم والأفكار.

لذلك أصبح من المشروع أن يتساءل بعض الباحثين الغربيين مثل (راينهارد شولسته) عن إمكانية أن ينهض عالم الإسلام بحداثة مختلفة ومغايرة عن حداثة الغرب. بالانطلاق من قاعدة جوهرية هي:

أولاً: أن عالم الإسلام إذا كان يفتقد إلى قوة الحضارة في هذا العصر إلا إنه يمتلك قوة الثقافة ومنظومة القيم. التي أدهشت الغرب على قدرتها الفائقة في الانبعاث والتجدد والنهوض، القدرة التي أقنعت بعض الغربيين في اعتبار الإسلام أحد الخيارات الحضارية الكبرى في العالم المعاصر.

كما أنها القدرة التي حاول (هنتنغتون) أن يحذر منها الغرب في مقولته الشهيرة (صدام الحضارات) في حين فهم منها السيد (محمد الخاتمي) دعوة للحوار بين الحضارات.

ثانياً: أن مشروع حوار الحضارات ينبغي أن نتعامل معه كفعل وليس كرد فعل في مقابل مقولة (صدام الحضارات) حتى لا نقع في إشكالية الثنائيات والتجاذبات السجالية. التي قد تضيق علينا عمليات الفهم ومحدوديات الإدراك وسطحيات المعرفة، كما يحدث أحياناً في الجدليات السجالية.

وهذا يعني أن منظورات الرؤية لمقولة حوار الحضارات لايفترض أن تتحدد بالنسق المعرفي لمقولة صدام الحضارات، وإنما بالسعي على تطوير اجتهادات وابتكارات من داخل الحضارات لتطوير مفاهيم الحوار وأرضياته وآلياته ومقاصده، وبالنظر لمفهوم حوار الحضارات كحاجة معرفية وعلمية يتشكل منها، ويتقوم بها، ويتطور من خلالها.

والتطور المهم في هذا المجال هو أن قضية حوار الحضارات استطاعت أن تتحول إلى قضية يشتغل عليها العالم في نطاقاته الواسعة، وبذلك تكون هذه القضية قد سجلت أقوى رد على مقولة صدام الحضارات.

ثالثاً: أن حوار الحضارات بالنسبة إلينا في العالم العربي والإسلامي من المفترض أن لا يكون مجرد خطاب مع الآخر المختلف في الثقافة والجغرافيا والتاريخ، وإنه من الضرورة أن يكون خطاباً مع الذات أيضاً. خطاباً مع الآخر لا لأن نقول موعظة للعالم والحضارات عن العدالة الاجتماعية والحريات العامة وحقوق الإنسان واحترام التنوع الثقافي وسيادة مفاهيم الحوار والتفاهم بين الأمم إلى غير ذلك. فنحن كمجتمعات ودول لسنا من يعلّم العالم هذه المبادئ والقيم والمثل العليا، بالأوضاع التي نحن عليها. وإنما أن نكتشف، وهذا هو جوهر القضية، عناصر التقدم والنهوض والمكونات الحية في الحضارات ونفهم منطقها الداخلي وقوانينها في التقدم ومحركات التاريخ فيها. وخطاباً مع الذات في أن نكتشف عوامل التخلف ومسببات التراجع، وبالتالي كيفية النهوض وقوانين التقدم. أي أن نفهم الحضارات ونفهم أنفسنا أيضاً لأننا لا نملك حضارة في هذا العصر، وإنما نسعى لبناء حضارة جديدة وهذا هو المنطق المفترض لمن يكون على هذا المجال.

رابعاً: أن فلسفة حوار الحضارات هو البحث عن المشتركات العامة والجوهرية والحية بين الحضارات في الحقول والمجالات المختلفة. المشتركات في حقول الثقافة والفلسفة والفنون والقانون والسياسة والاقتصاد والتربية والاجتماع إلى غير ذلك من حقول. وهكذا في مجالات العدالة والحريات وحقوق الإنسان إلى العولمة. فكل حضارة لها عنصريتها وابداعاتها واكتشافاتها وفتوحاتها. وهذا بخلاف الرؤية التي تنطلق منها مقولة صدام الحضارات التي تحرض الغرب على مقاومة انبعاث الحضارات، وبخلاف مقولة نهاية التاريخ التي تحرض الحضارات الأخرى على الالتحاق والاندماج بالحضارة الليبرالية والديمقراطية التي يتبجح (فوكوياما) بانتصارها وتفوقها ويختم بها التاريخ.

ولتعيمق المعرفة واتساعها تتأكد الحاجة على ضرورة الانتقال المنهجي والمعرفة من النظر العام لقضية حوار الحضارات، إلى النظر الخاص والمتخصص في المشتركات بين الحضارات. فنحن لازلنا في مرحلة تكوين الرؤية العامة حول هذه القضية، ولابد من الانتقال منها في مرحلة لاحقة إلى تكوين التصورات حسب تلك الحقول والمجالات المذكورة.

خامساً: إن مشروع حوار الحضارات هو رؤية للمستقبل، ولا ينبغي للتاريخ أن يغلق علينا جسور التواصل، أو نقف في حدود الماضي ونؤسر حالنا بتفكير استرجاعي وارتدادي، فلا يكفي أن ندعي بأن كانت لنا حضارة ونقف عند أمجادها وأطلالها، كما لا يفترض أن يعني لنا الماضي مجرد حروب وصراعات ونزاعات بالشكل الذي يغلق علينا أبواب المستقبل فحوار الحضارات هو البحث عن المستقبل المشترك، مستقبل الجميع كما يقول (غارودي) للجميع، عن مستقبلنا في هذا العالم، ومستقبل العالم الذي نحن فيه.

سادسا: لا ينبغي أن يفهم من حوار الحضارات على أنه حوار بين الإسلام والغرب، أو أن يتحدد في هذا النطاق، ولا أن يتأطر في حضارات المتوسط بين ضغينة الجنوبية والشمالية، كالذي حاول دراسته المؤرخ الفرنسي (فرناند بروديل) الذي استند على أفكاره الدكتور _ (وجيه) وغالباً ما يستحسِن أفكاره، ويحاجج بها أفكار (هنتنغتون). وهذه إشكالية احتمل أننا قد وقعنا فيها بشكل من الأشكال، لذلك فإننا نفتقد لرؤية الحضارات الأخرى كالصينية أو الهندية مثلاً حول حوار الحضارات، وينقصنا في العالم العربي والإسلامي الاطلاع على تلك الأفكار والمفاهيم والرؤى الغائبة تماماً عن دراساتنا وأبحاثنا حتى ونحن ندرس مثل هذه القضية.

سابعاً: أمام هذه القضية يفترض علينا أن نلتفت إلى غياب المفكرين والمؤرخين والباحثين بشكل متخصص في تاريخ الحضارات، من أمثال (ول ديوارنت) صاحب موسوعة (قصة الحضارة)، أو (فرناند بروديل) صاحب كتاب (تاريخ وقواعد الحضارات)، أو (أرنولد تويمبي) صاحب كتاب (تاريخ البشرية) أو (مارتن برنال) صاحب كتاب (أثينا السوداء) وهكذا صاحب كتاب (تاريخ الحضارات العام) أو كتاب (جغرافيا الحضارات).

فمنذ (ابن خلدون) الذي اكتشف مفهوم العمران البشري، ومن بعده حاول بعض الباحثين البحث عن الحلقة المعرفية التي تتصل بابن خلدون فوجدوا (مالك بن نبي) ومن بعده انقطعت الحلقات. فليس هناك من يقدم لنا معرفة جديدة بالحضارات، أو من ينهض بالبحث التاريخي المعمق بحضرياته المعرفية، أو من يبتكر لنا اكتشافاً يوثق به.

فنحن أمام قضية حوار الحضارات لا نمتلك من يقدم لنا معرفة بالحضارات ومن أولى متطلبات هذه الدعوة هو اكتشاف الحضارات والتعرف عليها والذي اطلقت عليه بنظرية (تعارف الحضارات).

* - كاتب وباحث من السعودية - رئيس تحرير مجلة» الكلمة «.



[ Web design by Abadis ]