ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حول إشكالية الخيار بين حوار الثقافات أم صراعها \ د. وجيـه كوثراني *

يحاول البحث، انطلاقاً من هذا السؤال أن يطرح وجهة نظر مفادها أنه من الصعب وضع الموقف (سواء أكان الموقف موقف مثقف باحث أم حزب أم هيئة…) أمام خيارين من داخل هذه الثنائية القاطعة: (حوار أم صراع؟ ). فالمسألة ليست مجرّد خيار إرادوي لفرد أو أفراد يقررون كيف يجري فعل الثقافات أو الحضارات؟ وكيف تتجدد مجاريها بين الشعوب والأمم سلماً أو حرباً؟ إن سبر الوقائع وخاصة على مستوى العقليات والذهنيات والأفكار، هو أمر أكثر تعقيداً وتركيباً لدرجة يصعب (حتى لا أقول يستحيل) على الباحث في التجارب التاريخية الكبرى أن يفرد العناصر بين سلم وحرب بين حوار وصراع، بين حتميات وممكنات…

هل يمكن للمؤرخ أن يُفرد عناصر الثقافة الهلينية مثلاً في حوض المتوسط قبل أو بعد في سياق حروب الإسكندر وورثته، أو بين تأثيرات اليونانية أو الفارسية أو المشرقية القديمة؟

هل يمكن للمؤرخ أيضاً أن يُفرد عناصر الثقافة الإسلامية العالمية إبان ازدهارها فيحدد مجاريها ومواقع التلقي والاستجابة بين ما تم عن طريق التفاعل السلمي والحوار والدعوة وبين ما تم عن طريق الفتوح؟

كذا هو السؤال أيضاً حول ما سمي "الحروب الصليبية" التي لم توقف العلاقات التجارية والثقافية بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي؟

أسئلة كثيرة من هذا النوع تطرح حول حروب القرن السادس عشر في المتوسط، وحول الحروب الاستعمارية في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، وحركات التحرر الوطني في منتصف القرن العشرين… وصولاً إلى ما يمكن أن نسميه حروب العولمة الجديدة، والتي أوحت بخطابين سائدين اليوم:

ـ خطاب "نهاية التاريخ".

ـ وخطاب "صدمة الحضارات" أو صدام الحضارات.

إن دراسة خبرات التاريخ ودراسة ما يجري اليوم في مسار "العولمة" قد تساعد في بلورة منهج للنظر لدراسة طبيعة العلاقة بين الثقافات في التاريخ في الحاضر.

كان المؤرخ الفرنسي، «بروديل»، قد أشار في كتابه الشهير «المتوسط والعالم المتوسطي» إلى أنماطٍ من الحضارات الحيّة أو الكامنة في حوض المتوسط في فصل بعنوان لافت: «الحضارات: فردوس البشر وجحيمهم». يقول «بروديل»: "يحتوي المتوسط ثلاث حضارات هائلة وثلاث مجموعات ثقافية وثلاثة أنماط أساسية في الاعتقاد والتفكير والعيش والأخلاق والمأكل… متجسدة في ثلاث شخصيات لا نهاية لأقدارها، وكانت دائماً قائمة منذ قرون وقرون، متجاوزة حدودها وحدود الدول التي لا تشكل إلا لباساً لها… الحضارة الأولى هي الحضارة الغربية - وعلى الأصح اللاتينية أو الرومانية… الحضارة الثانية هي الحضارة العربية - الإسلامية. والغرب والإسلام يجمعهما تعارض عميق يقوم على التنافس والعداء والاقتباس، إنهما عدوان متكاملان، الأول إبتكر الصليبية وعاشها، فيما ابتكر الثاني الجهاد وعاشه. أما الحضارة الثالثة فهي الحضارة اليونانية التي لا تكشف اليوم عن وجهها بوضوح، بل تحافظ فقط على جوهرها".

غير أن إبراز «بروديل» لهذا المستوى الثابت والعميق من التاريخ للحضارات وقعرها الجغرافي - التاريخي يستدركه في الكثير من المواضع بالتشديد على «تداخل الحضارات»، أيضاً والتحولات والتغييرات التي تطرأ عليها: «الصليبية» من جهة، و «الجهاد» من جهة ثانية، حالتان تاريخيتان نسبيتان لوظيفة «الحس الديني» لاتدخلان في الثابت إلا لتغييره ببطء شديد، فكما تداخل الحركة الثبات وتلازمه، فإن كلاً منهما يُقسر الآخر ويكمله، هكذا تخترق الحركة كل ثبات. يقول بروديل: «وفي المتوسط، كل شيء كان عرضة للتبادل والانتقال والاستعارة، من الناس إلى الأفكار وأنماط العيش والمعتقدات وأساليب الحب وأشكال السنن والأخلاق والمأكل».

والفصول الرائعة التي يعقدها «بروديل»، في كتابه عن «الاقتصادات والتجارة والنقل»، وعن صعود الامبراطوريات وانهيارها، وعن «المجتمعات وصراعاتها المقنعة» ترينا كم كانت واسعة في حينه (القرنين الخامس عشر والسادس عشر) عمليات التداخل بين الفضاءات الحضارية والثقافية في المجال الجغرافي - الحضاري الذي درسه (مجال البحر والسفينة في حوض المتوسط).

واللافت في دراسة «بروديل» أن هذا الأخير لم يسم الصراعات والصدامات التي نشبت في الحقبة التي درسها صراعاً أو صداماً بين حضارات، وإن شدد على دور "الحس الديني" في بروز الإمبراطوريات والدول الكبرى آنذاك (الصليبية والجهاد).

إن الصدامات والحروب تبقى في أبعادها العميقة، وفي المستوى الذي تحدث عنه بروديل، نزاعات تتحكم فيها مصالح الدول والتجارة والطرق ومصادر الثروة والتوترات الاجتماعية، فما قام به ملوك أوروبا بعد حرب المئة عام مثلاً كان في رأيه «صدوعاً لإرادة برجوازيات المدن الباحثة عن استتباب السلام الضروري لازدهار تجارتها». وأما الحروب داخل الدول والمدن والمناطق في حوض المتوسط» فتختلط فيها الحروب الدينية بحروب الفقراء وانتفاضاتهم… ففي كل مكان من المجتمعات المتوسطية انتشر العنف مقنعاً بأوجه سياسية واجتماعية واقتصادية، في نابولي والبندقية، كما في حلب والاسكندرية».

ليس الهدف من هذه الاستعارة التاريخية الاستنتاج بأن التاريخ يعيد نفسه، أو أن الأزمنة تتماثل، بل على العكس، إن الهدف هو الاستدلال على تنوع وتشابك مستويات الأحداث و"الوقائع" في مرحلة التحولات والانعطافات الكبرى في التاريخ. فالقرن الخامس عشر والسادس عشر اللذان درسهما «بروديل» دراسة معمقة، تأسيساً على الثوابت والمتغيرات في تاريخ العلاقات ما بين الحضارات، يشكلان مرحلة التأسيس لأوروبا الحديثة، ولكنهما يشكلان أيضاً مرحلة التأسيس للعلاقة غير المتكافئة مع العالم الإسلامي والشرق إجمالاً، بعدما تغيّرت أسس وطرق السيطرة على الجغرافيا - السياسية والاقتصادية في العالم، وبعدما ضعف نبض المتوسط لينتقل هذا النبض إلى عالم المحيطات.

لاشك في أن دور "الحس الديني" في الحضارة وفي الصراع وفي الحروب كان قائماً وفاعلاً. ولكن، وكما يُظهر تحليل المصالح وسياسات الدول والقوى الاقتصادية ومعطيات الجغرافيا - السياسية، فإن هذا الحس الديني يتدخل كعنصر "تغير" لا كعنصر "ثبات"، وعنصر تغير للحضارة نفسها ولتغيير هذا الحس على مستوى اللاهوت والعمل والسياسة والأخلاق. فكان المشروع الرأسمالي في الغرب نتاجاً لهذا التغيير. وكان ينبغي انتظار تطور أدوات ومفاهيم البحث التاريخي والاجتماعي حتى تصبح هذه التحولات جزءاً من المعرفة التاريخية والوعي التاريخي، وكما نلاحظ لدى «ماكس فيبر» في إدراكه لدور الحس الديني في بروز التحولات الاقتصادية.

أما في الشرق الإسلامي، فقد غرق الحس في فقه سلطاني لم يأبه للتحولات الحاصلة في العالم، لا من قريب ولا من بعيد، (وهذا موضوع للدراسة) وقد يكون التهميش الذي أصاب جغرافية العالم الإسلامي عبر تهميش المتوسط، مدخلاً لفهم غياب الوعي التاريخي للعلاقة اللامتكافئة في العالم، الأمر الذي أدى إلى نشوء رأسمالية توسعية تعتمد على الحروب والاكتساح والسيطرة والالحاق، وفي ظل «مشروع حضاري» عالمي اختزلت معالمه خلال القرنين الأخيرين بشعارات التمدين والتحديث «رسالة الرجل الأبيض». إلا أن هذا المشروع الحضاري كان في كل الأحوال والمراحل، يعبّر صراحةً أو ضمناً تشجيعاً أو إعاقة، عن مصالح القوى والدول الرأسمالية الصناعية المهيمنة على العالم، فكان منطق السوق والتسويق والتنافس على الأسواق يبتلع مجالات "التثاقف" وأقنية التفاعل الثقافي، وكل خير وجمال ونفع في مشروع الحضارة الغربية العالمية، حيث كان لا يتوظف في علمية الإغتناء الثقافي والتلاقح الحضاري، بل في ثقافة الاستهلاك والسيطرة ومعاييرها الذوقية والقيمية الأحادية الجانب.

هذه الثقافة الاستهلاكية كانت من جملة أسباب انهيار الإيديولوجيات الأحادية الشمولية. إلا أنها شكلت أيضاً عنصر تخريب للثقافات المحلية في العالم، الأمر الذي ولد في مرحلة التقاطع بين حركة الاستعمار ومعطيات المجتمعات المحلية (الجماعات الدينية والطائفية والقبلية الوثنية)، ولا يزال يولد حتى الآن، بعداً أيديولوجياً سياسياً وسيكولوجياً للثقافات والأديان في "العالم الثالث" وعالم "الجنوب" اليوم، وهو بعد يختلط فيه الديني بالسياسي، والمقدس بالعصبيات والحزبيات الاجتماعية.

إذا أضفنا إلى تركة الاستعمار وإلى ذاكرة الحرب الباردة وحركات التحرر الوطني والقومي ما استجد ويستجد الآن من انفجار وتفكك التسويات «سايكس - بيكو» و «لوزان» و «يالطا» وللمشروع الصهيوني ولمشروع الوحدة العربية، ومن فراغ وهواجس ولدت في آسيا الوسطى وباكستان والهند وإيران وتركيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ومن قلق نجم عن الانفجار السكاني والتباس العلاقة بين شمال وجنوب، بانت صورة لصراعات العالم مختلفة في أسبابها وتعبيراتها عن تلك الصورة المبسطة التي يقدمها «هانتنغتون» بصيغة "صدام الحضارات".

والواقع إن الأشكال الصراعية التي يصفها «هانتنغتون» بالصدامات بين الحضارات لا تعدو أشكالاً من الممانعات الثقافية وحركات الاحتجاج والرفض والحروب الأهلية الناتجة عن عجز الحضارة الغربية عن أن تصبح عالمية مستوعبة لتنوع العالم، وذلك بسب تطابقها مع مشروعها الرأسمالي، وتحولها واستدخالها لمنطقة في الربح والسيطرة والاستهلاك، وبالتالي بسبب إعاقة هذا المشروع لخطط التنمية التي فشلت في بلدان الأطراف فشلاً ذريعاً وتحولت في مظاهرها العالمية الغالبة إلى حضارة "صورة" و "سلعة" يتجاذبها تناوب المتعة والملل السريعين لدى الميسورين، والحقد والجوع والعنف لدى المحرومين.

إن ما لا يقوله خطاب "صدام الحضارات" المتأخر، هو أن انبعاث الثقافات الفرعية لحضارة قديمة كالحضارة الإسلامية - على سبيل المثال، هو صيغة من صيغ يقظة المغلوب الذي يلجأ إلى الذاكرة الجماعية الثقافية للاحتماء والاحتجاج والرفض، وأن الثقافة أو المصادمة اليوم، والتي تصدر عن مخزون من الذاكرة الجماعية والمقدس الديني، ليست "حضارة" بالمفهوم الذي يعني أنساقاً فكرية وفلسفية وإبداعية وإنتاجاً للمعرفة على المستوى الإنساني والعالمي، كما كان شأن الحضارة الإسلامية سابقاً، بل إنها نمط من ثقافة فرعية لحضارة أصبحت في حال العرب والمسلمين، تراثاً وتاريخاً ومشروع استلهام حضارة إسلامية جديدة.

إن العرب والمسلمين، اليوم، لا ينتجون وسائل الحضارة الإنسانية الحديثة ولا علومها ولا فلسفتها. وأما العودة إلى معالم الحضارة الإسلامية إبان ازدهارها فهي عودة إلى التاريخ واسترجاعاً لذاكرة أو دراسة لمرحلة وفي الحالتين، لا تملك "الحضارة الإسلامية" بما هي تراث دينامية التصادم مع الحضارة الغربية الحديثة. إن الشعوب الإسلامية تبحث عن مشروع حضاري جديد لا يمكن للإسلام إلاّ أن يكون في قلبه، ولا يمكن للمعطيات الحضارية العالمية إلا أن تكون مادة اقتباس وتوليف وهضم له.

إذاً ما ذا نسمي كل هذه الصدامات في العالم التي يزهو «هانتنغتون» بتعدادها في مقدمة رده على مساجليه عبر إعطاء نماذج من عالم ما بعد "الحرب الباردة"؟

الواقع أن أمثلة «هانتنغتون» هي نماذج من تكوينات طائفية - دينية وإثنية وقبلية - كانت موجودة في عالم الحرب الباردة بل في عالم ما قبل الحرب الباردة، ولنلاحظ أيضاً أن هذه التكوينات كانت جزءاً من نسيج اجتماعي ساد عوالم حضارية قديمة انتظمت في أطر من الجغرافيات السياسية والتاريخية: عالم الصين والهند والعالم الإسلامي - العثماني. ولنلاحظ أيضاً أن هذه التكوينات الثقافية لم تتحول إلى عناصر صدام إلا مع التفكك والتفكيك الذي حصل لها بفعل عوامل ذاتية وخارجية.

وإذ لا مجال في هذه العجالة لدراسة هذه العوامل (ثمة دراسات تاريخية واجتماعية كثيرة متخصصة تطرقت إلى جوانب من هذا الموضوع)، نشير باختصار إلى أن عوامل التفكيك والتفكك جرت ببطء وخلال القرون الحديثة، وفي خط تقاطع فيه الجمود الحضاري "الذاتي" (العوامل الداخلية) مع توسع الرأسماليات الغربية في العالم (العوامل الخارجية) فقد تحول العالم (غير الصناعي) تدريجياً إلى أطراف مجتمعية وثقافية واقتصادية تابعة. وما أن أطل القرن العشرون عبر حربه الأولى حتى كان النظام العالمي يتشكل من أطرافه (المستعمرات ومناطق النفوذ) عبر تفكيك مبرمج ومدروس وموظّف لتلك التكوينات الثقافية والاجتماعية والاثنية، وفقاً لخطوط جيوسياسية ومراكز نفوذ ومصالح وطرقات وثروات واستتباعات ثقافية وسياسية للقوى المحلية من إثنيات وقوميات وقبائل وجماعات دينية وطائفية ومذهبية وعشائرية.

كل هذه العناصر سُميّت في الخطاب الغربي منذ أواخر القرن التاسع عشر "خصوصيات ثقافية" ودخلت حقولاً وموضوعات في البحث الإنتولوجي والأنتروبولوجي، كما وظفت في السياسات الغربية تجاه المجتمعات الأهلية، وفي إقامة الإدارات المحلية وبرامج الثقافة والتعليم. وإذا كانت هذه العناصر تنفجر الآن - في مرحلة ما بعد الحرب الباردة - فإنما يعبر انفجارها في الأمكنة التي تنفجر فيها عن ضيق وتوتر ومخاوف وهواجس جماعية، ولعوامل كثيرة لا علاقة لها بالثقافة أو الحضارة أو الدين.

والأنسب أن نبحث عن هذه العوامل الآن في مناطق "الجنوب" لنجدها في أسباب الفقر وسوء توزيع الثروة والتكاثر الديموغرافي وانسداد أبواب الرزق والعمل والخلل في توزيع السلطة ودخول سلطة الدولة طرفاً في الصراعات الأهلية… كما أنه من المفيد أن نبحث عن هذه العوامل في مناطق "الشمال" لنجدها في تفاقم الأزمة الإقتصادية والبطالة المتزايدة والموزاييك الديموغرافي الداخلي بين "أصيل" و "وافد" وبين "وطني" و"أجنبي"، والهجرة المتصاعدة من مناطق الجنوب. ولعله بسبب هذا يرتسم في المشهد الأوروبي صعود لأحزاب اليمين المتطرف، وعودة إلى صور شتى من العرقية والماضوية والأصولية والإيديولوجيات القومية - الشوفينية التي ترمي بمسؤولية الأزمة على "الآخر" المختلف، ثقافة وعاداتٍ وأنماط حياة…

وربما لهذا كله، ترتسم في المشهد العالمي ألوان فاقعة من الاختلافات العرقية والدينية والإثنية والثقافية التي تتصادم في أماكن شتى من العالم. لا بأس من أن نبحث عن نعوت وخلفيات إصطلاحية لهذه الصدامات، ولكنها بالتأكيد لن تندرج في مصطلح "حضارات" وإذا كان لبعض تلك الصدامات، أو لها جميعاً، أبعاد في الاستراتيجيات والسياسات الإقليمية والدولية الكبرى، من حيث علاقتها كمادة وحقل بما يُسمى "إدارة الأزمات" في العلوم السياسية والاستراتيجية الأميركية، فلماذا نسمي هذه الصدامات "صدامات بين حضارات".؟

نخلص إلى القول إن عناصر الصدام التي يعددها «هانتنغتون» ليبني عليها فرضيته، لا تندرج في نسق ومفهوم «الحضارات» إنها تعبير عن أزمة نظام عالمي يمر في "النقطة الحرجة" التي تجعل منه، على حد ما يقوله الباحث الفرنسي في الاستراتيجيا «بيار لولوش» (Pierre Lellouche) "فوضى الأمم".

النتيجة التي نخلص إليها هي: التمييز - رغم التداخل والتشابك - بين سياسات الدول الكبرى والأمبرطوريات ومنطق السوق العالمية وإعلامه وثقافته من جهة، وبين انسياب الثقافات والأفكار الإنسانية وتسربها بين المجتمعات، من جهة أخرى.

في المستوى الأول: شكّلت الحروب أدوات السيطرة والهيمنة في التاريخ، كذلك هي أدوات تركز الرساميل واحتكار الإعلام وتدفق المعرفة والتلاعب أحياناً ببرامج الأنترنيت اليوم، إنها أشكال من العنف الجديد في السيطرة العالمية، كبديل لسيطرة الأمبراطوريات والإمبرياليات القديمة.

أما في المستوى الثاني: (انسياب الأفكار) فإن ثمة مخزوناً من الأفكار أو تيارات أفكار (مدارس، اتجاهات، أخلاقيات، قيم)، كانت تشق لنفسها مجار غير مرئية في التاريخ، عبر المخطوط أو الكتاب أو الاحتكاك الإنساني (تجارة، بعثات، تعلّم، تعليم)، إنها مجار سليمة كانت تتم وتنحفر في العقول والنفسيات والذهنيات بمعزلٍ عن الحروب أو على موازاتها أو كنتيجة لها.

المستوى الأول يوحي بموقف بائس وبنهاية مأساوية للعالم. كان هذا على سبيل المثال موقف «توينمبي» حيال حربين عالميتين في إطار نظرته المعروفة "بالتردي الرتيب للتاريخ".

يقول: «إذا كان تشابه التاريخ للحضارة الغربية والتاريخ القديم للحضارات الأخرى، يشمل التفاصيل التسلسلية، فإننا اليوم على حافة هاوية تظهر حيالها الهاوية التي برزت في المجتمعات الغربية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كالحفرة الصغيرة البسيطة، إن فكرة كهذه كفيلة بأن تجعل أكبر فرد فينا يحس بالرعب والرهبة، ذلك أن النهايات التي وضعت حداً للفترات المضطربة في التاريخ القديم، إنما كانت قضاء مبرماً على حضارات اندثرت نهائياً ولم تنهض… ترى هل علينا نحن أيضاً أن ندفع الثمن نفسه فداء لسلامنا. إن هذا سؤال لا تستطيع شفاهنا الإجابة عنه لأن مصير أي حضارة حية يشكّل أمراً أكثر غموضاً، بالنسبة إلى من هم جزء منها، من مصير حضارة ميتة».

وفي رأيه إن النزعة العسكرية للدول وأهواء القلة المتحكمة في قرارات الحرب هي التي تدفع بالحضارات إلى الانتحار: "إن النزعة العسكرية تهدم الحضارة بإثارتها الصدام بين الدول المحلية التي تتألف منها… وفي هذا التدمير للذات يستخدم كل البناء الاجتماعي وقوداً لإشعال اللهيب المفترس الذي يجيش في جوانح البشر. إن فن الحرب وحده هو الذي أحرز التقدّم على حساب كل فنون السلام"، بل "إن كبر الامكانات العلمية والتصنيعية التي تسخر لتسيير آلة الحرب تدفع بالتاريخ إلى دورة من الحروب وصلت إلى آخر حدودها، أي إلى الحد الذي يمكن تدمير الإنسانية جمعاء".

هذه النظرة المتشائمة التي ترى في التسلسل التاريخي حركة تردٍ، تجد تعبيراتها أيضاً في مواقف العديد من الكتاب تجاه العولمة اليوم بظاهرتيها: التحررية الاقتصادية المتمثلة بحركة الاندماج الاقتصادي العالمي وبتمركز الإعلام والمعلوماتية بيد أصحاب الرساميل الكبرى.

وإننا لنجد - على سبيل المثال - عينة من هذه المواقف، في ما نشرته «اللوموند ديبلوماتيك» حول هذا الموضوع في المناظرة بينها وبين "الفايننشيال تايمز" المتحمسة للعولمة في العدد أغسطس (آب) ١٩٩٧.

يشير أحد كتّاب اللوموند (برنارد كاسين) إلى أنه "عكس ما كان يؤمل من أن عولمة التبادل التجاري سوف تضيق فجوة اللامساواة، فإنها أدّت إلى توسيع تلك الفجوة سواء أبين الدول المختلفة أم داخل الدول ذاتها" فقد زادت أعداد الفقراء في كل المجتمعات.

"كما أنها لم تؤد إلى ما كان مأمولاً منها، توسيع حقل المشاركة الديمقراطية: إن الديمقراطية نفسها هي الضحية الرئيسية للتبادل الحر وللعالمية، ذلك أن ديناميكية هذين العنصرين يؤديان في الواقع إلى الفصل المادي الذي غالباً ما يكون واسعاً بين مراكز القرار والأشخاص الذين يتأثرون بهذه القرارات".

وإذا كان حجر الأساس للحياة الديمقراطية هو الحس بالمسؤولية والإلتزام "فكيف يمكن - كما يتساءل صاحب المقال - القيام بهذه الالتزامات في الوقت الذي نرى ممثلي الشعب والحكومات، حتى لو افترضنا جدلاً أنهم صادقو النوايا في العمل لصالح مواطنيهم يفقدون باستمرار القدرة على التأثير على أصحاب القرار الذين يزدادون قوة ونفوذاً والذين يتمثلون في الأسواق المالية والشركات الضخمة".

في مقال آخر حول أهمية الشركات المتعددة الجنسية (فريدريك كليرمونت) والتي تكاد تنحصر بمئتي شركة تسيطر على العالم:

"ارتفع نصيب رأس المال متعدد الجنسيات في الإنتاج المحلي الخام في العالم من ١٧% أواسط الستينات إلى ٢٤% عام ١٩٨٢ وإلى أكثر من ٣٠% في العام ١٩٩٥" أما "الشركات المائتان الأولى" فهي التكتلات التي تغطي أنشطتها العالمية دون تمييز القطاعات الإنتاجية الأولى والثانية والثالثة أي الاستثمارات الزراعية الكبرى والمنتجات المصنعة والخدمات المالية والتجارية. ومن الناحية الجغرافية تنتمي هذه الشركات إلى ست دول هي: اليابان (٦٢شركة)، الولايات المتحدة (٥٣)، المانيا [٢٣] فرنسا [١٩] المملكة المتحدة [١١]، سويسرا [٨]، كوريا الجنوبية [٦]، إيطاليا [٥]، وهولنده [٤].

يستنتج صاحب المقال "حتى الآن لم تظهر آثار النقل الشديد للشركات متعددة الجنسية المسيطرة على الاقتصاد العالمي في الميدان السياسي. فهل يحدث ذلك في القرن القادم، لا أحد يعرف بالضبط أين ستقف هذه الحركة المندفعة إلى تركيز رأس المال، وفيما إذا كانت لها حدود، غير أن المضار الاجتماعية والسياسية المنجزة عن هذه السلسلة في عمليات الاندماج وشراء الشركات سوف تؤدي في النهاية إلى تصدّع البنيان الاقتصادي العالمي برمته".

لكن ما هو واضح ومعروف اليوم هو أنّ تمركز الإعلام بيد شركات رأسمالية كبرى، أخذ باحتكار وسائل المعرفة والاتصال ولاسيما في مجال الإعلام المرئي لدرجة تدفع أحد الكتاب «سيرج حليمي» أن يتساءل "ماذا يتوجب علينا أن نفعل نحن الصحفيين والمثقفين في مثل هذا العالم الذي يمتلك فيه ٣٥٨ مليارديراً من الثروات مقدار ما يمتكله نصف سكان المعمورة كلها؟ وفي عالم توجد فيه دولة كالموزامبيق يموت فيها ربع الأطفال قبل بلوغهم سن الخامسة بسبب الأمراض المعدية، وهي دولة تدفع سداداً لديونها الخارجية ضعفي ما تنفقه على صحة شعبها وتعليمه؟ وفي عالم يقول عنه أحد مديري برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مايلي: "إذا استمر الاتجاه الحالي، فإن التفاوت الاقتصادي بين الدول المصنعة والبلدان السائرة في طريق النمو سوف يتجاوز مرحلة القلق إلى مرحلة اللاإنسانية. كيف يمكن لنا نحن المفكرين والصحفيين الاعتراض على مثل هذا الوضع واقتراح الحلول، بينما نحن نرى هؤلاء المليارديرات من أمثال «بيل غيتش» و «روبرت مردوخ» و «تبد تيريز»، و «كونراد بلاك» … يملكون الصحف ودور الطباعة التي نكتب نحن فيها ولها، كما يملكون الإذاعات وقنوات التلفزيون التي نتحدث ونظهر فيها؟ وكيف لنا أن ن

عترض

ونحن نرى المعلومات والثقافة المنشورة تصدر خاصة عن الدول الصناعية، وأن القدر القليل من هذه المعلومات والثقافة التي تصل إلى الدول الصناعية يصدر عن الدول النامية (الفقيرة).

بتعبير آخر يطرح الكاتب السؤال الدائم عن دور المثقفين: "هل يستطيع هؤلاء أن يكونوا «صوت من لا صوت لهم»؟ ، أي صوت الفقراء والمعذبين والمهمّشين"؟ .

ثمة كلفة للقيام بهذا الدور: الشك بفكرة تسويق العولمة على قاعدة الفكر الواحد أو الأحادي. وهذا الشك ممكن بل ضروري كمنهج، لتفسير ما يجري في العالم من فوضى وأزمات ومآسٍ.

على أن هذا الشك، ليس موقفاً يائساً، أو جزءاً من نظرية تردي التاريخ المتشائمة، مقابل نظرية نهاية التاريخ المتفائلة، إنه مدخل لمقاومة الأصولية العالمية ذات الفكر الواحد بمنهج معرفي ناقد لوجهي العولمة:

ـ ناقد لوجهها الأحادي المتمثل بالقول بنهاية "سعيدة" للتاريخ، نهاية صراع الأيديولوجيات.

ـ وناقد لوجهها الصراعي المتمثل بصدام الحضارات والثقافات، ومن ضمنها شتى الأصوليات الفرعية في العالم، سواء أكانت أصوليات ثقافية أم دينية.

وهذا النقد المطالب به المثقف في العالم، سواء أكان في بلدان صناعية أم في بلدان فقيرة أم في طريق النمو، لا يزال ممكناً في حيز ما يحتلّه المستوى الثاني من مفاعيل عالمية التاريخ الذي يختزن تفاعلاً مثمراً للأفكار والنظريات والمناهج، يمكن للفكر الإنساني في أن يستفيد منها في هذا النقد. وقد مرّت الإنسانية بهذه التجربة من تفاعل الأفكار والمناهج في الخمسينات والستينات والسبعينات من هذا القرن، وأنتجت الإنسانيات أعمالاً تندرج في نطاق التاريخ العالمي القائم على التعدد والتنوع.

لقد بدأ في ذاك الحين اهتمام جديد بدراسة العالم وبدارسة المتخلف حضارياً (الصين، الهند، العالم الإسلامي، أميركا اللاتينية…) وبمنهج جديد يهدف هذه المرة إلى توظيف المعرفة في الحركة الإستعمارية، كما كان الحال في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بل يهدف في جملة ما يهدف إلى معرفة الآخر واكتشاف طبائع الاختلاف في العالم، حضارة وثقافة وأنماط عيش. ولاسيما بعد الثورة الصينية وصعود حركات التحرر الوطني وأفكار العالمثالثية.

ولعله في هذا السياق (النصف الثاني من القرن العشرين) تشكّلت القفزات المعرفية والمنهجية الكبرى في العلوم الإنسانية، والتي تمثلت بشكل أساسي في مدارس تاريخية مجددة كمدرسة Les Annales الفرنسية وفي مدارس إنتولوجية انطلقت من نقد المركزية الإثنية الغربية لترى حق الجماعات في ثقافاتها كجزء أساسي من شرعة حقوق الإنسان.

لقد أعيد الاعتبار في الدراسة التاريخية للحضارات القديمة، كما نظر إلى حياة الشعوب والأقوام والجماعات في الدراسات الانتولوجية على أنها تعبير عن ثقافات معيشة، وبرزت مفاهيم "النسق الثقافي" و "المرجعية" و "ابراديغم" كمفاهيم ومداخل فلهم نسبية الثقافات و"حوار الحضارات" وتحولات مناهج العلم والمعرفة. بل إن أصواتاً غريبة ذهبت إلى مدى أبعد في ترشيح ثقافات وحضارات وفلسفات وأديان "شرقية" لتكون بدائل للحضارة الغربية أو مرجعيات مصححة لمسارها.

بل إن النقد الأبستومولوجي للعلم طاول حقل العلوم الفيزيائية والطبيعية، فبرزت نظريات نقدية للمنهج الديكارتي وفيزياء «نيوتن» والتقسيم الوضعاني للعلوم، واتهم البراديغم الغربي للعلم بالتجزيء والتفكيك. ومدت النظرية الفيزيائية الحديثة حول الكون هذه النظريات بمبررات اعتقادية حول وحدة الكون وعضويته. ودفع هذا المنطق أحد علماء الفيزياء المعاصرين إلى تثمين الفلسفة البوذية الشرقية من حيث نظرتها المتوازنة والمتكاملة إلى الإنسان والكون والوجود (كابرا).

ما نود أن نقوله هو أن هذه الأمثلة وغيرها تعبر عن احتمال تعددية التصور لدور الثقافات والحضارات والفلسفات في العالم، ولكن هذا التعدد يبقى أشكالاً من التمثلات والرؤى والتحليلات الذهنية التي لا علاقة لها بصدام أو صراع في ما بينها. إنها تعبير - وفي الحالات التي نعرض لها - عن سياقات في تحول العقليات الغربية ومن داخل معايشة أزمة الحضارة الغربية نفسها. أما أهل هذه الثقافة أو تلك، فلا يصادمون بعضهم بعضاً بسبب اختلاف ثقافتهم وحضارتهم وتصورهم للحياة والكون. وليس صحيحاً أن ثقافة أو حضارة ما تحمل في داخلها عنفاً أو عدوانية كثقافة أو حضارة لجماعة من البشر، اللهم إلاّ إذا تلبست هذه الحضارة أو هذه الثقافة دولاً وأمبرطوريات وسياسات توسعية أو كالسياسة الإستعمارية القديمة أو كعنف النظام العالمي ولا مساواته أو أنها شكّلت في المقابل، إطار حماية وممانعة في وجهة سيطرة أو استتباع أو اقتلاع أو إفقار أو تجويع أو اضطراب اجتماعي، كالحركات التي يشهدها عالم الجنوب.

كان ذلك في مرحلة عالمية الخمسينات والستينات والسبعينات، أما اليوم، فإن المعضلة الصعبة التي تحتاج إلى تفكيك وحل، تكمن في انعدام المجاري والمسالك السلمية، أو على الأقل في انحسارها أمام التدفق الهائل للمعلومات والمعارف من جهة واحدة. وذلك أن التفاعل الثقافي المثمر، هو التفاعل الهادىء والبطيء ذي الطابع الانسيابي، أليس هطول المطر المنساب على المدى الطويل هو أنفع للأرض والإخصاب من انهماره سيولاً جارفة للتربة والنبات؟

مثل الطبيعة قد يكون ذا دلالة (دلالة المفارقة) على ما يجري اليوم من سيول متدفقة للمعلومات والمعارف، وللسلطة والصورة، ولا أقول للثقافة.

أليس الأصل الألسني في معظم لغات العالم، (على الأقل في اللغات اللاتينية واللغة العربية)، يعود إلى جذر الحرث والفلاحة والخصب؟ وكلها تحتاج إلى شروط التهيؤ والاستيعاب والهضم؟

البعض يقدّم صورة سوداوية لنتائج العولمة على "حوار الثقافات"؟

والبعض الآخر يقدم صورة متفائلة لعالمية الثقافة؟

والرأي الأرجح قد يكون في البحث عن وظائف جديدة لإنجازات المعلوماتية في مجال البحث، ولعل البحث في الإنسانيات - وهذا دور أساسي من أدوار المثقف - الباحث يقدّم منهجاً في العمل الثقافي قد يكبر وقد يفعّل بصورة غير مرئية وغير منظورة في "تفاعل الثقافات"، فالتغيّر في الذهنيات تغير بطيء جداً. لكن شرط ذلك أن نخلّص مناهج الإنسانيات من أهداف الدراسات الاستراتيجية التي تبغي السيطرة. هنا قد يكمن الفرق الشاسع بين الباحث - الخبير و الباحث - المثقف. ليس المطلوب تغيير العالم، بل تغيير النفس. هكذا كانت البدايات دائماً في مراحل الأزمات الكبرى، حيث كان يُخيل دائماً أننا أمام "نهاية التاريخ".

خلاصة ودروس من التاريخ العالمي

السؤال الذي يشتق عن جملة تلك المسائل، هل أمكن للحروب أن تطمس ما أنتج من أفكار، أو أن تمنع جريان هذه الافكار في أماكن الحروب ومساحاتها وفي ما يتجاوز جغرافيتها السياسية؟ لتتذكر أفكار الرشدية اللاتينية، وكيف شقت طريقها عبر إسبانيا المسلمة إلى العالم اللاتيني، وأفكار النهضة الأوروبية التي ترافقت مع حروب الاكتشاف والاكتساح، وأفكار عصر الأنوار، ووضعانية علوم الإنسان والمجتمع، وصولاً إلى القفزات الأبستمولوجية في منتصف القرن العشرين. الأفكار والثقافات تقع داخل هذه الحروب، هي جزء منها أو تسير على موازاتها وعبر بشرها، في مسالك غير مرئية، أو بالأحرى هي مرئية على المدى البعيد، وبمنظار التأريخ للمدد الطويلة.

لذلك فإن دراسة خبرات التاريخ ودراسة ما يجري اليوم في مسار تسارع العالمية الجديدة (العولمة)، قد تساعد في بلورة منهج للنظر إلى طبيعة العلاقة بين الثقافات وفضاءاتها، على أن نضع هذه العلاقة في قلب التاريخ العالمي، لا خارجه، أن نعي ديناميته، وحركة انتقال مركزه من مجال جيو - حضاري إلى مجال آخر، أن نتدارس عوامل هذا الانتقال أو الأفول أو الانبعاث أو التجدد. فثمّة دروس من التاريخ يمكن أن تساعد على حسن النظر "وتلمس أبواب" تخرجنا من الأنفاق التي أقفلنا أبوابها على أنفسنا بأقفال من المسلّمات التي صغناها بمصطلحاتٍ هي أشبه "بطلاسم" تغلق ولا تفتح.

دروس التاريخ، هي دروس في المنهج وطريقة في النظر، وليست دروساً في الترشيد لحتمية تاريخية، أو في التطبيق لنماذج تاريخية من مراحل زمنية متباينة.

منذ مطلع القرن العشرين وحتى يومنا، انتج العالم ولا سيما العالم الغربي كمّاً هائلاً من المعارف والدراسات التي تناولت مسار الحضارات والثقافات، يمكن للباحث العربي أن يفيد من مناهجها وأسئلتها المجاب عنها أو المستمرة بلا إجابة. ولعلّه من المفيد استذكار دروس ثلاثة:

الدرس الأول: في النصف الأول من القرن العشرين برزت من داخل الحضارة الغربية، وفي سياق حربين عالميتين مدمّرتين، نظريات وفرضيات في نشوء الحضارات وأفولها، يقول بعض هذه الفرضيات "بأفول الحضارة العربية" (شينجلر)، ويقول بعضها الآخر "بالتردي الرتيب للتاريخ" ونعرف جميعاً أن أبرز من عبّر عن هذه الذهنية المتشائمة في النظر إلى حركة التاريخ هو «تويمبي». إلا أن تويمبي كان يرى - وكما يوضح في كتابه "حرب وحضارة" أن سياسات الدول الكبرى أي سياسات القوة وتغليب منطق السيطرة وصراع العالم هي التي تفرغ الحضارة من مضمونها الثقافي - الإنساني والروحي وتدفع بها إلى ان تصبح أحادية مادية يؤدي بها الأمر إلى التردي والأفول، لكن - غني عن البيان - أن هذا التوجس لم يكن في محله، إذ ما لبثت الحضارة الغربية أن جدّدت بنيانها ومناهجها من داخلها. في حين لا زالت أعداد من المثقفين العرب والمسلمين تنتظر تردي الحضارة الغربية وتبشر بذلك على غير طائل.

الدرس الثاني: في سياق تطور مناهج النظر إلى سمات الحضارات وخصائصها في منتصف القرن العشرين، تبلور منهج تاريخي مستثمر لعلم الاجتماع وعلم النفس والأناسة، والاقتصاد، ولما أنجز على هذا الصعيد من أعمال كأعمال «ماكس فير» و «دور كهيم» و «مارسل موس»، مضافاً إلى نتاج تجربة معيشة خلال حربين مدمّرتين.

يستوقف في هذا المجال (مجال دراسة الحضارات وعلائقها)، العمل الكبير الذي أنجزه المؤرخ الفرنسي «فرناند بروديل» حول تاريخ حوض المتوسط في القرن السادس عشر، أهم ما في منهج «بروديل» - وهو من أبرز أعلام مدرسة الحوليات الفرنسية (Le Annales)، تفكيكه للزمن التاريخي لحقبة طويلة من التاريخ، حقبة شهد فيها التاريخ تحولاً عميقاً وتغيرات أساسية كالتغيرات التي نتجت عن تغيّر طرق المواصلات العالمية وتهميش المتوسط. يرى «بروديل» في الزمن التاريخي ثلاثة أزمنة تتقاطع بتفاوت وتائر سرعتها وتغيرها.

ـ زمن جغرافي ثابت - (الجغرافية - التاريخية).

ـ وزمن حضاري - اجتماعي - ثقافي بطيء التغيّر.

ـ وزمن سياسي متقلّب وسريع.

ما يهمني في منهج النظر هو التوقف عند المستوى الثاني:

صحيح أن «بروديل» يعتبر أن لحضارات المتوسط الثلاث (الغربية - اللاتينية، العربية - الإسلامية، اليونانية - الأرثوذكسية «الكامنة» قعراً عميقاً، إلا أنه يرى في المسار البطيء لهذه الحضارات أوجهاً من التداخل، أي حيزاً من الحركة الهادئة والتأثر البطيء المتبادل. ويلحظ على المدى الطويل (دراسة الحقبات الطويلة) أما الصدامات والحروب والأحداث السياسية فإنها تنتمي إلى المستوى الثالث: إذ تتحكم فيها مصالح الحكام والتجارة والسيطرة على الطرق والممرات ومصادر الثروة، والتوترات الاجتماعية في داخل الدول.

ولا بد من الإشارة أن فترة الخمسينات والستينات شهدت أعمالاً بحثية كبرى في التاريخ العالمي أو التاريخ المقارن على غرار ما قام به «بروديل» من مثل عمل «هدغسون»، و «لومبار»، و «أندريه ميكيل» (وآخرين) وكان يمكن لهذه الأعمال أن تلعب دوراً إيجابياً في وعي التاريخ العالمي وفضاء العلاقة ما بين الحضارات في التاريخ، وهذا درس ينبغي مراجعته اليوم لأنسنة مناهج العلوم الإنسانية في تناولها لفضاء العلاقات ما بين الثقافات في عصر العولمة.

الدرس الثالث: الذي تبلور في مرحلة ما بعد الثمانينات، نلاحظ بدءاً من الثمانينات شيوع أسلوبين في الأوساط البحثية العالمية في النظر إلى حقول الثقافة والحضارة والتاريخ، وإلى مجال علاقة هذه الحقول بالسياسة والعلاقات الدولية.

١ - أسلوب تجزيئي في البحث يستغرق نفسه في دراسات حقلية وميدانية اتنوغرافية ومونوغرافية وتاريخية تتضخم فيها الخصائص الثقافية في المشاهد الثقافية في العالم: الحي، السوق المحلي، القبيلة، القرية، الطائفة، الاستقصاءات والاستطلاعات… وتتجزأ فيها صورة الهوية إلى أصغر فأصغر.

٢ - أسلوب توليفي يعيد تركيب هذه العناصر المفردة في أعمال استراتيجية أشمل، والملاحظ أن أعمالاً من هذا القبيل قد تنتظم في علم استراتيجيا جديد مواكب لمسار العولمة واستدعاءاتها.

هذه الأعمال إلى جانب استثمارها للأسلوب التجزيئي توظف فلسفات ومدارس فكرية ومفاهيم، كما توظف خبرات تاريخية ومعطيات انتولوجية وانتروبولوجية لاستخلاص أنماط من العلاقات الدولية أو لاستشراف مسارات محتملة للعالم: «فوكوياما»، «هانتنغتون»، «بول كنيدي»، «نيكسون».

هذه الأعمال ومثيلاتها وبغض النظر عن النوايا تنتظم في وظيفة استراتيجية للبحث وللمعرفة، تخدم آلية بناء الأمبراطوريات الكبرى، أو منطق السوق وفقاً لآلية الليبرالية الاقتصادية أو وفقاً لمنطق إدارة الأزمات في علم السياسة.

يمكن أن نسمي هذا النموذج من الباحث (الباحث الخبير) سواء أمارس أسلوباً تجزيئياً أم أسلوباً توليفياً ونموذجه معروف وشائع في التجربة الأميركية كما تشير دراسات أدوار سعيد، غير أن صورته تكاد تعمم في العالم اليوم بنسب تتفاوت على مستوى حجم العلاقة بصناعة القرار في البلد المعني ومدى استثمار فواعل العولمة ودينامياتها وتداعياتها في اتجاه سياسات عليا.

السؤال الذي يطرح اليوم، أي باحثٍ نتوخى في ظل هذه التحولات الكبرى ودروس تجارب التاريخ وخبراتها؟

بعضهم لا يزال ينعى على الحضارة الغربية "ترديها" وينتظر انهيارها مستلهماً ومقلّداً كتّاباً أوروبيين منذ «تويمبي» وحتى «جارودي»، أو داعياً لدراسة الغرب في ثنائية معكوسة (الاستغراب لدى حسن حنفي)، وبعضهم يتوجّس الاقتباس المنهجي من باحثي التاريخ العالمي والحضارات المقارنة خوفاً على هوية مأزومة، وتوجساً من "عولمة" لم تدخل بعد في وعيهم، وبعضهم يضيع بين "باحث خبير" لا مكان له في صناعة القرار في بلادنا، وبين "باحث مناضل" لا يزال يحمل عبء الإحباط، وقد يكون هذا مكمن اللبس في تعبيرنا عن التحولات التي لم تساهم فيها في التاريخ العالمي المعاصر.

* - أستاذ في الجامعة اللبنانية.



[ Web design by Abadis ]