ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تعقيب على بحث د. عبد النبي اصطيف \ د. غريغوار مرشو *

لا شك في أن إشكالية الحوار مابين الحضارات وتغليبه على الصراع أصبحت مثار جدل فكري واهتمام عالمي وبخاصة من الأطراف العالم ثالثية. وهذا للاعتبارات التالية:

إذا كانت الأطماع التوسعية والهيمنة على الكون في الماضي، مجرد علم أو طموح محدود الامتداد وغير منتظم يراود الفاتحين في الامبراطوريات أو الحضارات القديمة - المكونة صروحها من أقوام متعددة الجنسيات والأديان والثقافات، في إطار سياسي عشائري يحافظ على استقلالية ثقافاتها وإدارة شؤونها - فقد صارت اليوم، وللمرة الأولى في تاريخ البشرية، مع الحضارة الغربية الممركزة حول ذاتها الإثنية، أكثر تنظيماً وحقيقة واقعية في تهميش هذه الثقافات وتدمير أسسها الاقتصادية على الصعيد العالمي.

كما ولأول مرة تميزت هذه الحضارة، بخلاف سابقاتها، باعتماد الثقافة والغذاء لاحقاً، سلاحاً أساسياً في استراتيجيتها للسيطرة والاستغلال الجشع للشعوب الأخرى، بهدف تحطيم ثقافاتها وتحويلها إلى مجرد مستحثات فولكلورية تُرضي غرائبيتها الاستيهامية، سواء أبالقهر أم التدجين والاحتواء السلمي لنخبها، أو بالحرب.

أقول ذلك بخلاف ما يُريد تسويقه الباحث عبد النبي اصطيف، في ورقته، من مماثلة وظائفية الحضارة الغربية اليوم مع الحضارات السابقة. كما أريد أن أوضح هنا أنه لم نكن بانتظار صدور كتاب «هنتنغتون»، الذائع الصيت، المعنون (صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي) حتى نهرول إلى مقابلته بحوار الحضارات. إذ ما جاء به ليس بغريب ولا بجديد، بل هو على العكس خلاصة مكثفة لما تحمله المركزية الغربية من أنماط معرفية - على اختلاف مذاهبها - مكرسة لنرجسيتها، وهذا على الرغم من دعوات مهمشة إلى فك الارتباط معها.

فإذا كان لابد من الحديث عن الجدة عند صاحب هذا الكتاب وغيره فهو نوع من التحصيل الحاصل والاستمرار الأكثر علنية للحرب المفتوحة على ثقافات الشعوب الخارجة عن مدار ثقافة الغرب التي تتمسك بتفوقيتها وتجانسها العرقي الموهوم. وتميزها الميتافيزيقي بالمطلق بالقياس إلى الثقافات الأخرى المهشمة، ولقد تزامن هذا الإعلان المعمّم مع إنعقاد النصر للولايات المتحدة الأمريكية وإستئثارها بالقطبية الواحدة بعد حرب الخليج الثانية، وزاول الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية التي انطوت معظمها تحت راية الحلف الأطلسي، واحتواء التحديات الاقتصادية المتمثلة ببعض دول الأطراف الأسيوية.

هنا أتساءل تجاه ظاهرة المطالبة بحوار الحضارات في مقابل العولمة التي عدّد الباحث مخاطرها المدمرة: هل تلغي هذه المطالبة إحتمالات الصراع مع الآخر؟ ثم هل الحوار إستقامت آلياته بين التابع والمتبوع حتى نهلّل بسذاجة لدعوة الشراكة المعرفية مع الآخر؟

في الواقع، ما أريد لفت نظر صاحب البحث إليه، حينما يدعونا إلى هذه الشراكة، هو أن هذه الشراكة المنشودة قد سبق أن دشنتها، منذ قرنين، نخبٌ محلية تحت لواء التفاعل أو الحوار والمعرَّفة اليوم باسم المثاقفة، سواء أبإسقاط نموذج السلف (أمثال رفاعة الطهطاوي والأفغاني وعبده وغيرهم) على نظيره الغربي، أم بإسقاط هذا الأخير على الأول على نحو سلبي تهميشي أو على نحو إيجابي تقريظي تلفيقي. وفي كلتا الحالتين كانت هذه النخب ولا تزال في معظمها، حتى اليوم، محكومة، في وعيها ولا وعيها، بمنطق النموذج الغربي، بذريعة (عالميته).

وهنا، لا من موقع الشراكة المزعومة والحوار المتمنى وإنما من موقع دوني مستتبع. هذا المسار أدى بالعلوم والمعارف المنقولة عن الآخر إلى احتواء قادة الدول والعسكريين والمفكرين والأدباء والفنانين، وتحويلهم إلى مجرد مُردِّدين ومُعرِّفين بالمذاهب الفكرية والعلمية والأدبية والفنية، ومُمسْرحين لها في أوطانهم، إن بالشكل أو المضمون. وذلك، إبتداء مما يُسمى بـ (عصر النهضة) أو (الإصلاح) وانتهاء بنشأة حداثة مسبقة الصنع، سجينة أسئلة وأجوبة وإشكاليات منطق حضارة المستعمر، بوجهه القديم والحديث. الأمر الذي أفرز، في المقابل، نُخباً أخرى تتوسل التراث أو السلف من موقع الإتباع المصنِّم لا الإبداع المُثمِّر. وهذا للرد على النموذج الغربي على نحو معكوس ومضاد.

لقد صار الفكر بتلك الظاهرة الثنائية المتنافرة والمتحاربة هو الترديد والمزاودة، أو التداول بمذاهب متغلفة بعضها على بعض هائمة فوق الواقع، لا الغوص في صورته واستخراج إمكانات جديدة واستنبات قواسم مشتركة تعيد اللحمة إلى المصير الممزَّق وإلى الاقتصاد والسياسة والثقافة والأديان المختلفة والمتفارقة والمجزأة. فكانت الضريبة المفجعة لتجاهل كل ذلك، هي تغيب ما يجري تحت أقدام القادة ونجوم الفكر والعلم والأدب والفن، من سلب واستنزاف الثروات وقهر النفوس وتكسير للبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من الخارج والداخل، حتى تحولت المجتمعات التي أُطلق عليها مجتمعات (الشرق) أو (عالم الثالث) أو (عالم الجنوب) إلى دول مرتهنة علمياً وفكرياً واقتصادياً وثقافياً وسياسياً للمركزية الرأسمالية الغربية.

فالسؤال الآن مطروح على الباحث وعلينا جميعاً: هل يكفي الإعلان عن مقاصدنا الطيبة في الحوار مع الآخر الداخلي أولاً والخارجي ثانياً حتى تستقيم الأمور ضد ما تحمله العولمة في تضاعيفها من مفاجآت؟ في الحقيقة أن العولمة أصبحت ساكنة في داخلنا ولم تعد أمراً خارجياً. وسوف يزداد تصويرها كغول أو شبح ينقض علينا كالصاعقة، كما سوف يتضاعف الرعب والإرهاب حيالها، مثلما نرى عند قسم كبير من مثقفينا بمقدار ما نتغاضى عن القيام بإعادة نظر نقدية بمفهوم النخبة وبغيرها من المفاهيم المعرفية المسبقة الصنع التي لا تزال تتحكم بوعي أو لا وعي نخبنا.

فكان على الباحث «عبد النبي»، قبل أن يستفيض في تعديد تعاريف عن أشكال الحوار والتردد في التحديد حول ما إذا كانت ستقوم بالحوار، كان عليه ألا يضرب جداراً من الصمت على الاعتبارات التي تقدم ذكرها.

والحق أن رؤية «اصطيف» يعتريها كثير من التبسيط والتغييب لجملة من المسائل. إذ لم ير أنه في غياب شراكة مصرفية وعدالة اجتماعية وثقة الدول بمجتمعاتها المدنية، أو في غياب نخب مجذرة في ثقافات شعوبها وتفعيلها في الداخل بالدرجة المناسبة، لا يمكن أن نتوقع قطاف ثمرات مجدية لأي حوار، لابل سيسهل الإجهاز عليها بالاحتواء وسيؤبَّد صراع الآخر الخارجي. فمن علاقة غير متكافئة، مع حضارات أو ثقافات الشعوب المستضعفة. وخاصة ضمن سياسة عولمة زاحفة، يقودها أرباب شركات احتكارية ينتهكون القوانين الدولية، ولا يشغلهم، في بسط هيمنتهم على شعوب العالم بأسره إلا تسليع ثرواتها الثقافية والمادية.

إذاً، إذا لم تبدأ الشراكة المنشودة من الداخل، فسوف يكون من المستحيل إنجاز جدلية حوار وصراع متكافئة مثمرة مع الآخر.

في نهاية المطاف أقول: ما أحوجنا اليوم إلى توسيع وحدتنا الإقليمية من خلال تجسير العلاقات الثقافية والاقتصادية مع مختلف الشعوب المستضعفة والمعذبة في الأرض مهما اختلفت أديانها وثقافاتها وأجناسها، لأنه بذلك تُصبح المناشدة بآليات الحوار مع الآخر من موقع الإقتداء والفعل وليس من موقع الاستجداء والانفعال.

مداخلة على تعقيب غريغوار مرشو

د. عبد النبي اصطيف

أريد أن أشير إلى أننا قد ننصرف إلى حوار الحضارات، لكن ينبغي ألاّ ننسى حقيقة مهمة، وهي أن المفهوم الذي طرح الآن بعنوان حوار الحضارات إنما طرح رداً على نظرية (صموئيل هانتنغتون) بصدام الحضارات، فقد حاولت أن أحصي الاستجابات التي قام بها العرب والمسلمون بشكل عام فوجدت أنها انطلقت في الدعوة إلى حوار الحضارات بعد سنة ٩٣ أي بعد أن أطلق (هانتنغتون) نظريته.

الغرب الآن يتسنم الذروة في كل شيء، وبالتالي فمن صالحه أن يشيع مناخ مواجهة لآن الصدام سيكون في النهاية لصالحه، ويؤدي إلى غلبته، وهذا ما سيمكنه من إشاعة ما يريد من قيم، وأخلاق، ومعايير تمثّله هو، ولكنه سيسميها إنسانية.

وبالمقابل فإن دول الجنوب بما فيها دول العالم الإسلامي حاولت أن تطرح مفهوم الحوار الذي ينطوي على الكثير من الأمور البعيدة عن الواقع الذي نعيش فيه، نحن نطرح مسألة الحوار لأننا غير قادرين على الصدام، فنحن لا نستطيع أن نواجه الغرب الآن لأنه في موضع قوة، ونحن في موقع ضعف، فنحن متفرقون وضعاف ولذلك نطرح فكرة الحوار ونتحدث عن الاستعلاء والاستخلاف وأمور أخرى كثيرة.

لكن أعتقد أن المسلم ينبغي أن يتدبر واقعه، ثم ينطلق لتجاوزه مستعيناً بالقيم الروحية التي آمن بها، وتمثلها في سلوكه، وبسبب إيمانه العميق بها ستكون الغلبة له، لأن الغلبة للحق، وللقيم الإسلامية التي نزلت من السماء رحمة للناس، وعلى المسلم أن يستمر في الكفاح والنضال لتطبيقها في الأرض. ولكن تجاوز الواقع والتفكير في أشياء بعيدة عنه لا يجدي نفعاً.

فمثلاً نحن الآن نهتم بوضع إخواننا الفلسطينيين ومعاناتهم، والغرب وأمريكا ينتظران ماذا يمكن أن نفعل. فماذا فعلنا نحن؟ في الحقيقة أننا اكتفينا بإرسال بعض الأموال، وإطلاق التصريحات، وعقد المهرجانات، وتسيير المسيرات.

لكن أعتقد أن الواقع يفرض علينا أن نقوم بشيء آخر، ودون أن نتدبر الواقع فإننا لا نستطيع أن نرتقي إلى مستوى حوار الحضارات، فمسألة حوار الحضارات طرحت ضمن واقع سياسي معين، ونحن لا نستطيع أن نُسهم بها دون أخذ الواقع بالحسبان.

* - محاضر متقاعد في جامعة حلب قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية…



[ Web design by Abadis ]