ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تعقيب على بحث الدكتور محمد السعيد إدريس \ أنور أبو طـه *

في البداية لا يسعني إلا أن أشكر الدكتور «محمد السعيد إدريس» على بحثه القيم وما تعقيبي عليه إلا محاورة له، واستئنافاً للنظر المشترك في موضوع المؤتمر ألا وهو (حوار الحضارات)، والذي لا أظن أن الورقة أعطته حقه كاملاً وإن استعملت الحديث حوله، تاركةً إياه لمبعث (النظم الدولية والإقليمية والعلاقة بينهما) باعتبار القاعدة التي ذهب إليها الباحث من أن (مستقبل حوار الحضارات سوف يتوقف على مستقبل العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام الدولي). فعمد إلى دراسة مستفيضة مركزة لـ:

ـ العلاقة بين النظام العالمي والنظم الإقليمية.

ـ دراسة تأثير الخصائص الجديدة كنمط جديد من التفاعلات العالمية.

دونما بيان كافٍ لأثر هذه المباحث في واقع ومستقبل حوار الحضارات، تاركاً للباحث والدارس مهمة التفكر في معالجة (مسألة حوار الحضارات) في ضوء البحث المتقدم في النظم والعلاقات الدولية.

سأشير إلى نقاط عدة (النشأة - الموضوع - المستقبل) على سبيل إغناء النظر وتبادل الحوار في مؤتمر الحوار:

يفتتح الدكتور «إدريس» ورقته بالإشارة إلى حوار الحضارات كعملية ضرورية لترشيد عملية العولمة وبالذات في بعدها الثقافي، مشيراً إلى أن الدعوة للحوار ليست بديلاً أو نقيضاً أو رداً على دعوة صدام الحضارات، بل لمواجهة العولمة.

هذا الاستهلال يدفعنا للتفكر في مسألة (حوار الحضارات) في بعديها الزمني والموضوعي.

فمن حيث انبعاث التوجه وبدايات التنظير التبشيري [١] إلى حوار الحضارات، لا يمكننا أن نهمل القول إن الفكرة ولدت بعدما شاع مذهب (صدام الحضارات) في السنوات الأخيرة والذي دعا له عددٌ من المفكرين والاستراتيجيين الغربيين، إذ اعتبروا أن مركز التهديد الذي تداعى بهزيمة الشيوعية قد انتقل إلى مواطن حضارية أخرى في (الجنوب) وأن الخطر الإسلامي يأتي في مقدمة محاور التهديد الجديدة لحضارة الغرب، فبعد أن تكلم «برنارد لويس» على (دعوة الإسلام) راح يؤكد في حديثه عن (جذور الغضب الإسلامي) قائلاً: «إننا نواجه عصر الحضارات المتصارعة بحق».

أما «صامويل هانتغتون» فقد افترض في مقالته المدوية التي نشرها في صيف عام ١٩٩٣، أن المنبع الأصلي للنزاع والانقسام في العالم في المستقبل سيكون ثقافياً، وستكون الخلافات السياسية العالمية بين الأمم والمجموعات ذات الحضارات المختلفة.

وجدل العلاقة المباشرة بين دعوى (صراع الحضارات) ودعوى (حوار الحضارات) واضحة في خطاب أحد أكبر دعاة ومبشري حوار الحضارات السيد «خاتمي» إذ يقول: ( (نحن نستبدل الفكرة الخطيرة والخاطئة القائلة بالمواجهة بين الحضارات بالدعوة إلى حوار بين الثقافات والحضارات) ).

إن هذا التحديد الخاتمي مهم في بيان حراك الفكرة الزمني، لأنه يشير أيضاً إلى موضوع الحوار الذي يريده دعاته. ذلك أنها ترتكز على بعد ثنائي أيديولوجي أكثر مما تتعرض للسياسات الدولية، وميزان القوى المختل لصالح قوى النسق العالمي الجديد [٢].

ولبيان ذلك نعود إلى السيد «خاتمي» الذي يحدد الهدف من الحوار قائلاً: ( (أنه ملء الفراغ المعنوي الذي يُعتبر السبب الرئيسي للأزمة الموجودة في العالم خلال القرون الأخيرة) )، داعياً إليه باعتباره حوار مفكرين وباحثين أكثر من كونه حوار سياسيين محذراً من تحول (الدين والمسائل العقائدية والفكرية إلى أدوات بيد السياسة وأصحاب المصالح السياسية والاقتصادية).

إن الهدف المتمثل في بعده القائم على حل أزمة الهوية والذات المتشظية الضائعة نتيجة حضارة الغرب الصناعية الفاقدة للمعنى، هي من وجهة نظر «خاتمي» لابد أن تتخطى منذ البداية عقبتين رئيسيتين هما:

العقبة التاريخية: وتتمثل بمناسيب بين المسلمين والمسيحيين ( (من ذهنية تاريخية مروعة، لا سيما في أعقاب الحروب الصليبية …. (ونتجاوز) …. حالة عدم الثقة والتشكيك بين المسيحيين والمسلمين) ).

العقبة المعاصرة: ممثلة بالاستعمار الحديث ومخلفاته.

مما تقدم يظهر أن موضوع دعوى (حوار الحضارات) وكما عبر خاتمي - والذي استجابت الأمم المتحدة لدعواه - هو موضوع ثقافي أكثر من كونه سياسياً يروم تغيير السياسات الدولية أو مع ما يضمره في داخله ويستنبطه من غايات وأغراض سياسية كامنة، إلا أنها ليست الأساس والمحرك.

وهنا نتفق والمحاضر الكريم من أن دعوى حوار الحضارات تواجه العولمة في بعدها الثقافي وكما قال: ٠ (كي لا تتحول آليات التفاعل بين الثقافات والحضارات من عمليات التثاقف المتبادل إلى عملية إحلال ثقافة بيئية واحدة فوق أطلال الثقافات الأخرى التقليدية القديمة والحديثة) ).

وعليه فحوار الحضارات لابد أن يوضع في سياقه الطبيعي دونما غلو أو تعويل عليه لمواجهة الاختلالات في العلاقات الدولية. فلعملية تصحيح العلاقات والتوازنات في النسق العالمي آليات من التدافع والقوة والتنمية والإكراه٣ (الردع الإيجابي) تختلف اختلافاً جذرياً في سبل عملها وحراكها عن الدعاوى الثقافية والأيديولوجية.

وإذا لم تتوافق دعوى (حوار الحضارات) في بعدها الثقافي، ببعد مادي يخلق من عوامل القوة والمنعة والتطور والإنماء ما يكفي للاستقلال في القرار والإدارة، ستبقى هذه الدعوى أيديولوجياً للضعفاء والمهمشين في النسق الدولي الجديد.

وإذا كان (المنطق) هو الأداة الرئيسية في حوار الحضارات كما يذهب السيد «خاتمي»، فإن القوة [٤] (بمعناها السياسي الشامل) هي الأداة الرئيسية في تدافع الحضارات في العالم.

وإن كان الحق أيديولوجياً الحوار في الأولى، فإن العدل هو ميزان التدافع في الثانية.

ذهب المحاضر الكريم إلى القول إن ( (مستقبل حوار الحضارات سوف يتوقف على مستقبل العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي) ) وهذه إشارة إلى مسألة غاية في الأهمية وهي أن دعوى الحوار ليست مسألة تدور بمعزل عن تأثيرات العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي أو بمعزل عن إرادات وعلاقات القوة وطبيعتها وطرق توزيعها.

وتجاوزاً للعلاقات القديمة في المنظومة الدولية وصولاً إلى (الإقليمية الجديدة).

وإذا كانت معالم هذه الإقليمية الجديدة ترتكز إلى التكتل الاقتصادي الإقليمي بعدما قصَّرت الدولة القومية عن أداء وظائفها، أو التكيف مع الواقع السياسي الاقتصادي التكنولوجي الجديد.

وإذا كانت الدول الصناعية الكبرى مازالت تحقق فائضها التجاري الكبير على حساب أطراف أخرى.

وإذا لم تشكل الإقليمية الجديدة نقيضاً أو بديلاً للتجارة الحرة العالمية متعددة الأطراف بل تتمة لها.

فإننا نرى وبخلاف التوجه القائل لأنصار الإقليمية الجديدة، إنها ستساهم في الاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، أو قضية السلام، بل هي على العكس فتشابك المصالح، والاعتماد الاقتصادي المتبادل مازال مختلاً لصالح التكتلات الثلاث الكبرى / أمريكا، الغرب، اليابان / وما طرأ في هذا السياق من تحسينات (دول شرق أسيا) لم تخلق للآن أي توازن.

كما أن عنصر المفاوضات داخل التكتلات الاقتصادية الإقليمية الثلاثة الاتحاد الأوروبي، ومنطقة التجارة الحرة لشمال أمريكا «نانتا»، والتكتل التجاري لجنوب شرق أسيا الباسفيكي بقيادة اليابان، لا تخدم المفاوضات العالمية بما يحقق مصالح الداخل الوطني لدول الجنوب، بل أن الضغط يزداد باتجاه الإكراه على اتباع سياسات البنك الدولي وصندوق النقد ومؤسسات القروض الكبرى وبما يحقق صالح الخارج الإقليمي فقط.

ومازال كل تحسن في بلدان الجنوب يذهب لصالح تكريس نظم التبعية وطبقتها السياسية.

وكل ما تقدم سيؤدي إلى:

ـ زيادة فرص الاحتكاك والصراع مع التكتل الاقتصادي الخارجي.

ـ زيادة تهميش الدول الأخرى غير المشاركة في الكتل الثلاث، خاصة أن دول الجنوب ليس بمقدورها تشكيل كتل اقتصادية قوية وفعالة.

ـ زيادة أزمات الداخل الوطني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

ـ زيادة التركز الثقافي والأيديولوجي بين الكتل الثلاث نتيجة التجانس الأيديولوجي بينهما سيدفعهم إلى ممارسة عولمة ثقافية تفرض قيماً وأنماطاً من السلوك تخدم مصالحهم المختلفة وأهمها الاقتصادية.

كل ماتقدم ينبئنا بتعثر حوار الحضارات، وبقاء العلاقات الدولية مفتوحة على الصراع بأشكاله المختلفة وإن تزيا بحلل جديدة من تحرير التجارة والتبادل الحر وانتقال الرساميل …. الخ، والذي لا يعبر إلاّ عن هيكلية بنيوية جديدة لعلاقات التبعية والاستلاب.

ختاماً لا يسعني إلا الشكر الجزيل للدكتور «إدريس» الذي حركت محاضرته كثيراً من الأسئلة والمباحث الهامة التي يجب طرقها ومزيد بحثها في سياق العملية التداولية الراهنة لمفهوم ودعوى (حوار الحضارات).

شكراً لإصغائكم واستماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله

ردود حول التعقيب

١ - أريد بالتنظير التبشيري تحول (حوار الحضارات) إلى مفهوم عام، أما على مستوى المعالجة الأكاديمية فقد ورد المفهوم في دراسات عدة سبقت دعوى صراع الحضارات.

٢ - بالرغم من ذلك أعتقد أن هذا المشروع المسمى (صراع الحضارات) ومن قبله (نهاية التاريخ) ليس إلا رد فعل على آخر تحول استراتيجي مفاجئ يطرأ على النسق الدولي التقليدي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتمثل بانهيار المنظومة الماركسية وانتهاء الحرب الباردة. فكان طبيعياً أن يسارع العقل الغربي إلى محاولة ملء الفراغ الأيديولوجي الذي طرأ على أثر التهافت الظاهري للأدبيات السجالية التي كانت تزخر بها حمى الوطيس بين الجبارين التقليديين.

كما أن الغرب لا يتعين ذاتاً متقدمة وحضارية إلا بتعيين ذات متخلفة.

٣ - أريد هنا بالإكراه (الردع الإيجابي) الذي يعني وفق «بول هاث» و «بروس راسبت» ( (حمل الدول الأخرى على التصرف أو التوقف عن التصرف بطريقة محددة) ).

ويستند ذلك الردع الناجح إلى القدرات الاستخبارية والعسكرية والدبلوماسية والسياسية المحلية.

وعلى صانعي القرار أن يحددوا بدقة إمكانيات دولهم إضافة إلى إمكانيات أعدائهم المحتملين ونظرتهم إلى العالم حتى يتسنى لهم الاختيار بين استراتيجيات الردع:

ـ بالعقاب - أو الحرمان - أو التطمين - أو الممانعة

٤ - أقف لبرهة أمام مسألة القوة:

لبيان ضعف المنطق الذي يعوّل عليه كثيراً على الحوار كسبيل لتغيير السياسات الدولية أو التأثير في العلاقات الدولية.

فمعلوم أن العلاقات السياسية الدولية: تمثل انعكاساً يسعى كل مجتمع سياسي (دولة) إلى فرض إرادته على ما عداه من المجتمعات السياسية تحقيقاً لمصالحه، ولا يمكننا أن نتمثل عملية فرض الإرادة في إطار هذه العلاقات إلا من خلال مفهوم (القوة) و (علاقات القوة).

فعلاقات القوة على المستوى الدولي غير قابلة لأي تطوع من أنواع التطويع الأخلاقي أو القانوني الفعّال، لافتقار البيئة الدولية إلى السلطة العليا المركزية في العالم.

ولذلك فإن انتظام العلاقات فيما بين الدول تبعاً لتوازن قواها لا على أساس تنظيمها على مقتضى مبادئ أو أنماط مثالية.

٥ - هل هناك نظام دولي حقيقي قائم؟ :

النظام الدوليInternational Order: يفترض وجود مجموعة من القواعد المنظمة أو الأنماط السلوكية التي تحقق من خلال التزام أعضاء المجموعة الدولية بها الصورة المثلى للعلاقات الدولية.

وهو فكرة نمطية مثالية ذات طبيعة قانونية تفرض أصلاً المساواة، في الخضوع لأحكام (تؤسس للشرعية الدولية) هذه القواعد التنظيمية من جانب المخاطبين بأحكامها، وتفرز العدل والمساواة ومن ثم لابد من توفير آليات ومؤسسات لتطبيق هذه القواعد.

غياب النظام الدولي:

- شرعية اللجوء إلى العنف كأداة لتسوية النزاعات الدولية.

ـ عدم الاتفاق على قيم ومبادئ أو قواعد تتمتع بالحسم وبالشرعية الدولية.

ـ عدم الاتفاق على تفسير موحد لقواعد أو أحكام النظم الدولية.

ـ عدم المساواة في تطبيق أحكام النظام الدولي.

ـ عدم وجود عقوبات رادعة.

المفهوم: مفهوم نمطي للدراسات النمطية Normative Studies (الحق والفلسفة) (ما يجب أن يكون) وليس مفهوماً علمياً حقيقياً موضوعياً (وضع العلاقات السياسية الدولية) (ماهو كائن).

٦ - مفهوم الإقليمية الجديدة نناقشه مجازياً، وذلك لأنه يصدر عن عقل تسكنه المركزية الغربية فهو من حيث تحديد التكتلات الإقليمية يحددها فقط في:

ـ الاتحاد الأوروبي بقيادة / ألمانيا - فرنسا - بريطانيا.

ـ منطقة التجارة الحرة لشمال أمريكا بقيادة الولايات المتحدة «نافتا».

ـ التكتل التجاري لجنوب شرق آسيا (الباسيفيكي بقيادة اليابان) ومن حيث مستقبلها أيضاً يحددها بالتكتل الثلاثة التي تتجه نحو:

ـ مزيد من التركيز العالمي.

ـ مزيد من المؤسسة وتوسيع دوائر التكامل والعضوية بين الدول.

ـ قوة متوازنة بين الكتل (وليس تكريس الزعامة الأمريكية).

كما أن الصراع الاقتصادي بين الكتل في ظل التداخل في العلاقات والعمليات الاقتصادية يجعل المواجهة محكومة بضوابط تفرضها وحدة التجانس الأيديولوجي السائد بين الكتل الثلاث.

ولذلك فالقول إن نظام الإقليمية الجديدة متعدد الأقطاب ليس دقيقاً، كما أن النظر إلى النظام العالمي ضمن النموذج الهيكلي الهرمي يظهر أننا لسنا أمام نظام إقليمي جديد بل أمام نفس النموذج العالمي الجديد الذي تتزعمه أمريكا، ولا توجد مؤشرات داخل التكتلات الباقية / أوربا + اليابان / تدخل على تعدد قطبية على مستوى العالم.

* - كاتب وباحث من فلسطين.



[ Web design by Abadis ]