ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حوار الحضارات في ضوء العلاقات الدولية الراهنة العالمية و الإقليمية و مستقبل الحوار \ د. محمد السعيد إدريس *

من الخطأ، بداية، تصور أن دعوة "حوار الحضارات" هي البديل أو النقيض أو مجرد الرد على دعوة "صدام الحضارات" التي فجرها عالم السياسة الأمريكي» صموئيل هنتنجتون «في دراسة بعنوان "صدام الحضارات" نشرت في المجلة الأمريكية Foreign Affairs (صيف ١٩٩٣) لسببين رئيسيين:

أولهما: أنه على الرغم من محاولة مفكرين ومؤسسات سياسية وإعلامية غربية وضع الإسلام والحضارة الإسلامية كعدو للحضارة الغربية أو العدو البديل للشيوعية على نحو ما كتب المستشرق المعروف» برنارد لويس «حول حتمية الصراع بين الإسلام والغرب في مجلة The Atlantic Monthly (سبتمبر ١٩٩٠)، فقد ثبت أن الصراع الذي تفجر في العالم عقب انتهاء الحرب الباردة وسقوط النظام الدولي ثنائي القطبية لم يكن صراعاً بين حضارات في مجمله ولم يكن صراعاً بين الإسلام والحضارة الغربية بصفة خاصة، ولكنه كان في الأغلب صراعاً بين دعوتي العالمية Universalism والإقليمية Regionalism في محاولة لضبط أنماط العلاقات والتفاعلات في النظام العالمي مع شيوع دعوة العولمة Globalism كواحدة من أهم معالم وأسس النظام العالمي الجديد، إضافة إلى مجموعة كبيرة من الصراعات العرقية والطائفية التي استهدفت وحدة "الدولة القومية". وبشكل عام كانت الدولة القومية في النوعين المذكورين من الصراعات هي المستهدف.

ثاني هذه الأسباب أن دعوة حوار الحضارات تعتبر أفضل الطرق لمواجهة غلو ظاهرة العولمة كايديولوجية Globalism وكي لا تتحول آليات التفاعل بين الثقافات والحضارات من عمليات التثاقف المتبادل L`accluration إلى عملية إحلال ثقافة بينية واحدة L`Interculturation فوق أطلال الثقافات الأخرى التقليدية القديمة والحديثة، دون تجاهل أو تقليل من شأن العولمة كعملية Globalisation. فالعولمة كعملية ظاهرة مركبة تتضمن التدفقات المادية وغير المادية وشبكات التفاعل وأنساق التنظيم، وكلها تؤدي إلى اختصار المكان والزمان، بحيث ينعدم أثر المسافة والحجم أو يكاد، كما يختصر الزمان إلى أدنى حد ممكن. ففي ظل هذه العملية أخذ تدفق الخدمات والمنتجات وعناصر الانتاج من دولة إلى أخرى يتم عبر معظم الحدود كما لو كان العالم كله قد أصبح قرية واحدة، كما أن كثافة التدفق قد زادت على نحو لم يكن معروفاً ولا متصوراً من قبل.

حوار الحضارات يأتى، وفق هذه التطورات، كضرورة لترشيد عملية العولمة، وبالذات في بعدها الثقافى. ولكن يأتي التحدي الأكبر: هل العالم مستعد، وبالذات العالم الغربي والحضارة الغربية، لمثل هذا النوع من الحوار والتفاعل والتثاقف المتبادل؟

الإجابة على هذا السؤال يصعب أن تكون "نعم" أو "لا" دون تحليل لوضعية وخصوصية النظام العالمي الراهن أو الحالة الراهنة للنظام العالمي. هل هذه الحالة تفرض عولمة الثقافة بمعنى هيمنة الثقافة والحضارة الغربية في ظل سيطرة الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على أهم عمليات وآليات العولمة أم أن هناك فرصاً للتثاقف المتبادل والحوار. بمعنى أخر إذا لم يكن هناك مفر في ظل عملية العولمة من حدوث "عولمة ثقافية" فهل النظام العالمي سوف يفرض نموذجاً ثقافياً واحداً هو الثقافة الغربية في ظل الهيمنة السياسية والاقتصادية للغرب أم أنه يمكن أن يسمح بوجود ثقافة عالمية تجمع كل مزايا الحضارات والفكر الإنسانى.

تحليل خصوصيات النظام العالمي الراهن هي إذاً التي سوف تحسم الإجابة على مستقبل حوار الحضارات، أي أن دعوة حوار الحضارات لن تلقى الاستجابة لمجرد كونها دعوة أخلاقية تتوافق مع القيم والمبادئ الإنسانية النبيلة بل سيتوقف الأمر على آليات وتفاعلات النظام العالمي وبتحديد أكثر على مستقبل العلاقة بين ظاهرتي العالمية والإقليمية، حيث أن وجود الأقاليم كمناطق وكثقافات في مواجهة سطوة العالمية من شأنه الإبقاء على خصوصيات هذه المناطق والأقاليم وبالذات الخصوصيات الثقافية، كما أن آليات التفاعل بين الأقاليم وقيادة النظام العالمي سوف تحدد موقع ومكانة ثقافات هذه الاقاليم في الثقافة العالمية، وامكانية تأسيس حوار حقيقي بين الثقافات والحضارات.

الفرضية الأساسية لهذه الدراسة، بناء على ما تقدم، هي أن مستقبل حوار الحضارات سوف يتوقف على مستقبل العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي.

بناء على ذلك، سوف ندرس أولاً العلاقة بين النظام العالمي والنظم الإقليمية، وثانياً تأثير الخصائص الجديدة للنظام العالمي في النظم الإقليمية، وثالثاً ظاهرة الإقليمية الجديدة كنمط جديد من التفاعلات العالمية من شأنها خلق أنماط للتفاعلات التعاونية بين الاقاليم تتيح فرصاً حقيقية للحوار بين الثقافات والحضارات.

أولا: العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي

الأصل في العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي أنها علاقة تبعية. من هنا كانت مسميات النظم الإقليمية بالنظم التابعة أحيانا، والنظم الفرعية في أحيان أخرى تعبيراً عن هذا المعنى. لكن التبعية كإطار لهذه العلاقة لا تعني انعدام الاستقلالية بالنسبة للنظم الإقليمية سواء أفي تفاعلاتها أم في علاقـاتها مع النظام العالمي، كماتزعم مقولات المدرسة الواقعية وكما توحي فرضيات مدرسة التبعية [١].

فواقع العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي أكثر تعقيداً من أن تكون مجرد علاقة ذات اتجاه واحد او خضوع كامل. فهذه النظم تمتلك - كما تقول مدرسة النظم الإقليمية - تفاعلاتها الذاتية التي تتم وفقاً لاعتبارات خاصة بها بعيداً عن تأثير القوى العظمى المهيمنة في النظام العالمي. ومن ثم فإن التفاعلات الإقليمية ليست إنعكاساً فقط أو مجرد رد فعل لإرادة النظام الدولي السائد أو القـائد فـي النظـام العالمي، رغم كل ما يملكه هذا النظام من قـدرات هائلة على التأثير في تلك النظم [٢].

فكما أن الأصل في العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي هو التبعية فإن الأصل في وجود النظم الإقليمية هو التمايز أو الانقطاع Discontinuty ولقد صاغ (أوران يونج) عوامل الارتباط والانفصال أو الانقطاع بين كل من النظامين على النحو التالي [٣]:

١ - أن هناك عدداً من الفواعل (مثل القوتين العظميين) سابقاً والموضوعات المحددة (مثل القومية والتنمية الاقتصادية) تلعب دورها في كل النظام الدولي، أو على أقل تقدير، في معظم النظم الإقليمية الفرعية.

٢ - أنه في كل نظام اقليمي فرعي هناك عدد من الفواعل المهمة والمصالح المحددة وأنماط الصراع، وتوازنات القوى المعنية التي تختلف بشكل مميز بين اقليم وآخر، خاصة في تفاعلها مع الفواعل والموضوعات التي تشمل النظام العالمي كله.

٣ - نتيجة لذلك فإن النظم الإقليمية الفرعية تنفصل عن بعضها بعضاً في اتجاهات متعددة، ولكن درجة هذا الانفصال بين اقليم وآخر يمكن أن تتعدد.

٤ - برغم ذلك فإن هذه النظم الإقليمية الفرعية ليست منفصلة انفصالاً تاماً عن بعضها بعضا طالما أن كلاً منها يعبر عن مزيج من الملامح الكونية والمحلية (الذاتية)، فضلاً عن امكانية وجود ارتباطات خاصة بين عدد من النظم الإقليمية الفرعية.

٥ - أن المزيج أونمط العلاقات بين العناصر العالمية والإقليمية

في كل نظام اقليمي فرعي يمكن أن يختلف من نظام لآخر.

ولا يكتفي بعض الباحثين بهذه العوامل الخمسة لتوضيح العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي ويضيفون عاملا سادساً هو: أنه في كل نظام عالمي سوف تتولد فرص ومخاطر بالنسبة للنظام الفرعي والإقليمى، بل وأحيانا قد تتيح للنظام الفرعي والإقليمي المساهمة في تشكيل النظام العالمي [٤].

ويوضح» أندروسكوت «هذه المساهمة بقوله إن التطورات التي تطرأ على واقع النظم الفرعية المكونة للنظام الدولي العام (العالمي) يكون لها تأثيراتها وانعكاساتها على ما يجري داخل النظام الاخير ككل، ويشير بهذا الخصوص إلى الملاحظات الثلاث التالية [٥]:

أ - أن النظم الدولية تختلف من حيث درجة مركزية عملية اتخاذ القرارات فيها. فقد يكون لنظام فرعي واحد درجة عالية جداً من التأثير على الكيفية التي تتخذ بها هذه القرارات أو على اتجاهها العام، في حين أنه في أحوال أخرى قد يتوزع هذا التأثير بين عدد من الانظمة الفرعية. فإذا تمتع نظام فرعي واحد بمثل هذه السلطة الضخمة في عملية اتخاذ القرارات داخل النظام الدولي العام (العالمي) فإنه سيدفع بهذه القرارات وهذا طبيعي، في الاتجاه الذي يخدم مصلحته الذاتية، ويكون ذلك إما بالعمل على التخفيف من ثقل الأعباء الملقاة على عاتقه، أو بمضاعفة المزايا والتسهيلات التي يحصل عليها من النظام الدولي، وهو ما يعني، في الوقت نفسه، وبالدرجة نفسها، زيادة أعباء النظم الفرعية الأخرى، وتقليص حجم المزايا المحققة لها من أنشطة النظام وعملياته.

ب - أن مستوى الاعتماد المتبادل بين النظام العالمي ومكوناته الفرعية يختلف جذرياً من حالة إلى أخرى. فانهيار نظام فرعي إذا كان نظاماً مسيطراً قد ينتهي بتدمير النظام العالمي، كما قد لايؤثر فيه. وفي حالة ثالثة قد يساعد على تهيئة ظروف أفضل لنمو النظام العالمي، وذلك بتعزيز الامكانات التي يعتمد عليها أداؤه الوظيفي. وعلى الجانب الآخر، فإن انهيار النظام العالمي قد يؤدي بالتبعية إلى تدمير نظام فرعي معين (كانهيار محالفة دولية دفاعية قامت في ظروف دولية معينة)، كما قد لايؤثر هذا الانهيار في تماسك الكيان العام لهذا النظام الفرعي، وقد يساعد على تدعيم فرص نموه أو رفع كفاءة ادائه.

جـ - أن اختلاف القواعد التي يعمل على أساسها النظام العالمي ككل لابد أن يتبعه اختلاف أو تغير في نمط العلاقة القائمة بينه وبين النظم المكونة له، أو في درجة النفوذ والتأثير المتبادل الذي تمارسه هذه النظم في مواجهة بعضها بعضاً. وقد تكون المحصلة النهائية لمثل هذا التغيير انهاء تفوق نظام فرعي معين ليأخذ مكانة نظام فرعي آخر.

هذه العوامل والملاحظات المختلفة التي تميز العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي تكشف عن ثلاث حقائق أساسية:

١ - أن النظام العالمي يملك تأثيراً كبيراً على النظم الإقليمية، وان هذا التأثير يختلف وفقاً لخصائص النظام العالمي، ومن ثم فان أي تغيير في هذه الخصائص سوف يحدث تأثيرات ملحوظة ومباشرة على النظم الإقليمية.

٢ - أن كل نظام اقليمي له تفاعلاته الخاصة التي تميزه عن النظام العالمي، وعن غيره من النظم الإقليمية، ومن ثم فإن درجة تأثر النظم الإقليمية بالتغيرات التي تحدث في خصائص النظام العالمي سوف تختلف من نظام اقليمي لآخر حسب الخصائص التي يتميز بها كل نظام.

٣ - إن عـلاقة التأثير بين النظام العالمي والنظم الإقليمية ليس محتماً أن تكون ذات اتجاه واحد، بل إن النظم الإقليمية يمكن أن يكون لها تأثيرات على النظام العالمي في ظروف معينة وبدرجات متباينة من نظام اقليمي لأخر. أي أن العلاقة - في ظروف معينة - يمكن أن تكون علاقة تأثير متبادل بين النظام العالمي والنظام الإقليمي، وليست مجرد علاقة ذات اتجاه واحد.

هذه الحقائق الثلاث يمكن أن تكون قاعدة للبحث في مستقبل النظم الإقليمية على ضوء المتغيرات الجديدة في النظام العالمي منذ سقوط النظام ثنائي القطبية، خصوصاً وان تقييمات كثيرة قد ظهرت بهذا الخصوص بعضها كان مفرطاً في تفاؤله بمستقبل النظم الإقليمية لدرجة الحديث عن "عصر جديد للإقليمية " [٦]. وبعضها الآخر كان مغرقاً في تشاؤمه، وتوقع انفراط وتفكك، أو على الإقل، انتهاء دور النظم الإقليمية في العلاقات الدولية [٧]. ودون الاستغراق في تقييم هذه التعليقات، فإن اغلبها، وخاصة تلك التي تطرفت في تفاؤلها أو في تشاؤمها، وقعت في خطأين:

- الخطأ الأول: هو خطأ النظر للعلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي من منظور التبعية الكاملة من جانب النظم الإقليمية للنظام العالمي، وانعدام أي قدر من الاستقلالية لتلك النظم.

- الخطأ الثاني: هو خطأ التعميم في الآثار الناتجة عن التغيرات الجديدة الحادثة في النظام العالمي على كل النظم الإقليمية دون تمييز بين هذه النظم، وكأنها كانت على درجة الارتباط ذاتها بالنظام العالمي، أو أنها تفتقد الخصوصية والتفرد في الخصائص والمقومات فيما بينها، ودون تمييز بين مجالات التأثير، وكأن التأثير سيكون بالدرجة ذاتها، في كل المجالات وفي كل الأنظمة. فالأمر الذي لاشك فيه أن التحولات العالمية الجديدة ستكون لها تآثيرات مهمة على النظم الإقليمية [٨].

ثانياً: تأثير الخصائص الجديدة للنظام العالمي

في النظم الإقليمية

شهد العالم في عقد التسعينيات الذي بدأ بحرب تحرير الكويت وتفكك منظومة الدول الاشتراكية ثم انهيار الاتحاد السوفيتي تحولات هائلة أصابت النظام العالمي في هيكليته وطبيعته وآلياته [٩].

فقد حدث تحول في هيكلية النظام العالمي شمل العناصر الثلاثة الأساسية المكونة لهيكليته وهى: توزيع عناصر القوة، ومدى تكافؤ القوة، وعلاقات القوة [١٠].

فبالنسبة لتوزيع القوة حدث انتشار ملحوظ في موارد القوة بين عدد أكبر من الفواعل الرئيسية في النظام العالمي مقارنة بحالة التركز الشديد في موارد القوة بين الدولتين العظميين في النظام العالمي السابق ثنائي القطبية. والمدلول الأساسي لهذا الانتشار الجديد في موارد القوة الاقتصادية والعسكرية هو اضمحلال الأساس الموضوعي للقطبية الثنائية حيث لم يعد للولايات المتحدة وزن طاغ، كما لم يعد للاتحاد السوفيتي وجود ظاهر بعد تفككه [١١].

أما بالنسبة لعدم تكافؤ عناصر القوة أو عدم انسجام المكانة فلم تعد الولايات المتحدة تتمتع بانسجام مكونات أو موارد القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، فعلى الرغم من أنها ما زالت تتربع على عرش القوة العسكرية لاحتكارها للأنواع الأكثر تقدماً من التكنولوجيا العسكرية، فإن مكانتها على صعيد القوة الاقتصادية والتقدم التكنولوجي أخذت تواجه منافسة أمام منافسين جدد مثل اليابان وألمانيا وعدد من الدول الأوروبية [١٢] التي أخذت تحقق درجة أكبر من التجانس بين قدراتها الاقتصادية والعسكرية [١٣]، وترجع أهمية تحليل ظاهرة عدم انسجام المكانة أو توافق المكانة إلى أثارها السلوكية في النظام العالمي. فالدول التي تعاني من عدم التوازن أو عدم الإنسجام بين عناصر قوتها تميل - كما تقول نظرية المكانة - إلى تحقيق التوازن في مكانتها الدولية، فإذا فشلت في تحقيقه بالطرق الشرعية فإنها قد تلجأ إلى السلوك الصراعي، وبالذات إزاء الدول ذات المكانة العليا المتوازنة، وينطبق ذلك على سلوك الدولة سواء على المستوى العالمي أو المستوى الإقليمي. ففي كلتا الحالتين تسعى إلى تغيير الوضع الراهن والسبب في ذلك يرجع إلى عدم توازن أو عدم إنسجام المكانة ينتج ضغوطـاً

مثمرة نحـو التحـرك إلى موقع التوازن [١٤].

وقد أثار النمط الجديد لانتشار القوة في النظام العالمي الجديد، وحالة عدم انسجام المكانة التي أخذت تعاني منها الولايات المتحدة انقساماً بين الباحثين في تقييم الوضع القيادي للنظام العالمي في مرحلة ما بعد القطبية الثنائية بين اتجاه يعطي للولايات المتحدة مكانة الزعامة العالمية استناداً إلى قوتها العسكرية المتفوقة [١٥]، وآخر يرى أنه لاتوجد دولة واحدة تتمتع بتفوق في جميع عناصر القوة، وأنه لم يعد هناك أي مبرر للحديث عن وجود مفهوم القوة العظمى على غرار ما يشير» ليتواك «و» باف «و» بوزان « [١٦].

ويؤكد التحول الذي حدث في علاقات القوة الاستنتاج السابق، حيث لم تعد تتوفر الشروط الأساسية لحدوث عملية الاستقطاب العالمي، بل إن تنامي علاقات الاعتماد المتبادل بين القوى الدولية أخذت تدفع باتجاه ظهور نظام عالمي أقرب إلى نظام وفاق القوى Conert of Power الذي تحدث عنه» روزكرانس «رغم أن الولايات المتحدة تسعى إلى فرض زعامتها الأحادية على النظام العالمي [١٧].

وكما حدث تحول في هيكلية النظام العالمي حدث تحول أيضاً في طبيعته، فالهيكلية الجديدة للنظام العالمي الأقرب إلى شكل النظام الهرمي، حيث توجد درجة ملحوظة من التضامن بين القوى الدولية الكبرى التي تنتمي إلى العالم الغربي المتقدم بزعامة أمريكية أخذت تكشف عن ثلاث حقائق جديدة لطبيعة هذا النظام العالمي.

أولها: أن العلاقة بين قيادة النظام (الولايات المتحدة) وتكتلاته المتحالفة (الإتحاد الأوروبي واليابان) مزيج من التنافس والاعتماد الاقتصادي المتبادل [١٨].

ثانيها: أنه في مواجهة هذا النموذج المتحالف الذي تقوم علاقته على الاعتماد الاقتصادي المتبادل والتنافس المتوازن يوجد نموذج آخر قائم على الفوضى والصراع يجمع بين دول شرق أوروبا (سابقاً) بعد انهيارها الايدولوجي والاقتصادي وتحولها إلى طلب المساعدات المالية والتكنولوجية من الغرب مع دول الجنوب الفقيرة فيما يمكن أن يسمى بـ "قوس الازمات" [١٩].

أما الحقيقة الثالثة فهي أنه مع هذا التقسيم الثنائي للنظام العالمي بين قيادة ثلاثية متحالفة (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان) وقاعدة جنوبية متسعة ستكون قضايا الشمال هي القضايا ذات الأولوية بالاهتمام من جانب النظام العالمي الجديد، وستسعى قيادة هذا النظام إلى فرضها على كافة أطرافه، تليها - بمراحل - قضايا القطاع الواسع الذي يمثل قاعدة الهرم الحاكم الأكثر تأثيراً على مصالحها، ربما تكون قضايا دول شرق ووسط أوروبا في المقدمة، تليها الشرق أوسطي. أما قضايا باقي شعوب الجنوب فسوف تظل مهمشة وبعيدة عن أولويات النظام [٢٠].

أما التحولات في آليات النظام العالمي فقد جاءت منسجمة مع التحولات التي حدثت في هيكلية وطبيعة النظام فنظراً لإنقسام النظام العالمي إلى مستويين للتفاعل: الأول بين أطراف قيادة النظام (الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي واليابان) حيث تسود علاقات التعاون والمشاركة والاعتماد المتبادل وتنظم هذه العلاقات مؤسسات وظيفية وسياسية راقية. والثاني بين القطاعات المختلفة التي تتكون منها قاعدة هرم النظام الجديد، أخذ يشهد انقطاعاً في علاقاته بين المستويين. هذا التمييز يمكن أن يترتب عليه نوع آخر من التمييز بين تفاعلات القيادة الداخلية (أي أنماط العلاقات بين التحالف الثلاثي) وتفاعلاتها مع قاعدة النظام، فتفاعلات القيادة تقوم على آليات مؤسسية تضمن المشاركة، في حين أن تفاعلاتها مع قطاعات القاعدة لا تتسم بالمشاركة بل تقوم على الإجبار والإكراه وتوظيف المؤسسات العالمية، سواء الأمـم المتحـدة أو صندوق النقـد الدولي والبنك الدولي وهيئة الطاقة الذرية وغيرها كوسائل إكراه لضبـط سلـوك وحـدات قاعدة هرم النظام العالمي بما يتمشى مـع مصالـح وأهـداف النظـام، وتطويـع هذه المؤسسات والمنظمات العالمية للقيـام بأدوار جـديـدة بما فيها ا

لتدخل العسكري لخدمة هذه المصالح والأهداف [٢١].

هذه التحولات التي حدثت في هيكلية وطبيعة وآليات النظام العالمي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة والنظام الدولي ثنائي القطبية بدأت تحدث تأثيرات واسعة وعميقة في فواعل النظام وعلى الأخص في النظم الإقليمية. لكن هذه التأثيرات تظل نسبية، بالطبع، فهي لن تكون بالشمول نفسه ولا بالدرجة نفسها في كل النظم الإقليمية. هذه النسبية في التأثر ترجع لمعايير عدة هي التي تحكم درجة تأثر وتفاعل النظم الإقليمية بالتحولات في خصائص النظام العالمي.

سوف نعرض لهذه المعايير أولاً، وبعدها نعرض لأبرز الجوانب التي سوف تتأثر بتلك التغيرات ومستوى ذلك التأثر.

ـ ١ -

المعايير التي تحكم نسبية تأثر النظم الإقليمية

بتحولات النظام العالمي

يمكن تحديد خمسة معايير أساسية تحكم هذه العلاقات هي [٢٢]:

أ - إمكانيات أو قدرات النظام الإقليمي: فكلما كانت قدرات النظام الإقليمي ضعيفة زادت فرص تأثير النظام العالمي. فضعف أو انخفاض القدرات المادية والعسكرية يؤدي كما يقول بايندر إلى تزايد الاعتماد على الخارج لتوفير النقص في القدرات، ومن ثم يفتح الباب أمام الاختراق والتأثير الخارجي [٢٣]. أما إذا كانت قدرات النظام الإقليمي مرتفعة فإن درجة تأثره بتحولات النظام العالمي تكون أقل.

ب - المصالح العالمية في النظام الإقليمي: فإذا كانت مصالح القوى المسيطرة على قيادة النظام العالمي مصالح متشعبة وعالية الأهمية في أحد النظم الإقليمية، فإن التحولات التي تحدث في النظام العالمي تؤدي إلى تحولات عنيفة في ذلك النظام، أما إذا كانت هذه المصالح محدودة وضعيفة فإن أثر التحولات يكون هامشياً.

فالنظم الإقليمية تختلف من حيث درجة خضوعها للنظام العالمي ونمط هذا الخضوع. فالنظم الإقليمية الواقعة في الدوائر الجيوبوليتيكية الحيوية للقوى المسيطرة في النظام العالمي تميل للخضوع إلى احدى هذه القوى أو تعمل بتناسق تام معها، ومن ثم تكون أكثر حساسية للتغيرات التي تحدث في قيادة النظام العالمي من النظم الواقعة خارج المجال الحيوي المباشر للقوى العالمية المسيطرة، فهذه تتمتع بقدر أعلى نسبياً من الاستقلال الذاتي [٢٤].

جـ - نمط الأرتباطات العالمية - الإقليمية: فالارتباطات العالمية - الإقليمية القوية (مثل وجود سلسلة من العلاقات ومستوى مرتفع من المعاملات والتجاور الجغرافي مع قوة عالمية مسيطرة) تميل إلى تعظيم أثر التحولات العالمية على النظام الإقليمي. أما نمط الارتباطات العالمية، الإقليمية الضعيفة أو المحدودة فإنها تحد من أثر التحولات العالمية في النظم الإقليمية [٢٥].

د - الصراعات الإقليمية: ودرجة تماسك النظام الإقليمي. فعند مستوى عال من الصراعات الإقليمية - الداخلية، وعند مستوى منخفض من التماسك (الإقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي) سواء أداخل وحدات النظام أم بين هذه الوحدات فإن التغييرات العالمية تكون قادرة على التأثير في التفاعلات الإقليمية بدرجة عميقة. أما إذا كانت الصراعات الإقليمية محدودة، ودرجة التماسك مرتفعة فإن التغييرات العالمية تكون محدودة التأثير في النظام الإقليمي. من هذا المنظور يمكن اعتبار الصراعات الإقليمية بمثابة أحد المحددات للتأثير العالمي، كما يمكن اعتبارها، في الوقت نفسه، نتيجة له [٢٦].

هـ - القيادة الإقليمية: فوجود قيادة إقليمية قوية تحظى بالشرعية والتأييد من جانب الفواعل الرئيسية في النظام الإقليمي يؤدي إلى تخفيض أثر التحولات العالمية على النظام الإقليمي. وعلى العكس فإن ضعف مثل هذه القيادة أو غيابها، أو تشتت ولاءات الفواعل الإقليمية يؤدي إلى زيادة قابلية النظام الإقليمي للتأثر بالتحولات التي تحدث في النظام العالمي. كما أن علاقات القوة التي تمارسها القيادة الإقليمية تؤثر، هي الأخرى، بدرجة كبيرة. فإذا كانت هذه العلاقات علاقات تراض وتكافل زادت درجة تماسك النظام وتراجع تأثير التغييرات العالمية عليه، والعكس يحدث في حالة ما إذا كانت علاقات القوة قائمة على التسلط والقهر فهذا سيضعف تماسك النظام ويزيد من حساسية تأثره بالتغييرات التي تحدث في النظام العالمي وزيادة الارتباط به [٢٦].

وتلعب التوجهات السياسية للقيادة الإقليمية دوراً كبيراً في تشكيل علاقة النظام الإقليمي بالنظام العالمي، ومن ثم في مستوى تأثره بما يحدث من تغييرات في خصائص ذلك الأخير [٢٧].

فعلى سبيل المثال، أثرت القيادة الفرنسية - الألمانية للمجموعة الأوروبية على توجهات المجموعة إذ جعلتها أكثر أوروبية، في حين لو أن القيادة كانت لبريطانيا فإن توجه المجموعة في هذه الحالة كان سيصبح أكثر أطلسية، وهذه الظاهرة واضحة أيضاً في النظام الإقليمي العربي، فالتوجهات السياسية للقيادة المصرية - الناصرية لهذا النظام في عقدي الخمسينات والستينات جعلته أكثر كفاحية وعداء للسياسات الغربية، أما في ظل زيادة التأثير السعودي على توجهات النظام في عقدي السبعينات والثمانينات أصبح أكثر ارتباطاً بالغرب ومن ثم أكثر قابلية للتأثر بما يحدث من تغيرات في العالم الغربي وبالتالي في النظام العالمي الجديد [٢٨].

و - وجود منظومة من القمم السياسية والاقتصادية: في النظام الإقليمي تشكل عامل جذب للقوى الدولية من أجل فرض سيطرتها أو هيمنتها العالمية.

هذه المتغيرات الستة توضح نسبية تأثر النظم الإقليمية بالتحولات الجديدة الحادثة في النظام العالمي وخصائصه، وتكشف، في الوقت نفسه، أن النظم الإقليمية لمناطق العالم الثالث ستكون بحكم قدراتها وامكانياتها المحدودة وضعف تماسكها خاصة على المستوى الاقتصادي واتساع نطاق وعمق صراعاتها أكثر أستعداداً للتأثر عن غيرها من النظم الإقليمية بالتغيرات الجديدة في خصائص النظام العالمي (ربما باستثناء النظام الإقليمي لشرق أوروبا الذي انهار كلية بسقوط نظام القطبية الثنائية)، لكن رغم ذلك يوجد قدر واضح من التمايز في مستوى ودرجة تأثر النظم الإقليمية العالم ثالثية بالتغيرات العالمية الجديدة.

ـ ٢ -

مجالات تأثير تحولات النظام العالمي في النظم الإقليمية

تلعب المتغيرات السابقة دوراً كبيراً في إبراز الجوانب التي سوف تتأثر في النظم الإقليمية بالتحولات الجديدة في خصائص النظام العالمي. ويمكن رصد سبعة مجالات رئيسية معرضة للتأثر بتلك التغيرات وبدرجات مختلفة، بالطبع، من نظام إقليمي لآخر، وهي:

أ - مركزية Centerality النظام الإقليمي:

وتعني مدى تأثير التغيرات العالمية في الموقع النسبي للنظام الإقليمي ومكانته في السياسة الدولية [٢٩]. فنظام القطبية الثنائية، خاصة في فترة احتدام الحرب الباردة بين العملاقين الأمريكي والسوفيتي، أعطى أهمية كبيرة للنظم الإقليمية، حيث كان الصراع على مناطق النفوذ من أهم معالم تفاعلات النظام العالمي. وفي بعض الأحيان امتدت تلك المكانة المرموقة والمميزة لقيادات أو زعامات كان لها الفضل في تمرير وتشجيع نفوذ الدولة العظمى داخل الإقليم [٣٠]. لكن يبدو أن بروز نظام عالمي جديد هرمي الهيكلية سيترتب عليه نهج نماذج سلوكية مغايرة تجاه النظم الإقليمية. فالنظام العالمي بخصائصه سيكون مناهضاً للتفاعلات التي تحدث على المستوى الأفقي داخله، وفي مقدمتها تفاعلات النظم الإقليمية، وفي الوقت نفسه سيكون أكثر ميلاً لدعم التفاعلات الرأسية على شاكلة المنظمات والهيئات الوظيفية والمتخصصة التي تعتبر من آلياته المميزة [٣١].

رغم ذلك فإنه إلى جانب هذه السياسة ذات التوجه السلبي إلى النظم الإقليمية بصفة عامة، فإن النظام العالمي المتغير، أو بالأحرى قيادة هذا النظام، سوف تسلك سياسة انتقائية في علاقاتها بالنظم الإقليمية حيث ستكون مضطرة للإبقاء على هذه النظم، ودعمها أحياناً، لأداء وظائف تهم النظام العالمي مثل ضبط الصراعات الإقليمية في حدود لا تهدد السلام العالمي، أو استخدامها كمنتديات دبلوماسية للدول الإقليمية يمكن تعبئتها سياسياً، عند الضرورة، لصالح قضايا تهم قيادة النظام العالمي [٣٢].

مع ذلك يوجد اختلاف حول تقييم الآثار الناتجة عن التغير في طبيعة النظام العالمي من الصراع في حالة القطبية الثنائية إلى الوفاق والتعاون في حالة النظام الراهن، وبالتحديد بين القوى الثلاث المتحالفة التي تمثل قيادة هذا النظام.

البعض يرى أن حالة الصراع التي سادت علاقات النظام ثنائي القطبية أعطت النظم الإقليمية هامشاً ملحوظاً من حرية الحركة أمكن لبعضها أن يستغله في زيادة وزنها وتفاعلاتها في النظام العالمي على أساس أن الصراع على قمة النظام العالمي قد جعل لها قيمة ما كحليف محتمل لهذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع.

بينما الوفاق على القمة يمكن أن يجعل منها موضوع التنسيق بين الفاعلين المحتملين لهذه القمة.

ويستشهد أصحاب هذا الرأي بخبرة حركات التحرر الوطني قبل وبعد الحرب العالمية الثانية في علاقاتها بقمة النظام العالمي حيث لم تجد هذه الحركات دعماً يذكر من قمة النظام الدولي قبل الحرب العالمية الثانية عندما كان نموذج القيادة في ذلك النظام هو النموذج متعدد القوى الذي لعبت فيه الدول الرأسمالية الكبرى الدور الأساس، إن لم يكن الوحيد، نظراً لانشغال الدولة الاشتراكية الوحيدة في ذلك الحين (الاتحاد السوفيتي) بعمليات البناء الداخلي. أما بعد الحرب العالمية الثانية فأمكن لبعض هذه الحركات، ومنها حركات التحرر العربى، الحصول على دعم كبير من المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي [٣٣].

البعض الآخر يرى العكس. فهو يشير إلى أن مناخ الصراع الدولي في ظل نظام القطبية الثنائية قد جعل من النظم الإقليمية والمنظمات الإقليمية أدوات للصراع أو منتدى للمواجهة الدبلوماسية، مما عطل أو احتوى أي دور مستقل يزيد من بلورة وتماسك هذه النظم والمنظمات الإقليمية، في حين أن مناخ الإنفراج الدولي الذي بدأ يتكون بين عامي ١٩٦٨ و ١٩٧٢ ساهم في بلورة الشخصية السياسية المستقلة للجماعة الأوروبية في أنشطتها الخارجية. ويذكر أصحاب هذا الرأي أن أوضاع الاستقطاب الدولي الثنائي كانت أحد الأسباب الأساسية لإخفاق الاتجاه الأوروبي الإستقلالي في مطلع الستينات يوم حمل لواءه الرئيس الفرنسي الأسبق «شارل ديجول «حتى قيل أن» ديجول «كان ديجولياً قبل أوانه [٣٤].

ورغم اختلاف نظام الانفراج الدولي عن مناخ النظام الهرمي الراهن بعلاقاته الوفاقية والتعاونية على القمة وتهميش قطاعات القاعدة بأنظمتها الإقليمية، فإن الأثر الإيجابي الذي أحدثه مناخ الإنفراج يمكن أن يمتد للأثر الذي يمكن أن يحدثه مناخ الوفاق والتعاون المرجح أن يسود بين أطراف قيادة النظام العالمي على الأنظمة الإقليمية في شكل مزيد من التكامل والتماسك وتدعيم العلاقات الإقليمية المشتركة. وربما يمتد إلى تطوير العلاقات بين النظم الإقليمية كبديل لسياسة التهميش التي تمارسها قيادة النظام العالمي تجاه النظم الإقليمية، لكن هذا الاتجاه سيظل محكوماً بإرادة قيادة النظام التي تملك، وفق آلياتها الجديدة، القدرة على ضبط تفاعلات النظم الإقليمية في الحدود التي تسمح بها والتي تتوافق مع مصالحها وأهدافها [٣٥].

ب - الإختراق العالمي (الكونى) Global Penetration:

ويقصد به مدى تغير خضوع أو تبعية النظام الإقليمي للنظام العالمي. ففي ظل نظام القطبية الثنائية واتساع عملية الاستقطاب الدولي كانت هناك ثلاثة نماذج من النظم الإقليمية، وفقا لطبيعة العلاقة مع النظام العالمي وبالذات درجة إختراق النظام العالمي لهذه النظم. هذه النماذج الثلاثة هي:

[١] النظم الإقليمية المحتكرة: (بفتح الكاف) أو التابعة، وهي النظم التي تقع تحت السيطرة المباشرة والكاملة لإحدى القوتين العظميين كل على حدة بحيث لا يستطيع أحد هذه النظم أن يتحرك أو يرسم سياسة خارجية في المجالين الإقتصادي والعسكري تحديداً بمفرده أو بعيداً عن التنسيق مع القبول من القوى العظمى التي يقع تحت هيمنتها. ولذلك فإن هذه النظم تقع في قلب إستراتيجية كل دولة عظمى باعتبارها من مقتضيات أمنها القومي. ومن أمثلة هذه النظم: النظام الإقليمي لشرق أوروبا، التابع للإتحاد السوفيتي (سابقاً) والنظام الإقليمي لأمريكا الوسطى واللاتينية التابع للولايات المتحدة، والنظام الإقليمي لغرب أوروبا التابع أيضاً للولايات المتحدة [٣٦].

[٢] النظم الإقليمية التوازنية: وتعرف بهذه الصفة لكونها محل تفاهم، سواء أبشكل مباشر أم غير مباشر، بين القوتين العظميين في ممارسة صراعها. فقد عرفت هذه النظم وجوداً مشتركا للقوتين العظميين، أي أنها كانت مخترقة من هاتين القوتين، وهذا الإختراق المزدوج، حال دون تبعيتها الكاملة لأي منها، وأعطاها في الوقت نفسه هامشاً كبيراً للمناورة واكتساب فوائد كبيرة من القوتين المتصارعتين نظراً لحرص كل منهما على تكثيف وجوده على حساب الآخر. ومن أمثلة هذه النظم: النظام الإقليمي لجنوب شرق آسيا حيث كان الوجود السوفيتي في كوريا الشمالية و فيتنام الشمالية (قبل توحيد فيتنام) يقابله وجود أمريكي في كوريا الجنوبية و فيتنام الجنوبية، والنظام الإقليمي لجنوب آسيا حيث التواجد الأمريكي في باكستان يواجه بوجود سوفيتي في الهند، ونظام شرق أفريقيا (القرن الأفريقى) حيث تبادلت القوتان العظميان النفوذ في كل من الصومال وإثيوبيا [٣٧].

[٣] نظم إقليمية مفتوحة للصراع: بين القوتين العظميين حيث أنها بؤر ساخنة يحتدم فيها الصراع، وتتعرض بين حين وآخر إلى مواجهات مفتوحة بينهما تصل أحياناً إلى حد المواجهة العسكرية غير المباشرة، وتشهد درجة ملحوظة من الاستقطاب بين القوتين العظميين. وتتميز هذه النظم عن النظم التوازنية في معيار درجة الإستقرار من عدمه، حيث أن النظم التوازنية إستقرت مع توازن وجود القوتين العظميين، في حين أن النظم المفتوحة للصراع تفتقر لذلك التوازن من ناحية، وتشهد وصول الصراع بين الأطراف المحلية الموالية للقوتين العظميين إلى درجة المواجهة مع عدم توفر إمكانيات استيعابها بما يزيد من استمرارية المنافسة من ناحية أخرى. ومن أمثلة هذه النظم تاريخياً النظام العربي، والنظام الشرق أوسطي، والنظام الخليجي، والنظام الجنوب أفريقي [٣٨].

هذه النماذج الثلاثة من النظم الإقليمية كانت الوجه الآخر للأشكال الثلاثة التي حدث بها تدخل القوى العظمى والكبرى في النظم الإقليمية [٣٩]. فالنظم المحتكرة أو التابعة هي التي تدخلت فيها القوة العظمى بدافع من مصلحة مباشرة، أو أن الإقليم ذاته كان بمثابة مصلحة لتلك القوة.

أما النظم التوازنية فكانت تعبيراً عن الشكل الثاني للتدخل وهو طلب الاستدعاء بالتدخل من جانب إحدى القوى الإقليمية، وهو الطلب الذي كان يدفع القوى الأخرى المنافسة في الإقليم بطلب تدخل القوة العظمى الثانية. تجربة نظام جنوب آسيا، وتجربة القرن الأفريقي، أوضح الأمثلة على ذلك. أما النظم المفتوحة للصراع فهي النظم التي تدخلت فيها كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بدافع من المنافسة الدولية بينهما.

وبسقوط نظام القطبية الثنائية، وتفكك الاتحاد السوفيتي يمكن توقع النتائج التالية:

[١] أن الولايات المتحدة ستحكم قبضتها على الأقاليم التي تمثل مصلحة بالنسبة لها، وأن تدخلها في شؤون هذه الأقاليم يمكن أن يحدث في الوقت الذي تراه، وبالشكل الذي تحدده [٤٠]. وتجربة التدخل الأمريكي في النظام الإقليمي الخليجي للرد على الغزو العراقي للكويت، ومخاوف واشنطن من أي تهديد لمصالحها النفطية في المنطقة، مثال بارز على نمط السلوك الأمريكي المتوقع تجاه أي بادرة تهديد للأقاليم التي تعتبرها واشنطن مصلحة أمريكية. فالولايات المتحدة لن تسمح بأي تهديد لتلك المصالح سواء أمن قوى محلية داخل الدول أم قوى إقليمية أعضاء في تلك النظم الإقليمية أو حتى من الدول الصديقة المنافسة، ولعل هذا ما دفع ببعض المراقبين لتفسير التدخل العسكري الأمريكي الحاسم في الخليج بأنه كان عملية استباق أرادت منها الولايات المتحدة حماية نفسها من الهزيمة في ميدان التنافس الإقتصادي مع اليابان في الحاضر، ومع أوروبا الموحدة في المستقبل عن طريق استخدام تفوقها العسكري للسيطرة على منابع النفط التي لا غنى عنها لكل من اليابان وأوروبا [٤١].

[٢] أن باقي الأقاليم، بما فيها الأقاليم التي كانت تمثل مصلحة سوفيتية باتت مفتوحة - على الإقل من الناحية النظرية. أمام أي رغبة أمريكية لاختراقها [٤٢]. لكن الأوضاع النسبية للقوة الأمريكية مقارنة بوضع القوتين الأوروبية واليابانية، ونمط العلاقات السائد بين أطراف التحالف الثلاثي المسيطر على قيادة النظام العالمي، يحد من إمكانية توسع الولايات المتحدة في التدخل والسيطرة على كل أو معظم تلك الأقاليم [٤٣].

[٣] أن غياب التدخل السوفيتي، وتراجع فرص التدخل الأمريكي في الأقاليم التي كان التدخل السابق في شؤونها بدافع من التنافس على قمة النظام العالمي، أو بطلب إقليمي بالتدخل، سوف يعطي للقوى الإقليمية المتطلعة للهيمنة فرصة كبرى للتحرك داخل إقليمها لتحقيق هذا الهدف. فرصة الهند بهذا الخصوص تبدو سانحة لكن هذا لا يعني غياب القيود الدولية على السياسة الإقليمية الهندية. ففي غياب الإتحاد السوفيتي الذي كان يمثل سنداً دبلوماسياً وتجارياً، واقتصادياً، وعسكرياً للهند ستكون الهند مضطرة للتعامل مع قيـادة النظام العالمي الرأسمالية، وأن تقبل بمطالب المؤسسات المالية الدولية، وتجري كل ما هو مطلوب من إصلاحات هيكلية في الاقتصاد الهندي. وهذا بالطبع سيجعلها عرضة لضغوط سياسية من أجل ضبط هيمنتها في الإقليم [٤٤]. أما باكستان وفي غياب السند الأمريكي، واحتمال تراجع الدعم الصيني، مع إمكانية تحسن العلاقات الصينية - الهندية، وبالذات نزاعات الحدود، فإنها - أي باكستان - ستكون أقل اندفاعاً في خوض حرب جديدة مع الهند حول كشمير، وربما تكون أكثر استعداداً للقبول بتفاوض يضع حداً للنزاع المرير بين البلدين [٤٥].

والصراع في القرن الأفريقي مرشح لمهادنة مشابهة، إذ أنه بغياب الاتحاد السوفيتي تراجع دافع التنافس أمام الولايات المتحدة للتورط المباشر في شؤون الإقليم، وبسقوط نظام» منجستو «فإن عهداً جديداً من الصداقة يمكن أن ينشأ بين نظامي أديس أبابا وأسمرا، خاصة وأن العلاقات النضالية السابقة بين» الجبهة الشعبية لتحرير اريتريا «و» جبهة تحرير تيجراي «(الحاكمة الآن في أديس أبابا) تسمح بذلك. وبإحتمال استقرار الأوضاع في الصومال يمكن أن تنشأ علاقات تعاون جديدة في النظام الإقليمي لشرق أفريقيا [٤٦].

[٤] بغياب الاتحاد السوفيتي عن التأثير في شؤون جنوب شرق آسيا فإن فيتنام سوف تكون أكثر استعداداً للتوقف عن ممارسة دور الإمبريالية الإقليمية الذي ظلت تسعى إليه في السنوات الماضية [٤٧]، خصوصاً في ظل التحولات الإقتصادية والسياسية الداخلية باتجاه نظام السوق وإشاعة مناخ من التحرر الفكري والسياسي ضمن إطار النظام السياسي القائم، وبعد نجاحها في الانضمام لعضوية رابطة جنوب شرق آسيا (أسيان)، وبعد نجاحها أيضاً في إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الولايات المتحدة الأمريكية (أغسطس ١٩٩٥) [٤٨]. أما الصين فسوف تكون أقل ميلاً للسيطرة بعد الغياب السوفيتي عن المنطقة وتراجع العداء الفيتنامي عقب انتهاء الأزمة الكمبودية [٤٩]. وقد تكون هناك فرص أفضل لتعاون صيني ياباني يفتح أمام بكين مجالاً أوفر للتعاون مع التكتل الاقتصادي الآسيوي الأوسع خاصة بعد عودة مقاطعة هونج كونج إلى الوطن الأم [٥٠].

[٥] أن النظم الإقليمية في أمريكا الجنوبية سوف تسعى إلى التركيز على إقامة تكتلات إقتصادية مشتركة، وأن تخلق روابط أكبر مع الولايات المتحدة على غرار التوجه الأساسي الراهن لوسط أمريكا الذي أخذت فيه المكسيك جانب الريادة بتوقيع اتفاقية "نافتا". مع الولايات المتحدة وكندا، كما أن دول أمريكا الوسطى ستحول نجاحاتها السياسية في المشاكل السياسية إلى خطوات جادة نحو التكامل الاقتصادي (٥١).

[٦] أن النظم الإقليمية وفق هذه التوقعات سوف تأخذ ثلاثة أشكال أساسية هي:

* نظم مكفولة أمريكياً

أي تتولى الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة في رعايتها وحمايتها لما تمثله من مصلحة إقتصادية ومصلحة استراتيجية بارزة للولايات المتحدة. مثل النظام الإقليمي الخليجى (٥٢)، والنظام الإقليمي لوسط أمريكا.

* نظم إقليمية تمثل اهتماما إقتصادياً وسياسياً للتحالف الرأسمالي القائد للنظام العالمي

وهي نظم يمكن أن تكون مجال تنافس بين أطراف التكتل الرأسمالي الثلاثة: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، ومنها النظام الإقليمي لشرق أوروبا، والنظام الشرق أوسطي، وشمال أفريقيا.

* نظم إقليمية مهمشة

وهي النظم التي لا تمثل مصلحة مباشرة لدول التحالف الرأسمالي القائد. وهذه ستحصل على الحد الأدنى من المساعدات المالية والاقتصادية، وستفقد نفوذها وأهميتها السياسية عالمياً. وهذه النظم ستكون أمام واحد من احتمالين: إما أن تستثمر الظروف الجديدة لبلورة علاقات إقليمية قوية وتنهض بشؤونها بعيداً عن تنافس وصراعات القوى الكبرى، وإما أن تقع أسيرة صراعاتها الإقليمية وتنفرط نهائياً. والعبء الأكبر يقع بالطبع على سلوك القوى الإقليمية الساعية للهيمنة وقدرتها على القيام بدور قيادي بعيداً عن دوافع الأنانية ورغبات التسلط.

جـ - حدود النظام الإقليمي:

أي إلى أي مدى ستؤثر التغيرات العالمية الجديدة في تعريف أو تعيين النظام الإقليمى، وتماثل أو تطابق حدوده؟ فعلى أثر انتهاء نظام القطبية الثنائية، وما سبقه من تفكك للإتحاد السوفيتي، وسقوط لحلف وارسو، وانتهاء الدور السوفيتي العالمي المساند للعديد من النظم والقوى الإقليمية حدثت تطورات مهمة على صعيد حدود النظم الإقليمية. فبعض النظم الإقليمية اختفت تماماً مثل النظام الإقليمي السوفيتي (٥٣) الذي انفرط إلى عدد من الجمهوريات المستقلة التي أخذت تتوزع بين النظم الإقليمية المجاورة، أو يسعى بعضها لتشكيل نظام إقليمي آخر بديل (٥٤)، ومثل النظام الإقليمي لشرق أوروبا (السابق). كما تعرضت نظم إقليمية لتوسيع حدودها مثل نظام جنوب شرق آسيا (أسيان) الذي يشهد عملية توسيع بضم فيتنام ولاوس وكمبوديا وبورما، إضافة إلى المشاركة الصينية الفعالة (٥٥). وكذلك النظام الإقليمي العربي الذي أخذ يتعرض إلى محاولات للتلاعب في حدوده من خلال طرح مفهوم النظام الإقليمي للشرق الأوسط.

د - توازن القوى الإقليمي:

وبصفة خاصة أثرت التغيرات العالمية على توزيع الامكانيات الإقليمية. فإنتهاء الدور العالمي للاتحاد السوفيتي (السابق) أدى إلى حدوث إختلال في توازن القوى الإقليمي في العديد من النظم الإقليمية، بسبب غياب الدعم السوفيتي الذي كان يشكل عامل توازن داخل النظم الإقليمية سواء أفي مواجهة قوة اقليمية تسعى للسيطرة بدعم قوة أخرى منافسة لها، أم في مواجهة النفوذ الأمريكي في تلك الأقاليم.

فقد أثر الإختلال الناشئ عن غياب الدور السوفيتي في معادلة العلاقات السياسية داخل بعض النظم الإقليمية، مثل النظام الشرق أوسطي، حيث تأثرت سورية و (منظمة التحرير الفلسطينية) سلبياً بهذا الغياب الذي أدى إلى زيادة اختلال ميزان القوة الإقليمي لصالح إسرائيل مع تطور الدعم الإستراتيجي الأمريكي لإسرائيل (٥٦). وكان القبول السوري والفلسطيني بإطار التسوية الذي عرض في (مؤتمر مدريد للسلام) (أكتوبر ١٩٩١) إنعكاساً وتعبيراً عن هذه التطورات. كما تأثر العراق، لدرجة كبيرة، في أزمة الخليج الثانية بتداعي الدور السوفيتي في السياسة الدولية. كما أثر هذا الاختلال أيضاً في ميزان القوى الإقليمي في أمريكا الوسطى وجنوب شرق آسيا في غير صالح كوبا ونيكاراجوا (نظام الساندنيستا) وفيتنام (٥٧).

هـ - عملية التفكيك

وتعني المدى الذي أثرت به التغيرات العالمية الجديدة في تسهيل أو إعاقة عملية التفكيك سواء أعلى المستوى الإقليمي (تفكيك النظام الإقليمى) أم على مستوى الدول الأعضاء في النظام الإقليمى. فإنتهاء نظام القطبية الثنائية أدى إلى اختفاء نظم إقليمية كاملة سبقت الاشارة إليها، ويدفع، في الوقت نفسه. باتجاه تفكيك بعض النظم الإقليمية الأخرى. وامتد إلى داخل العديد من الدول التي شهدت عمليات تفكيك مماثلة. فالنظام العربي الذي تعرض للإهتزاز بسبب انتهاء نظام القطبية الثنائية، وبسبب النتائج التي انتهت إليها حرب الخليج الثانية التي كانت هي الأخرى إحدى ثمار انتهاء القطبية الثنائية، مع تعرضه لاحتمال التفكيك ضمن احتمالاته الأخرى المستقبلية إلى عدد من النظم الفرعية Subregional بما يتمشى مع نمط العلاقات في قمة النظام العالمي الجديد (٥٨). كما يواجه النظام الإقليمي لشرق أفريقيا مصيرا أسوأ حيث يسود الصراع الداخلي (الصومال أوضح الأمثلة)، والخلافات الإقليمية (٥٩). وفي الوقت نفسه لم تقتصر عملية التفكيك التي تعرض لها نظام شرق أوروبا على تفكك النظام بل تعرضت تشيكوسلوفاكيا لعملية تفكيك سلمية إلى دولتين، وواجهت يوغسلافيا (السابقة) عملية تفكيك عنيف

ة وقوية هددت الأمن والاستقرار في وسط أوروبا (٦٠).

و - حل الصراعات الإقليمية:

بمعنى تأثير التغيرات العالمية الجديدة على تسهيل أو إعاقة حل الصراعات الإقليمية وآلية حل تلك الصراعات. وينقسم الباحثون بهذا الخصوص بين من يرى أن التغيرات العالمية ستؤدي إلى تسهيل حل الصراعات الإقليمية ومن يرى العكس، فقد كشف "بارى شوتز " من خلال دراسة مقارنة لحل ثلاثة من الصراعات الإقليمية هي صراعات: نيكاراجوا وكمبوديا وموزمبيق، أن التغيرات العالمية الجديدة كانت في صالح حل تلك الصراعات، ويرجع السبب الأساسي لهذا النجاح إلى غياب الدعم السوفيتي عن الدول الحليفة لموسكو في تلك الصراعات بعد انتهاء الدور السوفيتي في السياسة الدولية (٦١).

ويتفق» يزيد صايغ «مع هذا الرأي الذي يرى تأثيراً إيجابياً للتغيرات العالمية الجديدة في حل الصراعات من منطلق أن الابتعاد التدريجي عن التوازن الثنائي للقوة العالمية قد يسهل من التأثير الإيجابي للنظام العالمي على أمن دول العالم الثالث منفردة أو على العلاقات الإقليمية في هذا العالم (٦٢)، لكنه يرى من ناحية آخرى أن المحصلة النهائية لتأثير ضعف تورط القوى الخارجية على الصراعات الإقليمية ليست واضحة بعد، لأن هذا الضعف - في رأيه - لم يترتب على انتهاء أو تغيير أهداف ومضمون أشكال التنافس بينها فقط، ولكنه ترتب أيضاً على اعترافهما (قبل التفكيك النهائي للاتحاد السوفيتي) بمحدودية قدرتهما على التأثير على نتائج الأوضاع المحلية، وهو الأمر الذي يعني ارتفاع الأهمية النسبية لدور القوى الإقليمية الصاعدة فى تفجير أو تسوية هذه الصراعات، ومن ثم فإن انتشار القوة في النظام العالمي يعني تأثيراً مهماً على الأمن الإقليمي خاصة بالنسبة لدول العالم الثالث حيث ستظل الضغوط الخارجية هي المؤثر الأساسي طوال عقد التسعينات (٦٣).

ويتوقع كل من» تاكر «و» روبرتس «أن تشهد الصراعات الإقليمية خاصة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية درجة أكبر من التصعيد نظراً لغياب دور القوتين العظميين الذي كان يضبط سلوك الدول التابعة لكلتا القوتين إذا ما بدا أن الصراع الإقليمي سيؤدي إلى مواجهة بينهما، وذلك دون انكار دور القوتين العظميين بالطبع في خلق وتصعيد بعض الصراعات الإقليمية خلال مرحلة الحرب الباردة. أما الآن فإن القوى الإقليمية قد تتمتع بحرية أكبر في التحرك على النحو الذي قد يؤدي إلى تصاعد حدة الصراع بينها (٦٤). ويلفت هوفمان الانتباه إلى إمكانية حدوث إنفجارات بين بعض أطراف قيادة النظام العالمي ودول إقليمية ذات ايديولوجيات راديكالية معادية للغرب يمكن أن تمثل تهديداً خطيراً لمصالح ومؤسسات وحلفاء التوافق الرأسمالي المسيطر على النظام العالمي أو تتسبب في اندلاع صراعات إقليمية عنيفة (٦٥).

ز - الصراعات النظامية والأيديولوجية:

وتعني أثر التغيرات العالمية على النظم السياسية والأيديولوجيات وخلق قوى وهياكل إجتماعية داخل وحدات النظم الإقليمية. بعض هذه التغيرات حدثت بالفعل داخل الدول أعضاء النظام الإقليمي السوفيتي (السابق) والدول أعضاء النظام الإقليمي لشرق أوروبا (السابق) (٦٦)، فقد حدثت تغيرات ايديولوجية جذرية، حيث تم التخلي عن الماركسية - اللينينية، ونشأت نظم سياسية جديدة تسعى إلى نظام اقتصاد السوق والتعددية الحزبية.

كما شهدت بعض النظم الإقليمية الأخرى تغييرات مماثلة للتأقلم مع مطالب ومصالح القيادة الرأسمالية للنظام العالمي الجديد من خلال ما يعرف بسياسة التكييف الهيكلي مع مطالب صندوق النقد الدولي والبنك الدولى، والخضوع للمشروطية التبادلية Cross Conditionality للمؤسستين والتعرض أحياناً لما يعرف بالإشراف المكثف Enhanced Surveillance للتمكن من الوصول إلى اتفاق مع الصندوق أو البنك للحصول على قرض أو تمويل لأحد المشروعات أو إعادة جدولة الديون (٦٧).

هذه الشروط لا تقتصر فقط على مطالب اقتصادية تتعلق بهيكلية الإقتصاد والتحول نحو الخصخصة على حساب القطاع العام والحد من الإنفاق الاجتماعي، بل كانت تمتد إلى مطالب وشروط سياسية تحاصر الإرادات الوطنية، وتقيد من حرية الاختيارات السياسية، والقبول بما يملى من توجيهات سياسية تفرضها قيادة النظام العالمي.

وهكذا أحدثت، وما زالت تحدث، التغيرات الجديدة في خصائص النظام العالمي تغييرات واسعة وعميقة في النظم الإقليمية، وبات ممكنا التمييز بين ثلاثة أنواع من النظم الإقليمية وفقاً لما هو متاح لها من حركة وتأثير في السياسة الدولية، إضافة لنوع رابع وأهم هو ما يعرف بالإقليمية الجديدة. هذه النظم هى:

[١] نظم إقليمية مسيطرة:

وهي النظم التي تضم دول التحالف الرأسمالي الثلاثي الحاكم: النظام الإقليمي لشمال أمريكا بقيادة الولايات المتحدة، والنظام الإقليمي للاتحاد الأوروبي بقيادة المانيا، ثم اليابان كطرف ثالث يسعى ليكون قيادة إقليمية آسيوية فعالة.

[٢] نظم إقليمية مشاركة

وهي النظم الإقليمية المنتمية لشرق ووسط أوروبا، وبعض النظم الإقليمية في العالم الثالث التي استطاعت أن تتمايز عن بقية النظم الإقليمية الأخرى في العالم الثالث، ليس فقط من حيث نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي أو معدلات النمو السنوى، وإنما أيضاً في معدلات نموها في مجال الصناعة، والصناعة التحويلية والقدرات العلمية والتكنولوجية ونظمها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والتي استطاعت أيضاً خلق أرتباط وثيق بالسوق الرأسمالية الغربية، وهي النظم التي تضم دولاً توجد ضمن إطار ما يسمى بالدول الصناعية الجديدة. هذه النظم يتم ترقيتها ثم دمجها في القطب الرأسمالي العالمي بعد إجراء تغييرات جوهرية في هياكلها الاقتصادية والسياسية، ومن أمثلة هذه النظم الإقليمية: التجمع الاقتصادي الباسيفيكي (دول منظمة جنوب شرق آسيا وكوريا الجنوبية) (٦٨).

وهناك أيضاً محاولات لدمج عدد من دول شرق ووسط أوروبا في عضوية الاتحاد الأوروبي بعد فترة من العضوية المنتسبة، ومحاولة دمج عدد من دول جنوب البحر المتوسط مع الاتحاد الأوروبي ولكن في حلقة مرحلية تجمع الدول المتوسطية أعضاء الجماعة الأوروبية مع عدد من الدول الواقعة في جنوب البحر المتوسط (٦٩).

[٣] نظم غير مشاركة أو مهمشة

وتضم أغلبية النظم الإقليمية في العالم الثالث، وهذه ستكون معرضة للكثير من التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية، وسيزيد هذا التهميش من تفجير صراعاتها الداخلية والإقليمية. ولن يكون في مقدورها سوى التبعية وانتظار ما يمكن أن تجود به القيادة الرأسمالية للنظام العالمي من منح ومعونات كي لاتتحول إلى مستودع خطير لللاجئين والأوبئة التي يمكن أن تنتقل إلى العالم المتقدم وتهدد رخائه إذا لم تستطع أن تنهض بنفسها وتضع حداً لصراعاتها وانقساماتها.

هذا يعني أن النظم الإقليمية ليست عند مستوى واحد من القدرة على التفاعل مع النظام العالمي والتأثير فيه. وسوف ينعكس ذلك بالطبع على قدرتها على المشاركة بفعالية سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ومن ثم فإن هامش تفعيل حوار ثقافي وحضاري عالمياً سوف يتوقف على دور ومكانة كل اقليم من هذه الاقاليم التي تنتمي اليها ثلث الثقافات والحضارات في النظام العالمي.

ثالثاً: الإقليمية الجديدة ومستقبل الحوار

لم تقتصر التحولات الجديدة في النظام العالمي على مجرد ما حدث من تحولات في هيكلية هذا النظام وطبيعته وآلياته بل تضمنت أيضاً تحولاً نوعياً في أنماط تفاعلاته، حيث أخذت التفاعلات الاقتصادية تكتسب موقعا متميزا وثقلا متزايدا ضمن هذه الانماط لدرجة أخذت تؤثر، بشكل ملموس، على هيكلية النظام العالمي الجديد وطبيعته وآلياته ضمن ما أخذ يعرف بظاهرة أوموجة "الإقليمية الجديدة " New Regionalism.

ويقصد بالإقليمية الجديدة، في أبسط معانيها، تلك الموجة الحديثة من التفاعلات الاقتصادية والتجارية التي أخذت في التبلور، ابتداء من منتصف الثمانينات، في شكل تجمعات وكتل تجارية واقتصادية اقليمية كبرى (٧٠).

ويستخدم مصطلح الإقليمية الجديدة للتمييز بين المضمون أو المحتوى الاقتصادي للعلاقات والتفاعلات التي تحدث داخل الكتل والتجمعات الإقليمية، والمحتوى السياسي - الاستراتيجي الذي ظل يحكم تفاعلات النظم الإقليمية طيلة سنوات الحرب الباردة (٧١).

كيف، وإلى أي درجة، ستؤثر هذه الظاهرة "الإقليمية الجديدة" على مستقبل النظم الإقليمية؟

الاجابة عن هذا السؤال تستلزم أولاً: التعريف بالإقليمية الجديدة من ناحية دوافع النشأة، ونماذجها وخصائصها، وتستلزم ثانياً: معرفة التأثيرات المحتملة للاقليمية الجديدة على النظام العالمي، ومن ثم على النظم الإقليمية.

١ - التعريف بالإقليمية الجديدة:

الدوافع - النماذج - الخصائص:

يميز الخبراء بين موجتين للاقليمية الاقتصادية، الأولى ظهرت في أوائل الستينات بتأثير من تجربة " السوق الأوروبية المشتركة " في ذلك الوقت، حيث انتشرت تجارب مماثلة من التكامل الاقتصادي الإقليمي في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لكن أغلبها لم يكتب لها النجاح، وتداعت مع بداية السبعينات. أما الموجة الثانية فهي الموجة الحديثة والتي تستأثر باسم "الإقليمية الجديدة ".

أ - دوافع الإقليمية الجديدة:

يرجع» جاديش بجواتي «عودة ظاهرة الإقليمية الاقتصادية بشكل أكثر قوة وانتشاراً عن تجربتها الفاشلة السابقة في الستينيات إلى حدوث تحول كبير في الموقف الأمريكي من هذه الظاهرة (٧٢)، ففي الستينات وقفت الولايات المتحدة موقفاً عدائياً ضد ظاهرة الإقليمية الاقتصادية من منطلق الدفاع عن نظام التجارة الدولية متعددة الأطراف باعتبار أنها، أي الولايات المتحدة، هي القوة الحامية للنظام الإقتصادي العالمي المرتكز على اتفاقية» بريتون وودز «بدعامتيها الرئيسيتين: نظام سعر الصرف الثابت القائم على الدولار الأمريكي كقاعدة أو عملة أساسية، وضمان تدفق التجارة الدولية دون اللجوء إلى سياسات تمييزية في التجارة والصرف، وذلك كله في إطار "الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة GATT". أما في الفترة ابتداء من النصف الثاني من الثمانينات فقد تحولت الولايات المتحده إلى دولة مشاركة في ظاهرة التكتل الاقتصادي الإقليمي، باعتبارها أهم اجراء» حمائي «، رداً على السياسات الحمائية من جانب شركائها التجاريين الرئيسيين (٧٣) وكان هذا التحول في الموقف الامريكي، حسب ما يعتقد» بجواتي «، أبرز الدوافع التي جعلت عودة الإقليمية الاقتصادية هذه المرة تأخذ شكل "الموجة " في ا

ندفاعها (٧٤).

لكن، على الرغم من أهمية التحول في الموقف الامريكي من ظاهرة الإقليمية الاقتصادية، فإنه ليس المنشيء لها، بل إن هذا التحول كان نتيجة، وتعبيراً في الوقت نفسه، للعديد من التطورات الاقتصادية والسياسية التي وفرت الشروط اللازمة لهذا الظهور البارز للاقليمية الاقتصادية فيما أخذ يعرف بـ "الإقليمية الجديدة ". يأتي في مقدمة هذه التطورات ما يلي:

[١] حدوث تغيرات عميقة في البيئة التجارية العالمية منذ إنهيار نظام " بريتون وودز " لأسعار الصرف الثابتة، والأخذ في صيف ١٩٧٣ بنظام أسعار الصرف العائمة (٧٥).

ويرجع هذا الانهيار للنظام الذي كان يعتمد على الدولار الامريكي كعملة رئيسية إلى بروز تغييرات عالمية كثيرة خاصة فيما يتعلق بأوضاع الاقتصاد الأمريكي، والعجز المزمن في ميزان المدفوعات والميزانية الأمريكية، وتحركات رؤوس الأموال الدولية، فضلاً عن التطورات السريعة والمتزايدة للبلدان الرأسمالية الغربية واليابان، حيث أخذت اقتصادات هذه البلدان في النمو السريع خاصة المانيا واليابان. وقد قللت هذه التطورات قدرة الاقتصاد الامريكي التنافسية خاصة مع تزايد الانفاق التضخمي، مما أدى إلى احتدام التنافس والصراع بين الأطراف الرئيسية في النظام العالمي (٧٦).

[٢] صعود قوى تجارية جديدة وحدوث تغييرات مهمة في الوزن النسبي للقوى التجارية الكبرى في العالم. وتعتبر البلدان الصناعية الجديدة في الشرق الأقصى وجنوب شرق أسيا أهم هذه القوى التي تتزايد قوتها التجارية بمعدلات سريعة تؤهلها لتبوؤ مكانة مهمة في التجارة الدولية (٧٧).

[٣] تفجر المشاكل داخل مفاوضات» الجات «في جولة» أورجواي «، الأمر الذي أدى إلى شيوع النزعة الذاتية الحمائية التي ظهرت بشكل أوضح على المستوى الإقليمي على حساب استمرار الالتزام بالقواعد التي أرستها اتفاقية الجات وخاصة الحفاظ على تحرير التجارة العالمية وقاعدة الدولة الأولى بالرعاية The Most Favoured Nation التي تعني مد الإمتيازات التجارية التي تتفاوض حولها الأطراف المتعاقدة، أي جميع الأطراف الأخرى تلقائياً.

واذا كانت مفاوضات» الجات «قد حققت تقدماً كبيراً وبالذات فيما يتعلق بتخفيض معدلات التعريفة الجمركية في الفترة ما بين الجولة الأولى عام ١٩٤٧ في جنيف والجولة السابقة في طوكيو عام ١٩٧٩ (٧٨)، فإن القيمة الفعلية لهذا التخفيض تراجعت بسبب لجوء الدول الصناعية الكبرى المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى انتهاج "سياسات حمائية غير جمركية " واسعة ومتنوعة، فضلاً عن عدم الالتزام بقاعدة الدولة الأولى بالرعاية بسبب الصراعات الاقتصادية المتبادلة، الأمر الذي أدى إلى زيادة تعقيد مفاوضات» الجات «وأحدث التحول الملحوظ في الموقف الأمريكي من ظاهرة التكتل الاقتصادي (٧٩).

فمع كل تعثر كان يواجه الولايات المتحدة في جولة» أورجواي «كانت تتجة إلى التصعيد و إلى التنوع في سياساتها الحمائية في محاولة للحد من العجز المتصاعد والمستمر في ميزانها التجاري، ولوقف الانفلات الحادث في المراكز الصافية للاستثمار في غير صالحها، وفي غير صالح البلدان الأخرى ذات العجز التجاري، ولصالح اليابان وبلاد الفائض التجاري. وكانت سياسة انشاء مناطق التجارة الحرة الثنائية مع اسرائيل عام ١٩٨٥ ومع كندا عام ١٩٨٧، ثم الاتجاه نحو الأخذ بنهج الكتله التجارية من أهم وأبرز السياسات الأمريكية للرد على الضغوط والمنافسات الخارجية (٨٠).

[٤] التوسع الشديد في حجم ونشاط وعدد الشركات دولية النشاط بصفتها المنتج الرئيسي، للسلع والخدمات في التجارة الدولية، مع تزايد نسبة الصفقات الدولية التي تجري بين فروع الشركه الواحدة أو بين الشركات ذات صلة ببعضها بعضاً.

ففي بداية التسعينات سيطرت ٣٧ الف شركة دولية النشاط، إضافة إلى مخالبها (١٧٠ ألف فرع في الخارج) على الاقتصاد العالمي. وتتقاسم خمس بلدان هي: الولايات المتحدة واليابان وفرنسا والمانيا وبريطانيا ملكية ١٧٢ شركة من أكبر مائتي شركة في العالم. وقد ارتفعت مبيعات هذه الشركات فيما بين (١٩٨٢ - ١٩٩٢) من ٣٠٠٠ مليار دولار إلى ٥٩٠٠ مليار دولار، كما ارتفعت حصتها من إجمالي الناتج العالمي من; ٢ر٢٢ % إلى ٨ر٢٦% خلال نفس الفترة (٨١).

أمام كل هذه التطورات في دور ومكانة تلك الشركات بدت الدولة القومية أعجز من أن تفي بمتطلباتها اللازمة للدخول في منافسة حامية مع المراكز الصناعية والتجارية. ولذلك كان اللجوء إلى التكتل التجاري والاقتصادي الإقليمي هو الحل الانسب والأفضل لتوفير الاطار اللازم لاستيعاب وتدعيم نشاط هذه الشركات.

[٥] حدوث انقسام وتمايز كبيرين في صفوف دول العالم الثالث، ليس فقط من حيث نصيب الفرد من الدخل القومي أو معدلات النمو السنوي، وإنما أيضاً في معدلات ومستويات نموها الصناعي والتقني والعلمي، وفي نظمها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية (٨٢). هذه التمايزات أدت إلى انفراط وحدة دول الجنوب، اذ لم تعد تجمعها مصالح وتطلعات واحدة، ومن ثم لم تعد تشكل جبهة موحدة في مواجهة دول الشمال، بل زادت تناقضاتها، وإدراك بعضها أنه ربما يكون أقرب إلى بعض دول الشمال من منظور المصلحة الوطنية المباشرة، على غرار تجربة دول الجنوب الاكثر تمايزاً من الناحيتين الصناعية والتجارية (٨٣)، الأمر الذي دفع ببعض هذه الدول إلى الانسحاب من إطار العمل من داخل جبهة دول الجنوب والسعي للالتحاق بظاهرة التكتلات الاقتصادية الإقليمية، الامر الذي أدى إلى شيوع انتشار تلك التكتلات في أوساط دول وسط وجنوب القارة الامريكية، وفي جنوب شرق آسيا، وأعطى للظاهرة وزنها العالمي.

[٦] التطورات والتحولات السياسية العالمية الناتجة عن انهيار نظام القطبية الثنائية وتفكك الاتحاد السوفيتي، ومن ثم زوال الانقسام السياسي والايديولوجي والاقتصادي في العالم.

فقد ترتب على هذه التطورات الجديدة في النظام العالمي سقوط الانقسامين العظيمين اللذين خلقا معوقات مصطنعة للتجارة والاستثمار داخل وبين أقاليم العالم لعقود عدة. كان الانقسام الأول نفسياً بين نظام السوق الرأسمالي و سيطرة الدولة على شؤون الاقتصاد في النظام الاشتراكي، وترتب عليه انفصال في العلاقات والتفاعلات الاقتصادية بين الدول داخل الإقليم الواحد مما أعاق تكاملها. أما الانقسام الثاني فكان ايديولوجياً وعسكرياً، حيث قسم العالم إلى مناطق نفوذ للقوتين العملاقتين. إزالة هذه العراقيل وانتهاء هذه الانقسامات خلق مجالاً أوسع وأفضل للتحرك على نطاق الإقليم الجغرافي، وسمح للجغرافيا أن تلعب دوراً ملموساً في تدفق التجارة والاستثمار وتشجيع الدخول في تكتلات اقتصادية اقليمية (٨٤).

من ناحية أخرى، فإن التدهور النسبي في القدرات الاقتصادية الامريكية وتراجع الوزن العسكري للوجود الامريكي في أوروبا وجنوب شرق آسيا بعد انتهاء الخطر السوفيتي ترك مجالاً أوسع لنمو التكتلات الإقليمية في أوروبا حول الاتحاد الأوروبي، وفي آسيا حول اليابان (٨٥).

كما ترتب على اختفاء أو تراجع معالم الصراع السياسي والايديولوجي التقليدي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي إعادة صياغة مفهوم الأمن الدولي بحيث تتراجع فيه الأبعاد السياسية والعسكرية ولتتزايد فيه المكونات الاقتصادية، ولتظهر انواع جديدة من القضايا نتجت عن التطورات العالمية الجديدة: الصناعية والاجتماعية، مثل التلوث البيئي، ومسألة ثقب الأوزون، والمخدرات، واللجوء غير الشرعي. ومثل هذه القضايا لايمكن حلها بالصراع أو بالتدخل العسكري، بل انها تفترض التعاون والتكامل الإقليمي. وهذا ما أدركته الولايات المتحدة في تجربتها مع المكسيك (٨٦).

ب - نماذج الإقليمية الجديدة:

هذه التطورات، مجتمعة، ساهمت في بروز موجة الإقليمية الجديدة التي أخذت مظهرين: الأول، هو شكل التكتل التجاري الإقليمي القائم على قاعدة تيسير العلاقات التجارية بين الدول الأعضاء بدرجات تميزها عن العلاقات التجارية مع الدول غير الأعضاء. والثاني، هو نوع من التكتل التجاري - الاقتصادي القائم على أساس التخصص وتقسيم العمل الصناعي في مجموعة من الصناعات، أو في صناعة واحدة بين مجموعة من الدول التي يجمعها هذا التخصص والتقسيم في العمل.

[١] نموذج التكتل التجاري:

هو نوع التكتل الرئيسي والأكثر شيوعاً لكن تختلف مستويات التكامل والاندماج بين الدول الأعضاء وفقاً للقاعدة التي ينشأ على أساسها التكتل، حيث توجد أربع درجات أو مستويات هي: المنطقة التجارية الحرة، والاتحاد الجمركي، والسوق المشتركة وأخيراً الاتحاد الاقتصادي. والمنطقة التجارية الحرة هي الأدني درجة حيث تكتفي باتفاق الأعضاء على الغاء القيود أو التعريفات الجمركية فيما بينهما. أما الاتحاد الجمركي فهو يضيف إلى ذلك الاتفاق على تعريفة موحدة مع الدول غير الأعضاء، تأتي السوق المشتركة لتضيف قاعدة ثالثة أكثر أهمية وهي الغاء كافة الحواجز الأخرى غير الجمركية بحيث تتوفر الحريات الأربع الرئيسية: حرية انتقال رأس المال، والعمال، والسلع، والخدمات. أما أعلى المراتب وهو الاتحاد الاقتصادي فيرتقي بالتنسيق أو التعاون إلى مستوى التكامل الإقتصادي حيث يتم توحيد السياسات الاقتصادية القومية داخل دول الاتحاد (٨٧).

وقد شهدت موجة الإقليمية الجديدة بروز العديد من نماذج التكتل التجاري، بعضها كان قديماً ويرجع إلى موجة الستينات وأعيد تحديثه باستثناء المجموعة الأوروبية التي نشأت كاتحاد جمركي منذ البداية بموجب معاهدة روما لعام ١٩٥٧.

ومن أهم هذه النماذج: منطقة التجارة الحرة الأوروبية (E. F. T. A) التي نشأت عام ١٩٦٠ وضمت في ذلك (بريطانيا والنمسا والدانمارك والنرويج والبرتغال والسويد وسويسرا). والسوق المشتركة لأمريكا الوسطي (C. A. C. M) وتأسست عام ١٩٦١، و» معاهدة الاندين «وتأسست عام ١٩٦٩، ورابطة دول جنوب شرق أسيا (A. S. E. A. N) واتحاد تكامل أمريكا اللاتينية (L. A. F. T. A) الذي تأسس عام ١٩٦٠ وأعيد تنشيطه عام ١٩٨٠، والجماعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا (E. C. O. W. A. S) وتأسست عام ١٩٥٧. (٨٨) راجع الملحق رقم "١" وبه كشف بأسماء وسنوات تأسيس وعضوية أبرز ٢٣ تكتلاً تجارياً اقليمياً على مستوى قارات العالم.

أما أبرز التكتلات الاقتصادية الجديدة فهي: منطقة التجارة الحرة لامريكا الشمالية (N. A. F. T. A) التي بدأ التفكير فيها عام ١٩٨١ بين الولايات المتحدة وكندا ودخلت حيز التنفيذ عام ١٩٨٧، وتم توسيعها بمشاركة المكسيك في فبراير ١٩٩١ على مرحلتين: الأولى بين الولايات المتحدة والمكسيك في يونيو ١٩٩٠، ثم باشراك كندا عام ١٩٩١ (٨٩). ومنها أيضاً الاتفاق التجاري لعلاقات تجارية أوثق بين أستراليا ونيوزيلندا (A. N. Z. C. E. R. T. A) وتأسس عام ١٩٨٣. ومنطقة التجارة التمييزية لدول شرق وجنوب افريقيا (P. T. A) وتأسست عام ١٩٨٧ (٩٠)، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا - الهادي (A. P. E. C) الذي تأسس عام ١٩٨٩ بدعوة استرالية ومباركة امريكية بحضور وزراء خارجية اثنتي عشرة دولة هي: الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية والصين واستراليا ونيوزيلندا، إضافة إلى الدول الست أعضاء رابطة الآسيان: اندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، والفلبين وتايلاند وسلطنة بروناي (٩١).

٢ـ نمودج التكتل الصناعي التجاري:

يعتمد هذا النموذج أيضاً على الروابط والتسهيلات التجارية، لكنه ينشأ، في الأساس، بدوافع تفرضها العلاقات الصناعية والتكنولوجية، ولا يشترط أن تكون هذه العلاقات بين دول بل يمكن أن تنشأ بين مناطق أو ولايات داخل الدولة الواحدة أو مناطق في دول متعددة لا يشترط أن تكون متقاربة جغرافياً بقدر ما يشترط أن تكون متكاملة صناعياً. البعض يسميها " أقليمية فرعية Subregional "، والبعض الآخر يطلق عليها اسم " الدولة الإقليم " Region - State (٩٢).

وهذا النوع من التكتل الاقتصادي أحد نتائج عملية» التدويل الاقتصادي «Economic Internationalization، والثورة التكنولوجية، والنوع الجديد من أنواع تقسيم العمل أكثر من كونه نتيجة لأنماط معينة من السياسات الحمائية التجارية، كما هو الحال بالنسبه للنوع الأول من الكتل التجارية الإقليمية، فقد ترتب على الثورة التكنولوجية ظهور أنماط جديدة للتخصص وتقسيم العمل غير ذلك النمط التقليدي من التخصص وتقسيم العمل بين دول زراعية وأخرى صناعية.

فالأن يوجد نوع من تقسيم العمل بين بلاد مختلفة لانتاج السلعة نفسها خاصة بالنسبه للسلع المعمرة نظراً لتعدد أنواع تلك السلع، ولذلك أصبح مألوفاً أن تظهر السلعة نفسها في قائمة صادرات وواردات الدولة نفسها، وهو ما يعرف بتقسيم العمل داخل الصناعة الواحدة Intra - Industry. وأصبح شائعاً أن يتجزأ انتاج الشركة الواحدة بين عدد من الدول، وبتحديد أكثر بين مناطق أو مقاطعات في عدد من الدول بحيث تتخصص كل واحدة في إنتاج جزء أو أكثر من تلك السلعة، وهو ما يعرف بتقسيم العمل داخل السلعة الواحدة Intra - Firm. وقد أصبح هذا النوع من التخصص من أهم أشكال تقسيم العمل بين الدول الصناعية، وأحياناً بين دول صناعية ودول نامية (٩٣).

هذا النوع الجديد من التخصص وتقسيم العمل، وفي اطار عملية تدويل الاقتصاد، أدى إلى ظهور تجمعات أو كتل اقتصادية تربط بين مناطق أو اقاليم متكاملة اقتصادياً وصناعياً تجمعها مصالح مباشرة تفوق ما عداها من المصالح حتى داخل الدولة نفسها، فقد تكون إحدى الجزر اليابانية أكثر ارتباطاً باحدى الولايات الأمريكية لتكاملهما معاً في انتاج سلعة معينة، بدرجة تفوق كثيراً ارتباط تلك الجزيرة بأي جزيرة أو منطقة يابانية أخرى (٩٤).

هذه المناطق أو الكتل الإقليمية الفرعية، كما يقول أنصارها، لم تنشأ بقرار سياسي، وإنما أنشأتها يد رشيقة غير مرئية تتمثل في حركة السوق العالمي للبضائع والخدمات. فهي تتبع، ولا تسبق، التدفق الحقيقي للنشاط الإنساني، كما أنها صدفة تاريخية، ولا تمثل أي تهديد للحدود السياسيه القائمة بين الدول، وليست لها إدعاءات في أموال ضرائبية لتمويل قوات عسكريه لحماية حدود (٩٥).

ومن أمثلة هذا النموذج للتكتل الاقتصادي الإقليمي منطقة شمال ايطاليا، والالزاس واللورين، وبادين فير تمبرج، وكتالونيا، وكذلك المنطقة الإقليمية التي تربط بين بوهيميا في جمهورية تشيكيا مع ساكسوني في المانيا وسيليزيا في بولندا، وكذلك منطقة لومباردي في ايطاليا والمناطق المجاورة لها في فرنسا وسويسرا، كما برزت روابط مماثلة بين منطقة جنوب غرب الولايات المتحدة مع شمال المكسيك، وهي روابط تفوق مثيلاتها مع الوطن الأم في البلدين (٩٦).

وتشهد منطقة الشرق الأقصى ومنطقة جنوب شرق آسيا العديد من هذا النوع من أبرزها ما يعرف بـ "مثلث النمو الإقليمي الفرعي” The Subregional growth traingle “ الذي نشأ عام ١٩٩٠ ليربط التكنولوجيا والقوة المالية السنغافورية مع العمالة والموارد في "أرخبيل ريو" ومنطقة جوهور Johore جنوب ماليزيا. ومنها أيضاً منطقة التكامل بين مقاطعتي» جواندنج «و» شينزهن «Shenzhen الاقتصاديتيين في الصين مع» هونج كونج «بما يضمن انتقال رؤوس الاموال والانفتاح على الاسواق الفرعية للمقاطعتين. ومنها كذلك الروابط غير الحكومية، التجارية والمالية بين مقاطعة» فوجيان «Fojian الصينية مع» تايوان «، كما توجد ارتباطات مماثلة بين المقاطعات الشمالية الشرقية في الصين مع كوريا الجنوبية واليابان لجذب المستثمرين وتنشيط التجارة (٩٧).

جـ - خصائص ومميزات الإقليمية الجديدة.

تكشف دراسة تجارب الإقليمية الجديدة، وخاصة التجارب الثلاث الكبرى الأساسية: الاتحاد الأوروبي، ومنطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية "نافتا" والتكتل التجاري في جنوب شرق آسيا وغرب الباسيفيكي عن حقيقتين أساسيتين هما:

الأولى: أن اللجوء إلى عملية التكتل الاقتصادي الإقليمي لم يأت نتيجة اختيار تفصيلي بين تحرير التجارة متعددة الأطراف التي تمتد إلى كل الشركاء التجاريين، وتحرير التجارة التي تمتد فقط إلى الشركاء الإقليميين داخل التكتل الإقليمي. لكنها جاءت استجابة للتطورات الجديدة في النظام العالمي والبيئة التجارية والاقتصادية لذلك النظام ومتغيراته، سواء أمن ناحية قصور الدولة القومية عن أداء الوظائف الجديدة والاستجابة بمرونة وقدرة ملموسة على التكيف مع الواقع السياسي - الاقتصادي - التكنولوجي الجديد، أم من ناحية كفاءة نظام التجارة الحرة متعددة الاطراف في التوفيق بين المصالح المتناقضة للقوى الصناعية الكبرى (٩٨).

الثانية: أنه قد ثبت بالتجربة أن هذه القوى الصناعية الكبرى تناصر نظام التجارة الحرة متعددة الأطراف طالما أنها تحقق لها فوائض تجارية، أو أنها تتفوق في مجال المزايا النسبية، لكنها تتحول عن مناصرة مبادئ التجارة الحرة متعددة الأطراف عندما تتحقق معها عجوزات كبيرة، أو تعكس، بالضرورة، تدهور قدرتها التنافسية الدولية لمنتجاتها ولاقتصادها ككل (٩٩).

هاتان الحقيقتان تبرزان أهم خصائص الإقليمية الجديدة وهي:

[١] أنها عملية لاعادة مأسسة النظام الاقتصادي العالمي الجديد على نحو يتواءم مع المتغيرات العالمية الجديدة بحيث يجعل من الكتل التجارية الإقليمية حلقة متوسطة بين الدولة القومية من ناحية والنظام العالمي من ناحية أخرى، ومن ثم فهي تجديد، أو إعادة إحياء، للنظم الإقليمية التي أصيبت بانتكاسة كبيرة مع المتغيرات العالمية الجديدة، ولكنه إحياء من منظور الاعتبارات الاقتصادية بعد أن أضحى العالم أكثر اقتصادوية.

فنتيجة لمجمل تلك المتغيرات بدت الدولة القومية، بمواريثها ومصالحها الضيقة عقبة كأداء لتطور الأقتصاد العالمي، وظهرت منذ بداية الثمانينات فجوة مؤسسية ضخمة بين الدولة القومية بمؤسساتها وضرائبها ونظمها النقدية والمالية المتعددة من جانب، وبين النظام الاقتصادي العالمي، وبتحديد أكثر، النظام الاقتصادي للدول الصناعية المتقدمة ومؤسساته من جانب أخر، ومن ثم كان لابد من إيجاد البديل الاكثر تعبيراً وانسجاماً مع كل تلك التطورات وهو الإقليمية الجديدة.

فإذا كانت الدولة القومية نتاج السوق القومية، والقومية الاقتصادية والثورة الصناعية الأولى والثانية، فإن الإقليمية الجديدة نتاج لتطور السوق العالمية والنظام الاقتصادي العالمي بطاقاته الهائلة وآلياته المتنوعة وما تتضمنه من شبكة ضخمة من المنظمات والمؤسسات الدولية (١٠٠).

بهذا المعنى فإن الإقليمية الجديدة تختلف عن اقليمية الستينات في أنها ليست امتداداً أو تعبيراً عن مصالح إقليمية بقدر ما هي استجابة للتطورات العالمية، لذلك فهي لا تجعل من الانتماء الجغرافي شرطاً لعضويتها، ولا تحرم دولاً من العالم الثالث من الانتساب إلى عضوية تكتل اقتصادي اقليمي ينتمي إلى عالم الشمال طالما توجد المصالح والمنافع المشتركة (١٠١).

[٢] ليست الإقليمية الجديدة نقيضاً أو بديلاً للتجارة الحرة العالمية متعددة الأطراف، ولكنها تتمة أو تكملة لهذه التجارة. فهي وإن كانت ترمي إلى تحرير التجارة بين الشركاء أعضاء التكتل الإقليمي، فإن هذا التحرير الجزئي للتجارة خطوة مهمة نحو تحريرها خارج الكتل الإقليمية خصوصاً في ظل توسع دائرة الاعتماد المتبادل بين الدول الصناعية الكبرى، فظاهرة الكتل الاقتصادية يمكن أن تنشئ آثاراً مولدة للتجارة خارج الكتلة التجارية، ويحدث ذلك إذا أدت عملية تحرير التجارة داخل كتلة تجارية معينة إلى زيادة الدخل، وبالتالي زيادة الطلب على الواردات من خارج هذه الكتلة. وتفسير ذلك أورده "جاكوب فينر" في دراسته الرائدة عن موضوع "الاتحادات الجمركية " (١٠٢).

بهاتين الخاصتين ينظر أنصار الإقليمية الجديدة إليها على أنها تطور شديد الاهمية، وأنه يمكن من خلالها تحقيق العديد من المكاسب السياسية والاقتصادية منها:

(أ) أنها تساهم في تحقيق الاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، ومن ثم تخدم قضية السلام. فمن خلال المزيد من التشابك في المصالح والاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول اعضاء التكتل يمكن أن تتراجع فرص نشوب الصراعات داخل الإقليم، ويمكن أن تزداد فرص الاستقرار السياسي نتيجة ما يحدث من مكاسب اقتصادية متبادلة، وشيوع الاستقرار والسلام الإقليمي يعتبر خطوة أساسية لتحقيق الاستقرار والسلام العالمي (١٠٣).

(ب) أنها يمكن أن تساهم في توسيع الأسواق وخلق اقتصاديات ضخمة وتحقيق المزيد من التقدم التكنولوجي والاقتصادي عن طريق فتح الأسواق الوطنية داخل التكتل الإقليمي أمام انتقال رؤوس الأموال والاستثمارات والسلع والخدمات والعمالة داخل الإقليم، ويمكن في مثل هذه البيئة التعاونية والتكاملية أن يكون لأثر المحاكاة دوره الفاعل في تحفيز أعضاء التكتل نحو المزيد من التطوير والابتكار والتقدم (١٠٤).

(جـ) أن المفاوضات الإقليمية داخل التكتل الاقتصادي الإقليمي تخدم المفاوضات العالمية إذا ما أعتبرت بمثابة "معامل اختبار" للقوانين والاحكام الجديدة، كما أنها تخدم المفاوضات العالمية باعتبارها مرحلة تفاوضيه سابقة، يجري خلالها حل الكثير من المشاكل وتليين مواقف الأطراف بحيث تذهب للتفاوض العالمي وهي أكثر ليونة وأقل تشدداً، هذا علاوة على أن التفاوض بين عدد محدود من التكتلات في المفاوضات العالمية أفضل كثيراً من التفاوض بين ١٢٥ دولة لكل منها رؤاها وتصوراتها ومصالحها (١٠٥).

(د) أن المفاوضات الإقليمية داخل الكتل أكثر كفاءة بل وأكثر مناسبة في تناول قضايا ذات صبغة اقليمية بحتة عن طرحها في التفاوض العالمي، فهناك دائماً قضايا خلافية لها خصوصيات اقليمية لا تطرح عادة في المفاوضات العالمية التي تختص بالقضايا ذات العمومية العالمية. ومثل تلك القضايا الإقليمية لن تجد أفضل من اطار المفاوضات داخل التكتل الإقليمي كي تطرح نفسها للدراسة والتفاوض (١٠٦).

هذه المزايا لا تعني أن الإقليمية الجديدة خالية من العيوب أو الآثار السلبية. فأنصار التجارة الحرة متعددة الأطراف لهم العديد من الانتقادات أبرزها:

(أ) أنه إذا كان الطابع الأساسي للاقليمية الجديدة يعتمد على فكرة بروز ثلاث كتل اقتصادية عظمى تسيطر على العلاقات الاقتصادية الدوليه هي: أوروبا بقيادة الاتحاد الأوروبي، ومنطقة التجارة الحرة لشمال أمريكا (نافتا) بقيادة الولايات المتحدة، والتكتل التجاري لجنوب شرق أسياـ الباسيفيكي بقيادة اليابان، بدلاً من النظام القائم على قاعدة الدولة القومية، وقاعدة التجارة الحرة متعددة الأطراف، فإن ذلك سوف يجعل من هذه الكتل الكبرى الثلاث هيكلاً أكثر تمييزاً more discriminatory مع غير شركائها، واكثر استبعاداً more exlusive لغير الشركاء (١٠٧).

هذا الوضع يؤدي إلى نتيجتين سلبيتين على السلام والاستقرار العالمي وهما:

الأولى: زيادة فرص الاحتكاك والصراع بين هذه الكتل الكبرى الثلاث.

الثانية: زيادة تهميش الدول الأخرى غير المشاركة في عضوية أي من هذه الكتل الثلاث.

ويفسر» بجواتي «آلية هذا التفاعل السلبي بأن الكتل الكبيرة تكون لها أسواق كبيرة، وفي غياب التعاون العالمي فإنها سوف تفرض تعريفات جمركية عالية ضد بعضها البعض. كما أن الكتل الكبرى تكون، عادة، شبيهة في سلوكها، بالدول الكبرى. فهي أكثر اتجاهاً نحو الداخل، وأقل ميلاً واستعداداً للانفتاح على الخارج، وهو مايؤدي إلى اصابة التجارة العالمية متعددة الأطراف بأضرار جسيمة (١٠٨).

(ب) أن الاقاليم الجغرافية ليست بالضرورة، كما يقول روبرت هورماتس، مناطق تجارية طبيعية. فالتقارب الجغرافي، من منظور أصحاب هذا الرأي، ليس شرطاً لجعل التجارة أكثر كثافة. مؤشرات ذلك كثيرة. فتجارة الولايات المتحدة، مثلاً، مع كل من سنغافورة وماليزيا وتايلاند كانت في عام ١٩٩٢ أعظم منها مع دول امريكا اللاتينية، كما أن العلاقات التجارية بين دول غرب افريقيا محدودة جداً إذا قورنت بالعلاقات التجارية بين كل دولة من هذه الدول مع فرنسا مثلاً، والأمر نفسه ينطبق على معظم دول العالم الثالث حيث أن التجارة البينية فيما بينها متدنية (١٠٩).

(جـ) أن الإقليمية الجديدة لم تقدم إطاراً فكرياً أو عملياً لكيفية الربط بين التكتلات الاقتصادية ضمن منظومة عالمية. ولم توفر قاعدة مقبولة، حتى الآن، لربط اقتصادات ضخمة مثل الاقتصاد الصيني والاقتصاد الروسي والاقتصاد الهندي بالنظام الاقتصادي العالمي الآخذ في التشكل على أساس من الكتل الثلاث الكبرى (١١٠).

(د) أنها شديدة الضرر بالنسبة لمعظم دول الجنوب التي ليس في مقدورها تشكيل كتل اقتصادية اقليمية قوية ولديها الفعالية الكافية للتعامل مع الكتل الثلاث الكبرى. وحتى في الحالات التي استطاعت فيها بعض دول الجنوب تشكيل كتل اقتصادية اقليمية فإنها لم تحقق نجاحات ملموسة، وكانت معدلات تجارتها البينية متدنية، إذ لم تتجاوز نسبة ٤% باستثناء خمس كتل كانت أعلى من ذلك بقليل. كما أن مشاركة هذه الكتل الجنوبية في الصادرات العالمية محدودة، على عكس الكتل الاقتصادية لدول الشمال فمعدلات تجارتها البينية الإقليمية مرتفعة، ومشاركتها في الصادرات العالمية عالية (١١١).

وقد ظهر العديد من الاجتهادات لمعالجة هذه العيوب من أهمها:

(أ) جعل الكتل الإقليمية مفتوحة العضوية عن طريق إقناع هذه الكتل بالتوسع في تطبيق قاعدة " الدولة الأولى بالرعاية " على الدول غير الاعضاء، وعدم اغلاق الأبواب أمام الدول الراغبة في عقد اتفاقيات " تجارة حرة " مع أي من الكتل الإقليمية أو مع عضو مؤثر من أعضائها.

ويتحمس أنصار التجارة الحرة متعددة الأطراف لهذا الإقتراح ويعتبرونه مقياساً لمدى كون الإقليمية الجديدة مكملة للتجارة الحرة متحدة الأطراف، كما يدعي أنصارها أنّها بديلة لها (١١٢) لكن انصار الإقليمية الجديدة يعتبرونه مطلباً تعجيزياً، بل ومستحيلاً، لانه يفقد الكتل الاقتصادية الإقليمية خصائصها وتمايزها. ويشير "ألان وينترز" بهذا الخصوص إلى الرفض الحاسم لمسؤولي هذه الكتل لهذا الاقتراح بما جاء على لسان أحد مسؤولي العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي، حيث قال: » نحن لا نبني سوقاً واحدة من أجل بيعها للأجانب الجوعي «(١١٣).

(ب) السعي إلى تعديل المادة الرابعة والعشرين من اتفاقية " الجات" التي تحدد قواعد تشكيل الكتل والتنظيمات الاقتصادية الإقليمية. وينطوي هذا التعديل المطلوب على حصر القاعدة التي تؤسس عليها تلك الكتل في الاتحادات الجمركية التي تقتضي وجود تعريفات جمركية مشتركة بين أعضاء كل كتلة فقط، وعدم السماح بانشاء هذه الكتل وفقاً لقاعدة "مناطق التجارة الحرة" التي تتيح للبلدان الأعضاء الاحتفاظ بتعريفاتها الجمركية الوطنية لتطبيقها على البلدان غير الأعضاء.

والفكرة الأساسية في هذا الاقتراح هي التعويل على امكانية نجاح الأعضاء الاكثر تحرراً في الكتل (أي الأقل في معدل تعريفاتها الجمركية) بإلزام الأعضاء الآخرين بتخفيض تعريفاتهم، على غرار ما حدث بالنسبة لليونان وأسبانيا والبرتغال عندما انضمت هذه الدول إلى المجموعة الأوروبية. فهذا من شأنه النجاح في خلق مبادلات تجارية صافية (١١٤).

(ج) لضمان الانفتاح في الاتفاقات التجارية الإقليمية ينبغي تعزيز أحكام المادتين السادسة والتاسعة عشرة من اتفاقية “الجات“ كي يتم – إلى اقصى حد ممكن – تخفيض خطر اللجوء إلى الحواجز غير الجمركية ضد البلدان غير الأعضاء في الكتل الاقتصادية الإقليمية (١١٥).

(د) زيادة فاعلية المؤسسات الاقتصادية العالمية وفتح عضويتها لعدد من الدول الصناعية الجديدة، لتوسيع نطاق المشاركة في شؤون الاقتصاد العالمي.

(هـ) إشراك المؤسسات الاقتصادية العالمية خاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما في مناقشة سياسات الكتل الاقتصادية الإقليمية وبحث سبل تنسيق السياسات خاصة في مجالات التجارة والاستثمار والعملات والتنمية لضمان الحد من انغلاقية هذه الكتل.

(و) أن تقوم القمة الدورية لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى بمهمام إضافية جديدة، مثل أن تقوم بمراجعة وتقييم أداء الكتل الإقليمية ليس للتأكد فقط من ضمان محافظة اتفاقات التجارة الإقليمية على فتح الاسواق بل ولضمان تحقيق تقدم في مسار تحرير التجارة العالمية. وأن تعمل على خلق إطارات للتعاون بين الكتل الإقليمية وبين مؤسسات التجارة العالمية متعددة الأطراف. كما يمكن للقمة، أن تتشاور، دورياً، مع كبار المسؤولين في المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية حول قضايا الاقتصاد العالمي، وأداء الكتل الاقتصادية قبل عقد مؤتمرات القمة الدورية للمجموعة (١١٦).

٢ - الإقليمية الجديدة والنظام العالمي:

كيف ستؤثر ظاهرة الإقليمية الجديدة على النظام العالمي؟

يمكن تحديد ثلاثة مشاهد مستقبلية للنظام العالمي من منظور تأثير الإقليمية الجديدة عليه. هذه المشاهد هي:

الأول: تكريس وتدعيم الهيكلية الجديدة للنظام العالمي التي تأخذ شكلاً هرمياً تتولى فيه الولايات المتحدة الأمريكية دور الزعامة ضمن تشكيل قيادي ثلاثي يضم الكتل الاقتصادية الإقليمية الكبرى: منطقة التجاره الحرة لشمال أمريكا (نافتا) والاتحاد الأوروبي، والتجمع الاسيوي - الباسفيكي، وأن يحافظ هذا النظام على طبيعته وخصائصه القائمة على نهجين: التنافس مع التعاون والاعتماد المتبادل على مستوى القيادة الثلاثية، والتمييز في العلاقة بين قيادة النظام والوحدات القاعدية لهيكليته الهرمية وبالذات في دول الجنوب.

الثاني: قيام نظام عالمي بديل متعدد الأقطاب مع توافر الشروط اللازمة لظهور مثل هذا الاستقطاب، وأهمها تركز القوة العالمية في عدد محدد من التكتلات السياسية - الاقتصادية، مع وجود تناقضات صريحة في المصالح والأهداف، تدفع إلى شيوع الصراع كنمط أساسي في العلاقات، مع ما يترتب على ذلك من اتخاذ الاستقطاب شكلاً سياسياً وايديولوجياً.

الثالث: ظهور منظومة عالمية جديدة وسطى بين بقاء النظام الهرمي بزعامته الامريكية، وبروز نظام متعدد الاقطاب. هذه المنظومة الجديدة يمكن أن تأخذ شكل " وفاق جديد للقوى " A New Concert of Powers، تتراجع فيه الزعامة الأمريكية، ويحدث نوع من التوازن في القوة بين الكتل الكبرى الثلاث، لكن مع تمايز المصالح فيما بينها، حيث يأخذ التنافس درجة أعلى من الحدة والسخونة، دون الوصول إلى مستوى الصراع السافر نظراً لوجود درجة عالية من الاعتماد المتبادل تفرضها الطبيعة الاقتصادية البارغة للنظام العالمي. ترجيح واحد من هذه المشاهد الثلاثة، كتصور مستقبلي للنظام العالمي، يتوقف على مسار وحركة تطور ثلاثة متغيرات أساسية هي:

أ - اتجاه حركة الإقليمية الجديدة، هل إلى تراجع وانحسار أم إلى صعود وانتشار. فتراجع وانحسار الإقليمية الجديدة يعني تدعيم مكانة النظام العالمي هرمي الهيكلية، في حين أن صعودها وانتشارها يعني تراجع هذه المكانة وتدعيم الوزن النسبي والفعالية التي أخذت تتمتع بها الكتل الاقتصادية الكبرى، ومن ثم زيادة ثقل الخصوصية الاقتصادية للعلاقات الدولية ومن ثم الخصوصية الثقافية والسياسية.

ب - اتجاه توازن القوة وبنية القوة في النظام العالمي، هل مع تفرد الولايات المتحدة بقوة نسبية على الأطراف الأخرى المشاركة في التحالف القيادي للنظام العالمي هرمي الهيكلية أم أن القوة الامريكية تتراجع لصالح قوة الأطراف الأخرى؟ وهل مكانة القوة العسكرية في انحسار لصالح القوة الاقتصادية أم مازالت تحتفظ بمكانتها؟ فإذا كان التوازن لصالح الولايات المتحدة، وكانت الأولوية للقوة العسكرية، فإن هذا يعني تدعيم مكانة النظام هرمي الهيكلية بكل خصائصه وآلياته، أما إذا كان التوازن يتجه لصالح الأطراف الأخرى المشاركة في قيادة هذا النظام، وأن القوة العسكرية تتراجع لصالح القوة الاقتصادية، فإن وزن الكتل الاقتصادية الكبرى يتزايد في السياسية الدولية، ومن ثم يتجه النظام العالمي، إما إلى مشهد القطبية المتعددة أو إلى مشهد وفاق القوى بناء على مسار تطور العلاقات بين الأطراف الرئيسية في قيادة النظام.

جـ - مسار تطور العلاقات بين قيادة النظام، هل مع الابقاء على التنافس في إطار الاعتماد المتبادل، أم إلى الصراع السافر ضمن خلفية سياسية وايديولوجية لها خصوصيتها بالنسبة لكل طرف من الأطراف، أم أن الصراع لا يصل إلى هذه الدرجة من العدائية، ولا يبقى في حدود التنافس بل يتعداه إلى درجة وسط، أي مستوى التنافس الحاد وتدعيم علاقات التعاون والاعتماد المتبادل. في الحالة الأولى تكون الغلبة للابقاء على النظام الهرمي في حالة ما إذا كانت الإقليمية الجديدة في تراجع وانحسار. وفي الحالة الثانية يرجع بروز نظام القطبية المتعددة إذا ما كانت الإقليمية الجديدة في حالة تقدم وبنية القوة في حالة توازن. أما في الحالة الثالثة فإن مشهد وفاق القوى يكون أكثر ترجيحاً مع صعود الإقليمية الجديدة، ومع وجود توازن في القوى دون تفوق أمريكي ملموس على الأطراف الأخرى.

إن تحليل حركة تطور هذه المتغيرات الثلاثة يكشف أن مشهد "وفاق القوى" هو الأكثر ترجيحاً للاسباب التالية:

[١] أن الإقليمية الجديدة في حالة صعود وانتشار، وأن هذا الصعود والانتشار يأخذ اتجاهين:

الأول: مزيد من التركز العالمي حول ثلاث كتل رئيسية كبرى هي: منطقة التجارة الحرة لشمال امريكا (نافتا) والاتحاد الأوروبي، والتجمع الآسيوي - الباسيفيكي.

الثاني: مزيد من المؤسسية وتوسيع دوائر التكامل والعضوية داخل هذه الكتل الثلاث، وذلك على الرغم من كل النجاحات التي تحققت على صعيد مفاوضات “ الجات “، حيث تم في منتصف ديسمبر ١٩٩٣ اختتام جولة» أورجواي «بإقرار البنود الجديدة للاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة، كما أمكن في إبريل ١٩٩٤ التوقيع، من جانب الدول الاعضاء، على “إعلان مراكش" في المملكه المغربية بكل ما تضمنه من أسس جديدة لنظام تجاري عالمي جديد (١١٧).

[٢] أن تطور بنية القوة في النظام العالمي ليس في صالح تكريس الزعامة الأمريكية، لكنه مع تحقيق هيكل قوة متوازنة بين الكتل الثلاثة الكبرى على الرغم من أن الولايات المتحدة مازالت، بكل المقاييس، تعتبر أقوى قوة اقتصادية في العالم.

[٣] إن العلاقات بين الكتل الثلاث الكبرى، والقائمة، في إطار النظام الهرمي الهيكلية، على نمط المنافسة بما تضمنه من مكاسب لكل الأطراف، ولو بنسب مختلفه Win - Winتتجه للتحول إلى نمط صراعي أو مواجهة Head to Head الذي يجعل مكسب طرف خسارة للطرف الآخر (١١٨) Win - los لكن طبيعة الصراع الاقتصادي في ظل التداخل الشديد في العلاقات والعمليات الاقتصادية يجعل المواجهة محكومة بضوابط تفرضها الوحدة أو التجانس الايديولوجي السائد بين الكتل الثلاث.

فالأطراف الثلاثة تخوض، في ظل هيمنة نزعة التكتل التجاري والاقتصادي، صراعاً ضارياً حول اعادة توزيع فرص النمو من خلال التصدير في شكل ضغوط متبادلة حول الامتيازات والتنازلات التجارية، لكن هذا الصراع مازال محكوما بما تفرضه العلاقات الاقتصادية من ضوابط لممارسة الصراع (١١٩). إن تطور الهوية السياسية للكتل الثلاث ينبئ عن امكانية حدوث تطورات جديدة تعطي للصراع الاقتصادي أبعاداً سياسية وأمنية.

وتعتبر الصراعات التجارية الراهنة التي تخوضها الولايات المتحدة ضد اليابان والصين والاتحاد الأوروبي والدول الصناعية الجديدة، وكذلك الصراعات التجارية بين اليابان وأوروبا حول السياسات الواجبة لتحسين الخلل في الميزان التجاري لصالح كل طرف من هذه الأطراف مؤشرات لها دلالة قوية على حدوث تحولات مهمة في طبيعة النظام العالمي ومسار العلاقات بين أطرافه خاصة على مستوى قيادة النظام بفعل تأثير تصاعد حركة الإقليمية الجديدة (١٢٠).

بهذا المعنى فإن استمرار الهيكلية الهرمية للنظام العالمي الجديد بات أمراً مستبعداً. لكن الأمور لم تصل بعد إلى درجة حدوث استقطاب دولي، واستبدال النظام الهرمي، الذي نشأ على أثر انهيار نظام القطبية الثنائية، بنظام متعدد الأقطاب، لأن شروط ذلك غير متوفّره بشكل كامل، خاصة غياب الصراع السافر كنمط للعلاقات بين الكتل الكبرى الثلاث، وأيضاً لغياب الاستقطاب الايديولوجي والسياسي (١٢١)، وعدم طغيان الاعتبارات الامنية - الاستراتجية على العلاقات بين هذه الكتل. ومن ثم مشهد " وفاق القوى ". هو الاكثر ترجيحا لمستقبل النظام العالمي.

ونظام وفاق القوى، كما عرضه» ريتشارد روزكرانس «، يتمثل في توافق إرادات ثلاث أو أربع قوى عالمية كبرى تدفع بنفسها للمشاركة في هذا الوفاق وتدعيم أنشطته بمحض اختيارها الخاص، وبدافع من الوعي بوجود مصالح مشتركة فيما بينها، على أن يمثل هذا الوفاق قوة جاذبة للأطراف الدولية الأخرى غير المشاركة، سواء لما يمثله من مكاسب تغري بالانضمام اليه، أو بما يمثله من قوة رادعة قادرة على إحباط أي محاولة للتكتل ضده، ومن ثم يتحول وفاق القوى The Concert of Powers إلى وفاق عالمي World Concert يعبر عن مصالح معظم فواعل النظام العالمي (١٢٢).

وتتشكل هيكلية نظام وفاق القوى على مركزCore يستند على مجموعة من القوى الكبرى القوية يجمع بينها المصالح المشتركة والاعتماد الاقتصادي المتبادل، والتوافق الايديولوجي، وتتحمل مجتمعة مسؤولية قيام النظام وحمايته وجذب الأطراف الدولية الأخرى اليه. ومن ثم فهو يستبعد، من البداية، أي احتمال لوجود قوى عظمى مهيمنة داخل هذا النظام، لأن وجود مثل هذه القوى يؤدي إلى ضياع معنى "الوفاق" لما تمثله من إكراه وإجبار، ولأن مثل هذه القوة لم تعد موجودة، على المسرح العالمي، من الناحية العملية (١٢٣).

ووفاق القوى المرجح ظهوره كبديل للنظام الهرمي المرحلي الراهن يتكون من ثلاث قوى أساسية هي التكتلات الاقتصادية الإقليمية الكبرى الثلاث:

منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، والاتحاد الأوروبي، والتجمع الآسيوي - الباسفيكي. أما القوى الأخرى المرشحة للانجذاب إلى هذا الوفاق فهي الكومنولث الروسي والصين. وبذلك يمكن أن ينشأ الوفاق العالمي على قاعدتين أساسيتين هما (١٢٤): التعاون والتوافق والاعتماد المتبادل بين القوى الكبرى الخمس وضمان التوازن والمشاركة المتساوية، والانفتاح على الأطراف العالمية الأخرى في محاولة لتحقيق "عالمية" الوفاق، وتحقيق قدر أعلى من المشاركة من جانب كافة أطراف النظام في الشؤون العالمية.

ويستلزم نجاح وبقاء نظام وفاق القوى ثلاثة شروط أساسية إلى جانب المستلزمات السابقة وهي (١٢٥): الامتناع عن الحروب وعمليات التوسع الإقليمي، والامتناع عن الانقسامات الايديولوجية، والحفاظ على التجانس والتوافق العقائدي والسياسي، ثم العمل على منع ظاهرة الانعزالية والانطواء السياسي على الذات.

فغياب أي من هذه الشروط يهدد بقاء واستمرار الوفاق على نحو ما حدث في تجارب تاريخية سابقة خاصة تجربة وفاق عام ١٨١٥ بعد انتهاء الحرب النابليونية، وهو الوفاق الذي جمع القوى الخمس الأوروبية الكبرى حينذاك: فرنسا وبريطانيا والامبراطورية الروسية والامبراطورية النمساوية وبروسيا، وتجربة وفاق ما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى مباشرة. كل منهما تعرض لغياب واحد أو أكثر من هذه الشروط ومن ثم كانت نهايته (١٢٦)، فعندما تحول الوفاق إلى استقطاب وصراع استحال معه الحوار والتفاهم المتبادل.

هذا يعني أن مسار تطور النظام العالمي باتجاه نظام وفاق القوى سيؤمن التفاعل والاعتماد على النطاق العالمي بين هذا النظام العالمي والكتل الاقتصادية الإقليمية بما يؤمن القدر اللازم من المشاركة وديمقراطية صنع واتخاذ القرار الدولي وشيوع درجة عالية من عولمة القضايا. مثل هذه البيئة هي التي توفر الظروف المناسبة للتفاعل الثقافي العالمي والحوار الحضاري دون هيمنة أو تسلط ودون انغماس في صدام وصراع غير محدود بين الثقافات والحضارات.

حواشي البحث

١ - د. أحمد يوسف أحمد، النظام الدولي والنظام العربي - بحث في أنماط الارتباط، في: الوطن العربي والمتغيرات العالمية. (القاهرة، معهد البحوث والدراسات العربية، ١٩٩١ (، ص ٥٣ - ٦٣.

٢ - انظر توضيح ذلك في مقدمة مؤلف لويس كانتوري وستيفن شبيجل:

Louis J. Cantry and Steven L. spiegel. The International Politics of Regions A Compartive Approach, Englenooel Cliffs, New Jersey, ١٩٧٠) , pp. ١ـ٤.

٣ - Oran R. Young , Political Discontinuties in the International System , World Politics , Vol. ٢٠, No. ١٩٦٨, pp. ٣٦٩ـ٣٧٠.

٤ - د. عبد المنعم سعيد، العرب ومستقبل النظام العالمي.

٥ - Andrew Scott , The Functioning of the International political system , (New York , Macmillan,١٩٦٧, pp. ١١٢ـ١١٣.

٦ - Richard Rosecrance, "Regionalism and the Sort - cold war era ", Internation Journal, XLVI , No. ٣, (Summer ١٩٩١) ,pp. ٣٧٣ - ٣٧٥.

٧ - انظر في نماذج هذا القيم: د. عبد المنعم المشاط، » هيكل النظام العالمي الجديد" في: د. محمد السيد سليم (محرر (، النظام العالمي الجديد، (القاهرة، مركز البحوث والدراسات السياسية، جامعة القاهرة، ١٩٩٤)، ص٨٦.

٨ - انظر بهذا الخصوص:

Joseph S. Nye، Jr, " What New world order؟ " Foreign Affairs , Vol. ٧١, No. ٢, (Spring ١٩٩٢) , pp. ٨٣ - ٩٦.

٩ - Oran R. Young , " The politics of International Regine Formation - Managing natural resources and the environments, International organization,Vol. ٤٣,No. ٣ (Summer ١٩٨٩) , pp. ٣٤٩ - ٣٧٥.

١٠ - هذه التغيرات تتوافق مع أبرز الاجتهادات بهذا الخصوص، وخاصة الاجتهاد الصادر عن " اللجنة اليابانية لدراسة النظام الكوني ما بعد الحرب الباردة " الصادر عام ١٩٩١ تحت إسم "إعادة بناء نظام كوني جديد: ما بعد إدارة الازمة". فقد ركز هذا التقرير على دراسة ثلاث ركائز اساسية هي: المؤشرات المتغيرة للمجتمع الكوني، والفواعل المتغيرة في المجتمع الكوني، ثم بنية المجتمع الكوني البازغ. انظر تفاصيل هذا التقرير المهم في: السيد ياسين، قراءة استشرافية لخريطة المجتمع الكوني الجديد، التقرير الاستراتيجي العربي، ١٩٩٣، (القاهرة، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية – الأهرام، ١٩٩٤) ص٣١ـ٤١.

١١ - د. ودودة بدران، " الرؤى المختلفة للنظام العالمي الجديد " في د. محمد السيد سليم، (محرر (، النظام العالمي الجديد، مرجع سابق، ص ٤٢ - ٥٢.

١٢ - د. محمد السيد سعيد“ المتغيرات السياسية الدولية وأثرها على الوطن العربي“ في: الوطن العربي والمتغيرات العالمية، (القاهرة، معهد البحوث والدراسات العربية، ١٩٩١)، ص٥٥ـ٥٦.

١٣ - حول معركة اكتساب التكنولوجيا بين الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية واليابان أنظر: د. ليستر ثورو، المتناطحون - المعركة الاقتصادية القادمة بين اليابان وأوروبا وأمريكا، ترجمة د. محمد فريد، (مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ابو ظبي، ١٩٩٤ (، ص ١٥٠ - ١٦٣.

١٤ - د. عبد المنعم المشاط، "النظام العالمي الجديد " في: د. محمد السيد سليم، (محرر (، النظام العالمي الجديد، مرجع سابق، ص٨٦ - ٨٧.

١٥ - Johan Galtung," A Structursal Theory of Aggression, Journal of Peace Research , No. ٢ , (١٩٦٤) , pp. ٩٥ - ١٨٨.

١٦ - Ted Galen Carpenter, " The New World Disorder, Foreign Policy, No. ٨, (Fall ١٩٩١).

١٧ - أنظر في إعادة تقييم وجود وأدوار القوة العظمى في مرحلة ما بعد القطبية الثنائية:

Edward N. Luttwak , Where are the Great Powers؟ At Home with Kidds, Foreign Affairs, Vol. ٧٣,No. ٤, (July –August ١٩٩٤) , pp. ٢٣ـ٢٨.

١٩ـ William Pfaff, "Reading World Order", Foreign Affairs, vol. ٧٠، No ١, ١٩٩١. and: Barry Buzan, "New Patterns of Global Security in the Twenty. First Century، International. Affairs، Vol. ٦٧ , No. ٣ , (July ١٩٩١).

٢٠ـ أنظر في مفهوم وفاق القوى:

Richard Rosecrance," A New Concert of powers", Foreign Affairs, Vol. ٧١، No. ٢, (١٩٩٢) , pp. ٦٤ - ٨٢.

٢١ - السيد ياسين " قراءة استشرافية لخريطة المجتمع الكوني الجديد " في: التقرير الاستراتيجي العربي لعام ١٩٩٣، مرجع سابق، ص١٤.

٢٢ - د. عبد المنعم سعيد، ما بعد الحرب الباردة: النظام الدولي بين الفوضى والاستقرار ١٩٩١، التقرير الاستراتيجي العربي لعام ١٩٩١، (مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، مؤسسة الاهرام، ١٩٩١ (، ص ٥٣.

٢٣ - د. محمد السيد سعيد، المتغيرات السياسية الدولية وأثرها على الوطن العربي، مرجع سابق، ص ١٧ - ٣٧.

٢٤ - أنظر في هذا التحول لوظيفة الامم المتحدة وضغوط قيادة النظام العالمي:

Peregine Worsthome, "New world Disorder" The Sunday Telegraph , July. ٥, ١٩٩١. Joseph S. Nye، Jr, What New world order؟ , Foreign Affairs, Vol. ٧١,No. ٢, (Spring ١٩٩٢) , pp. ٩٥ـ٩٦.

٢٥ - تعتمد الدراسة على المعايير التي صاغها د. محمد السيد سليم في دراسته التالية:

Mohamed ELSayed Selim , " Regional System In Transition

The Case of the Middle Eastern and African Systems In Comparative Perespective" Political Science Research Papers) Cairo University) , Centre for Political Research and Studies , Vol. ١, No. ٢, April ١٩٩٤ , p. ٥.

٢٦ - Leonard Binder," The Middle Eastern as A Subordinate International System " ,World Politics , x. April ١٩٥٨ , p. ٤١٩.

٢٧ - د. محمد السيد سعيد، مستقبل النظام العربي بعد أزمة الخليج، (الكويت، سلسلة عالم المعرفة، ١٥٨، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ١٩٩٢)، ص٢٦.

٢٨ - Mohamed ELSayed , Regional System In Transition: The Care of the Middle Eastern and African Systems In Comparative Perespective , op. cit, p. ٥. Ibid. , p. ٥

٢٩ - في خصائص القيادة الإقليمية أو القوة الإقليمية المهنية راجع:

David J. Myers , Regional Hegemons , Threat Perception and Strategic Response, (Baulder. Co: Westview Press, Inc. , ١٩٩١) , pp. ٢٢٤ـ٢٥.

٣٠ - د. محمد السيد سعيد، مستقبل النظام العربي بعد أزمة الخليج، مرجع سابق، ص ٧٣ - ٧٥.

٣١ - حول مفهوم التوجه ودوره في السياسة الخارجية للدول انظر

K. J. Holsti , International Politics , (Englewood Cliffs , N. J. Prentic - Hall , ١٩٧٧ , p. ١٠٩

٣٢ - أنظر بهذا الخصوص: جميل مطر ود. علي الدين هلال، … النظام الإقليمي العربي، دراسة في العلاقات السياسية العربية، (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ودار المستقبل العربي بالقاهرة، الطبعة الرابعة، ١٩٨٣) صفحات ٧٤ - ٨٣، ١٠٢، ١١١ - ١٣٤.

٣٣ - Mohamed ELSayed Selim , Regional Systems In Transition: The Cases of The Middle Eastern and African Systems In Comparative Perespective ,op. cit.، p. ٤.

٣٤ - W. Moward Wriggins , " Conclusion " , in: W. Howard Wriggins and Others، The Dynamics of Regional Politics , Four System On the Indian Ocean Rim, (New York, Columbea Universits Press, ١٩٩٢) , p. ٢٩٤.

٣٥ - حول تفاصيل العلاقات الهرمية في النظام العالمي انظر.

John Galtung , " A Structural Theory of Imperialism " Journal of Peace Research , Vol. ١٣ , No. ٣ , ١٩٧١.

٣٦ - د. محمد السيد سعيد، التغيرات السياسية الدولية وأثرها على الوطن العربي، مرجع سابق، ص ٧٤، ٧٥.

٣٧ - د. أحمد يوسف أحمد، " النظام الدولي والنظام العربي - بحث في أنماط الارتباط"، في: الوطن العربي والمتغيرات العالمية، مرجع سابق، ص ٣٦ - ٣٧.

٣٨ - المرجع السابق، ص ٣٦ - ٣٧.

٣٩ - د. ناصيف حتي، النظرية في العلاقات الدولية، (بيروت، دار الكتاب العربى، ١٩٨٠)، ص٢٦٧.

٤٠ - د. جمال علي زهران، " النظم الإقليمية في إطار النظام العالمي الجديد " في: د. محمد السيد سليم (محرر (، النظام العالمي الجديد، مرجع سابق، ص ٢٥٥ - ٢٦١.

٤١ - المرجع السابق، ص ٢٦١ - ٢٦٣.

٤٢ - المرجع السابق، ص ٢٦٤ - ٢٦٩.

٤٣ - W. Howard wriggins ," The Dynamics of Regional Politics: An Orientation " , in: W. Howard wriggins and Others , Dynamic of Regional Politics: Four Systems on the Indian Ocean Rim, op. cit.، p. ١١

٤٤ - W. Howard wriggins , " Conclusion " in: Ibid , p. ٢٩٨

٤٥ - محمد زكريا اسماعيل، " النظام الدولي الجديد بين الوهم والخديعة "، المستقبل العربي، العدد ١٤٣ (يناير ١٩٩١ (، ص ١٩.

٤٦ـ William Pfaff , " Reading World Power " , Foreign Affairs , Vol. ٧٠ , (١٩٩١) , pp. ٣٤ - ٤٨.

٤٧ - E. A. Brett , The World Economy Since The War: The Politics of Uneven Development, (London، Makmillan Publishers Ltd، ١٩٨٥) pp. ١٠٥ـ١٣١.

٤٨ـ W. Howard Wriggins , " Conclusion " ,in: W. Howard Wriggins and Others Dynamis of Regional Politics. op. cit , p. ٢٩٨.

٤٩ - محمد السعيد ادريس، " اتفاق تاريخي لحل نزاع الحدود الهندي الصيني "، الأسبوع السياسي، جريدة الخليـج، ١٠ سبتمبر ١٩٩٣. محمد السعيد ادريس، " متغيرات جديدة في العلاقات الهندية - الباكستانية "، الأسبوع السياسي - جريدة الخليج، ٢ يوليو ١٩٩٣.

٥٠ـ W. Howard Wriggins , " Conclusion " in: W. Howard Wriggins and Others، Dynamics of Regional Politics , op. Cit, p. ٢٩٩.

٥١ - Ibid، pp. ٢٩٩ - ٣٠٠.

٥٢ - محمد السعيد ادريس، “ عهد جديد في العلاقات الأمريكية - الفيتنامية لماذا؟ . جريدة الخليج ١١ / ٨ / ١٩٩٥.

٥٣ - Barry M. Schitz , The Role of Regionalism in a Restructured Global System، op. cit,p. p. ٣٤٦ - ٣٥٠.

٥٤ - محمد السعيد ادريس، " التغير في الصين - ضوابط التقدم والاستقرار "، الأسبوع السياسي - جريدة الخليج، ٢ أبريل ١٩٩٣.

٥٥ - أنظر في تفاصيل العلاقات الإقليمية الجديدة لدول أمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى:

Andrew Hurrell ," Latin America in the New World Order: A Regional Bloc of the Americans؟ ,International Affairs ,Vol. ٦٨ ,No. ١ ١٩٩٢). pp. ١٢١ - ١٣٩).

٥٦ - ادوارد دجيرجيان، “ مشاكل وإحتمالات الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط “، نص خطاب أمام مجلس الشؤون المالية بلوس انجيلوس. وكالة الاعلام الأمريكية، نشرة الأخبار باللغة العربية (المكتب الاعلامي الأمريكي. ابو ظبي، ١ / ١٢ / ١٩٩٣ (. انظر أيضاً: مارتين انديك: تحديات المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط - نص كلمة انديك أمام معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. جريدة الخليج (الشارقة (، ٢٣ مايو ١٩٩٣.

٥٧ - تتعامل أدبيات مدرسة الإقليمية مع الدول المركبة أو الاتحادية مثل الاتحاد السوفيتي (السابق (والولايات المتحدة والهند على أنها تشكل نظماً إقليمية. انظر.

Louis J. Cantori and Steven L. ,The International Politics of Regions ,op. cit.، pp. ٥ - ٦.

٥٨ - د. طه عبد العليم، “ سقوط الاتحاد السوفيتي نظرة عامة “، في د. طه عبد العليم: محرر (إنهيار الاتحاد السوفيتي وتأثيراته على الوطن العربي، (مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام (، ١٩٩٢ (، ص ٢١ - ٢٧.

٥٩ - Barry M. Schutz ,The Role of Region in a Restructured Global System ,in: Robert O, Shater, ed. , et. Al. , Global Transformation in the third World, (Ynnereinner, Publisher, ١٩٩٣) , pp. ٣٤٦ـ٣٤٩.

٦٠ - Richard Roserance, Regionalism and the Post - Cold war era" International Journal, XLVI, No. ٣, (Summer ١٩٩١ (pp. ٣٧٣ - ٣٧٤.

٦١ - Barry M. Schutz ,The Role of Region in a Restructured Global System ,op. cit,pp. ٣٤٤ - ٣٥٢.

٦٢ - انظر بهذا الخصوص:

د. محمود عبد الفضيل، " ثلاث سنوات على صيف ١٩٩٠ - حقبة التسعينات: عرب بلا ثورة… ولا ثروة "، جريدة السفير (بيروت (٨ / ٩ / ١٩٩٣. وانظر أيضاً فهمي هويدي، " تفكيك الأمة مقدمة انشاء إسرائيل الكبرى "، الأهرام ١٥ / ١٠ / ١٩٩١.

٦٣ـ Jeffrey Clark ," Deplace in Somalia " ,Foreign Affairs، Vol. ٧٢ ,No. ١ ,١٩٣٣.

٦٤ - Dusko Doder ,"Yugoslavia: New war ,old Matreds, Foreign Policy ,No. ٩١ Summer ١٩٩٣ pp. ٣ - ٢٣.

٦٥ـ Barry M. Schutz , The Role of Regional Restrutured Global System ,op. cit.،

pp. ٣٥٢ - ٣٥٤.

٦٦ـ Yezid Sayigh ,” Confronting the ١٩٩٠ ,S: Sceurity in the Developing Countries Adelphi Papers، No. ٢٥١، (Summer ١٩٩٠ (, pp. ٦٠ - ٦١. Ibid.، p. ٦١.

٦٧ - د. ودودة بدران، “الرؤى المختلفة للنظام العالمي الجديد"، في د. محمد السيد سليم، (محرر (، النظام العالمي الجديد، مرجع سابق، ص ٣٤.

٦٨ - Stanely Hoffman and Robert O. Keohane ," Correspondance: Back to the future, part II: International Relation Theory and Post Cold War Europe " International Security ,Vol. ١٥ ,No. ٢, (fall ١٩٩٠ (,p. ١.

٦٩ - Charles Gati ," East - Central Europe" ,Foreign Affairs ,Vol. ٦٩ ,No. ٥ , (winter ١٩٩٠) pp. ١٢٩ - ١٤٥.

٧٠ - د. سعيد النجار، الاقتصاد العالمي والبلاد العربية في عقد التسعينات، (القاهرة، دار الشروق، الطبعة الأولى ١٩٩١ (، ص ٢٢٥ - ٢٣٠.

٧١ - د. عبد المنعم سعيد، " العرب والنظام العالمي الجديد - الخيارات المطروحة “. دراسات استراتيجية، العدد الثالث (مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، مايو ١٩٩١)، ص ١٢ ـ١٣.

٧٢ - د. محمد السيد سليم، “السياسة المصرية تجاه التعاون في البحر المتوسط“، دراسات استراتيجية، العدد ٢٧، (مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، ١٩٩٥ (، ص ١٢ - ١٥.

٧٣ - د. سعيد النجار، الاقتصاد العالمي والبلاد العربية في عقد التسعينات، مرجع سابق، ص ٧ـ٨.

٧٤ - عبد الفتاح الجبالي، " دورة أوراجواي و العالم الثالث. " حسابات المكسب والخساره"، السياسيه الدولية، العدد ١١٨، (أكتوبر ١٩٩٤ (، ص ١٩٨.

٧٥ - أحمد السيد النجار، " الصراعات الدولية التجارية"، التقرير الاستراتيجي العربي لعام ١٩٩٤، (مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة ١٩٩٥)، ص ١٨٣ - ١٨٤.

٧٦ - المرجع السابق، ص ١٨٤.

٧٧ - وصلت نسب إنخفاض التعريفة الجمركية خلال تلك الفتره إلى ٩٢% تقريباً. وعشية جولة أورجواي عام ١٩٨٧ كان معدل التعريفه الامريكيه قد وصل إلى ٩ر٤ % كما وصلت التعريفه الأوروبية (الاتحاد الأوروبي (إلى ٦%، والتعريفة اليابانية إلى ٤ر٥%. انظر تفاصيل ذلك في:

Jaime De Melo and Arvind Panagariya ,New Dimensions in Regional Integration ,op. cit.، p. ٣ Paul Krugman، " Regionalism Versus Multilateralism: Analytical Notes "، in: Ibid.، P. ٦٠.

٧٨ - عبد الفتاح الجبالي، دورة أورجواي والعالم الثالث - حسابات المكسب والخسارة، مرجع سابق، ص ١٩٨.

٧٩ - د. سعيد النجار، الاقتصاد العالمي والبلاد العربية في عقد التسعينات، مرجع سابق، ص ١٩ـ٢٠.

٨٠ - د. عبد المنعم سعيد، "العرب والنظام العالمي الجديد "" الخيارات المطروحة " كراسات استراتيجية - مايو١٩٩١، (مركز الدراسات السياسية والاستراتجية. جريدة الأهرام)، ص ١٢.

٨١ - Robert D. Harmats ," Making Regionalism Safe " ,Foreign Affairs ,Vol ٧٣ ,No. ٢, (March - April ١٩٩٤ (، p. ١٠١.

٨٢ - أدى التركيز الأوروبي على عملية التكامل من خلال " الاتحاد الاوروبي" إلى وفورات كبيرة في الحجم وتحسين معدل الاستثمار وزيادة انتاجية رأس المال والعمل. راجع:

Richard E. Baldwin ," The Growith Effects of ١٩٩٢ " ,Economic Policy ,Vol. ٤ ,

October ١٩٨٩ ,pp. ٢٤٨ - ٢٨١.

٨٣ـ Ander Hurrell ,latin America in the new world Order: a regional bloc of the Americans؟ ,op cit ,pp. ١٣٠ـ١٣١.

٨٤ـ آفاق الاقتصاد العالمي - مايو ١٩٩٣، صندوق النقد الدولي، ص ١١٥.

٨٥ـ Jaime De Melo and Arvind Panagariya ,eds ,New Dimenisions in Regional Integration ,op. cit ,pp. ١٢ـ١٣.

٨٦ـ DRUSILLA K. Brown ,Alan V. DEARDORFF AND Robert M. Stem ," North American Integration " ,Economic Journal ,Vol. ١٠٢ , (November ١٩٩٢, pp. ١٥٠٧ـ١٥١٨.

٨٧ـ Jaime De Melo and Arvind Panagariya , (eds. (,New Dimensions in Regional Integration ,op. cit ,P. ١٣.

٨٨ - Robert D. Hormats , " Making Regionalism Safe " ,Op. C it. ,P. ١٠٣. ٢ - Vol. ٧٢ ,No. ٢,Kenicbi Obmae ," Rise of Region state " ,Foreign Affairs , (Spring ١٩٩٣) ,pp. ٧٨ - ٨٧.

٨٩ - د. سعيد النجار، الاقتصاد العالمي والبلاد العربية في عقد التسعينات، مرجع سابق ص ١٧ - ١٩.

٩٠ـ Kenicbi Obmae,Rise of the Region State ,Op. Cit ,PP ٨١ـ٨٤ Ibid ,PP ٧٨ـ٧٩.

٩١ـ Robert D. Hormat,Making Regionalism Safe,Op. Cit,P. ١٠٣.

ـIbid,pp. ١٠٢ـ١٠٣.

٩٣ - IBid ,P. ١٠٢ـ١٠٣.

٩٤ـ Jaime De Melo and Arvind Panagariya ,New Dimensions in Regional Integration (eds. (,op. cit ,p. ١.

٩٥ - د. محمد السيد سعيد، الكتل التجارية الدولية وانعكاساتها على الوطن العربي، مرجع سابق، ص ٣٢٤ - ٣٢٥.

٩٦ - د. عبد المنعم سعيد، العرب والنظام العالمي الجديد - الخيارات المطروحة، مرجع سابق، ص ٩.

٩٧ـ Jaime De Melo,Arvind Panagariya and Dani Rodrik,"The New Regionalism: a Country perspective ,in: Jaime De Melo and Arvind panagariya, (eds) ,New Di mensions in Regional Integration,Op. Cit، pp. ١٥٩ - ١٦٠.

٩٨ - تحدث» فينر «عن أثرين ينشآن عن تعديل التعريفات الجمركية والأخذ بجميع التفضيلات التجارية داخل التكتل التجاري الإقليمي. الاول هو خلق المبادلات التجارية Trade Creation نتيجة ما ينشأ عن تخفيض الحواجز الجمركية بين أعضاء التكتل من استبدال الانتاج المحلي غير الفعال بالانتاج الفعال للدول الشريكة في التكتل. الأثر الثاني هو "تحويل مجرى المبادلات التجارية”Trade Deversion والناتج عن الاكتفاء بالانتاج الذي قد يكون غير فعال للدول أعضاء التكتل بدلاً من الانفتاح على الانتاج الفعال للدول غير الاعضاء وهو أثر ضار للطرفين. أنظر:

Jacob Viner، The Customs union Issue، (New York، Carnegie Endowment for International Peace، ١٩٥٠).

٩٩ - Andrew Hurrell,Latin America in the New world order,op. cit,p ١٢١.

١٠٠ - Rudiger Dornbusck, " Round Table Discussion ", in: Jaime De Melo and Arvind Panagariya، (eds) , New Dimensions in Regional Integration, op. cit, p. ٤٦١.

١٠١ - I bid ,p ٤٦٢.

١٠٢ - Ibid,P٤٦٣.

١٠٣ - Andrew Hurrell ,Latin America in the New world Order ,op. cit ,p. ١٢٢.

١٠٤ - Jadish Bhagawati,"Regionalism and Multilateralism: An Overview " op. cit,pp. ٣١ـ ٣٣.

١٠٥ - Robert D. Hormats,Making Regionalism Safe,op. cit,p. ١٠٠.

١٠٦ - I bid ,P. ١٠٠.

١٠٧ - Jaime De Melo,and Arvind Panagariya ,New Dimensions in Regiona Integration,op. cit ,pp. ١٢ـ١٣.

١٠٨ - Ibid ,P. ١٤.

١٠٩ - Jadish Bhagawati,Regionalism and Multilateralism: An Overview ,op. cit , pp. ٣٨ـ٤٣.

١١٠ - Alan winters, the European Community: A case of Succe - ssful Integration,in: Jaime De Melo And Arvind Panagariya ,eds. (,New Dimensions in Regional Integration, op. cit.، pp. ٢١٥ـ٢١٨.

١١١ - Jaime De Melo Arvind Pan agariya and Dane Rodrik " The New Reglonalism in Trade Policy: A country Perspective" ,in: Jaime De Melo and Arvind Panagariya , (eds. (,New Dimensions in Regionol Integration ,op. cit ,pp. ١٦٢ـ١٧٦.

١١٢ـ انظر في تفاصيل هذا الرأي:

Richard N. Cooper ,"Round Table Discussion ,in: Jaime De Melo and Arvind Panagariya (eds) ,New Dimensions in Regional Integrantion ,op. cit، PP. ٤٥٣ـ٤٥٦.

١١٣ ـRubert D. Hurmats، Making Regionalism Safe، op. cit.، pp. ١٠٦ـ١٠٧.

١١٤ـ د. محمد السيد سعيد، الكتل التجارية الدولية وانعكاساتها على الوطن العربي، مرجع سابق، ص ٣٣٩.

١١٥ـ أنظر في تفاصيل هذه الصراعات:

Robert B. Oxnam ,Asia / Pacific Challenges ,op. cit ,pp. ٦٤ـ٦٧.

١١٦ـ التقرير الاستراتيجي العربي لعام ١٩٩٤، مرجع سابق، ص ١٨٦ـ١٩٩١. وحول انعكاسات النزاعات التجارية على العلاقات الامريكية - اليابانية، انظر:

وفي الصناعات الكيماوية تعود حالياً ملكية أكبر ثلاث شركات عالمية لألمانيا، وكل واحدة من هذه الشركات اكبر بمقدار الثلث على الأقل من شركة " دوبون " التي تعد أكبر شركة صناعات كيماوية امريكية. انظر المرجع السابق ص ١٨.

١١٧ـ د. محمد عبد العزيز ربيع " الصين قوة عظمى وحيدة في المستقبل؟ " جريدة الخليج، ٨ / ٣ / ١٩٩٤

١١٨ - Robert D. Hormats ," Making Regionalism Safe " ,op. cit ,p. ١٠٣. ٢,Vol. ٧٢ ,No. ٢.

١١٩ - Kenicbi Obmae ," Rise of Region state " ,Foreign Affairs , (Spring ١٩٩٣ (، pp. ٧٨ـ ٨٧.

١٢٠ـ د. سعيد النجار، الاقتصاد العالمي والبلاد العربية في عقد التسعينات، مرجع سابق ص ١٧ - ١٩.

١٢١ـ Jaime De Melo and Arvind Panagariya ,New Dimensions in Regional Integration ,eds، op. cit,p. ١.

١٢٢ـ د. محمد السيد سعيد، الكتل التجارية الدولية وانعكاساتها على الوطن العربي، مرجع سابق، ص ٣٢٤ - ٣٢٥.

١٢٣ـ د. عبد المنعم سعيد، العرب والنظام العالمي الجديد - الخيارات المطروحة، مرجع سابق، ص ٩.

١٢٤ - Jaime De Melo,Arvind Panagariya and Dani Rodrik,"The New Regionalism: A Country perspective ,in: Jaime De Melo and Arvind panagariya ,eds,New Di mensions in Regional Integration,op. Cit,pp. ١٥٩ - ١٦٠.

١٢٥ - تحدث فينر عن أثرين ينشآن عن تعديل التعريفات الجمركية والأخذ بجميع التفضيلات التجارية داخل التكتل التجاري الإقليمي. الاول هو خلق المبادلات التجارية Trade Creation نتيجة ما ينشأ عن تخفيض الحواجز الجمركية بين اعضاء التكتل من استبدال الانتاج المحلي غير الفعال بالانتاج الفعال للدول الشريكة في التكتل. الاثر الثاني هو "تحويل مجرى المبادلات التجارية”Trade Deversion والناتج عن الاكتفاء بالانتاج الذي قد يكون غير فعال للدول اعضاء التكتل بدلاً من الانفتاح على الانتاج الفعال للدول غير الاعضاء وهو أثر ضار للطرفين. أنظر:

Jacob Viner,The Customs Union Issue, (New York,Carnegie Endowment for International Peace, (١٩٥٠) …H rrell ,Latin America in ١ - Andrew Hurrell ,Latin America in the New World Order ,op. cit. ,p. ١٢١

١٢٦ - Rudiger Dornbusckو " Round Table Discussion ,in: Jaime De Melo and Arvind Panagariya، eds,New Dimensions in Regional Integration,op. cit,p. ٤٦١.

* - رئيس وحدة الدراسات الخليجية - رئيس تحرير مختارات إيرانية - مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية - الأهرام - مصر.



[ Web design by Abadis ]