ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تعقيب على بحث الدكتورة نادية محمود مصطفى \ د. محمد الأرناؤوط *

تمثل ورقة أ. د. نادية مصطفى أرضية مهمة لمناقشة أهم القضايا التي تثار حول موضوع حوار الحضارات، خاصة وأنها تستند إلى خبرة عربية أكاديمية معروفة وتمثل مدرسة إسلامية في المنطقة.

وفي الحقيقة إن معظم الورقة جاء منسجماً مع العنوان، إذ استعرضت بشكل دقيق المتغيرات المستجدة في العلاقات الدولية ودلالتها بالنسبة إلى العالم الإسلامي، بينما تركز في الجزء الأخير (والأهم) على طرح البديل لما هو مفروض (حوار الحضارات) مع توضيح المنطلقات والآليات اللازمة لتحقيقه.

وهكذا تنطلق أ. د. مصطفى في ورقتها من لفت النظر بقوة إلى أهمية بروز البعد الثقافي في العلاقات الدولية، ودلالات هذا البروز في علاقة الأمة الإسلامية بالأطراف الأخرى، وهي تعتبر العامل الثقافي الجديد الأخطر بالمقارنة مع العوامل السابقة التي كانت تحكم العلاقة بين المسلمين والآخرين (العامل السياسي الاستراتيجي في القديم، ثم السياسي الاقتصادي في السبعينات، وأخيراً الثقافي في التسعينات)، ويمثل ما وصل إليه الحال في علاقة الداخل بالخارج، وبالتحديد مدى تأثير توغل الخارجي غير المسلم في الداخلي المسلم. وفي هذا الإطار تعتبر العولمة تكريساً لهذه الحالة لأنها قائمة على عدم الفصل بين الأبعاد الثلاثة (السياسي الاقتصادي والثقافي)، وترى أنه لم يعد يبقى إلا اكتمال الهيمنة على الصعيد الثقافي، الذي تتكفل به العولمة الآن. وفي هذا السياق ترىد. مصطفى أن فرض العولمة هو الذي خلق الإطار لبروز خطاب العلاقة مابين الحضارات، الذي تميز بين ثلاثة تيارات مع روافد لها (التيار الذي يحذر من صراع الحضارات، التيار الذي يدعو لحوار الحضارات، التيار الذي يعتبر أن الحوار والصراع حالات للعلاقات بين الحضارات).

وبعد هذا الاستعراض تنتقل أ. د. مصطفى إلى دلالات ذلك بالنسبة للأمة الإسلامية، فهي تنطلق من تصاعد تأثير الآخر الخارج على الداخل الإسلامي وتعتبر أن التحديات الثقافية أبرز ملامح وسمات التحديات الراهنة حتى أنها تصل إلى أن الثقافة هي آخر ساحات الهجوم، آخر خطوط الدفاع لدى المسلمين. وبعبارة أخرى ترى أ. د. مصطفى أن الغرب يخوض المعركة في مواجهة "الباقي" لتنميط العالم ثقافياً وليس سياسياً واقتصادياً فقط.

وفي هذا السياق تستعرض أ. د. مصطفى ما هو مطروح نظرياً على المستوى الفردي «هنتنغتون» وما هو مطروح عملياً في تجربة "البعد الثقافي للشراكة المتوسطية الأوروبية" لترفض فيه ما هو مطروح وتدعو إلى خيار آخر (التعارف الحضاري) مع التركيز على الآليات المساعدة له. ومن المهم هنا التوضيح أن هدف هذا "التعارف الحضاري" كما تراه أ. د. مصطفى يتمثل في أمرين اثنين:

أ - يمهد السبيل للتجديد الحضاري لدى المسلمين.

ب - يمهد لمشاركة الفكر الإسلامي في عملية التجديد الحضاري العالمية.

وإذا كان ليس من السهل تلخيص أهم ما جاء في الورقة على هذا النحو، فإن الورقة باتساعها وتناولها لكثير من القضايا تفتح المجال لإثارة بعض الملاحظات.

مع أن الورقة مقدمة لندوة عن "حوار الحضارات" وهو سيكون عنوان سنة (٢٠٠١) إلا أن أ. د. مصطفى لا تفضّل هذا التعبير / الخيار لاعتبارات مبررة تناولتها في الورقة، وإنما تطرح بديلاً آخر (التعارف الحضاري) وتقترح الآليات المناسبة له. ولكن طالما أن أ. د. مصطفى تتحفظ بحق على حوار الحضارات (الذي تعتبره مبادرة غربية في الأساس) لأن الخلل في ميزان القوى الاقتصادية والسياسية بين الطرفين لا يسمح بإمكانية الحوار المتوازن، فالسؤال هنا: أليس هذا الخلل نفسه يشمل بدوره "التعارف الحضاري" وماهي مصلحة الطرف الآخر أن يقبل على هذا الخيار الذي يريد منه أصحابه أن يؤدي إلى "مشاركة الفكر الإسلامي في عملية التجديد الحضاري العالمية"؟ .

إن الورقة تستخدم تعبير "حوار الحضارات" ولكنها تستخدم أيضاً "حوار الثقافات"، وهو الذي يبدو أقرب إلى الواقع الممكن. فالحوار يُفترض أن يكون بين حضارات، وإذا كنا في السابق نمثل حضارة بالفعل، فإنه من الصعب القول أننا نمثل الآن حضارة في مواجهة أخرى إلا إذا كان القصد حضارة تستهلك وحضارة تنتج وتفرض نفسها.

وإذا كان حوار الثقافات هو الأقرب إلى الواقع الممكن فالمطلوب أيضاً حوار ثقافات بين المسلمين أنفسهم قبل أن يقوموا بالحوار مع الآخرين. فمن الصعب القول إنه لدينا ثقافة واحدة من جنوب شرق آسيا إلى شمال أفريقيا، حيث يتراوح الأمر من ثقافة لا تمانع بوصول المرأة إلى أعلى منصب سياسي (رئيسة الحكومة) إلى ثقافة لا تسمح للمرأة بالحصول على رخصة لقيادة السيارة. ومن هنا فإن النماذج المختلفة للثقافات في عالم الإسلام، وخاصة فيما يتعلق بالمرأة، توفر للإعلام الغربي ما يناسبه لتقديم صور نمطية سلبية على الإسلام (نموذج أفغانستان مثلاً).

إن حوار الثقافات لا يمكن أن يجدي كثيراً في ظل هذا الخلل الحاصل، والأفضل أن يكون حصيلة لحوار مؤسسي بين العرب المسلمين يؤدي إلى تشكيل تكتل اقتصادي سياسي (عربي - إسلامي) يمثل مرجعية واضحة ومصلحة مشتركة، ويشكل آليات للحوار مع الآخرين.

إن هذه الورقة مقدمة إلى أحد مراكز الحوار المسلم - المسلم (مركز الدراسات الإيرانية - العربية) وهي تمثل مرجعية فكرية واضحة تنطلق من وجود "الأمة الإسلامية" ولكن الورقة لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار وجود مرجعيات وطنية (قطرية) وقومية (عربية) تفهم بشكل مغاير هذا الحوار بين الحضارات، ولذلك فمن الضروري أن يتسع هذا الحوار أيضاً لهذه الأطراف الأخرى في المنطقة العربية التي تمثل هذه المرجعيات، والتي لا تتفق بالضرورة مع الأمة الإسلامية كمرجعية وحيدة.

وضمن هذا الخيار (الأمة الإسلامية) تنتهي الورقة إلى "التأكيد على أن الجاليات المسلمة في الغرب جزء من الأمة الإسلامية" والتعامل معها يجري على هذا الأساس. ومع أن الورقة تؤكد على ضرورة الاهتمام (أو ما تسميه التأصيل الفقهي) "الذي لا بد أن ينطلق من دعائم الرؤية الإسلامية عن العلاقة بين الإسلام والوطن والقومية" فإنه لا بد من التمييز أيضاً بين ثقافات المسلمين هناك، وبالتحديد بين السكان الأصليين في شرق أوروبا الذين لهم ثقافة حضارة إسلامية راسخة منذ قرون، وبين المسلمين في غرب أوروبا الذين يتألف معظمهم من المهاجرين أبناء الذين استقروا هناك خلال القرن العشرين، وبالتالي فمن الأهمية بمكان الأخذ بعين الاعتبار التجربة التاريخية للمسلمين هناك، والأخذ بعين الاعتبار المشاعر الوطنية، القومية - الأوروبية التي هي جزء من ثقافتهم.

وطالما أن الحديث عن أوروبا يلاحظ أن الورقة لا تسمي سوى الغرب للطرف الآخر الذي يراد الحوار معه. ومع الحاجة إلى تعريف دقيق للغرب هنا فإن مثل هذا الحوار لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار الآخرين ما بين الغرب والشرق، وبالتحديد روسيا والصين والهند وغيرها، وهي التي تعبر في الفترة الأخيرة عن حساسية خاصة من "الإرهاب الإسلامي" وإذا كانت هذه القوى مرشحة لأن تكون ضمن القوى الست الكبرى في العالم خلال القرن الواحد والعشرين فلا بد أن تكون حاضرة في مثل هذه الأوراق أو الندوات التي تتناول حوار الحضارات أو الثقافات في العلاقات الدولية الراهنة.

إن الحديث المتصاعد في الفترة الأخيرة (في الشرق الآن وليس في الغرب) عن "الإرهاب الإسلامي" الذي يشكل أحياناً وسيلة للوصول إلى السلطة أو لمنع الآخرين عن الوصول إلى السلطة بطريقة ديمقراطية، يطرح من جديد التعامل مع الجماعات أو الشعوب المسلمة في العالم خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم هؤلاء لمجموع عدد المسلمين في العالم. فوضع هؤلاء المسلمين يختلف من دولة إلى أخرى، وإذا كان بعضهم يتمتع بحقوق متساوية مع الآخرين فإن بعضهم يتعرض إلى أنواع من التمييز، وفي حالات معينة فإن شعوباً بكاملها تعاني من مصادرة حقها في تقرير المصير والتعبير عن إرادتها في من يمثلها ويحكم باسمها.

إن هذا يعيدنا مرة أخرى إلى دعوة الورقة اعتبار الأقليات "جزءاً من العالم الإسلامي"إذ أن البعض يفهم من ذلك حرية هؤلاء المسلمين بالانفصال عن دولتهم والاندماج مع دول إسلامية مجاورة أو قريبة، وهو ما يثير من جديد فزّاعة "الخطر الإسلامي". ومن هنا يبدو من المطلوب أن يكون للكتلة العربية والإسلامية مرجعية واضحةتحكم التعامل مع الآخرين، بما في ذلك الموقف من الأقليات الإسلامية، يدعم حقوقها الثقافية (للتواصل مع العالم الإسلامي) والسياسية (إذا كانت منقوصة) بشكل لا يمثل تهديداً للدول التي تعيش فيها، بل يكون هذا في إطار تعزيز التعاون المتبادل مع تلك الدول.

وتركز الورقة أخيراً على الآليات / المنظمات التي تقترحها للقيام بالحوار / التعارف الحضاري مع الآخر، وهي تسمي - على سبيل - المثال منظمة التربية والثقافة والعلوم الإسلامية (الإسيسكو) وغيرها. وفي الحقيقة قد يكون لدينا ما يكفي من اتفاقيات ومنظمات إقليمية (عربية) ودولية (إسلامية) ولذلك فالمطلوب هو تفعيل دور هذه المنظمات في التعارف الحضاري أو الحوار الثقافي مع الآخر في إطار (عربي - إسلامي) أفضل، لأن هذه المنظمات تعبر في وضعها الراهن عن الخلل الحاصل في العلاقات البيئية سواء أفي الإطار العربي أم الإسلامي، والذي يستحيل معه الحوار المتكافىء مع الآخر.

ومن هنا يبدو أن الأولوية هي إنعاش الإطار (التكتل الاقتصادي السياسي العربي الإسلامي) على أمل أن يشكلا معاً القوة السابعة في القرن الواحد والعشرين، والتي يمكن لها حينئذ (كقوة حقيقية وليس كفزاعة خطر) أن تتحاور مع الآخر من موقع القوة والمصلحة المتبادلة. ومع هكذا قوة لا يمكن للغرب أن يقف موقف المتفرج إزاء ما يحدث في قلب العالم العربي الإسلامي (فلسطين) بينما يسارع لإنقاذ المسلمين في أطراف العالم الإسلامي (كوسوفو) حين تتطلب مصالحه ذلك.

* - مدير بيت الحكمة - جامعة آل البيت - الأردن.



[ Web design by Abadis ]