ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تعقيب على بحث د. يوسف سلامة \ أ. عمـر كـوش *

يتسم البحث الذي قدمه د. يوسف سلامة بلغة فلسفية، ترقى إلى مصاف النظر الواسع في عديد من المفاهيم والقضايا الفلسفية. تلك التي لا تزال محطّ جدال، لا ينفك يحتل مساحة هامة في التنوع والاختلاف، كما يتسم البحث بهدف نقدي واضح يكشف عن نهج علمي دقيق، قرأته بمتعة وأفدت منه، وغاية التعقيب الذي أنا بصدده هو تقديم ورقة محايثة للمفاهيم قيد البحث والوصول - إن أمكن - إلى تلاقح وتفاعل ما بين ما كتب في البحث وبين التعقيب الذي يليه. سيما ونحن نلتقي في هذا المؤتمر الذي جعل من الحوار شعاراً له.

يبدأ البحث بعبارة تقول: "إن المفهومين الأساسيين اللذين تستند إليهما كل فلسفة أصيلة هما العقل والحرية، أو الذات وتحققها الفعلي"، ويكشف هذان المفهومان عن ثنائية: الذات والموضوع، ويتقدمان كقطبين مترافقين، ويرتكزان في سياق البحث، على «كوجيتو» يحاول تحقيق اللحمة بينهما، لكن عن أية فلسفة أصيلة يدور البحث؟ وما هو مفهوم العقل ومفهوم الذات… الخ؟ . إذاً نحن بصدد بحث يتعلق بالمفاهيم الفلسفية. ويسكنه هم تقديم صورة معينة للفكر، وعليه تبرز أسئلة كثيرة، حول المفهوم مثل: ماهو المفهوم الفلسفي؟ وماذا يمكن أن نضع داخله؟ وكيف يمكن طرحه؟ وما هي المفاهيم التي يمكن أن توضع بجواره؟ وما هي الحمولات والمركبات التي يجب وضعها في كل مفهوم؟ من هنا تأتي أهمية الأسئلة في الفلسفة، لأن المفاهيم أحداث تحلق فوق الأقاليم. وتملك "إحداثيات بدون تراتب"، فثنائية الذات والموضوع تقدم مقاربة معينة عن الفكر، لاسيما وأن الأمر لا يتعلق بثورة أحد طرفيها على الآخر، وأن التفكير الإنساني غير مربوط بخيط مشدود بين الذات والموضوع.

إن المفاهيم كليات متناثرة لكن المفهوم ذاتي الإحالة. بمعنى أنه يطرح نفسه بنفسه، كما يطرح موضوعه كذلك. وتتجسد مهمة الفلسفة في بناء المفاهيم على مقام تتوضع عليه وتنتظم، كون الفلسفة هي التي تصنع المفاهيم وتخلقها. وهذا ما يعطي للفلسفة نزعة بنائية وليس تعالياً ميتافيزيقياً. فنحن والحديث يدور عن الذات. بحاجة إلى التركيب والبناء. حتى وإن عنى التركيب تركيب بين الأضداد والمتناقضات. وهو ما يقرر (د. سلامة) على أنه التركيب الوحيد القادر على إنتاج الهوية الجديدة. وكل حضارة جديدة لابد لها من التركيب. نحتاج إذاً للمفاهيم وللمقام من أجل تركيب كائناتنا المتثاقلة، ولن نجد نجاعة للمفاهيم دون صورة معينة للفكر التي نسميها مقاماً. نحن أبناء شعوب الحضارات القديمة (عرباً وفرساً وهنوداً وصينيين… الخ…) نفتقر إلى صورة الفكر تلك، التي يقدمها الفكر عن نفسه، عن ماهيته، وعن توجهه داخل نفسه، وحتى خارجها، نفتقر ليس للمفاهيم، فنحن نملك قدراً كبيراً منها. بل نفتقر لناظم المفاهيم والمشيّد لها، الحقل الذي تنمو فيه وتترعرع، تتأقلم وتنشال، تتأرضن ثم تعيد أقلمتها في تربة حولها التحليق المتعالي إلى مجرد أرض جرداء وبقايا ذكرى قوم فعلوا شيئاً ثم غابو

ا. هي ذي حال أقاليمنا المحدد كل منها كأرض ووسط وبيئة وجغرافيا… تحتاج إلى ما يعود إلى الفكر كفكر وليس كتاريخ، وإلى صيرورة هي صيرورتنا نحن الذين نعيش على الأرض، الآن في عمرنا الذي يُعاش حولنا. وليس إلى صيرورة تسقط في التاريخ أو تقفز فوقه. وهنا ألتقي مع ما ذهب إليه (د. سلامة) حول ما سمي عصر النهضة والتنوير العربي، أو ما ذهب إليه في توصيف سلفية البعث الحضاري.

غير أن حركة الفكر نحو اللامتناهي، والتي يعيها تماماً

(د. سلامة) هي التي تكون صورة الفكر. إذ تنفصل عن الأحداث التي تحيل إلى الدماغ، ولا تحيل إلى المعيش، بوصفها تحلّق فوق كل موضع للأشياء، أحداثاً متحركة مفاهيماً تنحت أحداثاً لا تحتاج إلى إحالة بُعدية، زمانية كانت أو مكانية، وبذلك تغدو الذات والموضوع بوصفها مفاهيماً، تحلق فوق الأقاليم مسرعة نحو اللا متناهي، تتأقلم ثم تنشال أفقياً وعامودياً في تربة الإقليم الذي تتأرضن فيه أو تتأقلم.

وحين يتعلق الأمر بالثنائيات فإن ثنائية الذات والموضوع تقدم صورة سيئة عن الفكر. خصوصاً أن التقسيم الثنائي الميتافيزيقي ساد نمطاً معيناً من التفكير الفلسفي منذ «أفلاطون» وحتى «هيغل»، مروراً بكافة المنهجيات والمذهبيات الفلسفية بينهما ومعهما، وقد اصطلح على أشكال التفكير تلك: «التفكير العقلاني»، ووسمت الفلسفة المتمخضة عنه بالفلسفة العقلانية، تلك التي اتخذت العقل بوصفه بعداً للوغوص (Logos) يوناني. مقاماً لها شيدت عليه مجمل مفاهيمها، ثم حملته جملات ومركبات تمركزية فُصلت فيها الذات العاقلة والمفكرة عن الآخر الذي غدا موضوعاً مهمشاً أمام تمركزية الذات التي خصّ بها الغرب ذاته وحده، فعالم الذات عالم عقلاني، بينما عالم الغير مستبعد وملعون، لذا على الآخر أن يبقى غريباً وخارجياً، يغط في دنس وبخور ومتخيلات، وبالتحايث مع العقل أنتجت الذات المتمركزة على ذاتها ميتافيزيقياً الفصل الحضاري، حضارة الغرب وحضارة الشرق، وعلى خلفية تقسيماتها القطبية والتقابلية جرى تقسيم الشعوب والحضارات والثقافات. بدءاً من التقسيم الأرسطي المعروف في ثنائية إغريق وبرابرة، وصولاً إلى التقسيم الهيغلي ثم الهيدغيري. حيث ربط تاريخ الحضارة والفلسفة بأوروبا

ال

جرمانية، انطلاقاً من دعوى «هيغل» التي تقول إن الإغريق هم أول من تناول الموضوع مع علاقته مع الذات، ثم دعوى «هيدغر» الذي اعتبر الإغريق أول من سكن الكينونة. بل وامتلكها. ثم ربط مصير الفلسفة بالاشتراكية القومية التي حملت معها النازية. وهكذا تم ربط الفلسفة والحضارة بالإقليم اليوناني الذي اعتبر امتداداً خاصاً بالغرب وحده (ذات - كينونة)، وكأن التاريخ شكل من أشكال الباطنية، بعد أن نزعوا عن مجموع شروطه لصالح منطق التمركز وعقيدة الأصول، وعليه لا يخرج «هيغل» و «هيدغر» عن منطق التاريخانية والغائية، وفي تمركزهما تسقط الصيرورة في التاريخ الخاص بالغرب كي تنتزع من التاريخ ذاته.

هل يمكن أن نستخلص مما تقدم وجود "تمايز بين نوعين من الهوية: هوية صورية مجردة، وهوية ثرية نتيجة لدخول السلب عليها"، ونرجع ذلك، كما فعل (د. سلامة) إلى "الأساس الذي نهضت عليه رؤيتان فلسفيتان أساسيتان انتجت كل منهما علماً أو حضارة تختلف عن الأخرى"، بمعنى أن الحضارة الشرقية ترجمت الهوية الصورية إلى العدم، والحضارة الغربية دخل السلب عليها، فترجمها إلى مفهوم للوجود. إذاً نحن أمام نوع من الفصل الميتافيزيقي والتقابلي الإحالي المرجع بين الوجود والعدم، فهو يحيل إلى منتج من منتجات التمركزية الأوروبية التي ألصقت بالشرق صفات انتقاصية عديدة، منها: افتقاد الشرق للوجود والصيرورة، وإعطاؤه هالة روحية ميتافيزيقية، في مقابل امتلاك الغرب للوجود والكينونة، هكذا فإن الشرق يبدو - وفق منظور كهذا - كياناً واحداً موحداً، وكذلك الغرب، مع أن التاريخ ليس فيه لحظة تدل على وجود شرق كهذا، أو غرب كذاك.

ما يفيده التاريخ هو مجموعة من الشروط كي يتحقق شيء ما: فلسفة، علم، أو حيث تنشأ حضارة في إقليم محدد من الأرض، وإذا كان الغرب قد فاز بالفلسفة حين شيّد مفاهيمه في دولة القانون والديمقراطية ومجتمع المواطنين. وأنتج حضارة لا تزال تضيء عتمة تمركزاته، فإن الحديث يمتدّ عن اختلافات في الدرجة بين المفاهيم والصور، فمقام التشييد يمكن للمفاهيم أن تعمره كما يمكن للصور، . وإن الحضارات لا تصل إلى الحوار دون أن تخونها مشادات الصراع وتجاذباته على خلفية التمركز وامتداداته، فتاريخ الحضارات لم يعرف قط صراعاً حول المفاهيم والقيم والأخلاق. إنما حول النفوذ والسيطرة والهيمنة، وهذا يستنهض فهماً يتجاوز تراتبية القوة ويتطلع نحو القيم المشتركة والقضاء الذي يتسع للجميع.

إذاً لا طائل من البحث عن سبب تحليلي وضروري يربط الحضارة بإقليم معين، فليس الغرب هو أول من تناول قضية الموضوع في علاقته مع الذات، فقد مارست حضارات الشرق المختلفة - الصينية والهندية والمصرية والفارسية والعربية الإسلامية وسواها - الفكر والفلسفة. وفكروا في الموضوع وحتى في الثالث المرفوع. فالفلسفة تؤسس مقامها على حقول المحايلة شريطة أن يشاد كل منها على مقام محدد داخل علاقة فلسفية مع اللا فلسفة في الوسط والفكر. إذاً هنالك أسباب احتمالية وتركيبية للحضارة وللفلسفة. ولا يجدي البحث عن «كوجيتو» ثوري لأجل ذلك، بل حراك خلق ومساءلة وتفكيك ونقد، فالثورة حلم أو «يوتوبيا» كما يسميها د. سلامة، وهي شيء، كما بينت تجارب الثورات.

حواشي البحث:

١ - J. Deleuze et F. Guattari, Qu,est - ce que ia Philosophie. Miniuit. Paris. ١٩٩١

* - كاتب وباحث من سورية.



[ Web design by Abadis ]