ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حوار الحضارات بين السلب و اليوتوبيا \ د. يوسف سـلامة *

إن المفهومين الأساسيين اللذين تستند إليهما كل فلسفة أصيلة هما مفهوما العقل والحرية، أو الذات وتحققها الفعلي. ومن الممكن لكل من هذين المفهومين أن يتخذ العديد من التجليات والتعبيرات وفقاً لمستوى التحليل الجدلي الذي يتم الانطلاق منه. إن الخبرة الأبستمولوجية والخبرة الأنطولوجية تعبران عن النشاط العقلاني للذات الذي يستهدف وضع موضوعه إذ يضع ذاته. إنهما تعبران عن فعالية «الكوجيتو» في تطلعه إلى تحقيق اللحام بين الذات والموضوع فيكاد يكتشف أن هذا الجهد ذاته زائد عن الحاجة لأن الموضوع هو الذات، أو لأن الذات هي الموضوع.

وبعبارة أخرى، لقد وصلت الذات إلى موضوعها من خلال السلب فوعت ذاتها أو هي توصلت إلى ضرب من الوعي الذاتي أو الحرية بإزاء الموضوع، ولكن الموضوع مع ذلك لا يزال في العالم الخارجي غير خاضع لسلطان الذات تماماً، إنه ما يزال مغترباً عنها. إذ يكون الشيء مغترباً وغير حر عندما يكون واقعاً خارج سيطرة الذات، وهذا الاغتراب الذي يوجد الشيء عليه، هو تعبير عن أن الشيء ما يزال آخرية لا تهتدي الذات فيه إلى نفسها بسبب المقاومة أو ما في هذه الآخرية من لا معقولية تشهد على أن الذات ما تزال مطالبة ببذل مزيد من الجهد أو التعقيل الذي من شأنه أن يسلب غربة الشيء عن حقيقته المستمدة أساساً من الذات، وأن يجعله من ثم في حالة مطابقة لهويته، أي مع الذات التي توجد من وراء الشيء خاصة، ومن وراء العالم بعامة. وهوية الشيء هي اللاهوية، أو هي بالأحرى التنكر التام لكلّ هوية له باستثناء الذات عليه، إذ تخلع هي عليه هويتها فتحيله بذلك إلى جزء من هويتها، أو تجعل منه مجرد امتداد لها تتعرف فيه على نفسها لأنه صنيعتها، في عين الوقت يستشعر هو بضرب من الاستقلال، الذي وإن كان يحقق ما يظن أنه هويته المستقلة، فإنه مع ذلك لا يخرج عن تلك الهوية التي أسبغتها الذات علي

ه أصلاً. و لم يكن الأمر كذلك إلا لأن "كل مساعي الإنسان متجهة نحو فهم العالم، وإلى الاستيلاء عليه وإخضاعه له: ومن أجل هذه الغاية فإن الواقع الإيجابي للعالم إن صح التعبير يتعين سحقه ومحقه. وبعبارة أخرى، لابد من أن تتم صياغة ذهنية". ومن ذلك يتضح مرة أخرى أن الجدل فلسفة للذات أو تحقيق للعقل نفسه، ما دامت الحقيقة الإيجابية للعالم لا يتم سحقها ومحقها إلا داخل العقل عن طريق إعادة بناء الموضوع داخل الذهن بينما تظل الحقيقة المغتربة للموضوع تعوق تحرر الذات وتسلبه، على الرغم من أن إعادة إنتاج الموضوع داخل الذهن توحي وكأن الذات قد نجحت في تنمية ذاتها إلى العقل والحرية. فهل يكون تحقيق الحرية تحقيقاً واقعياً متسقاً مع التصور الجدلي لمعنى النقد الفلسفي الذي يقرر "أن النقد بالمعنى الصحيح تنمية للمبدأ الأول وتكملة لما به من النقص، بشرط أن لا يعمي هذا النقد عن طبيعته فلا يرى إلا الجانب السلبي من فعله ويغفل عن التقدم الذي يحققه وعما تنطوي عليه النتيجة التي ينتهي إليها من الإيجاب ". والجانب السلبي هنا يشير إلى أن الوساطة ضرورية للعقل، وليس له أن يصيب الحقيقة بضرب من المباشرة أو بنوع من الإلهام والكشف الذي يحيل الحقيقة في نها

ية الأمر إلى ضرب من الآراء الشخصية، أو إلى مستوى من المعجزات التي قد يظن أن بعض الناس قد اختصوا بإدراكها والوقوف عليها دون غيرهم. إن الوساطة وما تنتجه من سلب تحيل المعرفة إلى نسق علمي قد استنبطت كل عناصره ومراحله بعضها عن بعض فكانت نتيجة لذلك مفسرة ومعللة تماماً. وأما الإيجاب هنا، فيشير إلى النتيجة التي استطاع النسق بلوغها بعد سلسلة طويلة من العمليات السلبية أو من الوساطات الذهنية. وما هذه النتيجة إلا المحصلة التي تناهى إليها المضمون الجدلي للعقل ذاته. ولما كان النسق الجدلي بأكمله يمكن أن يوصف بأنه نشاط للفكرة، التي يرسلها الروح أو يدفع بها ليتحقق له وعيه الذاتي بذاته من خلال صيرورتها وحياتها وحركتها، وكانت الفكرة هي حقيقة «اللوغوس» أو المركب النهائي الذي يوحد بين سائر متناقضات العقل أو المنطق، وكانت تغترب عن ذاتها، وتقهر هذه الغربة وتستعيد ذاتها من هذا الاغتراب فتستحيل إلى روح، أي إلى ذات قد تحقق لها الوعي الذاتي بذاتها في آخرها، أو هي قد نجحت في الهيمنة على ذاتها في آخرها - ومن ثم تكون بذلك قد بلغت كل ما تستطيع بلوغه من الوعي الذاتي، لا لأن التقدم إلى ما وراء هذه النقطة مستحيل، ولكن لأنه ليس ثمة شيء يمكن ال

تقدم نحوه كانت النتيجة التي تنتهي إليها الفلسفة نتيجة إيجابية من ناحية، وكان تخطي هذا الإيجاب - عن طريق إكمال المبدأ الأول الذي صدر عنه هذا الإيجاب أمراً لا سبيل إليه من الناحية الأخرى إذا ما سلم المرء بصحة ما انتهى إليه الجدل من نتائج لم تستطع لحم الكوجيتو بالواقع إلا على مستوى الفكر، في حين أن الوقائع ظلت عصية على التغيير ومتأبية على الارتقاء بذاتها إلى مستوى الحقيقة الفكرية. وأما الإيجاب الذي تنتهي إليه الفلسفة. فيتم الإفصاح عنه عندما يتقرر أن المصالحة الحقيقية في التاريخ تقتضي "إحلال السلب منزلة ثانوية، . أو نسخه على الإجمال ". ونسخ السلب معناه وصول التاريخ إلى حد من المعقولية يبطل معه كل نشاط ببطلان كل سلب أو حركة أو صيرورة. فهل هذه هي حقيقة الإيجاب الذي تنتهي إليه الفلسفة؟ وهل هذه هي كلمتها الأخيرة في هذه المسألة؟

وهكذا يتم الإعلان عن أن التصور الجدلي للفلسفة هو ميراث إنساني لاسبيل إلى تخطيه من حيث هو نظرية تنتهي إلى الإعلان عن أن الذات هي حقيقة الوجود، وأن الإنسان، استناداً إلى ذلك، أصبح بوسعه الاعتماد على ذاته، وأن التحليل الجدلي الصادق للعقل - وإن كان ينتهي من السلب إلى الإيجاب – فإنه مع ذلك يفتح السبيل أمام خبرة إنسانية جديدة تغني الجدل وتثري العقل، لا بأن تقف عند حدوده، وإنما بأن تتبناه وتتخطاه معاً، أي بأن يتم الانتقال من العقل - الذي هو سلب في حقيقته - إلى الحرية التي لم تتحقق بعد والتي هي سلب للسلب. وكما أن تحقيق العقل هو تحقيق للسلب، فإن تحقيق الحرية هو تحقيق «لليوتوبيا» أو السعادة.

إن العجز النظري عن تخطي مقولة الفكرة أو الذات - أو النظرية بجملتها، والعقلانية على إطلاقها، أو السلب بكلمة واحدة - يؤكد - أن الإنسان قد قطع شوطاً بعيداً في تفهم ذاته، وأنه أصبح يمتلك الأسس الضرورية التي تمكنه من النظر إلى العالم على أنه عالمه هو. غير أن وجود العالم أو الموضوع في حالة اغتراب أو لاحرية شاهد على أن تأنيس العالم أو أنسنته، لم تبلغ مداها بعد. وما لم تتحقق هذه المهمة الأخيرة. فإن الشك سيطال قيمة نظرية السلب ذاتها، أو نظرية الذات الجدلية التي تثبت معقولية التحليل الجدلي لطبيعة الذات ولنشاطها. وإذاً فإن نظرية السلب ذاتها تكون في خطر ما لم تتقدم الذات بذاتها خطوة جديدة إلى الأمام تضمن لها استمرار اتصالها بالواقع من ناحية، ولجهودها فعالية في تغيير موضوعها بتحريره من اغترابه عن طريق بسط سلطانها عليه. إن لا معقولية الواقع الخارجي تدين معقولية الفكرة وتندد بها، وذلك لأن الحقيقة وفقاً للتصور الجدلي هي (كل ينبغي أن يكون حاضراً في كل عنصر منفرد حيث أنه إذا لم يمكن ربط عنصر مادي واحد أو واقعة واحدة بعملية العقل أو مساره كان في هذا قضاء على حقيقة الكل). والموضوع هو ما لم تستطع الذات إحكام قبضتها عليه بعد، وهذ

ا هو الدليل على اللامعقولية، ولذا فهو يهرب منها إذ يغوص في أعماق الاغتراب أو اللاحرية، ولكن هذا الاغتراب أو اللاحرية، وبالأحرى هذا اللا أنا الذي يأبى التحول إلى أنا هو ما تأمل الذات - بعد ما تثبتت من أنها ذات إنسانية ليس لأية قوة خارجية سلطان عليها - في أن تحيله إلى أنا. هذا الأمل، أو موضوع هذا الأمل، هو (اليوتوبيا) التي هي في حقيقتها دراسة للموضوع، وجهد من الذات للتعرف على قوانين الموضوع بعدما لم تستطع خبرة السلب بمفردها أن تفرض قوانين الذات على الموضوع فرضاً تاماً.

ولكن إذا كانت الذات هي الموضوع، وكانت الحاجة إلى دراسة الموضوع راجعة إلى أن الذات لم تستطع بسط سلطانها على الموضوع، أفلا تكون عندئذ دراسة الموضوع هي دراسة للذات طالما أن التحديد الأدق لطبيعة الموضوع هو تحديد أدق لطبيعة الذات، وطالما أن الرؤية الجديدة لطبيعة الموضوع لا بد أن تدفع بالذات إلى ما وراء ذاتها إذا ما أرادت أن تظل مهيمنة على ذاتها، ذلك لأن الموضوع ليس إلا وساطة بين الذات وذاتها تنمو على حسابه، وتؤكد استقلالها حياله باستهلاكها له دونما انقطاع، فتلك مسألة لا شك في صحتها، وبالتالي فإن دراسة الموضع تحيل إلى دراسة الذات، كما أن دراسة اليوتوبيا تحيل إلى دراسة السلب. والنتيجة المترتبة على ذلك هي أن السلب لم يتوقف داخل الرؤية الجدلية إلا ظاهرياً. فاليوتوبيا هي صورة السلب ومضمونه المعاصران. وعندما تقرر (فلسفة التاريخ) مثلاً قبيل اختتامها أن "هذه هي النقطة التي بلغها الوعي، فهذا قول ليس له وقع النهاية على الإطلاق، فالوعي هو الوعي التاريخي. وحين نقرأ في (فلسفة الحق) أن شكلاً معيناً للحياة قد أصابه الهرم، يكون المقصود هنا شكلاً واحداً لا كل أشكال الحياة. ولكن الجدل لم يشأ التنبؤ بالأشكال المقبلة أو اللاحقة لل

حياة، لأن الفيلسوف ابن زمانه وشعبه وعصره. "فالفرد ثمرة لشعبه ولعالمه الذي تنعكس خصائصه وبناءاته في صورته. وبوسعه أن يتباعد كما يريد، ولكنه لا يستطيع أن يتخطى زمانه بأكثر مما يستطيع الخروج من جلده، وذلك لأنه ينتسب إلى روح كل واحد هو منه بمنزلة الجوهر وبمنزلة وجوده الجزائي الخاص. وما ينطبق على الفيلسوف ينطبق على الفلسفة: "فكل فلسفة هي فلسفة لعصرها. إنها حلقة في سلسلة التطور الروحي بأكمله، وهي لا تستطيع أن تكون مصدر رضى إلا بالنسبة للاهتمامات المنتسبة إلى زمنها الخاص الذي وجدت فيه ". ولذا فإن الفلسفة الجدلية حتى وهي تبشر "بانبثاق عصر جديد في العالم يبدو فيه كما لو أن الروح العالمي قد نجح في تخليص نفسه من كل وجود موضوعي مغترب، . وفي أن يدرك نفسه أخيراً على أنه روح مطلق "، تنتهي إلى أن تقرر بصراحة ووضوح أن ما تحقق لها من منجزات ونجاحات ما هو إلا "نقطة ابتداء ليومنا الراهن، كما أن سلسلة الصور الروحية قد اختتمت بالنسبة للزمن المعاصر". فالجدل - وإن بدا أنه ينتج عالماً مغلقاً على ذاته - إلا أنه في الوقت نفسه يعترف بأن التقاء طرفي الدائرة لا يعبر إلا عن لحظة زمانية مخصوصة لا بد من سلبها. ولما كانت الفلسفة ا

لجد

لية، بناء على ذلك، يمكن أن تسلم بالشكل التاريخي المحدد للعقل الذي تم التوصل إليه في عصر ما على أنه هو ذاته حقيقة العقل، فإن التقدم الذي يجاوز هذا الشكل للعقل لا بد أن يكون تقدماً بالعاقل ذاته". والواقع أن هذا التقدم بالعقل لا يتحقق إلا بالتحول من دراسة الذات إلى دراسة الموضوع، أو بالانتقال من دراسة السلب إلى دراسة اليوتوبيا، أو بالمضي من العقلانية إلى محاولة تحقيقها في الواقع الحي من خلال إنتاج الحرية أو السعادة الذي لا سبيل إليه إلا إذا أصبح الموضع يمثل وساطة أكثر صدقاً وحرية بين الذات وذاتها. وتظل الحرية في إطارها الجدلي حرية للفكرة، أو للفكر الذي لم يستطع استيعاب الواقع وإعادة إنتاجه بشكل يرتقي به إلى حقيقة الفكر، أو بشكل يكون الفكر معه قادراً على خلع هويته على موضوعه فتزول بذلك غربة أحدهما عن الآخر.

إن «اليوتوبيا» هي الموضوع من حيث أن هذا الموضوع هو ما يستهدفه شوق الذات إلى ذاتها بتوسط الموضوع. وإذا كانت هذه العلاقة بين الذات والموضوع، أو بين السلب واليوتوبيا قديمة قدم الوعي ذاته، أو هي بالأحرى قد وجدت عندما تحول الوعي إلى وعي ذاتي، فإن تحول الوعي الذاتي إلى عقل، أي إلى قدرة للوعي لا على التعرف على ذاته في الموضوع فحسب، إنما اكتسابه القدرة على وضع الموضوع من ناحية والتعرف فيه على الذات باعتباره صنيعة لها، ومن ناحية أخرى الوعي بما بين الذات والموضوع من تمايز داخل الهوية التي توحد بينهما، لأن العلاقة فيما بينهما علاقة واحدة تنطوي على التمايز. وهذا التمايز هو الذي يجعل الذات دوماً مستعدة للتقدم نحو إدماج موضوعها في هويتها. هذه الرغبة النهمة للذات إلى استهلاك موضوعها وإبطال التمايز النسبي والاستقلال الجزئي الذي يتمتع به الموضوع، أو هذا الاغتراب المتبادل الذي يكشف عن أن الذات لم تستطع بعد فرض عالمها المعياري على موضوعها، هو النشاط اليوتوبي ذاته الذي يصح أن يقال إن الموضوع يبديه حيال الذات، ما دام قد ثبت أن للموضوع استقلاله النسبي عن الذات الراغبة في استهلاكه وتدميره لمصلحتها الخاصة عن طريق فرضها لأنموذجها الم

عياري عليه. ولما لم يكن الموضع إلا من وضع الذات، كانت دراسة الموضوع تحيل مرة أخرى إلى الذات، وكانت اليوتوبيا تفضي مرة أخرى إلى السلب، ومن ثم يتحتم أن تكون نقطة التحول التالية معاكسة للحركة التي اضطلع بها الفكر سابقاً. فإذا كان الفكر قد بدأ نشاطه بالسلب فاكتشف اليوتوبيا في نهاية المطاف، فإن حركة الفكر الجديدة الآن التي تنتهي إلى سلب السلب تمثل نقطة بدء تنطلق من اليوتوبيا، باعتبارها سلباً للسلب لكي لا تلبث أن تتبين أن حركة الفكر هذه تؤدي من جديد إلى السلب، أي إلى سلب السلب مرة أخرى أو إلى الإيجاب اللامتناهي. وبذا تكون حركة الفكر هذه حركة من اليوتوبيا إلى السلب، وهي حركة معاكسة في الاتجاه للحركة الأولى ومتممة لها في الوقت نفسه، حركة تستكمل فيها الذات هيمنتها على ذاتها إذ تعود إلى ذاتها ذاتاً إيجابية لا متناهية بعد أن تكون قد أثرت نفسها بسلب السلب مرات عديدة، والذي قد يكون من شأنه أن يهيء لها السبيل إلى تخطي نفسها مرة أخرى في حركة ثالثة للفكر تتخطى الحركتين السابقتين، أو توحد بينهما على الأقل.

إن أعمق دلالة يمكن استخلاصها من هذه الخبرات المتتالية للفكر هي أنه ليس للذات أن تظن أبداً أنها قادرة على تحقيق التطابق المطلق بينها وبين ذاتها، أو أن تأمل في أن ترتقي بموضوعها إلى مستوى ذاتها، فهذه الرغبة مما لا يتماشى والرؤية الجدلية أبداً. فإذا كان جوهر الرؤية الجدلية هو أن الواقع (بناء من المتناقضات) - ويشتمل الواقع على الذات مثلما يشتمل على الموضوع - كان معنى تحقيق التطابق بين الذات والموضوع الارتداد إلى ضرب من الهوية الصورية الجوفاء التي تحذف أحد الحدين فتكون الفلسفة بذلك (مثالية أو واقعية) ولكن المثالية الجدلية تمتاز بأنها (مثالية تاريخية) تلتقي بالموضوع باعتباره من وضع الذات في أثناء التطور التاريخي، دون أن تنطلق من ذلك باعتباره عقيدة أو (دوغما) مسبقة على طريقة المثالية الذاتية. وهكذا فإن المثالية الجدلية تحتفظ بالهوية واللاهوية داخل الواقع ذاته، أو هي بالأحرى تبقي على التوتر - الذي يتخذ صورة تناقض وتضاد وسلب - حيّاً بين الذات والموضوع، ولكنها في الوقت نفسه تضع بينهما هوية مؤكدة مستمدة من كون الذات هي الموضوع، أو من كون الذات. هي التي تضع الموضوع إلى جانب ما بين الذات والموضوع من تناقض أو تضاد. فالذات.

هي الموضوع، ولكنها أيضاً غيره، وبذا تظل الحياة قائمة داخل الواقع، وتكون اليوتوبيا ذاتها درباً مؤيداً إلى السلب من جديد. وهذه النهاية هي التي تتمخض عنها (التحققات العينية لليوتوبيا). وبمقتضى ذلك لن تقبض الذات على ذاتها قبضاً تاماً. ستفلت من ذاتها كلما اقتربت منها، فما يفلت من الذات ليس موضوعها بل ذاتها ما دام الموضوع ليس إلا الذات في صورة الآخرية.

هذا هو إذاً مصير السعادة أو اليوتوبيا عندما تكون هي ما تحاول الذات الاهتداء إلى ذاتها فيها. فاليوتوبيا ستظل تعني (اللامكان) إذا أصر المرء على أن يلحق بذاته تمام اللحاق، وأن يتحد معها اتحاداً تاماً بالهوية من خلال اليوتوبيا، تماماً مثلما أن العقلانية المكتملة لن تتحقق للذات إذا كان ما تستهدفه في تحركها (من السلب إلى اليوتوبييا) هو إحالة العالم إلى بعد للذات بصورة نهائية، وإذن ستظل هناك مسافة تفصل الذات عن الموضوع، وبالأحرى عن ذاتها. وما هذه المسافة إلا الدليل على صدق (المثالية) التي يمكن إيجازها بالقول: (إن المفاهيم أغنى من الوقائع). والترجمة العينية والسلبية لهذه العبارة هي أن حقيقة العلاقة الإبستمولوجية الانطولوجية بين الذات والموضع، وأن الحقيقة الميتافيزيقية للعلاقة بين الذات والموضوع قائمة في هذه الفجوة التي تمنح الصدارة دوماً لذات على الموضع، لأن الذات هي مستقر (الكليات) أو (المفاهيم) التي يستمد الواقع - ذاتاً وموضوعاً - كل حقيقته منها. وهذه هي حقيقة العلاقة التي ستبقى متوترة دائماً وأبداً بين الذات والموضوع. وما هذا التوتر إلا السلب ذاته، إلا الصيرورة الأبدية الشاملة التي ترفع كل شيء، بينما تبقى هي الحقي

قة الأبدية الواحدة التي تكشف بلا انقطاع ودون توقف عن ثراء المفهوم، أو عن غزارة مكنونات الذات، أو عن الطاقة اللامتناهية للفكر وهو يحقق ذاته والذي لا ينضب أبداً. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. وهنا تكمن أيضاً كل مشاعر الإنسان الأليمة والمأساوية: فبينما يظل الإنسان كائناً متنامياً في الزمان والمكان، فإن الفكر لا متناه بالمعنى الحقيقي للكلمة. وبينما لا ينضب معين حكمة الفكر، فإن الإنسان محدود العلم قليل المعرفة مهما أوتي منه. هذا التقابل بين الكلية والجزئية داخل الكلي نفسه هو الذي يولد العلاقة بين (السلب واليوتوبيا). فالعقل الإنساني - نظراً لتناهيه - يود لو أمكن له التعرف على الحقيقة كلها أو وضعها بضربة واحدة - وهو ما ينشأ عنه كل العيوب المرتبطة بالمباشرة من حيث هي منهج للفكر - ولذا يلجأ إلى السلب. ولكنه يكتشف في نهاية النسق الذي ينتجه للسلب أن حقيقة السلب قائمة في (الغائية) التي استهدفها طويلاً دون أن يصل إليها إلا جزئياً. إن الذات ظلت غريبة على ذاتها جزئياً في الموضوع، وهو ما يجعلها تنتقل إلى تجربة أخرى تتمثل في أن تضع كل نشاطها في تفهم الموضوع - الذي يتخذ صورة يوتوبيا أو لا مكان - ولكن حركة الموضوع - وحقيقته الذات

ـ لا تلبث أن تحيل إلى الذات من جديد لكي تكتشف الذات أنها حقيقة ذاتها، وأنه من العبث أن تحاول الوقوف على حقيقة ذاتها خارج ذاتها. وهذا هو السلب الذي أحالت إليه اليوتوبيا من جديد من حيث هي سلب للسلب. فالسلب هو الحقيقة الأبدية الباقية وكل غائية مرتبطة به ما هي إلا شكل تاريخ له. وهذه حقيقة بالغة "الأهمية للأفراد والأمم على حد سواء.

وبما أن السلب لا ينفصل عن الثورة، بل هو الثورة ذاتها فإن حياتنا في مجتمعنا وفي أمتنا رهن بقدرتنا على ممارسة السلب أو تحقيق الثورة بمعناها العقلاني الدقيق، أي سيطرة الذات على الواقع وليس مجرد نوع من الامتثال لواقع قد تم تزييفه بعرضه على صورة ثورة حدثت أو سلب قد اقترب من غايته.

وعلى أية حال، من الممكن للمرء أن يلتقي بمعنيين أساسيين للثورة في الحقبة المعاصرة في تاريخ الإنسانية، وهما معنيان يعكسان حقيقة انقسام العالم إلى أمم متقدمة وأخرى متخلفة. فإذا كانت الثورة تعني في العالم المتقدم السيطرة على الواقع، فيجب أن تعني في العالم المتخلف تدمير الواقع، على أن يشمل هذا التدمير من بين ما يشمل طرق التفكير وأساليب الحياة والمناهج الذهنية والعقلية وليس أساليب الإنتاج وعلاقاته المتخلفة فحسب، وقد يفضي التركيب بين ما هو موجود وما هو غير موجود بعد، أو بين الحاضر والغائب. وهذه هي حالة العالم المتخلف، إلى إنتاج حضارة جديدة أخصب من كل ما عرفته الإنسانية من حضارات حتى الآن، في حين أن التركيب الذي يستهدفه الإنسان في العلم المتقدم، التركيب بين ذاته وبين الواقع، متخذاً من الأولى مقياساً للأخير، قد لا يفضي إلا إلى إصلاح الواقع. ولما لم يكن بد لكل واقع من أن يناقض نفسه، تمهيداً لتدميره والارتقاء منه إلى هوية أخصب وأكمل، كان من الممكن التفرقة بين نوعين من (الكوجيتو)، أولهما: (الكوجيتو) الذي أقام عليه الوعي الأوروبي حضارته المعاصرة، (أنا أفكر إذن أنا موجود)، وثانيهما: (كوجيتو) خاص بالعالم المتخلف جوهره إبداع

الأنا وإنتاج الذات ما دامت الذات هي التي تنتج الواقع الذي هو حقيقة الأنا. لقد أقام الوعي الأوروبي حضارته عندما امتلك ذاته. ولما لم نكن نحن نمتلك ذاتاً بالمعنى الحضاري لهذه الكلمة، فإن مهمة (الكوجيتو) في حالتنا نحن يجب أن تنصب على إبداع الذات وليس على إبداع الموضوع. وهذه مسألة أولوية وليست مسألة حذف لأحد الطرفين. ومن الممكن أن تكون صيغة هذا (الكوجيتو): (إبداع الذات هو إبداع الواقع). أو (تحول الأنا من كونها لا أنا إلى كونها أنا هو الوجود). ومن ذلك يتبين أن المضمون الحضاري لتجربة العالم المتخلف المحتمل يجب أن يكون متمايزاً من المضمون الذي يكون متسقاً مع منطق الحضارة الغربية وتراثها العلمي والفلسفي، وإن كان هذا لا يعني أنه يجب أن يكون مناقضاً له ومنقطعاً عنه، بل يجب أن تكون العلاقة بينهما علاقة (رفع ووضع). فمضمون الحضارة الغربية من غير المعقول للثورة أن تستهدفه في العالم المتخلف - وهي في الحقيقة غير قادرة على ذلك حتى لو شاءت أن تفعله - لأن هذا العالم لا يزال موطناً للخرافة والجوع والتبعية، بينما يفترض مضمون الحضارة الغربية تحرراً عقلياً بعيد المدى، وأفقاً مفتوحاً تبدو حتى مناقشته في العالم المتخلف خرافة تضاف إلى

خرافاته الكثيرة. صحيح أن العالم المتخلف والعالم المتقدم يعيشان متزامنين، ولكن ما بينهما من تفاوت يحتم التفكير بنوع من الصياغة الجيولوجية للزمان) مثلما أن هناك أحقاباً جيولوجية للمكان. فالعالمان يعيشان في لحظة زمنية واحدة فقط. أما الحقيقة، فإن لحظة العالم المتقدم لحظة مبدعة، في حين أن العالم المتخلف يحيا خلف طبقات عميقة جداً تجاوزها الآخر منذ مئات السنين بحيث لم تعد المعاصرة إلا وهماً، أو خرافة، مما يجعل التفكير بالثورة مسألة بالغة الصعوبة نظراً لافتقار هذا العالم إلى القدرة حتى الآن - وأقول حتى الآن - على وضع مضمون جديد لحضارة جديدة لا تكون تكراراً لماضي الذات ولا تقليداً لحاضر الآخر.

ومع ذلك يظل من المؤكد أن التركيب بين الأضداد والمتناقضات هو وحده القادر على إنتاج الهوية الجديدة. وكل حضارة جديدة لا بد لها أن تركب بالفعل بين جزء من (هوية الذات)، أي ما بقي حياً منها، (وبين الجزء الذي يمكن أن يستمر حياً في المستقبل من ذات الآخر) بقصد الخروج برؤية جديدة تمثل نوعاً من الحضارة الجديدة لا تتجاوز الذات فيها ذاتها فحسب بل هي تتجاوز الآخر أيضاً وبذلك تكون جديدة تماماً وغير مسبوقة لأنها المركب من (اللاذات) و (الاآخر) وليس بين (الذات) و (الآخر) وذلك بعد أن تم التركيب بين (سلبهما المتعين) وليس بينهما مجردين عنه. وقد لا يكون لهذا الأمر من مـعنى سوى أن معجزة التقدم قائمة في التركيب. وفي هذه الحالة لا يصح أن يطغي (الرفع) على (الوضع)، كي لا ننتهي إلى سلفية ساذجة تعتقد أن البعث الحضاري هو (التكرار والنسخ) لهذه الصفحة أو تلك من صفحات تاريخ الأمة التي قد ترى فيها السلفية أنها الحقيقة التي يعد كل تجاوز لها اغتراباً عن الحق وغربة لمن يظنون أنهم يقبضون على هذه الحقيقة. وكذلك لا يصح أن يطغى (الوضع) على (الرفع). كي لا ننتهي إلى معاصرة مقطوعة الجذور عن تاريخ الأمة أو منقولة نقلاً من مكان إلى مكان تماماً كما يتم نق

ل الخيمة ذاتها. وفي هذه الحالة ستكون المعاصرة غير مطبوعة بالطابع المميز لشخصية الأمة، لأن المعاصرة الحقة هي معاصرة أمة بعينها، وليس المعاصرة. بما هي كذلك، أي سلب المتعين وليس السلب المجرد. والمعاصر التي ليست على صلة وثيقة بتاريخ الأمة هي بالمثل معاصرة ساذجة وجوفاء تماماً كالسلفية الساذجة: واحدة تكرر الماضي والأخرى تستعير الحاضر، حاضر غيرها، مكتفية بإعادة إنتاجه في حين أنها لا تنتج في الحقيقة، وإنما هي بالأحرى تستهلك معاصرة غيرها أو تعيش عليها على هيئة منتجات روحية ومادية دون أن يكون لها قدرة على استدماجها بطريقة نقدية داخل ثقافة الأمة نفسها. وهكذا تبقى المعجزة بالفعل هي (معجزة التركيب) لا أياً من طرفيه. وبذا يكشف الجدل بوضوح، في كل تركيب من تركيباته، عن طابع إيجابي (لسلب السلب) يمكن اتخاذه بسهوله معياراً أو مقياساً للتقدم، أو لامتحان المسافة التي تم قطعها انطلاقاً من نقطة الابتداء صعداً في اتجاه ذروة (النسق) التي لا تنفصل عن نقطة الابتداء فيه. ومع ذلك فإن المعجزة تظل هي: معجزة التركيب لا ترجيح واحد من حدية، وهو ما وقع فيه الفكر العربي منذ مطلع القرن التاسع عشر (عصر النهضة) حتى يومنا هذا. إن أياً منا يضع يده ح

تى هذه اللحظة على التركيب الحقيقي الذي يخصنا. ولذا قد يصح لنا أن نصف مشاريع النهضة والتحديث التي استلهمت الماضي أو التي أبدت إعجاباً مفرطاً بالحضارة الغربية بأنها قد اهتدت إلى أحد الحدين فقط دون أن تنجح في حل معادلة التركيب حلاً صحيحاً. وأما أولئك الذين حاولوا بصراحة التركيب بين التراث والمعاصرة، أو بين الماضي والحاضر، فإن كل ما فعلوه حتى الآن هو أن وضعوا الحدود في حالة تجاوز مصطنع، فجاء عملهم خلواً تماماً من التركيب: لقد مزجوا النشارة بالبرادة فأثبتوا بذلك أنهم لم يصلوا بعد إلى (كيمياء الفكر). فالتركيب هو القوة الكيميائية - ولربما السيميائية - التي لا تكف عن تخليق هوية جديدة للعناصر الداخلة في التفاعل دون أن تفنيها.

وهنا يمكن التمييز بين هوية صورية للأمة تردد الماضي وتضرب صفحاً عن التجدد، وبين هوية دخل عليها السلب فأغناها وجعلها مرادفة للتجدد. فالتمسك بالهوية الصورية، بمعزل عن السلب يجد تطبيقاً له في حالة الأمم ذات الحضارات السابقة التي تتمسك بما كان من تراثها فتظل في مستوى (الهوية) في حين أن (التجدد) يستلزم إغناء هذه الهوية بالسلب، ومن ثم الاغتراب عن الذات لكي يمكن الاهتداء إليها (أو إلى ذات جديدة) في مستوى أسمى من سابقه. إن الحضارة التي بنتها أمة ما تشكل نسقاً مغلقاً عن ذاته. ولا يعني الاحتفاظ بالهوية وحدها إلا تكرارا لهذا النسق، بينما (التجدد) الحق لا يمكن البرهنة على حدوثه إلا من خلال قدرة أمة ما، وبالأحرى نجاحها، في تجاوز آخر حضارة معاصرة بالمضي إلى ما وراءها. وقد يكون الإقرار بمبدأ السلب، ومن ثم إغناء الهوية التاريخية بسلب معاصر لها، هو الخطوة الأولى التي تضع الأمة على بداية الطريق المؤدي إلى التجدد والإبداع وليس إلى تكرار القديم، فالتكرار ممل في حين أن للجديد فتنة الشعر وشبابه.

وهنا قد يصح للمرء أن يقول: إن التمايز بين نوعين من الهوية: هوية صورية مجردة، وهوية ثرية نتيجة لدخول السلب عليها، قد كان هو ذاته الأساس الذي نهضت عليه رؤيتان فلسفيتان أساسيتان أنتجت كل منهما علماً أو حضارة تختلف عن الأخرى لاختلاف الرؤية التي نهضت عليها الواحدة منها دون الأخرى. ذلك أن الهوية الصورية المجردة أنتجت حضارة شرقية ترجمت هذه الهوية إلى مفهوم للعدم ظل بدوره صورياً كالهوية التي استمد منها، بينما أقام الغرب حضارته على الهوية المتعينة التي دخل عليها السلب مترجماً هذه الهوية إلى مفهوم الوجود. ومن المحتمل أن يكون التباين بين الشرق والغرب يرتد إلى هذه اللحظة الحضارية المبكرة في تاريخ الإنسانية، إلى بدء الغرب من (الوجود) وإلى بدء الشرق من (العدم) وإلى نجاح الغرب في استدماج (العدم) لحظة داخل (الصيرورة)، فأحال بذلك العدم نفسه إلى قوة إيجابية في بنائه الروحي، بينما ظل البناء الروحي للشرق مفتقداً لأمرين أساسيين هما: الوجود والصيرورة، أو على الأقل الصيرورة وحدها. ومن المؤكد أن هذا التباين في الرؤى الفلسفية قد يتعين ويتحدد من خلال النشاط المتنوع للأمم المختلفة في الشرق والغرب. وهكذا فقد انصبت جهود الإنسان في الغرب

ـ وبالذات جهوده الفكرية. والفكر هو الواقع - على فهم العالم تمهيداً للاستيلاء عليه وتحطيم الواقع القائم وسحقه بقصد صياغته صياغة عقلانية باستمرار كلما بدا أن الواقع بالقياس إلى الذات أصبح عنصراً غير معقول. وإذا كان الاستيلاء على العالم وصياغته المستمرة لا تنفك على السلب، فهذا يعني أن الإنسان الذي يضطلع بهذه المهمة لا يمكن له أن يكون إنساناً مجرداً بل إنساناً عينياً ينتسب نشاطه إلى كلي يتخطاه - وإن كان لا يوجد بدونه أيضاً - هو الأمة التي ينتسب إليها هذا الإنسان العيني أو ذاك. وكل أمة تسهم في إبداع جانب من حياة المطلق أما الإنسان الشرقي، فقد ظل إنساناً مجرداً وظل نشاطه محتفظاً بهذا الطابع المجرد والذي غالباً ما يتجلى في فكرة العزلة والوحدة فضلاً، عن التنسك والزهد الذي يعزل الإنسان عن الآخرين وعن العالم وحتى عن نفسه.

لقد اتسم سلوك الإنسان الشرقي الذي استند جل نشاطه إلى هوية شديدة التجريد، بالانسحاب أمام العالم، وبالتراجع أمام الموضوع، وبالتعالي في مقابل الطبيعة. إنه يهرب أمام العالم، وبالتالي ظل العالم غير مكترث به. إنه لا يبدل الموضوعات لأنه يحيا على قدر من الزهد والتقشف يجنبه مؤونة بذل الجهد اللازم لتغييرها. إن اكتفاءه الذاتي بذاته وتطلعه إلى الطمأنينة الروحية لا غير قد جعله ضيفاً على العالم لا يكترث أي منهما بالآخر، فظل الذات مجردة وظل الموضوع هيولى غير متعبة ما دامت الذات لم تستهدف أن تسجل ذاتها في هذه الموضوعات. ولذا ظلت الطبيعة قوة معادية، كما بقي العالم عقبه في وجه تحرره الذاتي وإحرازه الطمأنينة الروحية. وهكذا يمكن القول إن الإنسان الشرقي ظل إنساناً مجرداً، بينما نجح الإنسان الغربي في تعيين نفسه وذلك لأنه نجح في تحويل العالم إلى وساطة بينه وبين ذاته، بينما ظل الإنسان الشرقي مجرداً لأنه رفض أي شكل من أشكال الاغتراب أو الوساطة مؤثراً على ذلك ضرباً من المباشرة هي إلى الوهم أقرب منها إلى الحقيقة. ولقد غالى في استهدافه لهذه المباشرة، حتى أنه سعى إلى قتل غرائزه وقهرها بل وحواسه أيضاً ليلتحم التحاماً لا توسط فيه بمصدر الع

دم، إن صح القول. صحيح أن المجاهدة والمشقة التي يتكبدها الناسك الشرقي لا يسهل تصورها على العقل العادي، ولكنه حين ينجح في التوحيد بالمباشرة ذاتها يستقر فيها ولا يخرج منها أبداً، أنه يموت عن حياته في الحياة، أما منهج الوساطة، فيلزم المرء بصورة دائمة ببذل الجهد والمشقة والاغتراب وفقد الذات لكي لا يلبث أن يهتدي إليها ثم يفقدها بجهده الخاص بعدما اهتدى إليها بجهده أيضاً. إن الاغتراب عن الموضوع هو اغتراب عن الذات، ومعنى هذا الاغتراب أن فعل السلب قد نقل خطوة إلى الأمام فاغتربت عن ذاتها فيما أبدعته فأصبح يتعين عليها أن ترتقي بذاتها إلى مستوى ذاتها بوساطة موضوع جديد أو بتحوير الموضوع القديم على الأقل والفرق واضح بين الحالين.

هذه هي المفارقة الأساسية التي تواجه الشرق، وليس الخروج منها بالأمر الهين. وبادئ ذي بدء لا يكفي لتخطي هذه المفارقة والصعود من حال التخلف إلى التقدم الدعوة إلى جعل الهوية الصورية الشرقية هوية متعينة بإدخال السلب عليها، لأنه لو تم ذلك فإن الفكر قد لا ينتج جديداً بل يعيد اكتشاف خبرة قديمة قد حصلها الآخر ومضى فيها حتى نهايتها، وهو الغرب. ومن ناحية أخرى لا يكفي لتخطي ما نحن فيه من تخلف الدعوة إلى العودة إلى مايسمى بالأصالة والجذور، أي بالنكوص إلى مستويات أشد تجريداً للهوية من تلك التي نحن عليها اليوم. فما المخرج إذن إذا أراد الشرق أن يبني حضارة يتخطى فيها ذاته ويتخطى فيها الآخر في آن معاً؟

وبادىء ذي بدء، فإن ظهور حضارة جديدة أو انتصار حضارة صاعدة على حضارة قائمة لا بد أن يكون مشروطاً بقدرة الحضارة الجديدة على استيعاب أكثر ما في الحضارة المنافسة من نقاط القوة التي أثبتت جدواها في الحضارة المذكورة. كما أن الحضارة الصاعدة أو الممكنة لا بد لها حتى تستطيع أن تقيم هذه الصلة مع الآخر من أن تكون قد اغتربت عن ذاتها أو جذورها ولو لمسافة ما، أي أنه لا بد لها من أن تكون قد سلبت نفسها فأحالت نفسها إلى (لا ذات) وفي الوقت نفسه الذي تكون فيه قد استحالت إلى لاذات فإنها تكون قد سلبت الآخر سلباً جزئياً بحيث أصبح (لا آخر). وأن الجدل الذي يفضي إلى التركيب بين (اللاذات) و (اللاآخر) من المحتمل أن يكون هو القانون الصوري لنشوء الحضارات، ولكن المسألة لا يصح فيها الوقوف عند هذا الحد لأن المضمون جزء لا يتجزأ من صميم أي مشروع حضاري. ولكن بما أن الصورة لا تنفصل عن المضمون. فإن وضع الصورة ذاتها يسمح بالقول: إن هذه الصورة تنطوي على مضمون ما. وإذا كان العقل الإنساني في وقت ما غير قادر على الكشف عن هذا المضمون صراحة، فذلك لأن التاريخ جزء لايتجزأ من صميم المضمون بل ومن صميم الصورة ذاتها. إن فض الصورة لمكوناتها ينطوي بالضرورة عل

ى كشف متدرج للمضمون ينتهي آخر الأمر بالفصل الدقيق للمضمون وربطه بصورته التي صدر عنها في نهاية مرحلة حضارية بأكملها. واليوم بوسعنا الحديث عن حضارة شرقية قديمة، وعن مراحل داخل هذه الحضارة عن الصين إلى الهند إلى مصر وفارس بعد أن اكتمل نضج المضمون في قلب الصورة واللّذين اكتمل تحققهما في قلب التاريخ. فإذا كانت الصورة، مطابقة للأساس الإبستمولوجي للسلب، فإن المضمون. بمعنى ما مطابق للأساس الأنطولوجي لها.

لقد كشف هذا المسار بجملته من أنه لا سبيل إلى اكتمال الصورة ولا المضمون إلا عند ما يفض المضمون ذاته داخل التاريخ. وهذا ينطبق على مايمكن تسميته بالقانون الصوري للحضارة. وتبقى مسألة التعرف على مضمونه، أو على الأقل على الملامح العامة لمضمونه، رهناً بالدراسة المتعمقة لطبيعة الصورة. وأما الفض التام لهذين العنصرين على هيئة حضارة تنمو وتتكامل، فمرهون بسلسلة تحققاته التي لا توجد خارج التاريخ. وهذا ما يصلح لأن يكون نقطة ابتداء لبحث جديد.

يضاف إلى ما تقدم أن خطاب الحضارة الغربية المعاصرة - خطاب ما بعد الحداثة - قد تحول من العقل - وهو خطاب الحداثة - إلى (الإرادة) بكل تجلياتها وصورها الممكنة، أي إرادة المعرفة وإرادة الحقيقة وإرادة الاعتقاد والتي ترتد جميعها إلى (إرادة القوة). فالخطاب الغربي الراهن في سائر المجالات قد أصبح يستمد قيمته وأهميته وفاعليته من إرادة القوة فتجاوز بذلك الأسس الكلاسيكية التي بنيت عليها الحضارة الغربية ابتداء من القرن السابع وأعني بذلك الذاتية والعقلانية.

وما يترتب على ذلك هو أن خطاب الحضارة الغربية الراهنة خطاب لم يعد يتصف بالعقلانية والإنسانية، وبالتالي فقد ما كان ينطوي عليه من كلية، فتحول بذلك إلى خطاب جزئي أو خاص ففتت إلى خطابات جزئية، بحيث لم يعد بوسعنا أن نتحدث عن فضاء غربي حضاري واحد بقدر ما يمكننا التحدث عن فضاءات متعددة تعكس تنوعاً في الخطاب الحضاري الغربي غير مسبوق لا يمكن تفسيره إلا بإرادة القوة التي تنسب إلى كل مجتمع غربي بعينه.

وما يلزم عن ذلك ولادة نوع من الخطاب الغربي المتناقض داخل فضاء جديد، الأمر الذي يكشف عن ما يمكن وصفه بأنه بداية لتنوع حضاري جديد داخل الفضاء الغربي، الأمر الذي قد يترتب عليه ظهور تناقضات ثقافية وروحية ناجمة عن لا عقلانية الخطاب الجديد الذي يؤسس خطاباً على إرادة القوة، بدلاً من تأسيسه على عنصر يمكن الاحتكام إليه بدرجة معقولة من الاتفاق مثل مبدأ العقلانية وما يرتبط به، كما كان سائداً حتى نهاية القرن التاسع عشر في الحضارة الغربية المعاصرة.

قد نكون إذاً بإزاء نقطة البدء في تفتت هذه الحضارة الذي قد يفضي على المدى البعيد إلى أن تفقد وحدتها وقوتها اللتين تمتاز بهما حتى يومنا هذا. فتأسيس الخطاب على إرادة القوة قد يفضي إلى بروز متناقضات خطيرة داخل هذا الخطاب قد يستعصي حلها إلا خارج هذا الخطاب نفسه.

ومن هنا يتعين على بلدان العالم الثالث وعلى ساستها وعلى مفكريها أن يرقبوا تفتت وحدة الخطاب الغربي لا من أجل اكتشاف تشتت هذه الوحدة واحتمال ضياعها فحسب، وإنما أولا بالذات من أجل صياغة خطاب حضاري جديد يأخذ من اعتباره كل الملاحظات السابقة التي تميل إلى الافتراض بأن وحدة الخطاب الغربي الحضاري مآلها إلى التفكك، الأمر الذي يلزم بلدان العالم الثالث - بصرف النظر عن إيديولوجياتها وأديانها ونظم الحكم فيها - بان تشكل جبهة واحدة تستهدف الانخراط في عملية تفاعل ثقافي واسعه المدى - بقصد إنتاج أكبر عدد ممكن من المبادئ والأفكار التي يمكن أن تكون مشتركة بين بلدان العالم الذي يسود فيه الفقر والجهل والاستبداد أيضاً.

وبوسعنا العثور على نقطة ابتداء قد تمت صياغتها منذ الخمسينيات عندما وضع الآباء الكبار المؤسسون البذرة الأولى لما أسموه بعدم الانحياز ونعني بهم (عبد الناصر) و (نهرو) و (تيتو). ولا نعني بالعودة إلى فكر هؤلاء المؤسسين أن نتبنى مضمونه كاملاً، بل يعني أن نستمد منه روح المقاومة البطولية التي أبداها هؤلاء القادة ضد أكبر معسكرين وأكبر درجة من الاستقطاب شهدها التاريخ الإنساني. ومما يكمل ذلك استلهام شتى التجارب السياسية الكبيرة وصور المقاومة الخلاقة التي ظهرت في كثير من بلدان العالم الثالث ومن بينها على سبيل المثال الثورة الإسلامية الكبرى التي أسست للجمهورية الإسلامية في إيران.

على أن كل ذلك وإن كان يشكل بعض الأسس التي لا بد من توافرها من أجل الانخراط في حوار حضاري مع الغرب الراهن، فلا بد من أن يكون واضحاً من أن التاريخ الإنساني قد أثبت لنا أنه لم يكن هناك أي نوع من الحوار بين الحضارات، وإن كل ما سيطر على التاريخ حتى يومنا هذا إنما هو الصراع بين الحضارات. وعلى ذلك، فإن بلدان العالم الثالث راغبة في أن تستمر في الوجود، فينبغي لها أن تتخلى عن فكرة الحوار وأن تؤسس عالماً جديداً فيها يسمح بولادة الشروط الضرورية حالياً والكافية مستقبلاً من أجل الدخول في مواجهة مع هذا الخطاب الغربي الآخذ قي التفتت في صور متعددة. ومن شأن ذلك أن يلزم بلدان العالم الثالث - وخاصة تلك التي ترى أنها مؤهلة أكثر من غيرها للانخراط في مثل هذا الصراع - بخلق الشروط والظروف المناسبة لإنتاج ما تقتضيه هذه المواجهة مع الآخر الذي يجب ألا يفكر أحد منا بطريقة ساذجة بحيث يعتقد أن سقوطه وشيك وأنه سيسقط من تلقاء ذاته، وأن كل واجبنا ينحصر في اقتسام الغنائم والأسلاب.

لا بد لبلدان العالم الثالث من أن تعيد صياغة نظمها السياسية ونظمها الاقتصادية وبناها الثقافية، من أجل أن ترتقى جميعاً لتصل بالإنسان في عالم الفقراء والمحرومين إلى مستوى المواطن الذي يستطيع أن يقول كلمة في وطنه، ويرى رأياً فيمن يمثله من الساسة والحكام، ويختار من بين الأنساق الثقافية المتعددة - بحرية تامة - النسق الذي يتعرف على نفسه فيه، على أن يكون للمواطنين الآخرين الحق الكامل في اختيار أي نسق يريدون. إن إشاعة الديمقراطية وما ينتج عنه من ضرورة التداول السلمي للسلطة ومن منح مؤسسات المجتمع المدني كل حقوقها، شروط ضرورية وليست كافية من أجل تأسيس خطاب جديد يسمح لنا بالتقدم خطوة واحدة في الاتجاه الصحيح. ويظن بعض الجهلة أن المجتمع المدني عدو للدولة وخصم لها، وفي حين أن كلمة المجتمع المدني هي إقامة التوازن اللازم بين الدولة والمجتمع. وليس ثمة مجتمع يمكن أن يخلو من دولة ومجتمع مدني، ولكن عندما تبتلع الدولة كل شيء فإن الحديث عن المجتمع المدني لا يعني أكثر من تصحيح الأشياء ولايعني مناهضة الدولة من حيث هي كلية موحدة وضابطة للمصالح المتباينة في المجتمع وللاتجاهات المتنوعة التي تضج بها الحياة الاجتماعية. إن من يحيا في هذا ا

لعالم ليس أمامه إلا أن يدافع عن نفسه، ولا يعني الدفاع أن ننتظر تناقضات الآخر حتى تفكك أبنيته، بل هو يعني الشروع في التسلل إلى داخل تناقضاته حتى نسهم في مفاقمتها تمهيداً لأن يفجرها هو ذاته بذاته. ولا سبيل إلى العيش في هذا العالم بغير ذلك.

ومن كل ما تقدم يتضح أن حد السلب هو الحد الفاعل في فهم وتحليل وتفعيل صراع الحضارات، في حين أن الحوار فيما بينها ما هو إلا ضرب من التفكير الطوباوي الذي يقصر معنى الطوباوي على الخيال والوهم وليس على الذي حددناه في تحليلنا السابق للطوباوي. ذلك لأن «اليوتوبيا» لا تشير لدينا إلا إلى صور السلب عندما ينصب التحليل على الموضوع بدلاً من أن ينصب على الذات. ولما لم يكن الموضوع إلا الذات في صورتها السلبية، كان تحليل الموضوع محاولة تستهدف استكشاف كل ضروب الفعالية الذاتية المختفية في صميم الموضوع. وعلى ذلك فمقولة السلب في صورتها الإيجابية ومقولة «اليوتوبيا» في صورتها السلبية هما قاعدتان تؤسسان لخطاب الصراع الحضاري الذي يثبت التاريخ أنه هو التاريخ المهيمن.

حواشي البحث

- L. L. Sec. ٤٢. P. ٨٨.

٢ - R. R. P. ٢٢٧.

٣ - L. H. phil. I. P. ٤٥…

٤ - Idem

٥ - Ibid, Vol. ٣,P. ٥٥١.

٦ - Ibid. P. ٥٥٢.

٧ - R. R. Imtroduction

* - أستاذ في جامعة دمشق.



[ Web design by Abadis ]