ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تعقيب على بحث الدكتور أبو يعرب المرزوقي \ د. رضوان زيادة *

لا يتوقف الدكتور المرزوقي عند مفهوم الحضارة، إذ أنه محدد لديه وفق تعيناته النظرية القائمة على أساس أن الأمة والحضارة توأمان، وهو لذلك يفترض أن الأمة توجد ولا تقوم إلا بحضورها القومي، وحضورها هذا يعني أنها متلازمة للحضارة ومتحققة بها، وبذلك تندغم الأمة بالحضارة ولا تكاد تبين وذلك عندما تأخذ الحضارة سمات الأمة ومميزاتها القومية، وهذا ماجعله يبتدأ من الحوار لا من الحضارة على اعتبار أنه الشق الملتبس وحاجة التصنيف والتقويم ملحة بالنسبة إليه، وعليه فهو يقسم الحوار إلى ضروب وبحسب آفاقه ومستوياته أو بحسب قصده ثم يلح على طلب مقومات الحوار كي يزيل اللبس المحيط بالمفهوم، وهو لذلك يشترط على الحوار شروطاً بحسب قصوده وظروفه لا يتحقق إلا بها ولا يكون إلا بوجودها.

ونقطة البدء هذه لديه جعلته يخلص إلى أن الحوار الحقيقي لا يجري بين الحضارات ولا ضمنها وإنما هو حوار بين البشر بتوسط ما في الحضارات من صبوٍ إلى التجاوز الذاتي نحو ما يتعالى عليها، غير أن الحوار بين البشر لا يدخل ضمن الحوار القصدي أو المطلوب بذاته وإنما هو يجري عفوياً ودون إلحاح مسبقٍ في الطلب عليه، وهذا ما نلحظه في النظر إلى ظاهرة الاختلاط في الشعوب وما ينتج عنها من تمازج الأعراق، وعندها يكون الحوار بين البشر أقرب إلى الظاهرة التلقائية، وهو ما ينفي عنه صفة الحوار ليدخله في سياق عمليات التواصل التي تشكل بمجملها خارطة الالتقاء والاتصال بين مختلف الأجناس في معاشهم وحياتهم.

وبذلك تكون الحضارة ذات سمات خاصة متصفة بها، وتشكل هذه السمات بمجموعها ما يُطلق عليها مفهوم. وإذا كان «هنتنغتون» قد اعتبر أن الحضارات هي هويات ثقافية فإن ذلك صحيح إلى حد كبير دون الانزلاق معه في اعتبار أن هذه الهويات هي كيانات متبلورة وناجزة تتحصن الحضارات داخلها ويصعب عليها الخروج منها أو القيام بعملية التغيير والتطوير، هذه العملية التي تصبح ضرورية مع تقادم الزمن ويفترض عندها أن تمد هذه الحضارات بخيوط اللقاء والتواصل مع العصر حتى تكون قاصرة على الحضور فيه، بما يعنيه الحضور من قدرة على الفعل والتأثير. وإذا عدنا إلى مفهوم الحوار الذي يبغيه ويطلبه لوجدناه يحدده بأنه حوار التعارف بين البشر الذين أدركوا وحدتهم الأصلية في الأخوة الآدمية المتعالية على حد تعبيره على الأشكال الحضارية، وبذلك لايقوم الحوار لديه ولا يكون إلا بأن تتحدد غايته مسبقاً، وبذلك يكون نفي الحوار صفته التواصلية بما هي لقاء بين الذات والآخر، وحصره في صفته الغائية التي تقوم على أساس وظيفة الإقناع والإلتزام، فتحديد الغاية ينفي عن الحوار اسمه ليدخله في باب الإلزام أو الإكراه.

وفي ضوء مفهوم الحوار هذا يمكن فهم الثنائية التي افترضها

المحاضر في تقسيم الحضارات إلى حضارات حلولية تتسم بالنزوع إلى الحرب، وحضارات استخلافية تتسم بالنزوع إلى السلم، والتقسيم الثنائي هذا أقرب إلى التصنيف الاختزالي مما ينفي الصفة المركبة عن الحضارات ويمنعنا من إدراك الجوانب المختلفة للحضارات من حيث علاقاتها المتشابكة فيما يتعلق بثقافتها ومميزاتها وأساطيرها وكل ما يتعلق بالشخصية الحضارية، لذلك علينا ألا نسقط في فخ الاختزال خاصةً فيما يتعلق بالحضارات التي تكون محط اشتراك لعدد كبير من الأمم والتي يصعب علينا قراءة وجه وحيد ونفي الأوجه المتعددة التي تتعين بها هذه الحضارة أو تلك.

وانطلاقاً من ذلك فإن المحاضر لا يرفض الصراع بين الحضارات كما يسميه بل يجده ضرورياً من أجل تحقيق القيم. وهنا يبرز السؤال عن جدوى الحوار ومغزاه إذا لم يوجد بين الصراع إن لم نقل يلغيه، ذلك أن الصراع تاريخياً تجلى بكيفيات مختلفة، كانت معظمها تهدف إلى إلغاء هوية الآخر ونفيه من أجل تحقيق سيادة الذات وانتصار قيم الانسان، وهنا يبرز الحوار لا كحل سحري للخروج من الصراع وإنما كطريق لابد من ولوجه من أجل نفي صراعات التمركز والإلغاء وتحقيق الشراكة القائمة على التبادل بين الأطراف جمعيهم، وإذا كان الصراع ضرورياً بحسب المحاضر من أجل تحقيق القيم، فإن ذلك ينفي عن القيم قوتها القائمة بذاتها وعدم حاجتها إلى صراع الوجود حتى تتحقق، إذ عندها تصبح قيم المنتصر الغالب لا القيم الإنسانية العليا.

كما ينبغي التأكيد أنه إذا كان حوار الحضارات مفهوماً نظرياً لا وجود له على أرض الواقع القائم على أساس علاقات القوى، فإنه يجب أن نذكر أن الحوار يبقى مطلوباً للعمل على إيصال علاقات القوة هذه إلى صيغة أقرب ما تكون إلى التوازن إذ أن الحوار لا يتحقق إلا بين طرفين متكافئين، وذلك كي لايتحول إلى إملاء من طرف على آخر، أو إلى مساحة لإجبار الآخر بقبول الذل، فالحوار بمعناه الحقيقي يعني الإثراء المتبادل بالأفكار والتلاقح بين مختلف الثقافات بغية تفكيك الصور النمطية التي شكلها كل طرف عن الآخر، وتفجير المتخيلات القائمة والمسكونة بهواجس التاريخ بالمعرفة المدركة التي هي وحدها الكفيلة بتأسيس حوار حقيقي بين مختلف الأطراف وكما يقول (داربوش شايغان) أن التعادل الروحي بين القوى المتنازعة والتجانس البنيوى بين الأفكار المتخاصمة يحول إلى أذى للنهضة والتجدد الذاتي ولخلق قوى جديدة، عندها يتأسس ما نطمح إلى تسميته الحوار بين الحضارات.

* - كاتب و باحث من سورية



[ Web design by Abadis ]