ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 كلمة مركز الدراسات الثقافية الإيرانية - العربية \ د. محمد علي آذرشب *

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه… كنا قد عقدنا العزم منذ أشهر لإقامة ندوة تحت عنوان: «كيف ندخل سنة حوار الحضارات»؟ والباعث لعقد هذه الندوة واضح… فلا بدّ من إعداد أنفسنا لدخول مشروع عظيم أطلق اسمه على سنة ٢٠٠١م، ولكنه مشروع مستقبل البشرية على امتداده. والإعداد ضروري كي نستطيع دفع مسيرة الحوار نحو أهداف محدّدة تعود بالخير على البشرية عامة وعلى أمتنا بصورة خاصة، ولكي نبعد الحوار عما لا طائل تحته، وعمّا يدخلنا في شكليات، وفي ثرثرة جوفاء، وفي بطر فكري ابتليت به معظم النخبة المثقفة من أمتنا، فانتفخت وتعالت وجلست في أبراج عاجية بعيدة عن الواقع المعاش، وعن نفسية الأمة ومزيجها الفكري والحضاري، وعن آمالها وآلامها.

مشروع حوار الحضارات طرحه المفكرون منذ سنين، ودار حوله نقاش طويل، وجاء كتاب «صدام الحضارات» لهنتنغتون ليُعطي للمسألة بعداً جادّاً، وليحوّل القضية إلى نظرية استراتيجية للعلاقات الدولية، وليطرح فكرة حتمية الصراع بين الحضارات، ثم شهدت الساحة العالمية نوعاً جديداً من الممارسات تنبئ أن نظرية صراع الحضارات بدأت تخرج إلى حيّز التطبيق … وأن المخاوف من عودة الوجود الإسلامي إلى ساحة الحياة، ومن عودة العالم الإسلامي ليحتل مكانته في المعادلات الدولية، بدأت تتبلور في عمليات بطش وإبادة، وفي عمليات إذلال وإخضاع، وفي أساليب تفريغ المسلمين من أي إحساس بالهوية والعزّة والكرامة.

ولم يقتصر القلق على الدائرة الإسلامية، إذ عمّ كثيراً من الداوئر الأخرى بما في ذلك الأوروبية التي بدأت تواجه عملية إلغاء وانتقاص وهيمنة.

وفي هذا الجوّ أعلن الرئيس محمد خاتمي مشروع حوار الحضارات ليجد ترحيباً عالمياً منقطع النظير… وليدفع بالأمم المتحدة إلى تبنيه مما يعني عالمية الحاجة وشموليتها لجميع جوانب حياة المجتمعات البشرية السياسية منها والاقتصادية والثقافية.

وبعد أن عزمنا على إقامة الندوة حدثت على ساحة المنطقة مستجدات هامة جعلتنا نتردد في عزمنا، وأهم هذه المستجدات تصاعد الانتفاضة المباركة في فلسطين، وتشديد البطش الصهيوني بأطفال الحجارة وبأهلنا في الأرض المحتلة.

هل الظروف في مثل هذه الحالة مناسبة للحديث عن «حوار»؟ أي حوار أمام عمليات الإرهاب والقمع الوحشي بحقّ شعب يدافع عن أرضه وبيته؟ !

غير أننا عدنا إلى الأهداف التي رسمناها في دهننا لحوار الحضارات، وأول هذه الأهداف تبيين حقيقة موقف حضارتنا من الآخر، وهو موقف قائم على أساس «يستمعون القول» وعدم إلغاء الآخر: ,إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، ودعوته إلى المشتركات: إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. وهكذا تبيين حقيقة موقف الحضارة المهيمنة القائمة على أساس الاستعلاء، والتفوق العنصري، والتمييز العرقي، وتنازع البقاء، وبقاء الأقوى …

عدنا إلى هذا الهدف فوجدنا أن الظروف القائمة كلها تنطق بالشهادات والوثائق على حقيقة هذا الفرق «بيننا» و «بينهم»، وتدعو إلى ضرورة استنطاق هذه الشهادات والمواقف لاستجلاء معالم مسيرة المستقبل ضمن إطار حوار الحضارات.

أولويـات الحـوار

ذكرنا أن مسألة تبيين حقيقة الموقف الإسلامي من الرأي الآخر ضرورة هامة من ضرورات الحوار الحضاري، خاصة في ظل الظروف الداخلية التي أعطت صورة غير صحيحة عن الإسلام نتيجة بعض التصرفات المتطرفة بين المذاهب أو التيارات، حتى شاع سلاح التكفير والتفسيق والإلغاء والإسقاط، وهذا كله نتيجة غياب ثقافة أدب الحوار، ونتيجة غياب التربية الإسلامية الصحيحة للسلوك والعقل على أساس الحجة والبرهان والدليل والموعظة الحسنة والمناقشة بالتي هي أحسن.

من هنا فالإعداد لحوار الحضارات يتجه إلى كشف حقيقة تراثنا الفكري، وهي عملية هامة تربوية لنا في الداخل، كما أنها ضرورية لتصحيح الصورة في الخارج.

وفي مسيرة الإعداد لهذا الحوار جدير بنا أن نستعرض تاريخنا لدن التطبيق العملي للحضارة الإسلامية في موقفها من الأديان الأخرى ومن أفكار الآخرين، ففي هذا الاستعراض سنرى الاتجاه العام للمجتمعات الإسلامية ينحو منحى التعايش السلمي مع الأديان على قاعدة من احترام الإنسان وتكريمه، ومنحى الانفتاح على أفكار الآخرين وترجمتها وأخذ المفيد منها، ومنحى إتاحة الفرصة للتيارات والمدارس المختلفة لأن تعبّر عن رأيها بحريّة، ولأن تشهد الساحة نقاشاً علمياً جادّاً في مختلف شؤون المعرفة الدينية والدنيوية. ولإن شذّت صور عن هذا الاتجاه العام، فقد كان وراءها مصالح الحكم التي استغلت العامة فأثارت عصبيات ضد هذا أو ذاك.

ومقابلَ هذا العرض النظري والعملي لتراثنا، لا بُدّ من استعراض موقف «الآخر» من الإسلام، جدير بنا أن نستعرض الروح الصليبية التي حشّدت الغرب لقرون متمادية من أجل محاربة العالم الإسلامي بالسلاح وبتشويه صورة المسلمين على يد المستشرقين، فهذا التاريخ له آثاره الواضحة اليوم على نفسية المسيحي الأوروبي تجاه الإسلام والمسلمين، ولا تزال هذه الآثار تتبلور في المواقف العملية والنظرية.

ثم إن الحروب الدامية التي شهدتها أوروبا نتيجة الصراعات الدينية أو العرقية أو المصلحية المادية لها جذورها العميقة في نفسية الإنسان الأوروبي، رغم ما تشهده الساحة الأوربية اليوم من وحدة قائمة على أساس المصالح المادية.

ولا يجوز في هذا السياق أن ننسى الدور الصهيوني الفاعل في الحياة الغربية والقرار الغربي، وهو دور يقوم على أساس عنصري استعلائي استئصالي دموي، وإن كان يرى من مصلحته اليوم الوقوف إلى جانب الغرب لمحاربة العالم الإسلامي.

الممارسات الصهيونية عالمياً ومحلياً من الأمور الهامة التي يجب أن يكشف عنها حوار الحضارات لمعرفة العقبات الرئيسية أمام هذا الحوار.

ومن أولويات الحوار الحضاري دفع الحوار في اتجاه معرفة «الإنسان». فهذه المعرفة ضرورية للوقوف على مدى جدوى الحوار. إذ لو كان الإنسان حلقة متطورة من السلاحف والديدان والقرود وكانت الحياة قائمة على أساس تنازع البقاء، وصراع المصالح المادية، فالعلاقة تقوم على أساس الظفر والناب، والحوار بالسلاح، لا بالفكر واللسان.

الحوار إنما يقوم بين البشر على خلفية الإيمان بالجانب المعنوي السامي في الإنسان. نزعة «الطين» وحدها لا تؤدي إلى تعايش سلمي، بل تدفع إلى صراع مصلحي محموم. والسلام والتعايش والتفاهم والحوار مقولات تتحقق في ظل نفخة روح رب العالمين في هذا الموجود البشري بالتعبير القرآني.

الدعوة إلى علاقة الحوار، هي دعوة إلى الاعتراف بالجانب الروحي من الإنسان، وتقوية الحوار لا تتحقق إلاّ بتقوية الجانب السامي من الإنسان… وهذا توجّه يدعم دور الدين في المجتمعات الإنسانية، ويركّز على رسالات الأنبياء التي تُجمع على تربية الجانب المعنوي الروحي من الإنسان كشرط لازم لتكامله وسموه وتحقيق أهدافه على ظهر الأرض.

والحضارات وراءها طاقة روحية، ويرى كثير من المفكرين أن الدين أساس وجود أية حضارة إنسانية، من هنا فإن «الحضارة» تقوم على أساس إنساني روحي والصراع المصلحي المادّي بعيد عن هذا الأساس، بل هو انحراف عن طريق بناة الحضارة الأوائل، وهو من أمارات السقوط والتدهور. من هنا فإن حوار الحضارات يتحمل مسؤولية الكشف عن حقيقة ارتباط الحضارة بالدين وبالطاقة الروحية التي يبعثها الدين في المجتمع، يتحمل مسؤولية تقديم فهم واضح موضوعي للحضارة وللعلاقات بين المجتمعات المتحضرة.

بقي أن نقول إن حوار الحضارات مشروع ضخم كبير يمكن أن يكون له - إن أحسنا استثماره - مردود إيجابي متعدّد النواحي على أمتنا الإسلامية. فمن جهة يحسّس أمتنا بموقعها على الساحة العالمية، وبالمكانة التي يجب أن تعتليها بين المجموعات البشرية. ومن جهة أخرى يرفعها إلى مستوى المسؤوليات الكبرى، وهي رفعة مطلوبة، بل ضرورية للتخلص من الهموم الصغيرة والمشاكل التافهة التي تبدو متعملقة بسبب غياب الأهداف الكبيرة.

أخطـار الحـوار

لا شك أنّ أية عملية اجتماعية كبرى تنطوي على ما يساوي حجمها من الأخطار إذا لم يكن لدى القائمين عليها تصوّر واضح للماضي والحاضر والمستقبل، ولم تكن لديهم آلية واضحة للتنفيذ.

هذه الأخطار تكمن بالدرجة الأولى في دخول عناصر لا يروق لها هذه الحالة الحوارية المتعقلة الإنسانية، لأن مصالحها تقتضي الاستعلاء والهيمنة والبطش وتقتضي دفع الآخر إلى الإحساس بالدونية والانقياد.

لو أخليت الساحة للشعوب لدخلت مع بعضها في حوار يستهدف تحقيق مصالحها الإنسانية ولحلت مشاكلها عن طريق التعارف والتفاهم، ولكن القوى المتجبّرة ترفض النديّة في الحوار، وتسعى لدفعنا إلى تعميق الإحساس بالهزيمة النفسية، ولا جدوى في الحوار إذا انعدمت الندية، كما لا جدوى في الحوار إذا كان أحد أطرافها مهزوماً نفسياً.

من هنا لا بدّ من إبعاد المهزومين عن ساحة الحوار، كما لا بدّ من بذل جهود علمية وثقافية مكثفة لاستجلاء فضل الحضارة الإسلامية على البشرية، وما يمكن أن يقدمه المشروع الإسلامي لإنقاذ البشرية من مآسيها وويلاتها المعاصرة، وعظمة المجموعة الحضارية الإسلامية معنوياً ومادياً.

مؤسسات الهيمنة العالمية مهتمة لاستدراجنا إلى مواقف لا تخدم مصالحنا، ومهتمة شديد الاهتمام لجرّنا إلى مواقف مهزوزة، وإلى صراع داخلي، والتخلي عن مبادئنا وهويتنا، وإلى الاعتراف بمرجعيتها الفكرية والسياسية، وإلى التشكيك بتراثنا وهويتنا، وما أكثر الذين سقطوا في هذا الاستدراج. فلا بدّ من الحذر، والحذر يكون بالاطلاع الكامل على الأساليب الملتوية المعروفة على الساحة العالمية في الاصطياد والإيقاع والإغراء، والتجهّز التام لمواجهتها.

ثم إن الحوار لا يعني أبداً الاستغناء عن «القوة»، لا يجوز أن نحسن الظن كثيراً بجدوى الحوار وحده في حلّ مشاكلنا مع الآخر، لابد من التجهز بكل ألوان القوّة، عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً، وعلمياً، وفنياً، فالعالم لا يستمع لكلام الضعفاء، بل يهتم بالإصغاء إلى الأقوياء.

والنفس الإنسانية مفطورة على حبّ القوي، والنداء الإنساني يجد طريقه إلى القلوب حين ينطلق من أناس أقوياء… فالحوار الحضاري لا يتنافى مع تقوية روح الجهاد والمقاومة والدفاع والاستعداد الكامل لمواجهة العدوان، وتقوية البنية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، بل بالعكس، كل ذلك يدعم الحوار ويدعم تواصله ويدعم النديّة الضرورية في المتحاورين.

أسـئلة تتطلب الإجابـة

بقي أن أقول إن طريق حوار الحضارات ليس بواضح المعالم، فالمنعطفات فيه كثيرة، والأسئلة المطروحة ضمن مساره كثيرة أيضاً. ولعلّ كثرة الأسئلة تعود إلى حداثة التجربة، فالتاريخ البشري مفعم بصور الصراع والغلبة والاستيلاء، ولم يسجّل لنا التاريخ تجربة عن دخول الأمم في حورا حضاري، اللهم إلاّ ما كان بعيداً عن علاقات المؤسسات الحاكمة، ومنها صور علاقات التفاعل بين الشعوب الإسلامية، وبين شعوب ما يسمى بطريق الحرير …

ولعل أول سؤال يطرح في مسار حوار الحضارات، هو ما معنى الحضارة؟

فالمصطلحات الرائجة في هذا الحقل مثل المدنية والثقافة والحضارة غير محدّدة في كلّ اللغات … وللحضارة وحدها تعاريف كثيرة جداً … وإذا اكتفينا بما تلقيه كلمة حضارة في الأذهان وهو تقدّم المجتمع البشري … فهل تقدم المجتمعات البشرية في الحقول المادية هو حضارة؟ هناك من يرفض ذلك، ولعلّ المنطق القرآني أيضاً يرفض ذلك، فالبناء المادي مرفوض إذا لم يكن قائماً على أساس معايير إنسانية، أو على معايير التقوى بالتعبير القرآني: أتبنون بكل ريع آية تعبثون! وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين! فاتقوا الله وأطيعون… (الشعراء: ١٢٨ - ١٣١) فالقوة المادية تكون سبب البطش والتجبّر إذا لم تكن مقرونة بقيم إنسانية ذات رصيد ديني. وهذا مشهود في التاريخ وفي حياتنا الراهنة.

والمجتمع المتحضر وفق هذا المفهوم هو المجتمع القائم على أساس قيم إنسانية ذات رصيد يؤمن لها الديمومة والبقاء والثبات والموضوعية، وليس ثمة رصيد في هذا المجال سوى الدين.

والسؤال الآخر المطروح في هذا المجال عن آليات التنفيذ، كيف نبدأ؟ ومن أين نبدأ؟ ومَن يحاور مَن؟ وكيف نبني أساساً لاستمرار هذا الحوار؟

وبعد فالسؤال الأهم عن جدوى هذا الحوار. فهو مجد حتماً على صعيد الشعوب، كي يفهم بعضها بعضا، ولكي تتعارف بالتعبير القرآني. ولكن هل هو مجد على صعيد القوى التي لا تفكر إلاّ بمصالحها المادية؟ ثم هل تستطيع الشعوب أن تتخلص في تفكيرها وقرارها من هيمنة القوى المتجبّرة؟ .

هل مسيرة التاريخ تتجه نحو سيطرة الشعوب على مقدراتها؟ وأخذها بزمام الأمور، وبلوغها مستوى من النضج الفكري والعقلي والعاطفي يؤهلها لإحلال علاقات حوار بدل العلاقات القائمة اليوم على أساس البطش؟ !

هذه الأسئلة وغيرها تستطيع أن تكون محور بحث ودراسة ضمن إطار حوار الحضارات، ولا نتوقع من عام واحد أن يجيب عليها، أو أن يقضي على الصراع الدامي الطويل في تاريخ البشرية، بل يمكن لهذا العام - إن أحسنا دخوله ومواصلته - أن يسجّل في التاريخ صفحة مشرقة من فصول ستتوالى لكتاب آخر يشهد على الموقف الإنساني للحضارة الإسلامية والدين الإلهي.

أشكر كل العلماء والأساتذة الذين لبّوا دعوتنا للاشتراك في هذا المحفل العلمي، خاصة من تجشّم منهم عناء السفر من خارج سوريا، وأشكر كل المسؤولين السوريين الذين يسّروا لنا سبل إقامته. والشكر موصول للإخوة العاملين في المستشارية على ما بذلوه من جهود.

والله من وراء القصد.

* - أستاذ في جامعة طهران - المستشار الثقافي الإيراني بدمشق.



[ Web design by Abadis ]