ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 كلمة الترحيب \ أ. أحمد مسجد جامعي *

أسلم أولاً وأرحِّب بالسيدات والسادة في هذا الحفل العلمي الكريم، وقبل كل شيء من المناسب أن أتقدم بالشكر إلى الدكتور آذرشب على اهتمامه بإقامة هذه الجلسات.

يسرّني أن يكون البحث حول حوار الحضارات قد بدأ في جمع من رجال العلم وبمقالات علمية قيّمة، وآمل أن نستثمر عطاء هذه الجلسات في تحقيق أهداف حوار الحضارات على الساحة العالمية وخاصة في ساحة العالم الإسلامي.

فكرة حوار الحضارات لو تناولها جمع من رجال الفكر والنخب المثقفة ودُرست أبعادها المختلفة بدقة وإمعان وانفتاح، ستؤدي إلى النتائج القيمّة المرجوّة، وغير خاف أن فكرة حوار الحضارات ذات حساسية نظرية وثقافية، كما أن عطاءها السياسي يتجه إلى تصفية الأجواء السياسية والتعايش.

من هنا فإنه يجب أن تدرس بدقة - من ناحية - في المحافل الفكرية، ومن ناحية أخرى لا بد من الاهتمام بمفعولها على صعيد السياسة العالمية، لذلك أرى أن التعامل بين هاتين المجموعتين، أعني النخب السياسية والفكرية سيعود بنتائج مثمرة وبنّاءة في هذا المجال.

وجمعنا هذا يتضمن ممثلين لشعوب، كانت يوماً منطلق الحضارات الكبرى. وهذه الأرض التي نجتمع عليها هي من الأصقاع الحضارية التي تبلورت حضارتها غالباً حول محور واحد من الأديان التوحيدية الكبرى. بمثل هذه الهوية ندخل ساحة حوار الحضارات لأن وجهنا الحضاري ممتزج تماماً بالوجه الديني، وهذا «الأنا» المحاور يحمل الوجهين معاً.

أريد من هذا المنظار أن ألج البحث، أي من منظار الوجه المعرفي للحضارة. الحضارة الإسلامية بصفتها الدينية والمعرفية التي تشخص بالفكر الفلسفي والآثار الثقافية والمدونات التاريخية. وأعتقد أن الحضارة الإسلامية - بسبب قيامها على أساس معرفي - اهتمت بشكل خاص بالحرية والعقلانية، وطبعاً لابدّ أن أضيف هنا أن قصدي من الحرية ليس هو الحرية السياسية بمعناها المتداول اليوم.

هذه الحضارة باتساع صدرها لأفكار المخالفين وآرائهم قد وفّرت الجوّ لعرض وجهات النظر المختلفة. ونشهد في التاريخ أن سعة الصدر هذه كلّما ضاقت، قلّ التنوع الفكري، وضاقت دائرة العقلانية أكثر، مما يؤدي إلى أفول هذه الحضارة.

ومن نماذج هذا الاستيعاب الحميد نستطيع أن نذكر وقفيّة «ربع رشيدي» ووقفيّة «مدرسة خان» في شيراز. ففي وقفيّة ربع رشيدي ينصّ الواقف على تخصيص ميزانية لترجمة مجموعة من الكتب سنوياً إلى العربية والفارسية (اللغتين العلميتين آنئذ)، وإرسالها إلى البلدان الأخرى، والمخاطبون في هذه الوقفية هم أهل الصين والهند، وهما من الأقاليم الحضارية الكبرى يومذاك.

وفي وقفية مدرسة خان بشيراز يخصص الواقف ريع الموقوفة على إرسال بعثة من أفراد هذه المدرسة إلى أرجاء العالم ليجمعوا الكتب المختلفة في دائرة العلوم والمعارف والحكمة، أو ليستخدموها ويضعوها تحت تصرف طلاب المدرسة. هذه الحركة توقفت برهة من الزمن، ولا عجب أن تكون هذه الوقفة مقرونة تقريباً بعصر بدء أفول الحضارة الإسلامية، وبنموّ الحضارة الغربية وازدهارها أيضاً.

كنت أسائل نفسي دائماً: لماذا رحّب الغربيون بنظرية حوار الحضارات أكثر من الشرقيين؟ يبدو أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الحوار والتعامل وقابلية الإنتاج الحضاري، لأن الحوار لا يوفّر فرصة معرفة الآخر فحسب، بل إن ساحة الحوار توفّر فرصة معرفة الذات ومعرفة الامكانيات معاً.

إن أول آثار الحوار هو الدخول في عالم المعرفة، معرفة الذات، أو بعبارة أخرى، معرفة الهوية الشخصية. وقسم من معرفتنا يحصل بالمقارنة مع الآخر، أي أننا نعرف أنفسنا في مرآة الآخر. تماماً كما عرف الغرب نفسه. هذه المعرفة تحصل عن طريق النخب الفكرية، والحوار يؤدي - بطبيعته - إلى الكشف عن الذات وعن الإمكانيات، وعن القيود، وعن المحيط.

الحوار كذلك يساعد على إدراك المشترك في الآفاق، وبهذا يخلق الانسجام والتعاضد والتفاهم، والبحوث التي دارت في هذه الجلسة كشفت مدى حاجتنا إلى معرفة الذات والآخر والمشترك. المعرفة المشتركة التي تحصل عن طريق الارتباط المباشر ودونما واسطة مع الآخر.

التعارف بين المجتمعات الإسلامية يتم اليوم عبر القنوات الغربية، فعلى سبيل المثال، عرف الشرق السينما الإيرانية بعد أن تحدث عنها الغرب. والمجتمعات الشرقية أقبلت على تلكم الأفلام التي سلّط الغرب الأضواء عليها. ولو أمكن الارتباط المباشر مع ثقافة إيران وفنها فربما اهتم الشرق بأنواع أخرى من الأفلام والفنون الإيرانية.

وفي الحقول الثقافية الأخرى أيضاً يسود وضع مشابه، ففي العالم الإسلامي شخصيات مرموقة في نتاجها الفكري والثقافي، لكن نتاج هؤلاء غالباً ما يبقى محدوداً في الدائرة المحلية، ولا تحظى بالشهرة. ففقدان الارتباط الداخلي بين البلدان الإسلامية يؤدي إلى أن تبقى ثرواتنا الفكرية مجهولة خارج الإطار الجغرافي الإسلامي. ولو قُدّر لها أن تُعرف فإنما يتم ذلك عن طريق الغربيين.

اسمحوا لي أن أواصل حديثي باستشهاد هو عبارة عن قول للسيد خاتمي: «الهدف من حوار الحضارات هو بلوغ الحرية، والأمن، والعدالة، والرقي الروحي، أو بالتعبير الدارج الرقي الأخلاقي».

ظروف عالمنا المعاصر تبرز بجلاء أكثر الضرورات المذكورة، فنحن نواجه اليوم مسألة العولمة، والعولمة تشق طريقها بدون إرادتنا، والعولمة تحت شعار توحيد الثقافات تستهدف إزالة التنوع الثقافي. والعولمة وإن اتخذت ظاهراً اقتصادياً، فهي ذات جانب ثقافي أهم بكثير. وإذا حققت أهدافها في النهاية فسيكون لها أبعاد مرعبة، ولو فُرض ما يسمى بالتوحيد الثقافي لم يبق ثمة مجال للحوار. ذلك أن شرط الحوار هو قبول التعددية، قبول حقّ الاختلاف والحرية والتعقّل. فالحوار يعني الوصول إلى إدراك مشترك عن طريق تبادل المعاني والأفكار. لذلك فإن أي تيار وأية مؤسسة ترفض هذه الشروط فإنها تعمد إلى سدّ طريق الحوار. لذلك يضع السيد خاتمي الحرية والأمن باعتبارها هدف الحوار وشرطه.

ثمة جناحان فكريان يتخذان عملياً موقفاً معارضاً للحوار: المنهزمون تماماً أمام الغرب… المؤمنون بعدم إمكان تحقيق تقدم إلاّ عن طريق تقبّل الثقافة الغربية تقبلاً تاماً، ورفض الثقافة الذاتية، والمجموعة الأخرى هي التي سدّت الطريق أمام التغيير والتطوير واعتبرت نفسها مستغنية عن معطيات التطور الغربي. فلا ذلك الانفتاح المنفلت غير المنضبط، ولا هذا الانغلاق المنعزل المسدود يؤدي إلى الحوار.

والنديّة ضرورة من ضرورات الحوار، وتعني عدم الانبهار، وعدم الإحساس بالدونية إزاء الطرف الآخر. وعلى سبيل المثال: فإن الثورة الإسلامية لا تنظر إلى أمريكا باعتبارها شأناً فريداً متسامياً، لكن أمريكا ترى لنفسها هذه المنزلة. لذلك فإن الحوار متوقف معها على الصعيد السياسي لعدم وجود الندية، ففي الظروف المتساوية فقط يمكن البحث عن المصالح المشتركة عن طريق الحوار.

إذاً فالحوار طريق مليء بالتعرّجات، ولا يمكن أن نتوقع حصول كل شيء عن طريق الحوار، ولا بالإمكان الحصول على نتائجه بسرعة. وثمة موضوعات مختلفة مثل: الدين، الأسرة، مكانة المرأة، البيئة الطبيعية، وهي من المسائل التي تدخل حيّز الحوار. وعلى هذا الصعيد لا بدّ من تعيين الأولويات، وتشخيص الأخطار والتهديدات المشتركة، والتوصل إلى الآليات المشتركة، باعتبارها من المراحل المختلفة لحوار الحضارات.

إن طرح مسألة حوار الحضارات في الأمم المتحدة، والمصادقة على المشروع في أعلى المستويات التنفيذية الممكنة، وعدم طرحها في مؤسسة تابعة كاليونسكو يدلّ على تعدّد الجوانب في أهمية المشروع، ولا بدّ أن تشقّ النظرية طريقها في الساحات السياسية والاقتصادية والثقافية.

أنا مؤمن بأن الخطوة الأولى للحوار يجب أن تنهض بها النخب الفكرية والثقافية، وأن أول خطوة لا بدّ أن تتجه إلى إعطاء مفهوم جديد للإنسان يبعده عن المفهوم الذي يرى فيه آلة للانتعاش الاقتصادي. وبديهي أننا لا ننظر إلى هذا المشروع على أنه مشروع إيراني، ونأمل أن يدخل هذه الساحة الهامة كلّ المفكرين من جميع أرجاء العالم.

ومن أجل قوة التنسيق واستثمار عطاء المفكرين نقدم إلى العالم برنامجاً يستهدف التعرّف في نهاية سنة ٢٠٠١ على أفضل نتاج فكري في هذا المجال، ونأمل أن نستفيد في تحقيق هذا البرنامج من مساعدتكم. وهذا التجمع يشكل الخطوة الأولى، وهو حتماً ليس بآخر خطوة، فسنة ٢٠٠١ هي سنة حوار الحضارات لكنها ليست سنة نهاية هذا الحوار.

* - وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.



[ Web design by Abadis ]