ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 ملحمتان عربيتان فـي الإمام علي

بمناسبة انعقاد مؤتمر (الإمام علي والقيم الإنسانية والإسلامية (فـي دمشق نقف قليلاً عند ملحمتين عظيمتين من أعظم ملاحم الشعر العربي، الأولى: (ملحمة الإمام علي أو القصيدة العلوية المباركة (لعبد المسيح الانطاكي، والثانية: (عيد الغدير (لبولس سلامة.

الأولى: لشاعر حلب الشهباء عبد المسيح بيك الأنطاكي، من أول دعاة النهضة العربية وصاحب مجلة (الشذور (وجريدة (الشهباء (. وقصيدته العلوية أول ملحمة عربية هائية على الاطلاق، وتعتبر تسجيلاً رائعاً لتاريخ صدر الإسلام، وبلغ عدد أبياتها / ٥٥٩٥ / بيتاً، بدأها سنة ١٩١٧ وانتهى منها فـي العام التالي، يبدأها بقوله:

بحمد ربّي فليحمَده قاريها

أزين ملحمتي الغرّا وأجليها

ويختتمها بقوله:

وها إخالكم تستنشِدونيها

أردت خيركم فـي نظم ملحمتي

وبعد أن يبين سيرة الإمام علي يخاطب العرب قائلاً:

ل المجد ما نالَه إلاّ مخطّيها

فلنتبع خطوات المرتضى لننا

ربّي بنهضتكم مجداً وتجويها

ويا بني العَربَ الأجواد زادَكم

ومن الرائع فـي هذه الملحمة أن الشاعر تولّى شرح أبياتها بنفسه وأشرف على طباعتها بنفسه أيضاً. يقول فـي المقدمة:

(وإني - وإن كنت أعرف عجزي وأعترف به - فقد أقدمت على وضع هذه القصيدة العلوية المباركة على طراز يصحّ لي أن أقول أنّ شعراء العرب لم ينسجوا على منواله، ولا أتوا بمثاله، فهي نسيج وحده، جمعت فأوعت سيرة أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب، وجاءت القصيدة على طولها بوزن واحد، وقافـية واحدة، فكانت ملحمة عربية فذّة فـي بابها مطربة قلوب قرّائها وطلابها ( (الملحمة / ص١١).

وأما الملحمة الثانية فتحت عنوان (عيد الغدير (لبولس سلامة. يقول فـي المقدمة:

وربّ معترض قال: ما بال هذا المسيحي يتصدى لملحمة إسلامية بحتة؟ أجل إنني مسيحي ولكن التاريخ مشاع للعالمين.

أجل إني مسيحي ينظر من أفق رحب لا من كوة ضيقة، فـيرى فـي غاندي الوثني قديساً، مسيحي يرى (الخلق كلهم عيال الله) ويرى أن (لا فضل لعربي على عجمي إلاّ بالتقوى).

مسيحي ينحني أمام عظمة رجل يهتف باسـمه مئات الملايين من الناس فـي مشارق الأرض ومغاربها خمساً كل يوم. رجل ليس فـي مواليد حـواء أعظم منه شأناً، وأبعد أثراً وأخلد ذكراً. رجل أطل من غياهب الجاهلية فأطلت معه دنيا أظلها بلواء مجيد، كُتب عليه بأحرف من نور: لا إله إلاّ الله ! الله أكبر !

قد يقول قائل، ولمَ آثرت علياً دون سواه من أصحاب محمد (ص) بهذه الملحمة؟ ولا أجيب على هذا السؤال إلاّ بكلمات، فالملحمة كلها جواب عليه، وسترى فـي سياقها بعض عظمة الرجل الذي يذكره النصارى فـي مجالسهم فـيتمثلون بِحكَمِه ويخشعون لتقواه، ويتمثّل به الزهّاد فـي الصوامع فـيزدادون زهداً وقنوتاً، وينظر إليه المفكر فـيستضيء بهذا القطب الوضّاء ويتطلع إليه الكاتب الألمعي فـيأتم ببيانه، ويعتمده الفقيه المدرك فـيسترشد بأحكامه.

أما الخطيب فحسبه أن يقف على السفح، ويرفع الرأس إلى هذا الطود لتنهلّ عليه الآيات من عَلُ، وينطلق لسـانه بالكلام العربي المبين الذي رسّخ قواعده أبو الحسن إذ دفعها إلى أبي الأسود الدؤلي فقال: أنح هذا النحو. وكان علم النحو. ويقرأ الجبان سيرة علي فتهدر فـي صدره النخوة وتستهويه البطولة، إذ لم تشهد الغبراء، ولم تظل السماء أشجع من ابن أبي طالب، فعلى ذلك الساعد الأجدل اعتمد الإسلام يوم كان وليداً، فعليّ هو بطل بدر وخيبر والخندق وحنين ووداي الرمل والطائف واليمن.

وهو المنتصر فـي صفـين، ويوم الجمل، والنهروان، والمدافع عن الرسول يوم أُحد، وقيدوم السرايا ولواء المغازي.

وأعجب من بطولته الجسدية بطولته النفسية، فلم يُرَ أصبر منه على المكاره. إذ كانت حياته موصولة الآلام منذ فتح عينيه على النور فـي الكعبة حتى أغمضهما على الحق فـي مسجد الكوفة. «(الملحمة ص ١٠ - ١١).

تبدأ الملحمة بقوله:

عزمة منك تبعث الصخر حيا

يا مليك الحياة أنزل عليا

وفـي آخرها يقول:

واخشعي، إنني ذكرت عليا

ياسماء اشهدي ويا أرض قرّي

ويؤرّخ نهايتها فـي ٤ حزيران سنة ١٩٤٨ بيروت.

د. محمد علي آذرشب



[ Web design by Abadis ]