ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مشكلة الجوع و التراث

مرة أخرى تصدرت مشكلة الجوع فـي العالم قائمة أخبار الساحة البشرية، وبدأت الفضائيات تتناقل صوراً رهيبة من مجاميع بشرية بطونهم خمصى، وشفافهم ذابلة، وأضلعهم ناتئة، ومن شدة جوعهم تقلصت معدتهم وأمعائهم حتى لم يعد بالإمكان تغذيتهم عن طريق المساعدات… وتفشت فـيهم الأمراض حتى بدا العجز على العاملين فـي منظمات الصحة العالمية عن معالجتهم.

وبين آونة وأخرى نسمع أنباء إحصائيات مرعبة عن الفقر والجوع فـي العالم حتى أصبحت بعض الشعوب تحمل لقباً دائمياً هو الشعوب الفقيرة، وكأن الفقر يراد له أن يكون طابعاً دائماً لهذه الشعوب. ربما يعود ذلك إلى ضرورة تقتضيها مصلحة الأغنياء الأوربيين الذين قال ناطقهم آرثر يرنج فـي القرن الثامن عشر: " لا يجهلن سوى الأبله أن الطبقات الدنيا يجب أن تظل فقيرة، وإلا لن تكون مجتهدة "…

إذن لا بدّ أن يبقى الفقراء على فقرهم كي يتحولوا إلى وقود لمصانع الأثرياء وطاقة رخيصة لادارة عجلة اقتصادهم.

نحن نشهد بوضوح إهمالاً متعمداً للملايين البشرية التي تشرف على الموت من شدة الجوع، وكأنه يراد لهم أن يموتوا ليتخلص المترفون فـي العالم من عبئهم. أليس هذا تحقيقاً لمقولة أوربية أخرى وردت على لسان مالثوس إذ يقول: " ليس للذي يولد فـي عالم تمّ امتلاكه حق فـي الغذاء إذا ما تعذّر عليه الظفر بوسائل عيشه عن طريق عمله أو أهله، فهو طفـيلي لا لزوم لوجوده، إذ ليس على خوان الطبيعة مكان، والطبيعة تأمره بالذهاب، ولا تتوانى فـي تنفـيذ أوامرها ".

هذه العقلية البعيدة عن الروح الإنسانية هي وراء كل ما يشهده العالم من فقر وجوع، بل ما يشهده من كل ألوان الظلم والاستعباد والاسترقاق. هذه العقلية هي التي تبعث على احتكار ٨٠% من ثروات العالم بيد ٢٠% فقط من سكان المعمورة، ولا يبقى لـ ٨٠% من البشر سوى ٢٠% من ثرواته. هذه العقلية هي التي تبدل نعمة الله كفراً، وتجعل الملايين يحلون دار البوار.

هذه العقلية السائدة فـي الكارتلات الاقتصادية الغربية تتعمق يوماً بعد يوم، وتخلق المزيد من المشاكل الاقتصادية، بل ومن أجل تحقيق المزيد من الأرباح والمكاسب تخلق الأزمات السياسية والأمنية فـي بقاع العالم، وتفرض المقاطعات هنا وهناك، وتقصف الشعوب بتهم واهية معدّة مسبقاً، وتطيح بالحكومات بكل صلافة ووقاحة، وتناصر الظالمين المعتدين دون أيّما تستر.

وفـي كل يوم نشهد مأسـاة تُنحر فـيها القيم الإنسانية على مذبح شهوات هؤلاء الأغنياء، وتُقدم الشعوب قرابين لأصنام المال والثروة وجبابرة السلطة الاقتصادية.

وهذه مشكلة " أخلاقية" لا ترتبط بتقدم العلوم والتقانة، بل ترتبط بالمحتوى الداخلي للإنسان. وليس فـي العقلية الأوربية المادية المعاصرة أدنى حل لهذه المشكلة… الحل فـيما قدمته الأديان السماوية لاغير…

الدين أولاً يعلن أن المشكلة الاقتصادية نابعة من الإنسان نفسه حين يقرر فـي الآية الكريمة: (الله الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماءاً، فأخرج من الثمرات رزقاً لكم، وسخر لكم الفلك لتجري فـي البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفّار (.

فهذا الكون الفسيح كله مسخر لمنفعة الإنسان ولمصلحته، ولكنه ظلوم كفّار كما تقرر الآية.

فالظلم والكفران سبب هذه المشكلة الاقتصادية… الظلم فـي سوء التوزيع، والكفران فـي إهمال الإنسان لاستثمار معطيات الطبيعة.

ويعلن الإسلام أن الطبيعة ليست هي سبب جوع الفقراء، بل هو بسبب سوء التوزيع وفساد العلاقات.

يقول النص الديني: "ما جاع فقير إلا بما مُـتّع به غنّي".

الإنسان إذن هو سبب المشكلة، وهو القادر على حل المشكلة حينما يقيم علاقات مع هذا الكون تسمو على العلاقات المادية، ويعيش الوسط الذي يحيطه وفق مقاييس فكرية وروحية.

ثم إن الدين يحل التناقض بين المصلحة الذاتية والمصلحة العامة، والتناقض هذا هو أساس الجشع والطمع والاستئثار فـي التاريخ البشري، والدين لا يقضي على المصلحة الذاتية لأنها نزعة متأصلة فـي النفس الإنسانية، بل يوجّه الدافع الذاتي توجيهاً يرتفع عن مستوى الأرض ويربطه بالعالم الآخر، مما يجعل الإنسان المؤمن يضحي بماله ودمه أحياناً فـي سبيل المصلحة الاجتماعية منتظراً العوض المضاعف فـي الآخرة.

فالمصلحة الاجتماعية مضمونة، والمصلحة الفردية مضمونة أيضاً. ولا يمكن للمصلحة الذاتية للإنسان أن تكون إيجابية ومعطاءة فـي أي إطار كالإطار الذي يصوغه لها الدين، وكالمنهج الذي يقدمه، حين يربي الإنسان على مفاهيم: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها (، (يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره (.

وليس هذا المشروع " الأخلاقي " للدين مجرّد نظرية تُدّعى، بل نشهد اليوم اندفاع الملايين لاداء فريضة الزكاة والنهوض بأعمال البر والاحسان والخير، والأخذ بيد الفقراء والأيتام و… عشرات الأعمال الأخرى التي تعتبر من عطاء هذا المشروع الأخلاقي.

ولو قدر لهذا المشروع أن يسود الساحة العالمية وتُجند له وسائل التربية والتوجيه والإعلام لصنع عالماً زاخراً بمشاعر العدل والرحمة ولاجتثّ ما أمكن اجتثاثه من دوافع الشر والظلم من نفس البشرية التي مُنيت بمناهج لا تفهم للتربية النفسية والصياغة الداخلية معنى، وإنما نظمت الشكل الظاهري من علاقة الإنسان بمحيطه المادي، فراح هذا الإنسان وفق هذا المنهج الذي لايمسّ جوهره يعيث فـي الأرض فساداً، ويتفنن فـي وسائل الدمار والتخريب.

هذا المشروع الأخلاقي لمعالجة المشكلة الاقتصادية هو أهم ما يستطيع المحاور الشرقي - انطلاقاً من تراثه - أن يحمله فـي حواره مع الغرب.

وإذا كان الوقر قد ملأ آذان الطواغيت وجعل قلوبهم فـي أكنّه، فإن شعوب العالم بما فـي ذلك الشعوب الغربية والاميركية تصيخ السمع حتماً لنداء الفطرة، فقد هبت هذه الأيام فـي عقر دار الاستكبار تعلن رفضها للظلم الاقتصادي المهيمن على الساحة العالمية.

د. محمد علي آذرشب



[ Web design by Abadis ]