ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 لن يخرج العرب من التاريخ

حين سمعت بصدور كتاب "كلالم يخرج العرب من التاريخ ولن يخرجوا منه" لمؤلفه الدكتور المحامي أحمد عمران الزاوي هرعت لاقتنائه لما فـي العنوان من نغمة تحرك فـي نفسي عواطف عميقة عمق المجد الحضاري لهذه الأمة وحين قرأت تمهيد الكتاب وجدت أن المؤلف اندفع بنفس هذه العواطف فـي تأليفه حين استثاره عنوان لكتاب هو "خروج العرب من التاريخ" لفوزي منصور.

فصول الكتاب بأجمعها تنبض بحياة دافقة تأبي أن تعترف بالموت، وتصر على البقاء والحياة والحركة، وهي ظاهرة مشهودة فـي حياتنا الثقافـية العامة، على صعيد الفكر والأدب والفن، نرى المؤشر العام رغم نوسانه وتأرجحه يتجه نحو التأكيد على بقاء الهوية الحضارية لهذه الأمة.

قد يكون السبب وراء هذه الظاهرة الطبيعية الإنسان المغلوب الذي يدفعه واقعه السيئ للهروب منه إلى أمجاد الماضي، لكن هذه الأسباب الطارئة لا يمكن أن تستمر طويلاً، بينما هذه الأمة تصارع من أجل البقاء والحياة والحركة منذ قرون بعيدة بعد أن عصفت بها أمواج الفتن الداخلية والخارجية، وأقل تلك المدة قرنان، أي منذ بداية فتنة الغزو الأوروبي.

والواقع أن الغزو الأوروبي كان هو الفتنة الكبرى لهذه الأمة بسبب اقتران ظروف هبوط المنحني الحضاري لأمتنا مع ظروف التطور السريع الذي شهدته أوروبا فـي جميع المجالات ورغم ذلك بقي هذا المغلوب يسجل انتصارات فـي عقر دار الغالبين فـي فكره وعقيدته وفنه وتقاليده، رغم ما مُني به من هزائم عسكرية وسياسية واقتصادية.

السبب وراء ذلك يعود - كما أرى - إلى وجود مثل أعلى يعيش فـي أعماق وجدان هذه الأمة، ينعش ذاكرتها التاريخية، ويستحثها دوماً إلى نوع من التفوق الحضاري، ويشعرها باستقلال الشخصية، وقوة الهوية وثراء الرصيد.

هذا المثل الأعلى مستمد من الأديان السماوية التي انبثقت فـي هذه المنطقة الحضارية، ودعت البشر إلى أن يتجهوا نحو تحقيق القيم الإنسانية على ظهر هذه الأرض، ويسعوا من أجلها ويضحوا فـي سبيلها بكل غال ونفـيس.

لقد أوحى البشير الغربي إلى أبناء المنطقة أنه يحمل نفس هذه القيم التي تؤمن بها أمتنا ولذلك هب من الشرقيين من يدعو إلى الانضواء تحت لواء الغرب، أما حين انكشف الوجه الحقيقي للغزاة، ارتد نفس دعاة الغرب هؤلاء نحو قيمهم الأصلية، والأمثلة على ذلك فـي مصر والشام والعراق وإيران وشبه القارة الهندية كثيرة.

هذا الإيمان بالقيم الإنسانية هو الذي يمد إنسان هذه المنطقة بالحياة وقدرة البقاء والحركة، بل وبالهجوم المضاد أحياناً فـي أسوأ حالات التراجع الاقتصادي والسياسي والعسكري.

فـي أسوأ ظروف لبنان وفـي أفضل أوضاع أمريكا يعود ميخائيل نعيمة ١٩٣٢ من مهجرة فـي أمريكا بعد غربة دامت عشرين عاماً إلى قريته فـي لبنان (بسكنتا) وفـي أول خطاب أمام أهل قريته قال: منذ عشرين سنة أدرت وجهي إلى البحر (أي إلى الغرب) وظهري إلى صنين (جبل فـي القرية) واليوم صنين أمامي والبحر ورائي وأنا بين الاثنين كأني فـي عام جديد، وكأني ولدت ولادة ثانية… ويرفض نعمية إمكانية التوفـيق بين مادية الحضارة الغربية وروحانية الشرق فـيقول فـي ذلك الخطاب:

"ما أبعد السلام المخيم فـي جبالكم عن الجلبة المعسكرة فـي مدينة كمدينة نيويورك! فعلام تصرن على تزويج سلامكم من تلك الجبلة؟ "

"سلامكم هو أنفاس العزة القدسية المنبعثة من صخوركم وترابكم وأعشابكم وتلك الجلبة هي تطاحن المطامع والأهواء البشرية فـي سبيل الريال. والاثنان لا يتزاوجان ولن يتزاوجا. وليس أضل ممن يعتقد أن بإمكانه التوفـيق بين ريال نيويورك وسلام صنين. فريال نيويورك نقاب كثيف يحجب وجه الله، وصنين عرض من طهارة يبدو عليه وجه اله سافراً. من اختار منكم ريال المهجر وكل ما فـي قلبه من جلبة لا تستكن، فليطلق سلام صنين.

"إنكم تفاخرون كل المفاخرة بتاريخ بلادكم فتدعونها "مهد الأنبياء" فما نفعكم من هذا المهد وقد أصبح اليوم عشاً طار منه فراخه؟ ما نفعكم من أنبيائكم ما لم يشع نورهم فـي قلوبكم؟ أراكم قد دفنتموهم فـي بطون الكتب وفـي ظلمات المعابد ويا ليتكم تدفنونهم فـي أرواحكم… يا أبناء بلادي لا يبهرنكم برق يلعلع فـي عيون المدينة الغربية إنه برق خلب، ولا يهولنكم رعد يزمجر فـي صدرها إنه لحشرجة الموت، ولا يحزننكم إن لا علم لكم يخفق فـي مقدمة أعلام الأمم فإنني لست أرى بين تلك الأعلام ولا علماً لاأثر فـي للدم والاغتصاب والتهويل والإرهاب"!

بهذه القيم التي يعبر عنها نعيمة كتب لأمتنا البقاء والحركة على ساحة التاريخ، وحياتنا وبقاؤنا على طريق المسيرة التاريخية مرهون فـي محافظتنا على هذه الحق الذي بشرت به أديان السماء.

د. محمد علي آذرشب



[ Web design by Abadis ]