ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 ثقافـة الحـوار

مؤتمر "كيف نواصل مشروع حوار الحضارات" كان فرصة مهمة لمراجعة "الذات" باعتبارها مقدمة ضرورية للدخول فـي الحوار مع الآخر".

والواقع إن هذه التظاهرة الثقافـية كانت فرصة جيدة للكشف عن مواقع قوتنا ونقاط ضعفنا، وهو كشف لازم للمراجعة وإعادة النظر والتصحيح باعتبارها من مستلزمات تقدم مسيرة كل أمة.

لقد كشف المؤتمر أولاً أهمية القضية المطروحة اليوم تحت عنوان "حوار الحضارات" باعتباره الطريق الوحيد الذي لابدّ منه لتوجيه مسيرة البشرية نحو ساحل الأمن والسلام. والواقع إن "الحوار" ليس هو السبيل الأمثل للعلاقات بين الأمم والشعوب فحسب، بل هو أيضاً السبيل الأمثل للعلاقات بين أفراد وتيارات وفئات المجتمع الواحد.

بعض أوراق المؤتمر ركزت على معنى الحـوار، وأبرزت خِللاً مهماً فـي فهمنا لمعناه، وفـي عدم تفريقنا بينه وبين "الجدل".

الحوار يعني وجود جانبين يريد كل منهما أن يسمع كلام الآخر ليأخذ منه ما هو مفـيد، وفـي حضارتنا دعوة إلى هذا اللون من الاستماع: (الذين يستمعون القول فـيتبعون أحسنه (.

ولقد انتهجت حضارتنا هذا اللون من الحوار عملياً تجاه الحضارة الفارسية والهندية واليونانية والرومانية حين أخذت منها ما هو مفـيد فـي كل العلوم ومثلتها فـي جسدها العلمي والثقافـي، وأعطت أيضاً للآخر ما جعل كلّ كتاب تاريخ الحضارات يتحدثون عن فضل الحضارة الإسلامية على الحضارات العالمية الأخرى ولاسيما الأوروبية.

هذا هو الحوار…. أن يكون أحد الجانبين متحدثاً تارة (مقدما عطاءه) والثاني مصغياً مستمعاً (آخذا ما هو مفـيد) ثم يتبادل المتحدث والمتلقي الدور بعد ذلك.

أما الجدل فليس فـيه إصغاء، كلا الجانبين يتحدثان… أحدهما يتحدث بصوت، والآخر يتحدث مع نفسه ليستعد إلى مواجهة الآخر وإلجامه وإفحامه. ليس فـي الجدل استماع، وليس ثمة تعاط.

الحوار… فـيه هدف يتناسب مع تطلع الإنسان إلى السمو والرقي والتقدم… والجدال يعبر عن روح الخصومة والعداء والغلبة.

وكلتا الطبيعتين موجودتان فـي نفس الإنسان… الأولى ترتبط بما فـي الإنسان من روح الله (ونفخت فـيه من روحي (والثانية تنطلق من نزعة الطين بكل ما يرمز إليه من انحدار (وبدأ خلق الإنسان من طين (.

والمحاور لا يقول لصحابه أنا على حق مطلقَ… وأنت على باطل مطلق بل يقوله له: (وإنا وإياكم لعلى هدى أو فـي ضلال مبين (ثم بعد أن يتواصل الحوار تتبين نقاط الهدى والضلال. لكن المجادل لاهدف له إلا أن يتشبث بكل وسيلة حتى ولو كانت باطلاً ليدحض به الآخر حتى ولو كان على حق: (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق (…

هذه الروح الحوارية التي ركز عليها تراثنا لم تكن على المستوى النظري فحسب، بل تحولت إلى ثقافة عامة تمثلت فـي الحوار بين الأديان والمذاهب والتيارات الفكرية على مرّ تاريخ أمتنا… ومكتباتنا تضم كنوزاً عظيمة من التعليقات والشروح والردود والنقض… كلها تمثل حواريات علمية فـي تراثنا.

"ابن سينا" يقدم نظريته العلمية المتميزة التي بهرت الألباب والعقول فـي زمانه، ومن أجل التخلص من حالة الانبهار هذه يكتب "الشهرستاني" كتاب "المصارعة" يردّ فـيها على آراء ابن سـينا، ثم يأتي "نصير الدين الطوسي" فـيعتقد أن ثمة خللاً وضعفاً فـي هذا المصارع فـيصارعه (علمياً) فـي كتاب: "مصارعة المصارعة"… وهكذا الأمر فـي حقول الطب والهندسة والفلك والكيمياء والعلوم الإنسانية والإسلامية.

حواش نقدية على متون، ونقد على الحواشي، وشروح وتعليقات كلها تحكي روحاً حضارية علمية شقت طريقها بأعجوبة خلال قرون، وسط أمواج من الأوضاع الاجتماعية والسياسية المضطربة المتأزمة نتيجة لانحراف الأجهزة الحاكمة.

بعد هذا، فالحوار تربية، فـي البيت والمدرسة والشارع، العلاقة بين الأب وأبنائه داخل الأسرة لابد من أن تكون علاقة حوار، يستمع كلّ منهما للآخر ليأخذ منه… الأب له تجربة الماضي، والابن له خبرة العصر، والحوار بينهما مفـيد، يؤدي إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة، لكن هذه الفائدة تتبدد حين يستهين الابن بكل ما هو ماض، ويستهين الأب بكل ما هو جديد… فتتحول العلاقة إلى جدل وإفحام، وإذا نشأ الأبناء على الجدل والخصام تنتقل هذه التربية إلى الشارع والسوق وإلى كل العلاقات الاجتماعية والفكرية.

وهكذا العلاقة بين الأستاذ والطالب، والعلاقة بين الصديق والصديق، لابد من أن يسودها روح التعاطي كي تكون حواراً يغني ويثري ويدفع إلى كمال العقل وجمال النفس وانطلاق الروح وتفجر الإبداع.

ولا يقتصر الأمر على "الحوار" بل كل الشعارات التي نتغني بها عن إيمان تارة أو لكي نكون "تقدميين جداً" تارة أخرى مثل الحرية والديموقراطية والمجتمع المدني… هل مارسناها فـي تعاملنا نحن أفراداً وجماعات داخل الأسرة الواحدة وداخل المجتمع الواحد؟ !

كل تلك الشعارات تقوم على مبدأ واحد هو احترام كرامة الإنسان، فهل أنا مؤمن حقاً بهذه الكرامة؟ وهل أنا أمارسها فـي تعاملي مع الآخرين كما أريد من الآخرين أن يمارسوها معي؟ كل هذه القيم تحتاج إلى تربية وإلى أن تتحول إلى ثقافة عامّة وإلى ممارسة يومية لكل فرد من أفراد المجتمع.

نعود إلى مؤتمر "كيف نواصل مشروع حوار الحضارات". لقد طرح المؤتمر هذا النقد الذاتي… ولكن الحاجة ماسّة لتعبئة جهود مؤسسات الثقافة والإعلام والتعليم فـي كل بلدان أمتنا كي ننشر ثقافة "الحوار" فـي عملية لازمة لتأهيل أمتنا للدخول إلى الساحة العالمية بجداره.

د. محمد علي آذرشب



[ Web design by Abadis ]