ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفرق بين الطائفـية و المذهبية

كثيرة هي الكتب التي تناولت الطوائف المسلمة فـي التاريخ والواقع، تحت عناوين الملل والنحل والفرق والمذاهب، أو تحت عناوين فقهية أو كلامية أو تاريخية. لكن كتاب "قصة الطوائف" للدكتور فاضل الأنصاري يختلف عنها جميعاً.

باعتباري من المهتمين بأمر المذاهب بحكم عملي فـي المجمع العالي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ودوري فـي إصدار مجلة "رسالة التقريب" العلمية المحكمة، تابعت ما أتيح لي أن أتابعه من دراسات فـي هذا المجال، فلم تقع عيني على كتاب بمنهجية "قصة الطوائف" وموضوعيته وموسوعيته.

أهم ما فـي هذا الكتاب أنه يقف أمام حقيقة هامة من حقائق تاريخنا الإسلامي هي التفريق بين "المذهبية" و"الطائفـية". فـيرى أن المذهبية "واحدة من مفردات النهوض ومقوماته، فـيتسق تباين المناهج وتنوع الاجتهادات اتساقاً لازماً لحركة المعاصرة والتغيير وهي الظاهرة التي أتاحتها مرونة الإسلام واحتمالية النص فـيه. وبهذا تعددت المذاهب فـي مدارس فقهية فكرية، وظهر الأئمة الكبار، ونشطت المجادلات والمناظرات بغير عصبية أو حدية. وإن تطرف القلة فإن البيئة من ذلك النوع تستكمل هويتها عادة بالمتطرفـين، ولا ينشز فـيها الاستثناء" (ص٢).

هذه النظرية لتعدد المذاهب تقوم على أساس فهم حقيقي لطبيعة التطور الحضاري داخل المدرسة الفكرية الواحدة.

أما "الطائفـية" فهي ظاهرة غير حضارية، تقوم على أساس استثارة روح "القبلية" و"التعصب" بين الشعوب، ووراءها عادة مصالح تقتضي هذه الإثارة، ويرى أن مصالح السلطة والحكم فـي التاريخ كانت أهم عوامل خلق الروح الطائفـية فـي العالم الإسلامي، وأن الدولة سعت "لحرف الأفكار والعقائد التي باتت تؤثر بقوة فـي نزعات العامة وعقولهم، وبهذا جهدت المؤسسات الحاكمة لتحويل التمذهب عن مساراته الاجتهادية، وزج المذاهب فـي العصبيات والتطرف فتفاقم المخاض وأنهك المجتمع بالتناقضات والمـزق، وتدني زخمه التعبوي التغييري وتراجعت حصاناته، ليجد المتربصون من وراء الحدود فرصتهم لولوج المنطقة، سواء سلماً فـي البداية عبر تحالفات السلطة التي اختارت الاستعانة على شعبها بالغرباء، أو حرباً فـي اجتياحات متوالية عادت بالمجتمع إلى غياهب الانحطاط مجدداً فـي عصر مديد الزمن والرجع" (ص ٣).

وانطلاقاً من هذا التفريق الموضوعي الهام بين المذهب. الفكرة، والطائفة. العصبية طاف الدكتور الأنصاري فـي التاريخ السياسي والفكري والفقهي للعالم الإسلامي ابتداءً من صدر الإسلام ومروراً بالعصر الأموي والعباسي وعصور الدول والإمارات المتعاقبة والمتوازية حتى العصر الحديث، فـي عرض مقتضب موسوعي حالفه شيء كبير من التوفـيق فـيه، رغم بعض الملاحظات الفقهية التي اعتذر عنها سلفاً.

والملاحظ فـي هذا العرض الواسع أن المؤلف نهج أسلوباً حيادياً موضوعياً لم يتحزب فـيه لفرقة ولم يتعصب لمذهب أي لم يقع فـيها يقع فـيه عادة كثير من المتحدثين عن المذاهب، ولعل السبب الهام فـي نجاح العرض هو أنه وضع التيارات وأصحابها ودعاتها فـي خاناتهم الحقيقية وميز بين ما أسهم فـي إغناء الفكر والتراث والحضارة، وبين ما صد المسيرة الحضارية وأوقعها فـي مطبات الطائفـية والتعصب، أخذاً بنظر الاعتبار العوامل الحضارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية فـي ظهور هذه التيارات.

والنقطة الهامة فـي الكتاب أيضاً هي شعور المؤلف بالمسؤولية تجاه الواقع الراهن. لم يكن تأليفه من النمط الذي يحاول فـيه المؤلف فقط عرض ما تراكم فـي ذهنه أو ما جمعه فـي أوراقه من معلومات، ولم يكن من النمط الذي يقدم مادة علمية لأهدف لها سوى الارتقاء العلمي الجامعي، بل كان المؤلف عالماً هادفاً، وباحثاً ملتزماً، لا يحيد عن الموضوعية، ولا يتخلى عن المسؤولية. وهذا هو البحث العلمي المطلوب فـي مجتمعاتنا، بل فـي كل المجتمعات الطموحة إلى حياة أفضل.

المؤلف بعد عرضه الواسع يطرح على نفسه السؤال تجاه الوضع الطائف الموروث، ويذكر بعض الحلول المقدمة ويرفضها منها:

دعوة "الدمج بين المذاهب" و"إسلام بلا مذاهب" أو"الدعوة إلى مذهب واحد".

ويرى المؤلف أنها أطروحات مبتسرة لا تقوم على أسس واقعية، ولا تقر بأهمية التعددية العقائدية أو أهمية الرأي الآخر لتحسين الأداء والتحرك إلى الصواب.

أي إن مثل تلك الآراء تتجاهل حقيقة مشروعية التمذهب أصلاً، كضرورة من ضرورات المعاصرة وليس كبحـها أو إعاقتها، وإن تدافع الاجتهادات المذهبية وتحاورها يمكن أن يساهم فـي تسريع وتائر التقدم" (ص ٥١٦).

ومنها: الدعوة إلى إلغاء الماضي من الذاكرة، والابتعاد عن الجذور بحجة الحداثة، وبالتالي الوقوع فـي شرك التغرب، فقد "انزلقت دعوات الحداثة إلى أطروحات فلكلورية لتقليد الغرب واستنساخ تجاربه كمرجعية معيارية وحيدة، تنامت معها دعوات استسلام وإلغاء لكينونة الوطنية والقومية، وبالغت فـي الاشـتباك مع الماضي فـي هروب، متعمد، تجاهلت معه خصوصية المجتمع وهويته واستعداداته، وأرادت محو الذاكرة التاريخية فـي تذرعها للقبول بالتغريب، فظلت فعاليتها محكومة باللا جدوى" (ص ٥١١).

والحل الذي يقدمه الكاتب باختصار:

١ - عدم تبسيط المسألة الطائفـية والتقليل من شأنها المخرب، وعدم النزوع لتجاهلها كلياً… لأن النزوع لإسدال الستار على الماضي لا يعدو أن يكون إغفالاً لسقم ظاهرة تظل معه دعوات الرأب غير واقعية تحمل عناصر توقفها وإخفاقها (٥١٥).

٢ - هذا العمل يرتبط بإعادة التنقيب فـي التاريخ، وإزالة ذلك الغموض المتعمد عن كيفـية التشكل الفئوي الطائفـي وأدلجته الفضائية المهلهلة بأطروحات إسلامية. لأن الأكثر طائفـية هو الأكثر جهلاً بمفردات طائفـية أو بتشخيصاتها الفكرية والفقهية وبكيفـية تشكلها وتطورها.

٣ - التعايش المنفتح بين المذاهب، وإضاءة مشتركاتها وأواصرها، وبإقرار مقنع بأن الإسلام حكراً على أحد، وأن حرية التفكير والرأي متاحة للجميع، وأن الاجتهاد ضروري لازم لمن يقدر عليه أو لمن يمتلك شروطه بمعقولية لا تجعل فـي الاشتراط استحالة أو حجة تعسير، وأن الخطاب الإسلامي يمكن أن يكون متعدداً، وأن التعددية لا يجب أن تعني مساسها بالفرائض أو الضرورات، وأن السياق التاريخي والصالح العام لا يقتضي التعامل بالمطلق، فتغلق المستجدات التاريخية أفاق الأصل، أو أن تحمل النصوصٍ أكثر مما تحتمل دون الجوهر فـينسب إليها البت فـي كل الأمور تسويفاً للتوقف عن مسايرة الزمن. أي أن لا نبقي خارج عصرنا بمسوغات من إسلام تاريخي أو سياسي لمراحل معينة أسيء تقليدها وأضر بالإسلام" (ص ٥١٧).

٤ - يرى الكاتب أن مسؤولية تجاوز الحالة الطائفـية يجب أن ينهض بها رجال الدين والباحثون المتخصصون لأنهم "أقدر على حمل المسؤولية من أولئك التغريبيين الذين يريدون إلغاء الدين من حياتنا من خلال الحرب على مستحدثاته التي أملتها الظروف التاريخية الخاصة. فالحاجة ماسة إلى ذلك النمط من الأئمة المجددين الذين يمتلكون المرأة للتحرر من رقبة التمسك بما هو مصطنع، والقادرين على الإقناع بأن التعصب لمذهب وليس للدين كله مخالفة شرعية…. وبذلك يعيدون الاعتبار إلى "إسلام مذاهب" أسيء فهمه، فـيعود للجوهر بريقه ويرتقي الحاضر بمساهماتهم" (ص ٥١٧).

٥ - مع أهمية الجهود الفردية التي تؤسس للانتقال بما يتناسب والضروريات التي يقتضيها الواقع الراهن، ويستلزمها استعادة الإسلام لحيويته الدافعة التي تساعد فـي عبور عصر التخلف بأواصره وحيثياته (٥١٨).

هذه باختصار أطروحة الدكتور فاضل الأنصاري فـي معالجة مسألة على غاية من الأهمية فـي حياتنا الثقافـية والدينية وفـي مشروعنا النهضوي القائم على أساس فهم التاريخ والواقع بموضوعية والتطلع إلى المستقبل بمنهجية علمية أصلية ومعاصرة.

د. محمد علي آذرشب



[ Web design by Abadis ]