ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 العزة فـي وصية الإمام الخميني

العزة أهم مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، ولابدّ لكل حكم من الأحكام الإسلامية من أن ينسجم مع هذا المقصد، وإلا فلا يجوز العمل به. بعبارة أخرى، عزة الإنسان وكرامته أصل من أصول الدين، وكان فرع يتعارض مع هذه العزة ويؤدي إلى إذلال الإنسان يسقط وينفـي العمل به.

كل ما جاءت به الأديان السماوية ونادى به المصلحون الإلهيون على مرّ التاريخ على صعيد العقيدة والعبادة والسلوك والعلاقات إنما يستهدف تحقيق عزة الإنسان وتكريمه على هذه الأرض.

الإمام الخميني فـي سلوكه الشخصي ومسيرته العلمية والتربوية والجهادية، وفـي كل أقواله ومواقفه، أراد أن يحيي روح العزة والكرامة فـي نفوس مخاطبيه، وأن يزيل كل العوامل التي من شأنها أن تذل الإنسان وتصادر كرامته.

هذه مقدمات يحتاج كل منها إلى دراسة مستقلة، اكتفـي بالإشارة إليها فقط لأدخل فـي صلب الموضوع.

العزة وأهل البيت (ع)

فـي مقدمة الوصية نرى تأكيداً على أهل البيت (ع) وعلى الالتزام بنهجهم وعلى ما نزل بهم من ظلم فـي التاريخ، ولهذا التأكيد مدلوله الخاص. إنه يعني الانتماء إلى مدرسة العزّة فـي التاريخ. أهل بيت رسول الله كانوا دون شك على مرّ التاريخ فـي طليعة مقارعة الظلم والظالمين، والدفاع عن عزة المسلمين. وكانت الدماء التي قدموها على هذا الطريق مبعث حركة تاريخية مسـتمرة صانت الإسلام من الانحراف والمسلمين من الإذلال.

الإمام الراحل (قده) بتأكيده على هذه المدرسة إنما يريد أن يوثّق الارتباط بمصدر هم للعزة، وهو المصدر التاريخي، ويريد فـي الوقت نفسه أن يدين كل من أذل المسلمين وسامهم سوء العذاب باسم الدين والإسلام.

الارتباط التاريخي بالثورات والثوار وبحركة الدفاع عن العزة والكرامة يشكل، دون شك، مصدراً هاماً من مصادر إلهام الأجيال وتحديداً الوجهة الحركية فـي مسيرتها.

بعد أن يؤكد الإمام الراحل على حديث الثقلين باعتباره حديثاً متواتراً بين المسلمين، وباعتباره الضمان التشريعي لصيانة المسيرة من الانحراف، يذكر بعد ذلك ما حلّ بالمسلمين نتيجة إقصاء أهل البيت (ع)، ويرفع صوته بالفخر بسبب انتمائه هو والشعب الإيراني إلى مدرسة العزة والكرامة والتحرر والانعتاق، كأنه يريد بذلك أن يلقن مخاطبه الاعتزام بهذا الانتماء التاريخي والرسالي، يقول:

نحن والشعب العزيز الملتزم التزاماً لا حدّ له بالقرآن والإسلام، نفخر بأننا أتباع مذهب يستهدف أن يخلص حقائق القرآن الداعية بأجمعها إلى الوحدة بين المسلمين بل البشرية، من المقابر ليقدمه باعتباره أعظم وصفة إنقاذ للبشـرية من جميع ما يكبل يدها ورجلها وقلبها وعقلها من قيود، ويدفعها نحن الفناء والإبادة والرقّيّة والخضوع للطواغيت.

نحن نفخر بأننا أتباع مذهب مؤسسة رسول الله (ص) بأمر من الله تعالى، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) هذا العبد المتحرر من جميع القيود والمأمور بتحرير البشرية من الاستعباد وجميع الأغلال.

نحن نفخر بأن كتاب نهج البلاغة الذي هو بعد القرآن أعظم نهج للحياة المادية والمعنوية وأسمى كتاب تحرري للبشرية، وتعاليمه المعنوية والإدارية، أسمى طريق للنجاة، هو من إمامنا المعصوم (الوصية، ص ١٠).

ويواصل الإمام عرض مفاخر هذه المدرسة فـي التربية والتعليم مركزاً على ما قدمته من تضحيات فـي سبيل العدل ومقارعة الظالمين، ويربط هذه التضحيات بشكل رائع بما قدمه الشعب الإيراني فـي سبيل دينه، مؤكداً بذلك أن حركة هذا الشعب هي استمرار لمسيرة الجهاد الطويل الذي خاضته مدرسة أهل البيت (ع)، يقول: "نحن نفخر بأن يكون الأئمة المعصومون صلوات الله وسلامه عليهم قد عانوا لسجن والترشيد على طريق تعالي الدين الإسلامي وعلى طريق تطبيق القرآن الكريم، وإقامة حكومة العدل الإلهي، باعتبارها واحداً من أبعاد (هذا التطبيق)، واستُشهدوا فـي النهاية على طريق الإطاحة بالحكومات الجائرة والطاغوتية فـي زمانهم. ونحن نفخر اليوم بأننا نريد تطبيق أهداف القرآن والسنة، وإن فئات الشعب المختلفة تبذل بولع شديد على هذا الطريق المصيري الكبير، طريق الله، النفس والمال والأعزة" (الوصية، ص ١١).

ويعود الإمام فـي نهاية مقدمة وصيته ليطلب من كل المسلمين أن يقتدوا بهذه المدرسة بما فـيها من فكر عميق وروح تضحية وفداء، يقول: "أطلب من الشعوب المسلمة بكل جد وبكل تواضع أن يقتدوا بالأئمة الأطهار وبما قدمه هداة البشرية العظام هؤلاء من فكر سياسي واجتماعي واقتصادي وعسكري، وبصورة لائقة وعن رغبة عميقة وببذل النفس وقديم الأعزة" (الوصية، ص ١٣).

ويعود مرّة أخرى للتأكيد على إحياء الذكريات التاريخية التي توثّق صلة الأمة بالجهاد والحركة على طريق لعزة والكرامة، ومن ذلك إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (ع)، وملحمته الخالدة، مذكراً: "أن تعاليم أئمة أهل البيت عليهم السلام لأحياء هذه الملحمة التاريخية الإسلامية، إنما هي صرخة بطولية شعبية بوجه الحكام الظلمة على مرّ التاريخ وإلى الأدب" (الوصية، ص١٣ـ١٤).

العـزة والمـرأة

لا يمكن أن تتحقق العزة فـي أمة تكون المرأة فـيها حقيرة ذليلة مهانة، ومن أكبر عوامل الإذلال فـي مجتمعاتنا الإسلامية على مرّ التاريخ كان الوضع المزري الذي عاشته المرأة المسلمة. فالمرأة الأم والأخت والزوجة هي التي تبعث فـي نفوس الجيل روح العزة والكرامة، وهي نفسها - إن كانت ذليلة مهانة - تغرس روح الذل والهوان فـي نفوس الأجيال.

والظاهرة الغريبة فـي الثورة الإسلامية حركة المرأة على طريق العزّة، وعلى طريق دفع المسيرة نحو التضحية والفداء بحيث تقدمت كما يقول الإمام أحياناً على الرجل فـي هذا المضمار. والمهم فـي الأمر أن الفئة المتحركة من النساء على طريق الثورة لم تكن تلك الفئة التي ادعت العصرنة والتحرر، بل هي تلك الفئة التي فرض عليها الحرمان من المشاركة الاجتماعية نتيجة دساس الأعداء وجهل الأصدقاء كما يقول الإمام.

يؤكد الإمام فـي مقدمة وصيته على هذا الدور الذي نهضت به المرأة، ويشير بوضوح إلى أن انزواء المرأة المسلمة كان نتيجة عقلية خرافـية بثها الأعداء وأشاعها الجهلة وبعض رجال الدين المتحجرين، يقول الإمام: "نحن نفخر بأن النساء بمختلف الأعمار موجودات زرافات ووحداناً فـي الساحات الثقافـية والاقتصادية والعسكرية، ويبذلن الجهد جنباً إلى جنب مع الرجال، أو متقدمات عليهم، على طريق إعلاء الإسلام وأهداف القرآن الكريم. ومن منهنّ قادرات على الحرب يشاركن فـي تلقي التدريب العسكري الذي هو من الواجبات الهامة للدفاع عن الإسلام والبلد الإسلامي، وإنهن حررن أنفسهن بشجاعة والتزام من الحرمان الذي فرض عليهن بل على الإسلام والمسلمين نتيجة دسائس الأعداء وجهل الأصدقاء بأحكام الإسلام والقرآن، وتخلصن من قيود الخرافات التي خلقها الأعداء لمصالحهم على يد الجهلة وبعض رجال الدين غير الواعين لمصالح المسلمين.

ومن مهن غير قادرة على الحرب فهي منهمكة فـي الخدمة خلف الجبهة بشكل رائع يهزّ قلوب الجماهير شوقاً وإعجاباً ويثير الغضب فـي قلوب الأعداء. ونحن رأينا مراراً أن نساء عظيمات يرفعن أصواتهن كزينب عليها سلام الله (ويقلن) إنهن قدمن أبناءهن وكل عزيز لديهن على طريق الله تعالى والإسلام العزيز، ويفخرن بذلك، ويعلمن أن ما كسبنه أسمى من جنّات النعيم، فما بالك بمتاع دنيوي حقير" (الوصية، ص ١١).

العزة والشريعة

الاستقلال التشريعي لكل أمة يصون شخصية هذه الأمة ويبعدها عن الانحلال والذوبان. وكانت الشريعة الإسلامية سمة مميزة للأمة على مرّ التاريخ، توحد أقطارها، وتبلور شخصيتها، وتصون عزتها، وتخلق الانسجام بين عقيدتها وممارساتها العملية.

ومع ظهور أول بوادر ضعف شخصية الأمة ظهرت أيضاً بوادر التشكيك فـي الشريعة وجدواها والدعوة إلى الاقتباس من التشريعات المستوردة، وهكذا أقصيت الشريعة الإسلامية من مجالات الحياة المختلفة بعد أن انهارت شخصية الأمة عصر الاستعمار.

الشريعة الإسلامية فـي نظر الإمام ليست فقط المنهج الأفضل للحياة، بل هي أيضاً الرمز لصيانة عزّة المسلمين وكرامتهم وشخصيتهم. يشير الإمام إلى أن إبعاد الإسلام عن ساحة الحياة يستهدف خلق مجتمع يائس مهزوم، وعملية الإبعاد هذه تتخذ سبيلين:

الأول: باسم العولمة أو على حد تعبير الإمام بالادعاء أنه "لا يمكن فـي العصر الراهن عزل بلد من البلدان عن الحضارة العالمية ومظاهرها" (الوصية، ص ١٨).

والثاني: سبيل التقدس، وهو القول "بأن الإسلام والأديان الإلهية الأخرى تهتم بالمعنويات، وتهذب النفوس، والتحذير من المناصب الدنيوية، والدعوة إلى ترك الدنيا، والاشتغال بالعبادات والأذكار والأدعية التي تقرب الإنسان من الله تعالى وتبعده عن الدنيا، وأن الحكومة والسياسة والتصدي لإدارة الأمور تتعارض مع ذلك المقصد والهدف المعنوي الكبير!!" (الوصية، ص ١٨).

ويردّ على المجموعة الأولى بأن الشريعة الإلهية تستهدف القضاء على الظلم وانتهاك حرمة الإنسان، وهي لذلك خالدة ما دامت البشرية بحاجة إلى أن تصون نفسها من ظلم الظالمين وطغيان المستكبرين: "لو أن إجراء العدالة الاجتماعية ومنع الظلم والنهب والقتل ضروري “الاستقلال التشريعي لكل أمة بصون شخصيتها” فـي صدر الخليقة، فهل أصبح ذلك أسلوباً بالياً فـي قرن الذرة؟ !" (الوصية، ص ١٩)، وبهذه العبارة يبيّن الإمام مقاصد الشريعة: العدالة، ومنع الاعتداء على الإنسان فـي شخصيته وماله ونفسه، وهي مقاصد ترتبط بعزة الإنسان وكرامته.

ويريد على أصحاب السبيل الثاني بنفس أسلوب بيان المقاصد فـيقول: "حكومة الحق المقامة لمصلحة المستضعفـين ولمنع الظلم والجور ولإحلال العدالة الاجتماعية هي…. من أعظم الواجبات وإقامتها من أسمى العبادات" (الوصية، ص ٢٠).

وبهذين الردين على المشككين فـي إمكان تطبيق الشريعة وإقامة الدولة، يربط الإمام بين قيام الدولة الإسلامية وتحقيق عزّة الإنسان المسلم وكرامته. وهذا الربط نشاهده أيضاً فـي النصوص المأثورة التي تقول: "اللهم إنا نرغب إليك فـي دولة كريمة (تُعزّ) بها الإسلام وأهله…. وترزقنا فـيها (كرامة) الدنيا والآخرة".

وفـي موضع آخر من الوصية يرى الإمام أن الحكومة الإسلامية بتطبيقها الشريعة الإسلامية تستطيع أن تحقق قوة الأمة وعزتها وتقف بوجه من يريد أن يذلها ويصادر مقدراتها، وترفعها إلى مدارج التكامل المادي والمعنوي.

لذلك فإن إقامة الحكومة الإسلامية أسمى هدف سعى إليه الأنبياء والأولياء، وصيانتها يشكل قمة الواجبات الإسلامية، يقول الإمام: "الإسلام والحكومة الإسلامية ظاهرة إلهية يضمن تطبيقها سعادة الأفراد فـي الدنيا والآخرة على أعلى المستويات. و (الإسلام) له قدرة الوقوف بوجه كل محاولات الظلم والنهب والفساد والعدوان، وقدرة إيصال الأفراد إلى كمالهم المطلوب.

إنه مدرسة تختلف عن المدرسة غير التوحيدية فـي تقنينه ومراقبته لجميع الشؤون الفردية والاجتماعية، المادية والمعنوية، والثقافـية والسياسية والعسكرية والاقتصادية. ولا تغرب عنه أدنى مسألة ترتبط بتربية الإنسان والمجتمع وبالتقدم المادي والمعنوي. لقد بيّن ما يقف فـي طريق تكامل المجتمع من موانع ومشكلات، وسعى إلى إزالتها.

العزة وأجهزة التعليم:

أجهزة التعليم لها الدور الكبير فـي خلق روح العزة فـي الجيل؛ طريقة تخطيطها مناهج التدريس، أسلوب تعاملها مع الطلاب، المحتوى الفكري والعلمي للدروس، كل ذلك يؤثر فـي خلق روح العزة أو إماتتها بين الطلاب.

أجهزة التعليم فـي العالم الإسلامي تتجه غالباً إلى خلق روح التبعية والتغرب وتمييع الهوية بين الناشئة والشباب. هكذا كان الوضع فـي إيران خلال العهد البائد. وفـي ظل الثورة الثقافـية والمعنويات والأجواء الجديدة اتجه التعليم نحو التأصل الثقافـي والعمق العلمي، وإزالة الفواصل بين الدراسات الدينية والدراسات الجامعية.

الإمام الراحل يوصي بشدة بأن تبقى الجامعة نقية من الانحراف والتشرق والتغرب لتكون هذه المعاهد الدراسية مدرسة لصنع (الإنسان) بكل ما أنعم الله عليه من عزة وتكريم، يقول: "من مؤامراتهم الكبرى، كما مر وأكدناه مراراً، السيطرة على مراكز التعليم والتربية وخاصة الجامعات التي يتسلم متخرجوها مقدرات البلاد. وطريقة أولئك (المتآمرين) مع الروحانيين ومدارس العلوم الدينية تختلف عما هي عليه فـي الجامعات والثانويات.

طريقتهم (فـي الأوساط العلمية الدينية) إزاحة الروحانيين عن الطريق ودفعهم إلى الانزواء بالقمع والحدة والهتك كما كان معمولاً به فـي زمن رضا خان، لكن النتيجة كانت عكس مطلوبهم، أو بالإشاعات والتهم والمخططات الشيطانية من أجل عزل فئة الدارسين (فـي المدارس والجامعات) أو ما يسمّون بالمثقفـين (عن علماء الدين)، وهذا كان معمولاً به أيضاً فـي زمن رضا خان جنباً إلى جنب مع الضغط والقمع، واستمر فـي عهد محمد رضا بدون اللجوء إلى الحدة ولكن بخبث.

أما فـي الجامعات فكانت الخطة إبعاد الشباب عن الأصالة فـي الثقافة والأدب والقيم وجرهم نحو الشرق أو الغرب، ثم انتخاب المسؤولين من ين هؤلاء وتسليطهم على مصير البلدان، كي ينفذ هؤلاء ما يريده أولئك. هؤلاء ينهمكون فـي جر البلاد إلى دار البوار والتغرب، وفئة علماء الدين بما أحيط بها من انزواء وهزيمة غير قادرة على المعالجة. وهذا أفضل طريق لإبقاء حالة التخلف لمواصلة النهب فـي البلدان الخاضعة، لأن كل شيء يناسب إلى جيوب القوى الكبرى دون يكلف (هذه القوى) تعباً أو إنفاقاً، ودون بروز أية مشكلة فـي المحافل الوطنية.

والآن، إذ يجري العمل فـي الجامعات والمعاهد العليا على إصلاحها وتطهيرها، يلزم على الجميع أن يساعدوا القائمين بهذا الأمر، وأن لا يدعوا الجامعات تتجه إلى الانحراف أبداً، وإذا شوهد انحراف علينا أن نسعى إلى إزالته بسرعة، وهذا الأمر الحياتي يجب أن يتحقق فـي المرحلة الأولى بالسواعد القوية لشباب الجامعات والمعاهد العليا أنفسهم، فإنقاذ الجامعة من الانحراف إنقاذ للشعب والوطن.

أتقدم إلى كل الناشئة والشباب فـي المرحلة الأولى، وإلى آبائهم وأمهاتهم وأصدقائهم فـي المرحلة الثانية وإلى المسؤولين والمثقفـين الذين يحملون هموم وظنهم فـي المرحلة التالية وأوصيهم أن يبذلوا مساعيهم بكل جد واجتهاد فـي هذا الأمر المهم الذي يصون بلادكم من الآفات، وسلموا الجامعة (نقية) إلى الجيل القادم. وأوصي الأجيال المتواصلة بأن تصون وتحرس الجامعة من الانحراف والتشرق والتغرب لإنقاذ أنفسهم وبلدهم العزيز وإنقاذ الإسلام الذي هو مدرسة صنع الإنسان. وبعملكم الإنساني الإسلامي هذا تقطعون يد القوى الكبرى من بلادكم وتبعثون اليأس فـي قلوبهم. كان الله فـي عونكم وأخذ بناصركم" (الوصية، ص ٣٠ - ٣١).

العـزة والقـيادة

عز الشعب يبدأ غالباً من ممارسات قيادته، وكذا ذلها. فإذا كانت القيادة تقيم للإنسان وزناً وتؤمن بعزته وكرامته فإن التوجه العام للأمة ينحو باتجاه العزة. وإن كانت القيادة تتخذ من الشعب خَوَلاً ومن ثروته مغنماً، فذلك أساس ذل المجتمع.

الإمام الراحل فـي سلوكه مع الجماهير وفـي لغة خطابه كان يعبّر عن ثقة غير متناهية بالجماهير، يرى أن كل ما تحقق من نعم فبفضل الله وبواسطة هذه الجماهير. يتحدث عن الناس وكأنه يعشقهم واحداً واحداً، ويتواضع أمام الناس تواضعاً لا حد له دون تملق أو تزلف.

يخاطب المسؤولين فـي وصيته يقول: "وأوصي المجلس والحكومة والمسؤولين أن يقدروا هذا العشب حق قدره، وأن لا يألوا جهداً فـي خدمته وخاصة المستضعفـين والمحرومين والمظلومين منهم، فهؤلاء ضياء أعيننا وأولياء نعمتنا جميعاً، والجمهورية الإسلامية عطيتهم، وتحققها كان بفضل تضحياتهم وبقاؤهم رهين خدماتهم. اعتبروا أنفسكم من الجماهير والجماهير منكم" (الوصية، ص ٢٥).

ثم يرتفع فـي مقطع آخر من الوصية لينظر إلى الشعب نظرة تاريخية، فـيقارنه بالجيل الإسلامي الأول الذي تشرف بعصره النبوة أو بعصر الخلافة الراشدة، فـيقول بجرأة: "أنا أزعم بجرأة أن الشعب الإيراني بجماهيره المليونية فـي العصر الراهن أفضل من أهل الحجاز فـي عصر رسول الله صلّى الله عليه وآله، (وأفضل من أهل) الكوفة فـي العراق على عهد أمير المؤمنين والحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليهما، فالمسلمون فـي الحجاز على عهد رسول الله (ص) منهم من أبوا أن يطيعوا الرسول ورفضوا - بذرائع مختلفة - التوجه إلى جبهات القتال حتى أنزل الله آيات من سورة التوبة توبخهم وتعدهم بالعذاب، ثم إنهم كذبوا على (النبي) حتى روي أنه دعا عليهم على المنبر، وأهل العراق والكوفة أساؤوا التعامل مع أمير المؤمنين (ع) وعصوه، وشكاوى الإمام منهم معروفة فـي المأثور وكتب التاريخ.

العـزة والإعـلام

للإعلام دور كبير فـي بناء شخصية أفراد الأمة، وخاصة فـي عصرنا حيث التطور التقني الهائل فـي وسائل الإعلام والاتصال. التلقين المستمر الذي توحيه للأفراد يمكن أن يصنع الشخصية المتحلية بالعزة والكرامة، ويمكن أن يذيب هذه الشخصية ويحللها، ويخلق روح الهزيمة والذل فـي أعماقها.

معظم وسائل الإعلام فـي عالمنا الإسلامي لا تتخذ اتجاهاً رسالياً هادفاً، بل تتجه نحو تعميق روح الضعف والتبعية والهزيمة فـي المستمع والمشاهد والقارئ.

الإمام فـي وصيته يعرض لما كانت عليه وسائل الإعلام فـي عهد الشاه، وما جرته من ضياع الذات والشخصية، ويحذر من انزلاق الإعلام فـي العهد الإسلامي إلى تلك الحالة باسم "الحرية"، يقول: "الإذاعة والتلفزيون والصحافة والسينما والمسرح من الأدوات الفعالة فـي إفساد الشعوب وتخديرها خاصة جيل الشباب. ما أكثر المخططات الكبرى التي نفذت عن طريق هذه الأدوات خلال هذا القرن الأخير خاصة النصف الثاني منه، سواء ما استهدف منها معاداة الإسلام أو معاداة علماء الدين المخلصين أو ما اتجه للدعاية إلى المستعمرين الغربيين والشرقيين!!

من هذه الأدوات استفادوا لرواج الأسواق الاستهلاكية للبضائع وخاصة الكمالية وأدوات الزينة بكل أنواعها (دافعين الناس) إلى التقليد فـي الأبنية والديكور والمظاهر، والتقليد فـي نوع المشروبات والملابس على طريقتهم "الأوروبية". حتى عاد التفاخر فـي تقليد الغرب سائداً فـي جميع شؤون الحياة، فـي السلوك والكلام وشكل الملبس، خاصة بين النساء المرفهات ونصف المرفهات. و (هكذا التقليد) فـي آداب المعاشرة وطريقة الكلام واستعمال الألفاظ الغربية فـي الحديث والكتابة حتى عاد فهم كلام هؤلاء صعباً على كثير من الناس بل على نظرائهم أيضاً.

الأفلام التلفزيونية كانت من منتجات الغرب أو الشرق، وكانت تبعد الشباب، ذكوراً وإناثاً، عن المسير الصحيح للحياة، وعن العلم والصناعة والإنتاج، وتدفعهم إلى الجهل بذاتهم وبشخصيتهم، أو إلى التشاؤم وسوء الظن بكل شيء أصيل لديهم ولدى بلدهم، بما فـي ذلك الثقافة والآداب والمآثر القيمة التي انتقل الكثير منها بيد الخائنين إلى المكتبات والمتاحف الغربية والشرقية.

المجلات، بمقالاتها وصورها الفاضحة والمؤسفة، والصحف بتسابقها فـي كتابة مقالات معادية للأصالة الثقافـية والإسلامية، كانت تفخر بأن تدفع الجماهير وخاصة فئة الشباب نحو الغرب أو الشرق، أضف إلى ذلك الدعايات الواسعة فـي نشر مراكز الفساد والفحشاء، ومراكز القمار والميسر، وحانات الخمور، ومعارض البضائع الكمالية ووسائل التجميل واللعب والمشروبات الكحولية، وخاصة ما يُستورد منها من الغرب. ومقابل تصدير الفنط والغاز والثروات الأخرى كانت تستورد الدمى واللعب والتحف الكمالية ومئات الأشياء الأخرى مما ليس لمثلي إطلاع عليها. ولو قدّر - لا سمح الله - أن يمتد عمر النظام البهلوي المأجور المخرب لأوشك شبابنا الأكفّاء من أبناء الإسلام والوطن وممن تعقد عليهم الآمال، بما يحيطهم من دسائس وخطط شيطانية يدبرها النظام الفاسد ووسائل الإعلام والمثقفون المتغربون والمتشرقون، أن يعرضوا تماماً عن الأمة والإسلام، فـيتلفوا شبابهم فـي مراكز الفساد أو ينخرطوا فـي خدمة القوى الطامعة، ويبيدوا بذلك البلاد.

لقد منّ الله علينا وعليهم ونجّانا من شر المفسدين الناهبين.

والآن وصيتي إلى مجلس الشورى الإسلامي فـي الحال والمستقبل ورئيس الجمهورية ورؤساء الجمهورية التالين وإلى مجلس مراقبة الدستور ومجلس القضاء الأعلى والحكومة فـي كل زمان، هي أن لا يدعوا هذه الأجهزة الإعلامية والصحافة والمجلات تنحرف عن مصالح البلاد. وعلينا أن نعلم جميعاً أن الحرية بشكلها الغربي المؤدي إلى إفساد الشباب بذكورهم وإناثهم، هي مدانة من وجهة نظر الإسلام والعقل، وكل دعاية ومقال وخطبة وكتاب ومجلة تتعارض مع الإسلام والعفة العامة ومصالح البلاد، حرام، ويتوجب علينا جميعاً وعلى كل المسلمين أن يحولوا دونها، وأن يحولوا دون الحريات الهدامة. وإذا لم يتعارض مع مسير الشعب والبلد الإسلامي وكرامة الجمهورية الإسلامية فكلنا مسؤولون. والجماهير وشباب حزب الله، أن واجهوا أحد الأمور المذكورة، عليهم أن يراجعوا الأجهزة المعنية، فإن قصّرت فهم أنفسهم مكلفون بصد (هذا الانحراف). كان الله فـي عون الجميع" (الوصية، ص ٤٥ - ٤٦).

ويوصي الإمام وزارة الثقافة والإرشاد الإسـلامي بأن تحمل كلمة الإسلام إلى العالم وتصد الدعايات المضللة، بل يحمّل وزارة الخارجية وكل أصحاب الكلمة والقلم هذه المسؤولية فـي الكشف عن حقائق الإسلام الناصعة، يقول: "ووصيتي إلى وزارة الإرشـاد فـي جميع العصور، وخاصة العصر الراهن، بما له من خصوصيات، هي السعي من أجل تبليغ الحق أمام الباطل وعرض الوجـه الحقيقي للجمهورية الإسلامية. ونحن فـي هذا العصر، إذ قطعنا يد القوى الكبرى عن بلادنا، نتعرض لهجوم إعلامي من جميع وسائل الإعلام المرتبطة بالقوى الكبرى. ما أكثر الأكاذيب والتهم التي نسبها وينسبها المرتبطون بالقوى الكبرى، بالكلمة المسموعة والمقروءة، إلى الجمهورية الإسلامية التي يجب أن تمد لنا يد الأخوّة بحكم الإسلام قد ناصبتنا وناصبت الإسلام العداء مع الأسف، وشنّت هجوماً علينا خدمة للطامعين الدوليين. وقدرتنا الإعلامية ضعيفة جداً وهزيلة. وتعلمون أن العالم اليوم يدور حول محور الإعلام، ومن المؤسف أن من يسمون بالكتاب المثقفـين الذين تتجه ميولهم إلى أحد القطبين، بدل أن يفكروا فـي استقلال وحرية بلدهم وشعبهم، لا تسمح لهم الروح الاستعلائية والانتهازية والاحتكارية بأن يفكروا لحظة وأن ي

أخذوا بنظر الاعتبار مصالح بلدهم وشعبهم، وأن يقارنوا بين الحرية والاستقلال فـي هذه الجمهورية وبين (ما كان عليه الوضع فـي) النظام الظالم السابق، و (أن يقيسوا) الحياة المشرفة القيّمة المقرونة بفقدان بعض وسائل الرفاه وبطر العيش (فـي ظل الجمهورية الإسلامية) بما كان عليه نظام الظلم الشاهي الذي كان يعطي (تلك الوسائل) مقرونة بالتبعية والرق وبكيل المدح والثناء لجراثيم الفساد ومنابع الظلم والفحشاء، وأن يكفوا عن إلصاق التهم والأكاذيب بهذه الجمهورية الإسلامية الوليدة وأن يقفوا بأقلامهم وألسنتهم مع الشعب والحكومة صفاً واحداً ضد الطاغوتيين والظلمة.

ومسألة التبليغ لا تنهض بها وزارة الإرشاد وحدها، بل هي مسؤولية كل العلماء والخطباء والكتاب والفنانين. يجب أن تسعى وزارة الخارجية لأن توفر نشرات تبليغ فـي السفارات تبيّن الوجه النيّر للإسلام، إذ لو سطح هذا الوجه بجماله الباهر الذي رسمه القرآن والسنّة فـي كل الأبعاد من تحت النقاب الذي ضُرب عليه من قبل محاولات الأعداء وبلادة الأصدقاء، فإن الإسلام سيشع نوره على العالمين. وسترتفع رايته العزيزة خفاقة فـي كل مكان. أية مصيبة أعظم وأمّر من أن يملك المسلمون متاعاً لا نظير له من بدء العالم حتى منتهاه، ثم هم لا يستطيعون أن يعرضوا هذه الجوهرة الثمينة التي ينشدها كل إنسان بقطرته السليمة، بل إنهم هم أيضاً عنها غافلون وبها جاهلون وعنها أحياناً معرضون" (الوصية، ص٣٩ ـ٤٠).

العزة والقضاء

الجهاز القضائي سند كل ذي حق ليأخذ حقه، وإذا أحسّ الإنسان بأن حقوقه محفوظة وأن روحه وماله وعرضه فـي مأمن من تطاول يد المعتدين، شعر بالعزة والكرامة والاستقرار، فالجهاز القضائي يصون عزة الناس وكرامتهم، والكارثة أن يتولى منصب القضاء من يتلاعب بمقدرات الناس، عندئذ يشعر الناس بأنهم يجب ن ينحنوا أمام الأقوياء، ويستسلموا لابتزازهم، ويتملقوا لهم، كي يأمنوا شرهم، إذ لا مدافع لهم فـي المجتمع. وهكذا يسود الذل.

الإمام الراحل فـي وصيته يركز على التزام القاضي… وتجربته القضائية… وعلمه فـي "الأمور الشرعية والإسلامية والسياسية". أي أنه يجب أن يكون ذا علم بالشريعة وذا بصيرة فـي المشروع الإسلامي برمّته كي يفهم نظرة تجزيئية للدين، كما ينبغي أن يكون على علم بالسياسة لأنه سيواجه قضايا ترتبط بالأمن الداخلي وبالتدخل الخارجي وبالمسائل الاجتماعية العامة، لذلك فالوعي السياسي يشكل محوراً من محاور علم القاضي. ووصيتي إلى القائد ومجلس القيادة أن يبذلوا الجهد فـي ما عليهم من مسؤولية تتمثل بتعيين أعلى مسؤول قضائي بأن يكون من الأشخاص الملتزمين وأصحاب التجربة والنظر فـي الأمور الشرعية والإسلامية والسياسية. وأطلب من أعضاء مجلس القضاء الأعلى أن يجدّوا فـي إصلاح أمر القضاء الذي تدنى فـي عهد النظام البائد إلى وضع مؤسف مؤلم، وأن يبعدوا عن كرسي القضـاء الهام من يتلاعب بأرواح الناس وأموالهم ومن لا يعير أهميته للعدالة الإسلامية، وأن يحدثوا التغييرات فـي (وزارة) العدل بهمة وجد وتدريج، وأن يتم بجد إن شاء الله تدريب وتعليم قضاة تتوفر فـيهم الشروط اللازمة فـي الحوزات العلمية، وخاصة حوزة قم العلمية المباركة، وتقديمهم ليتعينوا بدلاً من القضاة الذي

ن لا تتوفر فـيهم الشروط المقررة الإسلامية. وسوف يسود القضاء الإسلامي إن شاء الله عاجلاً فـي جميع أرجاء البلاد.

وأوصي القضاة المحترمين فـي العصر الراهن وفـي العصور القادمة بأنه مع الأخذ بنظر الاعتبار ما ورد من أحاديث عن المعصومين صلوات الله عليهم بشأن القضاء وما يتضمنه من خطر عظيم، وما ورد بشأن القضاء بغير الحق، عليهم أن يتصدوا لهذا الأمر الخطير وأن لا يدعوا المنصب يقع بيد غير أهله، وأن لا يرفض هذا الأمر من هو أهل له، وأن لا يفسحوا المجال لمن هو غير أهل له، وكما أن خطر هذا المنصب كبير، فإن الأجر والفضل والثواب فـيه كبير أيضاً. وتعلمون أن تصدي القضاء لأهله واجب كفائي" (الوصية، ص ٣٥ - ٣٦).

د. محمد علي آذرشب



[ Web design by Abadis ]