ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 العرب و إيران

ارتباط حضاري وعمق تاريخي

فـي الجزء الأول من الدراسة التي كتبها الدكتور محمد علي آذرشب تطرق إلى العمق التاريخي والارتباط الحضاري بين العرب وإيران كما تطرق إلى محاولات فصل العلاقات العربية - الإيرانية وتفتيتها عبر محاولات عديدة قديمة وحديثة ساهمت بها دول كبرى.

وفـي ذلك الجزء توقف الباحث عند موقف الرئيس الراحل حافظ الأسد من الثورة الإسلامية فـي إيران حيث طرح السؤال التالي: ما هي محاور هذا الموقف؟ والجواب فـي الجزء الثاني والأخير الذي ننشره فـي هذا العدد.

محاور موقف الرئيس الراحل من الثورة الإيرانية

١ - تبيين طبيعة الثورة

مقابل الزوبعة العنصرية الطائفـية التي أثيرت بوجه الثورة الإسلامية كرس الرئيس الراحل خطابه لتبيين العنصر الإسلامي للثورة، والإسلامي بالمفهوم الحضاري لا يعني سوى نهضة شعبية للعودة إلى ساحة الأمة الإسلامية وتبني قضاياها وهمومها وعلى رأسها القضية الفلسطينية. أمعن النظر فـي هذه المقتطفات يقول:

"إنها ثورة شعبية تحت شعار الإسلام" [١] "قالت: أنا معكم أيها العرب فـي قتالكم ضد عدوكم، وإن قضيتكم هي قضيتي" [٢] "ثورة شعبية ومن صميم الشعب الإيراني" [٣] "رفعت منذ اللحظة الأولى وبشكل جدي شعار الوقوف إلى جانب العرب فـي نضالهم ضد العدوان الإسرائيلي ومن أجل استرجاع أراضيهم المحتلة وفـي مقدمتها القدس" [٤] "إنها انتصار لشعب إيران وانتصار لنا نحن العرب، وانتصار لكل من يناضل من أجل حريته ضد الاستعمار وضد العنصرية" [٥] "رأينا فـي الثورة الإسلامية عنوان نهضة وبداية تحول عظيم مادامت ترفع راية الإسلام، وقامت وانتصرت فـي ظل هذه الراية لتعيد إلى إيران موقعها الطبيعي فـي صف الشـعوب التي تواجه العدوان والصلف الاستعماري الاستكباري وتناضل ضدهما" [٦] "إن شعبنا فـي سورية يقابل بالتقدير والعرفان موقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية الثابت المؤيد لنضالنا والذي يعتبر أن أهدافنا مشتركة فـي تحرير القدس الشريف وسائر الأراضي العربية المحتلة، وفـي إنقاذ المسجد الأقصى والصخرة المشرفة وسائر المقدسات التي يستهدفها الاحتلال الصهيوني، ومقاومة الأطماع التوسعية الصهيونية فـي ديار العرب والإسلام" [٧].

وتعود الحرب المعلنة ضد إيران فـي رأي الرئيس الراحل إلى طبيعة الثورة فـي إيران، فقد شنت عليها الحرب "عندما أعلنت أنها ثورة إسلامية، وأنها قطعت علاقاتها مع إسرائيل، وأنها حطمت كل الاتفاقات التي كانت تجعل من إيران قاعدة أمريكية كبرى متقدمة فـي هذه المنطقة، وعندما رفعت غيرن الثورة الإسلامية شعار الأخوة مع العرب، وعندما رفعت شعار الكفاح ضد الصهيونية وقاعدتها إسرائيل، وعندما رفعت شعار الكفاح ضد الإمبريالية الأمريكية" [٨].

هذه العبارات كافـية دون شرح لأن تبين الصورة الواضحة للثورة الإسلامية فـي خطاب الرئيس الراحل الأسد، ويمكن فهم أهمية هذا الخطاب لو قارناه بما كان يصدر من الأوساط الأخرى من خطاب طائفـي عنصري ظالم تجاه هذه الثورة.

إن العبارات المقتطفة تبين استيعاب الرئيس الراحل للتحول الذي حدث فـي إيران وجذور هذا التحول وأثره على مستقبل المنطقة.

٢ - توضح موقف العرب منها

فـي حين أرادت الدوائر المعادية للثورة أن تصور حالة من الإجماع العربي على معاداة الثورة انبري الرئيس الراحل ليقول:

"اعتبرت الجماهير انتصار الثورة الشعبية فـي إيران انتصاراً لها، فـي ضوء هذا الفهم…. فـي ضوء ما حققته الثورة الشعبية الإسلامية فـي إيران، فـي ضوء ما رفعته من شعارات، فـي ضوء ما نادت به، فـي ضوء مواقفها المعلنة والحرب المستمرة التي شنتها دون هوادة على الإمبريالية بكل قواعدها ومفرزاتها وعملائها، فـي ضوء هذا كله اعتبرنا نحن واعتبرت الجماهير العربية فـي كل مكان انتصار الثورة انتصاراً لها، وفـي ضوء هذا أقام الكثير من العرب، حكومات، وأحزاباً، منظمات، شخصيات وطنية وقومية، أقاموا علاقات تعاون مع الثورة، بعضهم كانت له علاقة مع هذه الثورة قبل أن تقوم، وبعضهم أقام علاقاته مع هذه الثورة بعد أن تفجرت ونجحت" [٩].

"إن ثمانية عشر حزباً عراقياً معارضاً، دانت الحرب ضد إيران، والأحزاب العربية التي ترفع شعار الوحدة هي أيضاً عارضت الحرب، إن عدونا هو إسرائيل، هذا أمر متفق عليه، وكل من يقاوم إسرائيل ويتصدى لها يلتقي معنا، يقف معنا ونقف معه" [١٠].

وهذه حقيقة تلمستها بنفسي حين كنت أطوف فـي بعض البلدان العربية أو ألتقي بموسم الحج بالأخوة العرب، فقد وجدت التأييد الشعبي العربي الكبير للثورة الإسلامية الإيرانية والتفهم الواضح لطبيعة ما يشن عليها من حرب.

وأذكر أني فـي اجتماع عربي ذكرت أن الرئيس الراحل ينطلق فـي وقوفه إلى جانب الثورة الإسلامية من إرادة الشعب السوري، فنهض أحد الشخصيات العربية المعروفة وقال: بل ينطلق من إرادة الشعب العربي بأجمعه.

وكان - رحمه الله - يحذر من إضفاء حالة قومية على الحرب المعلنة ضد إيران ويقول: "لا نريد أن تقوم حرب عربية - فارسية، وأن تقوم حالة عداء تلازمنا وتلازم أجيالنا المستقبلية، لا أظن أن عاقلاً عربياً يفكر بموضوعية إلا يرى الأمر من هذه الزاوية… ولا يجوز لنا كعرب أن نقع فـي مثل هذا الشرك، وبكل تأكيد القوة المعادية للأمة العربية هي المستفـيدة من هذه الحرب" [١١].

٣ - آثار هذا الانتصار على الأمة العربية

بوضوح رؤية تامة كان يفهم الرئيس الراحل آثار الثورة الإسلامية الإيجابية على مصالح العرب، فقد أطاحت بأكبر تهديد على العرب يقول: "فـي إيران كان يقوم حكم دكتاتوري إمبراطوري معاد للأمة العربية، متعاون مع إسرائيل، يشكل قاعدة عسكرية وسياسية عملاقة فـي هذه المنطقة الاستراتيجية تعمل بجد ونشاط لتنفـيذ مخططات الإمبريالية العالمية، حكم دكتاتوري إمبراطوري له أطماع توسعية مما جعله يشكل خطراً دائماً مستمراً ومتزايداً على الأمة العربية وعلى الوطن العربي، هكذا كان الوضع فـي إيران. وجاءت ثورة شعبية لتقلب الأمور رأساً على عقب، فتطيح بالشاه، وتلغي الارتباطات الأجنبية الإمبريالية، وتلغي القواعد العسكرية الأجنبية، وتطرد من أراضيها الهيمنة والنفوذ الإمبرياليين. وتقطع كل علاقات إيران السابقة مع إسرائيل، وتنتقل لتأخذ مكانها فـي مجموعة بلدان عدم الانحياز، وتعلن تبنيها الكامل لقضية القدس وفلسطين والأراضي العربية المحتلة، وترفع شعار التحرير الكامل للقدس وفلسطين والأرض العربية المحتلة.

وتبعث هذه الثورة انعكاسات إيجابية على مجمل حركة النضال إقليمياً وعالمياً.

وتدخل هذه الثورة تعديلات هامة على التوازن الاستراتيجي بكل ما تعنيه كلمة استراتيجي. تدخل تعديلات على موضوع التوازن إقليمياً وعالمياً.

وتقف مع العرب دون تردد فـي العمل من أجل تحرير ما احتل من أرضنا وفـي استعادة حقوق شعب فلسطين" [١٢].

ويشير الرئيس الراحل إلى أحد المواقف العملية لإيران الثورة تجاه قضية عربية ويقول: "إن إيران الخميني ضد إسرائيل، ولما غزت إسرائيل لبنان عام ١٩٨٢ كانت إيران البلد الوحيد الذي أرسل قوات إلى لبنان" [١٣].

٤ - الدعوة إلى جبهة عربية إيرانية

ركز الرئيس الراحل على الإطار الحضاري الذي يجمع بين إيران وسورية، بل إيران والعرب، ودعا إلى جبهة عربية - إيرانية يقول:

"إنه لمدعاة الفخر والاعتزاز أن تكون أوثق رابطة تربط بين بلدينا هي رابطة الرسالة السماوية، رسالة الإسلام العظيم الذي لنا فـي قرآنه الكريم وتعاليمه ومبادئه خير موجه للسير على الصراط المستقيم، على طريق الحق والعدل والجهاد فـي سبيل الله.

ومنذ بدء الثورة الإسلامية فـي إيران رأينا فـي المبادئ التي التزمتها والشعارات التي رفعتها انطلاقاً من رسالة الإسلام أساساً متينا لتعزيز العلاقات بين بلدينا بخاصة، وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدول العربية بعامة، ومارسنا سياستنا على هذا الأساس، وعملنا بصدق لتحقيق هذه الغاية" [١٤].

ويقول: "كانت سورية تنطلق دائماً من الحرص على تقوية التعاون وتمتين علاقات الأخوة والمودة بين العرب والإيرانيين، لن ما يربط بينهم من قيم وتاريخ يمكنهم من تمتين هذه العلاقات والصلة، ولذلك كنا نخاطب جميع من يعنيهم الأمر ونقول لهم: إن الحرب يجب أن تتوقف، وأن ترافق التوقف جبهة موحدة بين العرب وإيران. لأن مصلحة العرب ومصلحة إيران ومصلحة القيم التي يحملها العرب وتحملها إيران تقتضي تعميق الروابط فـيما بينهما بحيث تكون العلاقات العربية - الإيرانية نموذجاً للعلاقات التي يجب أن تقوم بين الدول الإسلامية الأخرى" [١٥]. "ونرجو…. أن نعمل من أجل بناء جبهة عربية إيرانية، وإسلامية فـي نهاية الأمر، ليس لنعتدي على الآخرين، ولا لنعتدي على أحد، وإنما لندافع عن مصالحنا وآمالنا وأمانينا، نحافظ على دورنا، ونعزز دورنا الذي يجب أن يكون لنا على هذا الكوكب الذي نعيش عليه" [١٦].

٥ - مقاومة الضغوط

لم يكن موقف الرئيس الراحل تجاه إيران الثورة دون ثمن، ولابد أنه تعرض لجبال من الضغوط. أحد الوجوه الدينية السورية المعروفة ذكر لي أن الرئيس الأسد كان يكرر قوله: إنني أواجه من الضغوط ما لو واجه صخرة كبيرة لهشمها.

التقيت مرة بزعيم عربي فـي بيته فقال لي: حين تخرج سيطلب السفـير الأمريكي لقاء ليحذرني من أي تقارب مع إيران وليبين لي النشاط الإرهابي الذي تنوي إيران ممارسته فـي المنطقة العربية، وإذا كان اللقاء مع إيراني عادي مثلي له هذه التبعات فما بالك بالموقف الهائل الذي اتخذه الرئيس الأسد من إيران الثورة.

لا أريد أن أدخل فـي التفاصيل فما واجهه الرئيس الأسد على الصعيد الداخلي والإقليمي والعالمي من ضغوط لا يخفـي على أحد، لكنه قاومها وخرج منتصراً، ثم ذاق حلاوة صبره وصموده حين اكتحلت عيناه فـي آخر حياته بالنصر المبين فـي جنوب لبنان.

أقف فقط قليلاً عند مقاومته لموجة التشكيك التي واجهته باسم العروبة جراء موقفه من إيران الثورة. يقول لمن يعتب عليه بسبب عدم اتخاذه موقف مناهض لإيران أيام الحرب:

"بينما نحن نبحث فـي الغرب والشرق من أجل أن نكسب عضو كونغرس أو كتاباً فـي أوروبا أو صحفـياً فـي أمريكا يريدوننا أن نحارب شعباً من خمسة وأربعين مليون إنسان رفع من جديد لواء الإسلام" [١٧].

ويرفض بشدة ذريعة "الحدود" فـي شن حرب على إيران الثورة ويقول:

"ولنفرض أيضاً أن خلاف الحدود القائم بيننا وبين إيران خلاف له أهميته، ولكن هل هذا الخلاف ضاغط إلى هذا الحد الذي يفرض علينا أن نشن الحرب وفـي هذا الوقت بالذات على إيران؟ هل هذا الخلاف ضاغط إلى هذه الدرجة لنفجر حرباً تطغي على أمورنا الأخرى الهامة بل على أهم قضايانا القومية؟

ثم كيف نرى قضايا الحدود؟ هل يجوز أن نعالج صراع الحدود على حساب صراع الوجود؟ … ثم أين هي الدولة العربية التي ليس لها مشاكل حدود؟ لو نظرنا إلى الوطن العربي من مغربه إلى مشرقه قلما نجد دولة عربية ليست لها مشاكل حدودية. فلو كان على كل دولة عربية لها مشاكل حدودية أن تعلن الحرب لطغي الصغير على الكبير ولانتهت قضية فلسطين - وهي قضية العرب الأم - أسوأ نهاية عرفتها أية قضية فـي العالم، ولأصبحت إسرائيل سيدة هذه المنطقة بدون منازع. ألا يدركون هذا" [١٨].

ثم دخل الضاغطون على الرئيس الراحل من مدخل آخر لثنيه عن موقفه تجاه إيران، وهو إلصاق تهمة تعاون إيران مع إسرائيل. وهي التهمة التي سخر منها الإمام الخميني (رض) حين قال: "إن الوجه الآخر من هذه التهمة يعني أن إسرائيل أنجس من الكلب لأن الكلب إذا ألقي فـي البحر لا يتنجس البحر أما إسرائيل فـيريدون إلصاقها بإيران الإسلام لتنجيسها، وهيهات أن تصيبها لوثة إسرائيل".

بالمناسبة لقد كان على إسرائيل ديون كبيرة لإيران من أيام الشاه، وأبدى الصهاينة استعدادهم لتسديد ديونهم بعد دراسة مقدارها ضمن لجنة مشتركة، ورفضت الجمهورية الإسلامية أن يجلس إيراني معهم وأعرضت عن تلك الديون.

فـي هذا الشأن يقول الرئيس الراحل: "لابد أن يحكم المرء عقله فـي هذه الأمور لا أن ينساق وراء كلام أو حملات تحمل أهدافها الخاصة وتفتقر إلى الموضوعية والتجرد، فثورة ترفع راية الإسلام وتضع فـي صميم مبادئها تحرير القدس من احتلال إسرائيل، وتقطع منذ اللحظات الأولى العلاقات التي أقامها الشاه مع إسرائيل، وتتخذ موقفاً من قضية فلسطين هو نفس الموقف العربي الصلب، وتستظل منذ أن قامت وحتى الآن بعناد وقوة بمطلة الإسلام ومبادئه، ثورة بهذ١ الشكل وبهذا المضمون لا يمكن أن تتعامل مع إسرائيل…. وأريد أن أقول فـي هذا المجال إن الحملة غايتها بهذا الكلام التشويش على الثورة الإسلامية فـي إيران ولا شيء آخر" [١٩].

ولابد أن أشير إلى موقف من مواقف الرئيس الراحل، قرأت عنه أخيراً، فهو يعبر من جهة عن شدة الضغوط، كما يعبر من جهة أخرى عن الموقف الشهم الشجاع:

"فـي أحد اللقاءات السياسية قال جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا للرئيس الخالد: إن أبواب العالم الموصدة أمامكم بإمكانكم فتحها لو تخليتم عن دعم حملة العمائم والذقون الذين يمثلون الإرهاب بكل صورة…. فأجاب الرئيس الخالد:

إذا كنتم تعتبرون أن العمامة واللحية التي تتقاتل من أجل أرضها وحقوقها هي الإرهاب، فلا تستغربن إن رأيتني فـي زيارتكم القادمة قد تعممت وطالت لحيتي" [٢٠].

تقويم الموقف

باختصار المشروع الإسلامي الذي انطلق من الجزيرة العربية يحمل كل مقومات دفع المسيرة البشرية نحو تحقيق أهدافها الإنسانية فـي العدل والسلام والإخاء، لكن الاختلافات القبلية والعنصرية التي اهتم رسول الإسلام أن يستأصل جذورها برزت بعده، فأفرزت ظهور الملك العضوض، وكان ذلك انتكاسة للمسيرة الحضارية، لكن المسيرة تواصلت بسبب ما فـيها من زخم إنساني فطري هائل. وهذه الاختلافات نفسها عصفت بالحكم الأموي وبالحكم العباسي، وهيأت العالم الإسلامي لغزو خارجي، فاجتاحنا المغول، لكنهم لم يكونوا يملكون مشروعاً بديلاً، فذابوا فـي المسلمين، ثم ساهموا هم أيضاً فـي المسيرة الحضارية التي تواصلت رغم تعثرها، ومرورها بحالة ركود واجترار وقلة إبداع.

وفـي عصر الركود قامت دول كان بإمكانها لو تعاونت أن تعيد المسيرة إلى سالف مجدها، لكن الموروث الطائفـي والعنصري عصف بها ليحول تاريخها إلى نزاعات وحروب، وفـي حالة الضعف هذه نهض المارد الغربي يحمل مشروعاً بديلاً للمشروع الإسلامي، ويمتلك قوة عسكرية وتقنية تخلّف عنها المسلمون.

استطاع الغرب إن يقتحم المسلمين من خلال ثغراتهم وأهمها ثغرات الخلافات الطائفـية والعنصرية. فسيطر سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وأهم من ذلك سيطر "نفسياً".

لكن الطاقة المخزونة فـي الأمة لم تدعها تستسلم، فأعربت عن وجودها من خلال نهضات التحرر، وحققت انتصارات هنا وهناك، وكان الانتصار الكبير فـي إيران، لأنها أريد لها أن تكون قاعدة الهزيمة، وإذا بها تتحول إلى قاعدة للنهوض والانتصار، ولتحدي قوى الهيمنة العالمية.

إنه تحول يمتلك من الرصيد الفكري والشعبي ما يجعله قادراً على إعطاء زخم كبير لمسيرة حضارة الأمة، ويعيدها إلى اتجاهها الصحيح.

هذا ما فهمته تماماً قوى الهيمنة العالمية، فتصدت لظاهرة الثورة بشتى السبل، وأهمها شن حرب عليها باسم الطائفـية والعنصرية، مستخدمة الموروث من سلبيات الماضي.

كانت كل الظروف العالمية والإقليمية مهيئة لحرب تستنزف فـيها طاقات العرب والإيرانيين ويتهيأ الجو تماماً لسيادة إسرائيلية فـي المنطقة يحقق لها حلم إقامة دولتها من النيل إلى الفرات.

هذا الفهم لتاريخ المنطقة وتفاصيل تطوراتها ولمخططات الاستكبار والصهيونية كان حاضراً بوضوح فـي فكر الرئيس الراحل الأسد.

وإلى هذا أشار الدكتور حبيبي المساعد الأول للرئيس الإيراني فـي حفل التأبين السنوي إذ قال:

"إنني شخصياً على ضوء لقاءاتي العديدة والطويلة مع الرئيس الراحل خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته لا أزال أشيد دوماً بما شهدته منه من معلومات واسعة وإلمام ملحوظ سواء فـيما يتعلق بتاريخ المنطقة وتفاصيل تطوراتها أو بمخططات الاستكبار والصهيونية…. " [٢١].

وانطلاقاً من هذا الفهم ساهم بقوة فـي إحباط أكبر مؤامرة واجهت مسيرة الحضارة الإسلامية فـي العصر الراهن وكان من نتائج هذا الموقف تصاعد قوة المنطقة فـي مواجهة التحديات، ظهرت هذه القوة فـي جنوب لبنان وفـي الأرض المحتلة، كما ظهرت فـي إعلان مشروع حوار الحضارات، وهو يعني أن الأمة المسلمة قادرة على الدخول فـي الساحة العالمية لتحول الصراع المعلن إلى حوار، ولتقدم مشروعها على مستوى العصر وبلغة العصر ليكون البديل للمشاريع التي أعلنت إفلاسها فـي العصر الحديث.

وكان بإمكان هذه القوة أن تكون أكبر وأعظم لولا الحرب الأولى والثانية فـي المنطقة… ونسأل الله أن يقينا الاستدراج إلى الثالثة…. فالخطط تحبك ليل نهار، وليس أمام العرب ولا أمام الإيرانيين إلا تحقيق أمنية الرئيس الراحل، وهي نفسها أمنيـة الإمام الخميني فـي إقامة تضامن عربي - إيراني، بل إسلامي يصون وجودنا من الاختراقات والاستفزازات، ويجعلنا قادرين على أن نتعامل بنديـة مع التكتلات العالمية القائمة.

د. محمد علي آذرشب

[١] حديث صحفـي لمجلة تايم الأمريكية ٤ / ٠ / ٨٦.

[٢] المصدر نفسه.

[٣] المصدر نفسه

[٤] حديث صحفـي لبعثة إعلامية أمريكية ١٤ / ١٠ / ٨٦.

[٥] حديث فـي زيارة رسمية لإيران ٢٣ / ٩ / ٩٠.

[٦] المصدر نفسه.

[٧] حديث الرئيس الراحل فـي مطار طهران ٢٦ / ٩ / ٩٠.

[٨] حديث بمناسبة ثورة ٨ آذار ٨ / ٣ / ٨٢.

[٩] خلال بيان عسكري لشبيبة الثورة ٨ / ١١ / ٨٠.

[١٠] حديث صحفـي لمجلة تايم الأمريكية ٤ / ١٠ / ٨٦.

[١١] المصدر نفسه.

[١٢] المصدر نفسه.

[١٣] حديث صحفـي لبعثة إعلامية أمريكية ١٤ / ١٠ / ٨٦.

[١٤] حديث فـي زيارة رسمية لإيران ٢٣ / ٩ / ٩٠.

[١٥] المصدر نفسه.

[١٦] حديث الرئيس الراحل فـي مطار طهران ٢٦ / ٩ / ٩٠.

[١٧] حديث صحفـي لبعثة أمريكية ١٤ / ١٠ / ٨٦.

[١٨] خلال بيان لشبيبة الثورة ٨ / ١١ / ٨٠.

[١٩] حديث صحفـي للصحافة الكويتية ١٣ / ١٢ / ٨١.

[٢٠] مقال: هل تطلع الشمس من الجنوب، د. صابر فلحوط، صحيفة البعث ١١٥٠٤.

[٢١] من كلمة الدكتور حسن حبيبي فـي حفل الذكرى السنوية بالقرداحة ١٠ / ٦ / ٢٠٠١.



[ Web design by Abadis ]