ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الجد و اللعب فـي الإبداع الفنّي

يصعب على جامعي أن يترك جامعته وزملاءه وطلبته ليتوجه إلى مهمّة خارج بلده، وكنت أعاني هذه الصعوبة وأنا أودّع لاستلام مهمّتي مستشاراً ثقافـياً فـي دمشق، غير أنّ ما وجدت من فرص اللقاء العلمي بجامعتي دمشق وحلب وغيرهما من الجامعات السوريّة جعلني أشعر بأنّي لم أفقد شيئاً.

من الفرص التي أُتيحت لي خلال تعرّفـي على جامعة حلب الاطلاع على رسالة مخطوطة ضمن رسائل الماجستير تحت عنوان: "الإبداع الفنّي بين الجد واللعب فـي النقد العربي القديم" أعدتّها السيّدة "سلوى الحلو" الطالبة سالفاً والأستاذة فـي قسم اللغة العربيّة بالجامعة حاليّاً.

عنوان الرسالة شدّني إلى تصفّح أوراقها، فرأيت بين سطورها ما دعاني إلى قراءتها بجدّ واهتمام وإمعان. أمّا العنوان فقد جاء منسجماً مع ما فـي ذهني من تساؤلات حول مستقبل الأدب فـي عصرنا. كثير من طلاب الآداب بل بعض أساتذة الآداب من لا يرى فـيما يتخصص فـيه جدوى فـي عالم الذرّة والحاسوب وغزو الفضاء والعولمة وهيمنة المعادلات العلميّة والاقتصاديّة، فما بالك بالمشتغلين خارج حقل الأدب!

أهذه الحالة نذير بانحسار الأدب والفن الأصيل والذوق الجمالي الأصيل؟ وإذا انحسر الذوق الجمالي الذي يسمو بالإنسان ألا يحلّ مكانه الذوق الجمالي السرابي الذي يجرّ إلى مستنقع الرذيلة والفساد والانحراف!

هذه أسئلة هامّة تساور ذهن كل إنسان يفهم الفنّ السامي للأدب والفن، ويفهم دورهما فـي السمو بالمجتمع الإنساني وإنقاذه من الجمود والتمزّق والضياع.

ثم وجدت فصول الرسالة كلّها مركّزة حول هذه المحاور الهامّة، تركيزاً منطقيّاً وعلمياً، وفـي لغة عربيّة سليمة تنم عن عمق وذوق.

الباحثة فـي مدخل رسالتها تحت عنوان: "الإبداع الفنّي بين الفكر والشعور" لامست كبد الحقيقة حين فسّرت إبداع الكائن البشري بأنّه "ذروة سعيه لإظهار الطاقات والقدرات الكامنة فـيه" وأهمّ من ذلك قولها: "فالإبداع يتحقق وجوده وطموحه الإنساني بغية جلاء ما خصّه به الخالق، ومنحه إيّاه من عقل وصورة، فالإنسان يسعى دائماً للتمثّل بالخالق العظيم، وهو فـي هذا التمثّل يسعى إلى تمام التقويم الذي أشار إليه القرآن الكريم فـي قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان فـي أحسن تقويم) ".

هذا الذي أشارت إليه الباحثة ومرّت عليه بسرعة يعبّر عن نظريّة "الفطرة" فـي الأدب، وهي نظريّة قرآنيّة، إضافة إلى أنّها موضع اهتمام الباحثين القدامى والمتأخرين فـي نشأة الأدب.

هذه النظريّة تصلح أن تكون أساساً نقديّاً هامّاً للأدب والفن، وتصلح أن توجّه الآداب والفنون نحو التأصيل والمعاصرة ونحو الإبداع الحقيقي الخالد.

الإنسان بموجب هذه النظريّة فـيه "نفحة" من ربّ العالمين، وهو يسعى فطريّاً إلى "التخلّق بأخلاق الله" من علم وقوّة وجمال وإبداع وغنى وكرم وسائر صفات الجلال والجمال.

"حركة" الإنسان على ظهر الأرض هي تحقيق مهمّة "الاستخلاف"، وهذه المهمّة تستدعي السير على طريق "التمثّل بالخالق العظيم" كما قالت الباحثة. ولكن هذه الحركة قد يعتريها الانحراف فتخلد إلى السكون، ويكون المثل الأعلى عندئذ "الذات الفرديّة"، ويصبح الفرد "إلهه هواه"، أي يصبح مثله الأعلى ذاته الفرديّة، وهمومه اليوميّة، وهذا المثل الأعلى ليس فـيه أية طاقة دافعة للحركة… أيّة حركة… حركة الإبداع والتطوير فـي جميع مجالات الفنون والعلوم.

وقد يكون "الانحراف" من نوع آخر، نوع فـيه حركة… ولكن حركة نحو مثل أعلى سرابي. فـيتجه الإنسان "الظمآن" إلى المثل الأعلى الحق بفطرته… يتجه نحو هذه الآلهة السرابية، "كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً".

أمّا حركة الإبداع الحقيقيّة المستمرّة اللانهائيّة فتحدث فـي الفرد والمجتمع حين تتجه المسيرة نحو "المثل الأعلى الحق" سبحانه وتعالى.

هذه النظريّة يمكن أن تفسر لنا حركة التاريخ بأجمعه وحركة الأمم على الساحة التاريخيّة… ولا مجال للتفصيل فـيها أكثر من هذا القدر، لكن الذي أردت أن أشير إليه هو أنّ الباحثة فـي مدخل دراستها قد دخلت البيت من بابه، وولجت الموضوع من جذوره، لذلك حالفها التوفـيق فـي كل فصول البحث.

الأديب الموهوب والفنّان الموهوب إذن يرتفعان عن الذات الضيّقة، ويعشقان هدفاً أسمى من نوازع "الطين" و"الأنا"، وهذه حقيقة كل المبدعين حتى فـي مجال الاختراعات العلميّة، وهذا موضوع يحتاج إلى دراسة مستقلّة.

والعاشق يهب كل وجوده لما يعشقه إن كان صادقاً فـي عشقه، وهذا البذل فـي سبيل المعشوق يفتح على الإنسان أبواب الإبداع والابتكار: "والذين جاهدوا فـينا لنهدينهم سبلنا". وقد أشارت الباحثة ضمن اسـتعراضها لنظريّات الإبداع إلى تفسير يونغ "لعمليّة الإبداع"، وهو تفسير يلامس حقيقة ما قلناه ويقترب من فلسفة الإشراق الإسلاميّة حيث يذهب إلى أنّ إبداع المبدع يشرق عليه فـي لحظة، وتتحوّل بعد أن يناقشها اللاشعور إلى موضوعات خارجيّة يمكن أن يتأمّلها الآخرون (الرسالة ص٧). وهنا النوع من التفسير للإبداع يشمل كما ذكرت الإبداع العلمي والمختبري أيضاً (انظر ترجمتنا لكتيّب الأستاذ مرتضى مطهّري: الإمداد الغيبي فـي حياة البشريّة).

من هنا فإنّ عمليّة الإبداع مظهر من مظاهر حركة المجتمع، وإذا فقد المجتمع إبداعه الحقيقي فقد فَقَد حركته فـي جميع مجالات الحياة. ولذلك نرى الإبداع الأدبي والفنّي يقترن فـي المجتمعات بحركة ذلك المجتمع فـي جميع مجالات الثقافة والعلم. ولهذا كان الفنّان - كما يقول إليوت - هو الشخص الذي يسعى دائماً إلى الحركة والتطوّر لا إلى الجمود والتكرار (الرسالة ص٨). ثم إنّ الفنّ ارتقاء وسموّ… ارتقاء وسموّ إلى ما وراء هذه الظواهر المحسوسة، ونقلة إلى عالم نرى فـيه الحقيقة أنصع وأوضح مما نراها ونحن وراء جدران الحس لمادي… لذلك كان الفن "أحد الوسائل التي تساعدنا على أن نرى العالم كما هو حقيقة" كما يقول إليوت (الرسالة ص٨).

وإذا قال الباحثون: "إنّ الفن تحقيق للذات" فإنّما يقصدون أنّ الإنسان لا يعرف نفسه ولا يعرف العالم الذي يحيط به إلا إذا حلّق فـي عالم يسمو على هذا العالم المحسوس.

وثمّة مسألة أخرى ترتبط بالإبداع هي "الوحدة" و "الانسجام" فالأفراد العاديّون يرون ظواهر الكون متفرّقة موزّعة، ولا يشعرون بالانسجام بين هذه الظواهر، والمبدع وحده حين يرتفع لا يرى ظواهر الكون والطبيعة والمجتمع متفرّقة موزّعة، بل يشعر بما فـيها من انسجام وتوازن وتعادل وتآلف، يشعر أيضاً بانسجام فـي نفسه بين النفس والعقل والقلب (الرسالة ص١٤)، وبين العقل والشعور (الرسالة ص٩)

وهذه الرؤية فـي التجانس والتآلف بين ظواهر الكون أساس عمل العلماء فـي تجاربهم العلميّة، وأساس عمل المصلحين فـي دعوتهم إلى وحدة المجتمعات البشريّة، وأساس عمل كل المبدعين وخاصّة الأدباء والفنانين الموهوبين الذين يؤلفون من الأشياء التي تبدو أنّها متجزّئة ومتباعدة أو متضادة ومتناقضة، يؤلفون منها وحدة تبهر العقول وتشدّ السامع والمشاهد إلى عالم جديد.

وتبقى قضيّة "الجد" و "اللعب" فـي العمل الأدبي. والباحثة استعرضت آراء الأقدمين والمحدثين فـي هذا المجال (الرسالة ص ٢١ - ٢٦). وهي مسألة على غاية من الأهمّية لأنّها تجيب على سؤال طرحناه فـي بداية هذه السطور عن أهمّية الأدب الذي يصدر عن دائرة "الشعور" فـي الإنسان، وهل له قيمة إزاء ما يصدر عن دائرة "العقل"؟ !

قد يبدو للبعض أنّ العالم يسيّره العقل، ولغة الشعور لغة ترف ومتعة وبطر وتحليق فـي عالم خيالي لا طائل تحته!

بداية نذكر أنّ عمليّة الإبداع يزول فـيها الانفصام بين العقل والشعور، لأن العمل الإبداعي كما ذكرنا وليد نظرة ينسجم فـيها الكون بكل مظاهره التي تبدو متناقضة، وينسجم فـيها الإنسان مع شعوره وعقله وقلبه وكل مواهبه.

ثم إن لغة الشعور ليست لغة "بطر" و "ترف" و "لعب" إنّها اللغة الصادرة عن المنطقة الحارّة الساخنة المتوهّجة من وجود الإنسان، خلاف لغة العقل البحتة الصادرة عن المنطقة الباردة من وجود الكائن البشريّ. وهذه المنطقة الساخنة وراء كل ما فـي الكون من حركة ونشاط وديمومة واستمرار.

كل العلاقات السلبيّة والإيجابيّة بين البشر من حرب وحب وصدام ووئام إنّما مبعثها هذه الدائرة الساخنة فـي وجود البشر. بل وكل تعمّق فـيما وراء هذه الظواهر المتفرّقة فـي الكون، واستشعار ما فـيها من انسجام وجمال إنّما هو بفضل هذه الدائرة الشعوريّة الساخنة، والعرفاء يرون أنّ معرفة "الله" لا تتم إلا بهذه الدائرة الشعوريّة لأنّ "أرجل الاستدلاليين خشبيّة" كما يقول جلال الدين المولوي. وإذا طغى العقل على سلوك الإنسان ضعفت الروح وخبت، كما نقلت الباحثة عن المفكرين الغربيين (الرسالة ص٣٥).

والخيال العلمي أصبح له دور عظيم فـي المخترعات والمكتشفات، وهو خيال يعبّر عن طموح لم يتحقق لدى الإنسان، يعبّر عن التعارض بين "النفخة" التي لا تريد للإنسان أن يكون محدوداً فـي كل ما يريد، وبين "الطين" الذي يجعله محدوداً فـي الزمان والمكان والإمكان.

يعبّر الأديب فـي أسطورته أو فـي روايته عمّا تطمح إليه البشريّة ولم تواتها الفرصة لتحقيقه. ثم يتحوّل هذا الخيال إلى حقيقة بعد مئات السنين أو آلاف السنين.

من هنا إذا أردنا باللعب العبث، فليـس فـي عالم الأدب لعب، وإن كان المقصود باللعب الدخول إلى عالم الشعور والانطلاق فـيه والانعتاق من قيود العقل البارد وحدوده، فهو إذن "نوع جديد من القدرة الإبداعيّة على التأليف والتركيب والإلغاء" كما تقول الباحثة، (الرسالة ص٣٥) وهو وراء كل ما فـي البشريّة من تقدّم وتطوّر.

هذه وقفة قصيرة عند مدخل الرسالة، وعسى أن أوفّق لوقفات عند فصولها.

وأرى لزاماً أن أهنّئ الباحثة وجامعة حلب وكليّة الآداب وقسم اللغة العربيّة فـيها، على هذا المستوى المرموق الجادّ الذي يجمع بين "الأصالة" و "المعاصرة" فـي رسائلها.

د. محمد علي آذرشب



[ Web design by Abadis ]