ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الإمام علي العطاء الحضاري المتواصل

كل أعمالنا الثقافـية يجب أن تتجه نحو خدمة (الإنسان) فـي هذه المجموعة الحضارية… هذه حقيقة يفرضها العقل وتفرضها الأديان السماوية … كما أنها ضرورة قصوى فـي واقعنا الذي يُراد فـيه لهذا الإنسان أن يرضخ لمعادلات الهيمنة العالمية، وأن يُفرغ من محتواه، وأن يُنتزع من إرادته.

ومراعاة الأولويات أيضاً ضرورية فـي مشاريعنا الثقافـية، فالأعمال الجيدة كثيرة، لكنناـ فـي دائرة إمكاناتنا المحدودة - لابد أن يكون لنا سُلّما فـي الأولويات عند اختيار الموضوع.

ومن المشاريع الهامة المطروحة بقوة أمام واقعنا الثقافـي وضع منهج (إنساني) لدراسة ماضينا وانعكاساته على حاضرنا. فنحن مجموعة حضارية لها جذور تمتدّ فـي أعماق الزمان، والأحقاب التي مرّت على أمتنا بحلوها ومرّها تركت بصماتها الواضحة على واقعنا. فكيف نستطيع أن نحوّل هذه الجذور الحضارية إلى قاعدة صلبة تستطيع أن تحافظ على تماسك أمتنا، وتعيد إليها تدفق الإنتاج الحضاري؟ هذا ما يحتاج إلى منهج (إنساني) فـي دراسة الماضي، يضع مصلحة الإنسان فوق كل مصلحة، وحقيقة تماسك الأمة فوق كل حقيقة، وهدف الحركة الحضارية فوق كل هدف.

إن العقلية الهادفة المستقبلية تقرأ التاريخ (للاعتبار) من هنا أطلق ابن خلدون على موسوعته التاريخية اسم (العبر) ليكون درساً للأجيال، وحاول فـي (مقدمته) أن يضع منهجاً وقوانين لتغير أحوال الأمم والشعوب.

على العكس من ذلك العقلية المتخلفة، التي نشاهد بعض مظاهرها حتى فـي زماننا هذا، تعيش فـي الزوايا المظلمة من التاريخ وكأنها لا ترى (الإنسان) ولا (الحياة) ولا (الأهداف الكبرى) لا فـي الماضي ولا فـي حياتها الراهنة.

من أجل أن نساهم مع المفكرين العرب عامة والشاميين بشكل خاص فـي (أنسنة) دراسات حضارتنا، عزمنا على إقامة ندوة (الإمام علي … العطاء الحضاري المتواصل).

وقد وضعنا فـي منهج أعمالنا السنوي دراسة شخصيات أخرى بالمنظور الحضاري الرائد مثل:

الصحابي بلال الحبشي (مرقده فـي دمشق)، وشهاب الدين السهروردي (مرقده فـي حلب)، والسيد محسن الأمين (مرقده فـي ريف دمشق)، وعسى أن نستطيع بتعاون العلماء والمفكرين من سورية ولبنان والأردن ومصر وإيران أن نخطو مع كل السائرين على طريق البناء الحضاري لأمتنا لما فـيه صالح (الإنسان).

وإذا اخترنا الإمام علي لبداية سلسلة ندواتنا هذه فلأسباب أولها:

أن الإمام السيد علي الخامنئي أعلن السنةَ الماضية والتي قبلها بأنهما سننتا الإمام علي… وفـي اعتقادنا أن هذا الرجل لا ينبغي أن يتحدد بزمان… بل إن (السنة) يجب أن نكون منطلقنا نحو السير على هدى عطاء هذا الرجل الكبير… من هنا جاء اسم الندوة: الإمام علي … العطاء الحضاري المتواصل… لدراسة كيف نواصل سنة الإمام علي.

والثاني، أن ما كتب عن الإمام فـي القديم والحديث يدلّ على أن شخصيته ذات بعد إنساني لا يقتصر على مذهب أو دين… فالمسلمون بمختلف مذاهبهم كتبوا عنه، بل وكتب عنه غير المسلمين، بل حتى غير المؤمنين بالأديان الإلهية. لسبب واحد لا غير… وهو أن الإمام قدّم من خلال ما وصلنا منه من نصوص ومواقف مشروعاً للحياة يقوم على محور حفظ عزّة وكرامة الإنسان… أي إنسان على ظهر الأرض… وكل ما نجده فـي النصوص والمواقف إنّما يشكل فروعاً لهذا الأصل الهام فـي خطاب الإمام.

والثالث، إن مشروع الإمام - وهو مشروع الإسـلام فـي نقائه التام - يتضمن مجالات مضيئة نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى إعادة النظر فـيها منها: العلاقة الحضارية مع الآخر، ومنها: طريقة توزيع الثروة، ومنها العلاقة بين الحاكم والشعب، ومنها: الأساس فـي التعامل مع الأفراد، ومنها: التضحية بالمصالح الشخصية من أجل الهدف الكبير، ومنها: منزلة العلم والعلماء فـي المجتمع و… وأمثالها كثير مما نحتاجه أشدّ الاحتياج فـي واقعنا ومستقبلنا.

من أجل كلّ هذا كانت الندوة حول العطاء المتواصل للإمام علي… ثم إن حضور آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي رئيس مجلس القضاء الأعلى وضيف سورية الكبير فـي جلسة افتتاح الندوة سيكون فرصة ليحدثنا عن تجربة (العدالة) فـي قضاء الإمام علي، وعن المعايير الخالدة لتلك التجربة مما يستطيع أن يرفد مسيرتنا الحضارية فـي عالم يُراد فـيه سحق كل قيم العدالة والإنسانية بقوة البطش وبصولة الفتك … ومن الله التوفـيق.

د. محمد علي آذرشب



[ Web design by Abadis ]