ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الحوار الحضاري

أساس العلاقات بين الشعوب

بمناسبة انعقاد مؤتمر "كيف نواصل حوار الحضارات

قبل سنة ٢٠٠١ أقام مركز الدراسات الثقافـية الإيرانية العربية، التابع للمستشارية الثقافـية للجمهورية الإسلامية الإيرانية فـي دمشق، مؤتمراً تحت عنوان "كيف ندخل سنة حوار الحضارات" طرح فـيه الباحثون المفاهيم الفلسفـية للحوار ودروسه على ضوء العلاقات الدولية القائمة آنذاك، كما طرحوا بعض الرؤى المستقبلية وكثيراً من التساؤلات التي تنتظر الإجابة فـي الممارسة العملية خلال سنة حوار الحضارات.

يبدو للوهلة الأولى أن ما شهدته سنة ٢٠٠١ من حوادث فـي شهر أيلول فـي واشنطن وفـي كل شهر على أرض فلسطين المحتلة قد صادر مشروع حوار الحضارات، وحوّل الأحداث إلى صراع حضاري… وأنا لي فـي هذا المجال رأي آخر لا يمكن توضيحه إلا بمقدمة فكرية.

أسباب الصراع

لا يختلف اثنان فـي أن الصراع كان قائماً على الساحة البشرية خلال كل عصور التاريخ على مستوى الأفراد والجماعات والدول… لكن الاختلاف هو فـي تفسير أسباب هذا الصراع، وكلما اقتربنا من التفسير الصحيح لهذه الظاهرة استطعنا أن نقترب من وضع المشروع المناسب لتحويل حالة الصراع إلى حوار. واكتفـي بعرض سريع لبعض الآراء فـي هذا المجال وأخرج بالرأي المختار.

أكبر نظرية أوروبية انتقدت بعمق وذكاء النظام الرأسمالي الغربي هي الماركسية فقد شاهد "ماركس" الصراع القائم فـي المجتمعات الأوروبية بين الأقوياء والضعفاء وشاهد ما تعانيه الطبقة العاملة من كدح وعناء وقسوة وظلم؛ فدعاه إلى التفكير فـي ذلك طويلاً بنظرية المادية التاريخية التي تعزو كل صراع فـي التاريخ إلى أدوات الإنتاج، فهذه الأدوات بتطورها تخلق تناقضاً بين مصالح الفئة المالكة والشغلية، ويؤدي ذلك إلى صراع، وهذا الصراع الطبقي هو أساس كل صراع فـي المجتمعات البشرية، ويستمر الصدام حتى ينفجر فـي ثورة، تجسده الطبقة العاملة، وبذلك تقضي على التناقض الطبقي، وتوحّد المجتمع فـي طبقة واحدة تمثل كل أفراد المجتمع، وإذا أزيل التناقض الطبقي زالت كل التناقضات الفرعية والثانوية من المجتمع.

طموح "ماركس" وكل "الماركسيين" لحل الصراع فـي المجتمعات البشرية ولدفع مسيرة هذه المجتمعات إلى الشاطئ الأمن والسلام يدل على أمنية عميقة متأصلة فـي نفس الإنسان نحو علاقات إنسانية سليمة سلميّة، لكن هذه الأمنية لم تتحقق لأسباب تعود إلى تفسير أسباب الصراع، وقد أثبت وقائع القرن الماضي أن الأمور جرت خلاف ما كان يتوقعه ماركس ويتمناه، وأن نظريته دفعت الرأسماليين إلى سد الثغرات التي يمكن أن تؤدي إلى سقوط مجتمعاتهم كما سنرى.

الرأي الآخر الذي استعرضه بسرعة فـي هذا المجال هو ما قدمه "فوكوياما" فـي كتابه "نهاية التاريخ الإنسان الأخير".

وهذا الرأي يذهب إلى أن الصراع بين البشر يقوم على أساس رغبة الاعتراف أو المسمّى بـ"التيموس" فـي الحضارة اليونانية القديمة… فثمة نزعة فـي الأفراد والجامعات البشرية إلى الاعتراف بشخصيتهم وكرامتهم، ومتى ما تعرض الأفراد الجامعات البشرية إلى الحط من كرامتهم يهبون للدفاع عنها وتثور الصراعات الفردية والجماعية. ويعتقد أن النظم الديمقراطية الليبرالية الغربية بفضل ما وفّرته للإنسان من متطلبات كرامته، هي أفضل ما توصل إليه الفكر البشري لإنهاء حالة الصراع فـي المجتمع.

وهذا الرأي - خلافاً للماركسية التي ترى أن سبب الصراع يعود إلى شيء خارج الإنسان وهو تطور وسائل الإنتاج - يرى أن الصراع ناشئ من سبب يتعلق بتكوين الإنسان وهو "رغبة الاعتراف" أو "التيموس" أو بتعبير أوضح رغبة الحصول على كرامته الإنسانية.

ولكن هل استطاعت الليبرالية الغربية أن تنهي الصراع فـي المجتمع، ألم تفرز فـي داخل أوطانها الحروف العالمية والإقليمية والقومية؟ … ألم نشهد ما جرى فـي ساحة الغرب من ردود أفعال ساخطة على الحياة الغربية كثورة الطلاب فـي فرنسا سنة ١٩٦٨، والاشتباكات الدامية المعترضة على العولمة فـي كثير من بلدان أوروبا خلال الأعوام الأخيرة… هذا فـي داخل أوروبا… أما ممارسات دول الليبرالية الديمقراطية خارج بلدانها ولاسيما فـي بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، فتشكل سلسلة من المآسي والكوارث التي تدل على عدم الاعتراف بشعوب هذه البلدان كبشر فضلاً عن أنهم يحملون "التيموس" وينشدون الكرامة الإنسانية.

والغريب أن "فوكوياما" يتجاهل ممارسات الدول الليبرالية الغربية على الصعيد الخارجي، ويقف فقط عند الحرب العالمية الأولى وثورة الطلبة على سبيل المثال، ويرى أن "أصول هذا النزاع مازالت حتى الآن معقدة" والغريب أنه يذهب لتفسير هذه الظواهر بأنها تعود إلى "الضجر المتأتي عن السلام والرخاء"، "وأن التجربة تلمح إلى أنه لئن كان البشر لا يسعهم النضال من أجل قضية عادلة، لأن تلك القضية كانت قد انتصرت فـي جيل سابق عليهم، فإنهم سوف يناضلون ضد تلك القضية بالذات، وذلك من أجل متعـة النضال، وبعبارة أخرى فإنهم سيقاتلون بسـبب الضجر؛ إّ ليـس بوسعهم تخيل أنفسهم فـي عالم دون صراعات. وإذا كان الجزء الأكبر من العالم الذي يعيشون فـيه تميز بديمقراطيات ليبرالية مزدهرة وسلمية، فإنهم عندئذٍ سيقاتلون ضد هذا السلام وذلك الازدهار وضد الديمقراطية" (ص ٣٠٤).

رغم هذا التناقض المشهود فـي كلام "فوكوياما" فإنه يوشك أن يلامس حقيقة مهمة تصادر ما أراد التأكيد عليه. فقط أراد التأكيد أن الديمقراطية غاية ما يصبو إليه الإنسان من نظام يزول فـيه الصراع، لكنه عاد فأشار إلى أن طبيعة الإنسان ستفرز تضاداً آخر ضد هذه الليبرالية الديمقراطية، وهي إشارة مهمة ترتبط بالرأي الثالث الذي سنشير إليه، لكنه أخطأ - فـي اعتقادنا - حين ذهـب إلى أن أسباب لا تمس جوهر الإنسان فـي اعتقادي، وتدل على جهل بحقيقة الطبيعة البشرية، وهو نفسه اعترف بأننا "نفتقر إلى مفهوم الإنسان كإنسان، يسمح لنا برؤية عيوبه الممكنة" ولذلك توقع ن تكون كل أفكاره التي بناها بشان النظم الديمقراطية الغربية خاطئة وأن المستقبل قد يخيب الآمال "ومن المؤكد أنه لا يمكن اعتبار انهيار الشيوعية كبرهان على عدم وجودي أي تحد للديمقراطية… أو أن الديمقراطية هي نفسها لن يعتريها يوماً المصير نفسه" (ص ٢٦٨).

وثمة رأي آخر أشير إليه بعجالة، هو الذي قدمه "صاموئيل هنتنغتون" فـي كتابه "صدام الحضارات / إعادة صنع النظام العالمي" فهو يرى أولاً أن الاختلافات بين البشر ثقافـية، وهذه الاختلافات الثقافـية تنمّي الشقاق والصراع، وذلك لأن كل حضارة تشعر تجاه "الآخر" بمشاعر التفوق (وأحياناً الدونية) وبمشاعر الخوف وعدم الثقة، كما أن الصراع يعود فـي بعضه إلى صعوبة الاتصال وغياب الألفة" (ص ٢١٠).

كما يرد الصراع بين الحضارات أيضاً إلى "كلية الصراع، الكره شيء إنساني، ولتعريف النفس ودفعها يحتاج الناس إلى أعداء؛ منافسين فـي العمل، خصوماً فـي الإنجاز، وفـي السياسة" (ص ٢١١).

والمهم فـي اتجاه "هنتنغتون" أنه قسم المجموعات البشرية على أساس حضاري, ورأي أن هذه النزاعات لا تقوم على أساس سياسي أو إقليمي أو عنصري وإنما على أساس ثقافـي منطلقة الأديان. "مصادر الصراع بين الدول والجماعات التي تنتمي إلى حضارات مختلفة، بمقياس أوسع، هي التي كانت دائماً تولـد صراعاً بين الجماعات… الاختلافات فـي المصلحة المادية يمكن أن يتم التفاوض بشأنها، وغالباً ما تتم تسويتها عن طريق التفاهم وبأسلوب لا يمكن اتباعه بالنسبة للقضايا الثقافـية.

الهندوس والمسلمون لن يحلوا قضية الخلاف على بناء معبد أو مسجد… الأمر نفسه بالنسبة لما قد يبدو قضية أرض بين الألبان المسلمين والصرب الأرثوذوكس بخصوص كوسوفو، ولا بين اليهود والعرب بخصوص القدس… الشيء نفسه فـي فرنسا ولا أولياء الأمور المسلمين سيقبلون حلاً وسطاً يسمح لطلبات المدارس بارتداء الزيّ الإسلامي بالتناوب مع الزيّ المدرسي أثناء العام الدراسي.

وسنعود لمناقشة هذه الآراء.

الرأي الثالث الذي أود أن أستعرضه - ولا أخفـي انحيازي إليه - هو رأي المفكر العربي المسلم محمد باقر الصدر، الذي بلور فـي محاضراته المسجلة، النظرية القرآنية فـي هذا المجال.

ملخص رأيه هو أن العلاقات الاجتماعية تتضمن علاقتين مزدوجتين: - إحداهما: علاقة الإنسان مع الطبيعة.

الثانية: علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان.

هذان الخطان مستقلان عن بعضهما استقلالاً نسبياً مع شيء من التأثير المتبادل بينهما.

والقدس كان يتعايش فـيها المسلمون والمسيحيون واليهود بسلام، حتى إذا اقتضت المصالح المادية العالمية تحويلها إلى مركز صراع تحولت إلى قضية… وهكذا قضية الخلافات التي نفجر بين آونة وأخرى فـي جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تخذ زيفاً الطابع الديني، ووراءها مصالح القـوى الكبرى والصهيونية العالمية.

حين انطلق مشروع "حوار الحضارات" من دائرة الحضارة الإسلامية كان يستند إلى خلفـية تاريخية عريقة تشهد على نجاح التعايش بين المختلفـين على ساحة المشتركات، وهذا النجاح يقوم على أساس المشروع الإسلامي القادر على اقتلاع جذور الصرع من النفس الإنسانية ومن المجتمع معاً.

لقد تدخلت مصالح الحكم أحياناً لإثارة نزاعات وصدامات وخلق خصومات فـي المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ، لكننا لو استثنينا حوادث هذا التدخل المصلحي، فإننا لا نرى على مر التاريخ إلا صوراً مشرقة من التعايش والحوار والانفتاح، وما حركة الرجمة والنقل، والتيارات المتحاورة الفكرية والفقهية المختلفة فـي المجتمعات الإسلامية، وتعايش المسلمين على مر التاريخ مع المسيحيين واليهود والزرداشتيين بل حتى مع البوذيين إلا بعض الدلائل على نجاح التجربة الإسلامية فـي تغليب الجانب الإلهي فـي الإنسان على الجانب المادي، وحل الصراعات عن هذا الطريق.

هذه الخلفـية التاريخية والفكرية للمشروع الإسلامي أهلت المجموعة الحضارية الإسلامية لأن تعلن بقوة على لسان الرئيس خاتمي "مشروع حوار الحضارات". وهذا الإعلان يشكل بذاته نجاحاً، لأنه يعني تجاوز أمتنا مرحلة الضعف والهزيمة وعدم الثقة بالذات، ويعني الإيمان بقدرة الخطاب الحضاري الإسلامي على أن يدخل الساحة العالمية ليواجه ما فـيها من صراع مواجهة فكرية عقلية تربوية، ليحولها إلى حالة حوار.

ثم إن النجاح الآخر فـي هذا المشروع هو الاهتمام العالمي به ابتداء من منظمة الأمم المتحدة حتى مراكز الأبحاث والدراسات والمؤسسات الثقافـية والسياسية فـي العالم حيث تصعب متابعة النشاطات التي شهدتها قارات العالم فـي إطار حوار الحضاري خلال عام ٢٠٠١م.

وهذا الاهتمام العالمي الذي شمل الساحتين الثقافـية والسياسية أبرز مستوى النضج الذي وصلت إليه البشرية، وأظهر مدى رغبة الأمم فـي الاتجاه نحو تغليب نزعاتها الإنسانية المسالمة على نزعاتها الصدامية الصراعية.

ثم إن سنة حوار الحضارات أحدثت فـي الساحة العالمية هزة أبرزت كل ما يعلق بالبشرية من شوائب، وجعلت هذه الشوائب تطفو على السطح، بعد أن كانت مختفـية وراء حجب المجاملات والنفاق والحرب والباردة.

سنة حوار الحضارات - كما أنها أبرزت جانب القوة فـي مجموعتنا الحضارية وفـي العالم - كذلك أظهرت ما تنطوي عليه الساحة الإسلامية والعالمية من ضعف قد يؤدي إلى الإبادة والدمار.

لقد كانت هذه السنة مثل بعض العقاقير المهيجة التي يعطيها الطبيب لكي يجعل عوارض المرض تبرز بسرعة، ليقدم على معالجتها بسرعة.

أظهرت هذه السنة مدى الهوة التي تفصل بين غنانا الحضاري على المستوى النظري وبين فقرنا فـي حركتنا الثقافـية فـي واقعنا العلمي، وطرحت على الساحة بجد موضوع المشروع النهضوي للعالم الإسلامي، كما أن هذه السنة غلبت العلاقة الثقافـية والحضارية بين الشعوب على العلاقات القومية والإقليمية، وفرضت نقاشاً جاداً فـي وحدة العالم الإسلامي حضارياً.

أبرزت سنة حوار الحضارات مشكلة العالم الإسلامي ومشكلة العالم الغربي. مشكلة العالم الإسلامي تتمثل فـي توقف حركته الحضارية بشكل عام. وهو توقف حركة حضارية لأمة تمتلك ديناً يشحن الإنسان، بطاقة هائلة للحركة وهذه الطاقة العظيمة إن لم تستثمر على طريق البناء الحضاري، فإنها ستتحول إلى ردود فعل، يشوبها الطيش وعدم التعقل والانفعال… وهذا ما هو مشهود فـي عالمنا الإسلامي… ولعل أحداث أفغانستان و١١ أيلول من مظاهر ردود الفعل هذه.

ومشكلة العالم الغربي هي تخوفه من الحركات الحضارية فـي العالم الإسلامي ومحاولته ضدّ هذه الحركة عن طريق إشعال بؤر الفتن وإثارة النزاعات الحدودية والإقليمية ومحاولة احتواء الأنظمة وهدم الهوية الثقافـية… كل ذلك جعل عودة الحركة الحضارية الإسلامية تبدو بعيدة المنال، ومن هنا فإنه يجعل نفسه (أي العالم الغربي) أمام طاقة دينية متفجرة، ولابد من أن يتخذ منها أحد سبيلين إما أن يقتلع جذور الدين من المجتمعات الإسلامية، وهو مستحيل، وإما أن يواجه دائماً ردود فعل طبيعية أو غير طبيعية تؤدي إلى صدام مستمر لا ينفع منه إلا من يكره المسلمين والغرب معاً، وهم فـي اعتقادنا الصهاينة العالميون.

لولا حوادث ١١ أيلول لأوشكت حركة الحوار الحضاري أن تصل إلى حوار جاد على الساحة العالمية بين الأنا والآخر، ولأوشك مشروع أمتنا الحضاري أن يخلو على طريق بلورة خطابه العالمي. لكن هذه الأحداث رغم مرارتها، ورغم أنها خلقت تصوراً بصعوبة الحوار الحضاري بل واستحالته، أثارت على الساحة العالمية موجة من الاهتمام فـي ضرورة معرفة الآخر… ولذلك حدث إقبال شديد على الكتاب الإسلامي لمعرفة هذا الذي وقعت أمامه الإدارة الأميركية فـي تناقض شديد بين مهاجم ومدافع.

لا ردود الفعل فـي العالم الإسلامي تشكل قاعدة للحياة، ولا البطش الذي تمارسه القوى الكبرى تجاه ردود الفعل هذه يستطيع أن يخلق الحياة المثلي للبشرية.

الحياة المطلوبة هي تسخير طاقات الشعوب على طريق بنائها الحضاري وإزالة العوائق التي تحول دون استمرار مسيرتها الحضارية… عندئذ سنقي البشرية من الانفعال والصدام، ويحل الحوار الحضاري ليكون الأساس فـي علاقات الشعوب.

د. محمد علي آذرشب



[ Web design by Abadis ]