ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 ابن سينا في منظار الشهرستاني

مقدمة:

محمد بن عبدالكريم الشهرستاني (توفي ٥٤٨هـ) اشتهر بكتابه "الملل والنحل" باعتباره أفضل كتاب استعرض فيه "أرباب الديانات والملل" و "أهل الأهواء والنحل"، ومنه يظهر أن الشهرستاني استوعب مسيرة الفكر البشري حتى زمانه، ويظهر أيضاً أنه كان مستاءً من التفرق والحيرة في أفكار العالم الاسلامي آنئذ. هذا الاستيعاب وهذا الاستياء يظهر في بيتين يذكرهما مرة في كتابه "نهاية الاقدام" ومرة في "الملل والنحل" يقول:

لقد طفت في تلك المعاهد كلّها

فلم أرَ إلاّ واضعاً كُفَّ حائـرٍ وسيّرتُ طرفي بين تلك المعالم

على ذَقنٍ أو قـارِعاً سِنّ نـادم

ولم يكن الشهرستاني تجاه التيارات الفكرية في زمانه متفرّجاً بل ناقشها مناقشة عابرة في كتابه "الملل والنحل" ثم ردّ على المتكلمين والفلاسفة في كتابه "نهاية الأقدام في علم الكلام". ثمّ خصّص رسالة لمناقشة ابن سينا في كتابه: "المصارعة"، وأعتقد أنه لم يبيّن في كتبه المذكورة الأساس الذي ينطلق منه في معارضة المتكلمين والفلاسفة، لأنه ناقشهم بنفس منطقهم الكلامي والفلسفي، غيّر أنه بيّن منطلقاته في هذه المعارضة بتفسيره المسمى "مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار". ونظراً لاهتمامي بهذا الكتاب الاخير فسوف أكتفي بالاشارة الى ماذكره الشهرستاني عن ابن سينا في كتبه المذكورة أعلاه وأقف عند الاسس التي تقوم عليها المنظومة الفكرية للشهرستاني في موقفه من المتكلمين والفلاسفة، من خلال كتاب تفسيره.

ابن سينا في الملل والنحل

يذكر الشهرستاني أسماء المتأخرين من فلاسفة الاسلام ثم يقف عند ابن سينا ويقول: "وإنما علامة القوم أبو علي الحسين بن عبدالله بن سينا، قد سلكوا كلهم طريقة أرسطوطاليس في جميع ماذهب اليه وانفرد به، سوى كلمات يسيرة ربّما رأوا فيها رأي أفلاطون والمتقدمين. ولما كانت طريقة ابن سينا أدق عند الجماعة، ونظره في الحقائق أغوص: اخترت نقل طريقته من كتبه على إيجاز واختصار، كأنها عيون كلامه، ومتون مرامه، وأعرضت عن نقل طرق الباقين، وكل الصيد في جوف الفرا" [١].

ثم يبيّن كلام ابن سينا في المنطق وفي الالهيات وفي الطبيعيات. وقد التزم في نقل آراء ابن سينا الدقةَ والتلخيص الفني دون أن يعلّق على هذه الآراء سوى في موضعين بشكل خاطف وسريع. فقد قال بعد أن استعرض بشكل تفصيلي آراء ابن سينا: "وفي الطبيعة أسرار، ولاتصالات العلويات بالسفليات عجائب، وجلّ جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد، وأن يَرِدَ عليه إلاّ واحد بعد واحد، وبعد فان مايشتمل عليه هذا الفنّ ضحكة للمفغّل، عبرة للمحصّل، فمن سمعه فاشمأزّ عنه فليتّهم نفسه، فانها لا تناسبه، وكلّ ميسَّر لما خُلق له…" [٢].

وفي هذه العبارة إشارة الى أن ارتباط العالم بالله ينطوي على أسرار، وربّما يريد أن يبيّن من طرف خفيّ الى أن هذه الساحة ليست ممّا يرده الفلاسفة، يؤيد ذلك القرائن الموجودة في بقية كتبه.

وفي موقف خاطف آخر ضمن استعراضه لآراء ابن سينا في "الملل والنحل" لمراتب اكتساب النفوس القوتين العلمية والعملية والتقصير فيهما، وكم ينبغي أن يحصل عند نفس الانسان من تصور المعقولات، والتخلق بالاخلاق الحسنة حتى يجاوز الحدّ الذي في مثله يقع في الشقاوة الأبدية؟ وأيّ تصوّر وخلق يوجب له الشقاء المؤبد؟ وأي تصور وخلق يوجب له الشقاء الموقت؟ ينقل عن ابن سينا في الاجابة عن هذه الأسئلة قوله: "فليس يمكنني أن أنصّ عليه إلاّ بالتقريب" ويعلّق الشهرستاني على هذه الإجابة بقوله: [٣].

"وليته سكت عنه وقد قيل:

فدع عنك الكتابة لست منهـا ولو سودت وجهـك بالمـداد

وهذا التعليق يدلّ على أن الشهرستاني لا يرى ابن سينا أو قد لا يرى الفلاسفة مؤهلين لأن يرسموا طريق السعادة ويبينوا طريق الشقاء للبشرية، فتلك من مهمّات النبوّة، كما سيتبين عند عرض آرائه.

ابن سينا في نهاية الاقدام

الشهرستاني في كتابه "نهاية الاقدام في علم الكلام" يناقش آراء المتكلمين، ويذكر عشرين قاعدة يتناول في كل واحدة منها موضوعاً في علم الكلام، ويدلي برأيه على المذهب الاشعري وقد يخالف هذا المذهب أحياناً، ويختتمه بدعاء للامام علي بن الحسين زين العابدين (ع): يامن لا يبلغ أدنى ما استأثرت به جلالك وعزتك أقصى نعت الناعتين… الى آخر الدعاء ثم الآية الكريمة: ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا…

وأهمّ مسألة يعالجها هذا الكتاب مسألة حدوث العالم وقدمه، وقدم العالم من المسائل انتقلت من اليونان الى الفلاسفة المسلمين، وتبنّاها الفلاسفة المشاؤون وعلى رأسهم الفارابي وابن سينا، فتصدّى لها الشهرستاني في هذا الكتاب فيما تصدّى له من آراء المتكلمين والفلاسفة. والمهمّ في موقفه هنا هو أنه يرى أن مثل هذه المسائل مما لا يدركه العقل، ومشكلة الفلاسفة هي أنهم أرادوا أن يعالجوا هذه المسألة قياساً على مايصدر عنّا من أفعال. ولذلك فالموقف السليم هو الايمان بمحدوّية العقل في هذه الساحة. يقول: "… وكثيراً ما كنا نراجع أستاذَنا وإمامنا ناصر السنة، صاحب "الغنية" و "شرح الارشاد" أبا القاسم سليمان بن ناصر الانصاري في المسألة، فيتكلّم عليها، وما يزيد على أن إثبات وجه فاعلية الباري سبحانه مما يقصر عن دركه عقول العقلاء" [٤].

وهذا موقف سيتبلور أكثر عند حديثنا عن كتاب "مفاتيح الاسرار".

وحول الدليل الذي يقدمه ابن سينا على قدم العالم والذي يدور حول حدوث القصد والارادة، أو الطبع، أو القدرة والتمكن، أو غرض وسبب لم يكن من قبل في ذات الله إذا كان العالم مخلوقاً، وهو مستحيل ينقضه الشهرستاني بالاشارة الى أن هذه الاستحالة نفترضها لأننا نقيس هذه الامور على قدرتنا وإيجادنا وإبداعنا، "ولو أننا قدّرنا أو افترضنا لأنفسنا علماً وإرادة، وقدرة لها عموم التعلق بمتعلقات لا تتناهى، على معنى صلاحية كل صفة لمتعلقها، وقدّرنا قدرتنا للإيجاد، وقدّرنا بقاء الصفات، فعلمنا وجود شيء بقدرتنا وإرادتنا في وقت مخصوص، ودخل الوقت؛ لو قدّرنا هذا كله، فاننا لانشك أن الشيء يقع ضرورة من غير أن تتغير ذاتنا أو يحدث أمر أو سبب لم يكن" [٥].

ومؤدّى هذا الكلام أننا محدودون في زماننا ومكاننا وقدرتنا وتعلّقنا بالاشياء والله غير محدود، ولذلك لا يمكننا أن نحمل كيفية أفعالنا على كيفية أفعال الله، وهذا ما أورده ابن سينا أيضا في الشفاء حين تحدّث عن عنصر الزمان في أفعال الباري تعالى إذ قال: "لو أمكن إنسان من الناس أن يعرف الحوادث التي في الأرض والسماء جميعاً، وطبائعها، لفهم كيفية جميع مايحدث في المستقبل" [٦].

وهذه هي نفس النظريات الحديثة القائلة بانعدام عنصر الزمان في اللانهائيات.

ابن سينا في "المصارعة":

كتاب "المصارعة" أو "المصارعات" أو "مصارعة الفلاسفة" أو "مصارع الفلاسفة" خصّصه الشهرستاني للردّ على إبن سينا، وردّ عليه الخواجه نصير الدين الطوسي (ت٦٧٢هـ) في كتابه "مصارع المصارع" ذكر فيه كل نصوص كتاب المصارعة.

وفي المقدمة يبيّن هدفه من تأليف الكتاب، وتتضمّن عباراته اعترافاً بمكانة ابن سينا في تلك العصور. يقول:

"وإنّما يُسبرَ غورُ العقل وتتبيّن قيمة الرجل عند مناجزة الأقران، ومبارزة الشجعان، وبالاختبار تظهر خبيئة الأسرار، وبالامتحان يُكرمُ المرءُ أو يُهان.

وقد وقع الاتفاق على المبرّز في علوم الحكمة، وعلامة الدهر في الفلسفة، أبي علي الحسين بن عبدالله بن سينا، فلا يقفوه قاف وإن نقض السواد، ولا يلحقه فيها لاحق وإن ركض الجواد، وأجمعوا على أنّ من وقف على مضمون كلامه وعرف مكنون كلامه فقد فاز بالسهم المعلّى، وبلغ المقصد الأعلى، فعزمتُ على الاعتراض عليه ردّاً ورمياً، وتعقيب كلامه إبطالاً ونقضاً، فان ذلك بابٌ ضُربت دونه الأسدال، وقُبضت عليه الحفظة والأرصاد، فأردت أن أصارعه مصارعة الابطال وأنازله منازلة الشجعان" [٧].

وهذا النصّ له دلالة أيضا على جرأة الشهرستاني العلميّة، واهتمام الحركة العلميّة في الاسلام بكسر طوق الجمود والتقليد.

وفي هذا الكتاب ينتقد الشهرستاني آراء ابن سينا في الوجود وأقسامه، وفي واجب الوجود وتوحيد صفاته وخصوصاً صفة العلم كما ينتقد مذهب ابن سينا أيضاً في وجود العالم مبيّناً تناقض وتهافت ماذهب اليه من قدم العالم وصدوره وجوباً عن واجب الوجود.

أسس الشهرستاني في نقد الفلاسفة

بداية لابدّ أن نذكر أنّ الشهرستاني عاش في ظروف تأثّرت أولا بهيمنة فكر ابن سينا الفلسفي على الساحة بحيث تحوّلت الدراسات الفلسفية الى شروح وحواش تدور حول فلسفة ابن سينا، وهذا مايتضح من مقدمة الشهرستاني لكتاب "المصارعة".

كما تأثرت أيضا بالحملة التي شنّها الغزّالي على الفلسفة، لذلك كانت الذهنية العامة عن الفلسفة بأنها ضلال وظلام. وفي مثل هذه الظروف دخل الشهرستاني في مشروع جديد يجمع بين الشريعة والحكمة. ولكنَّ هذه الحكمة ليست حكمة المتكلمين والفلاسفة، بل حكمة أهل بيت رسول الله (ص). وهذا مشروع ليس له نظير فيما أحسب بين علماء أهل السنّة والجماعة.

وهذا المشروع الفريد هو الذي جعل معاصريه يوجّهون إليه سهام النقد اللاذع حتى اتهموه بالتخبط في الاعتقاد والميل الى الالحاد وبالميل الى الاسماعيلية.

وبقدر اطلاعنا فان هذا الاتجاه للشهرستاني نرى بعض مظاهره في مجلسه المكتوب حول "الخلق" و "الامر" ونراه بوضوح أكثر في تفسيره "مفاتيح الاسرار ومصابيح الابرار". وسنقف عند بعض أفكاره في هذا التفسير وذاك المجلس، ولابدّ أن نشير الى أن هذه الافكار يذكرها الشهرستاني في تفسيره تحت عنوان: "الأسرار" ويؤكد أن هذه الأسرار هي من علوم أهل بيت رسول الله (ص).

كيف حدث هذا التحوّل؟

يذكر الشهرستاني في مقدمة تفسيره أنـّه انفتح على علوم أهل البيت (ع) في الوهلة الأولى على يد أستاذه "ناصر السنة أبي القاسم سلمان بن ناصر الانصاري". ومن خلال كلمات "شريفة عن أهل البيت وأوليائهم رضي الله عنهم" اطّلع "على أسرار دفينة وأصول متينة في علم القرآن"، وهذا دفعه الى أن ينجذب نحو "شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة الطيبة" مدفوعاً بنداء (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (التوبة / ١١٩).

لم يكتف الشهرستاني بما أخذه من أستاذه الانصاري بل يقول: "فطلبت الصادقين طلب العاشقين، فوجدت عبداً من عباد الله الصالحين كما طلب موسى مع فتاه (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلّمناه من لدنّا علماً) (الكهف / ٦٥).

وهذا العبد الصالح الذي يشير اليه الشهرستاني ولا يذكره قد أعطاه من حكمة أهل البيت ما أغناه عن حكمة الفلاسفة يقول: "فتعلمت منه مناهجَ الخلق والامر، ومدارجُ التضاد والترتّب، ووجهي العموم والخصوص، وحكمي المفروغ والمستأنف، فشبعت من هذا المعا الواحد دونَ الأمعاء التي هي مآكل الضلال ومداخل الجهال، وارتويت من مشرب التسليم بكأس كان مزاجه من تسنيم…" [٨].

من هم الحكماء؟

الفلاسفة الذين يتصدّون لعلم الحكمة برأيهم دون الاهتداء بالنبوة ليسوا في رأي الشهرستاني بحكماء، فهم يزعمون أن كلَّ عاقل حكيم، وكل حكيم حاكم يحكم على عقله، فيكون عقله محكوماً، وبذلك يظهر التناقض وتهافت الرأي عند الفلاسفة.

والحكمة في رأي الشهرستاني هي النبوّة واستمرارها على خطّ الوصاية والامامة واتّباع منهج الامامة.

يقول في أسرار قوله تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكّر إلا أولو الألباب) (البقرة / ٢٦٩):

والفلاسفة سمو أنفسهم حكماء. والحكمة عندهم معرفة حقائق الموجودات بالعقل، فاسم الحكيم صار إذاً مشتركاً لكنه إذا أطلق اسماً من أسماء الله تعالى كان بمعنى الإحكام، كالبديع بمعنى المبدع، والكريم بمعنى المكرم. ومن الناس من يُجري جميع أسماء الله تعالى على هذا المنهاج ويطلق الحكمة بمعنى النبوّة، وكل نبي فهو على بيّنة من ربّه، وبصيرة من أمره، قد أحكم سرّه عن الارتياب، وذلك هو الخير الكثير. ويطلق بمعنى الوصاية وكل وصي فهو على بينّة من نبيه وبصيرة من أمره، ويطلق بمعنى الإمامة وكل إمام فهو على بيّنة من وصيه، وبصيرة من أمره. فالنبي يحكم بالتوحيد لنفي الأنداد، والوصيُّ يحكم بالنبوة للنبي بنفي الأضداد، والإمام يحكم الوصاية للوصي بنفي أهل العناد. وكذلك كل من يثبت الإمامة فهو حكيم العباد في البلاد، لكن من تصدّى لعلم الحكمة برأيه وصار قوله متناقضاً ورأيه فائلاً متهافتاً وسمّى نفسه حكيماً فقد سفه نفسه وسفّه عقله، إذ حكّم عقلَه وفهمَه على عقله فصار كل عاقل على مذهبه حكيماً، وكل حكيم حاكماً، فلا محكوم عليه في العالم، وصار عقله محكوماً عليه، فلا حاكم في العالم، فتتناقض الفتوى ويتهافت الرأي، وكل ماقيل في معنى الحكمة فهو مشترك الدلا

لة، وكل حزب بما لديهم من الحكمة فرحون، والحق أن الحكيم من أحكم قوله فلا ينتقض، وأحكم فعله فلا يتهافت، وأحكم فكره فلا يتناقض، وحقاً ما قيل: إنَّ الحكمة فهم معاني القرآن ولكن ممّن يفهمها وقد اختلفت الأقاويل؟ ! وحقاً ما قيل: إن الحكمة معرفة حقائق الموجودات ولكن ممّن يعرفها وقد كثرت الأباطيل؟ ! وأحقّها ماقيل: إن الحكمة هي النبوة، وفيها الخير الكثير وما يذكَّر إلاّ أولو الألباب" [٩].

المدخل الحقيقي للعلم

المدخل الحقيقي للعلم – في رأي الشهرستاني - هو الباب الذي قال عنه رسول الله (ص): "أنا مدينة العلم وعليّ بابها". فعليّ من النبي كالضوء من الضوء، وكل طريق مسدود وصل إليه الفلاسفة إنّما هو بسبب عدم دخول البيوت من أبوابها.

يقول في أسرار قوله تعالى: (… وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البرّ من اتّقى وأتوا البيوت من أبوابها…) (البقرة / ١٨٩):

"وكما أن النهار أحقّ بالتنـزيل والليل أحق بالتأويل كان القمر أولى بالوصي، وقد ابتدأ هلالاً حين ربّاه النبي حتى امتلأ نوراً منه، وحقاً قال: "أنا من أحمد كالضوء من الضوء" ثم لما صار كاملاً بالفعل تاماً بالنور صار باب الأبواب: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" والقوم في أسئلتهم ما كانوا يأتون الباب حتى يفتح لهم كل علم قد أشكل عليهم، بل كانوا يأتون البيوت من ظهورها فانسدّت عليهم الأبواب، ودفعوا بالحجاب عن الأسباب، فلم ينالوا برّاً ولم يصيروا من الأبرار، ومن أراد العلم وأتى العلم من بابه صار بَرّاً من الأبرار، فالمتقي عن إتيان البيوت من ظهورها وأخذ العلم من غير أهلها هو البرّ، إذ قد تشخص براً وهو البر، إذ قد استوى متقياً لا يسأل عمّا لا يعنيه، ولئن سائل سأل الباب ودخل الباب ساجداً، وقال حطّة متمثلاً، وقد قال (ص) لعلي (ع): "يا علي! أنت باب حطّة"، وكما بدّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم كذلك بدّل الذين ظلموا باباً غير الباب الذي فتح لهم. وكل من أتى مدينة العلم من بابه فتح له الباب ورفع له الحجاب حتى اطّلع على الأسباب، وكل من أتى العلوم من ظهورها من الفلسفة والصبوة أغلق عليه الباب وأرخى الحجاب، فلم يطّلع على الأ

سباب

(جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب)، وكان الذي سأل عن الأهلّة لم يسأله عن بابه، ودفع ببعض جوابه. وكان من اعتقاده أن يدخل البيوت من ظهورها فمنع من ذلك إذ كان نفس ذلك السؤال دخول البيت من ظهره، وليس ذلك من البرّ، وهو إن ظنّ أنه بِرُّ، أي سؤال عن مسؤول هو الأصل، فالبر من اتقى، أي شخص هو مُتَّقٍ، وأتوا البيوت من أبوابها وتعلّقوا بذيل أسبابها تنجحوا في الطلبة، وتفلحوا في المسألة، وكلّ من أتى مدينة العلم من بابها فهو مفلح فائز مستبق، وكل من أتاها من ظهورها فهو سارق مسترق" [١٠].

ويقول أيضاً في تفسير الآية المذكورة:

"وغير النبي إن طلب ماهيات الأشياء فإنما أتى البيوت من ظهورها ورآها براً وعملاً صالحاً وهم الفلاسفة والصابئة. وجميع من طلب العلم على طريقهم فقد أتى البيوت من ظهورها، وكذلك الإسلاميون الذن طلبوا العلوم لا من الكتاب والسنّة بل جمعوا من كل علم معاء، وأكلوا من الأمعاء السبعة التي هي مآكل الضلال والبدعة، فزادوا في الإحرام دخول البيت لا من بابه بل من ظهره لمعنى سمعوه لا من صادق ولا هدى ولا كتاب منير" [١١].

المفروغ والمستأنف

عقد الشهرستاني الفصل العاشر من مقدمة تفسيره للحديث عن المفروغ والمستأنف وطرفي التضاد والترتب على قاعدتي الخلق والامر.

فهو يرى أن في الكون عالمَين وحكمَين: عالماً كاملاً منتهياً هو المفروغ، وعالماً ناقصاً متجهاً نحو الكمال هو عالم المستأنف. والحديث الشريف: "اعملوا وكلُّ ميسَّر لما خُلق له" يجمع بين المستأنف والمفروغ. فاعملوا إشارة الى حكم المستأنف، وكلّ ميسّر لما خُلق له إشارة الى حكم المفروغ.

وكلّ مايمكن أن يفهم بأنه "جبر" إنّما هو من عالم المفروغ مثل قوله تعالى: (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) والحديث: "السعيد من سَعَد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمّه"، وعالم المفروغ هو العالم الذي ينعدم فيه الزمان فالماضي والمستقبل بمستوى واحد. وكل مايمكن أن يفهم بأنه "تفويض" إنما هو من عالم "المستأنف" مثل آيات الانذار وتقدير الجزاء على الافعال خيرها وشرّها، وقوله سبحانه: (فذكّر إن نفعت الذكرى، سيذكّر من يخشى) وأمثال ذلك.

والواقع أن الأمر لا هذا وذاك بل هو "أمر بين أمرين".

والاختلاف بين موسى (ع) والخضر (ع) في الحكم على خرق سفينة مساكين البحر بدون سبب، وقتل غلام دونما ذنب، وإقامة جدار قديم دونما أجر إنما هو لأن حكم موسى كان من عالم المستأنف وحكم الخضر كان من عالم المفروغ، ويعقد حواراً طريفاً بين الاثنين في مجلسه المكتوب عن "الخلق والامر" [١٢].

ويرى الشهرستاني أن كل شبهات العالمين إنما وقعت بسبب الرؤية الناقصة للفلاسفة والمتكلمين كما في حالة المجبّرة أو المفوّضة.

يقول في مجلسه ضمن حديثه عن المفروغ والمستأنف: "… وفي كل حالٍ وفي كلّ مسألةٍ لم يعرف الشخص فيها الحكمين والحالتين يبقى في ظلمات الشبهات، التشبيه يجرّه أحياناً الى حالة التشبيه، وأحياناً يجرّه التعطيل الى حالة مباينة، وأحياناً يجرّه الجبر الى حالة المفروغ، ويستلزم القدر، وأحياناً يجرّه القَدَر الى حالة المستأنف ويستلزمه الجبر، وأحياناً يجرّه السمع الى حالة انتهاج السمع، وأحياناً يجرّه العقلُ الى انتهاج العقل.

وشبهات العالمين ليست أكثر من هذه المسائل الثلاث: إما "تشبيه" أو "تعطيل" وإما "جبر" أو "قدر"، وإما "سمع" أو "عقل".

ومن هذه الحوادث الثلاث انطلقت كل الشبهات، واتضحت كلّ العلوم، ومن حكم بواحدة، فله عين واحدة: أعور بأي عينيه شاء" [١٣].

ويقول أيضا في أسراره:

"قال الناظرون في آيات الله بعين الحقيقة: إن الناس قد اختلفوا في القدر في هذه الأمة حسب اختلافهم في كل ملّة، فمنهم من نسب الكفر والضلال والختم والطبع والأكنّة والغلاف والغلف والحجاب إلى الله تعالى نسبة الإيمان والهداية والشرح والنور إليه على وتيرة واحدة. وقد لزمهم على ذلك الجبر وتكليف مالا يطاق، والتناقض بين تكليف إفعل وبين الختم المانع من الفعل. ومنهم من نسب ذلك كلّه إلى العبد واختياره واستطاعته فقطع النسبة إلى الله تعالى في الخير والشر والشرح والطبع من كل وجه، بل المختار يفعل ما يفعل من خير وشر من غير أن يكون لله تعالى فيهما صنع، وما ينسب إليه من الخير فيحمل على تيسير الحال وتسهيل الأسباب وهو التوفيق، وما ينسب إليه من الختم والطبع فعلى أحد الوجهين إمّا على طريق المجازاة أو على سبيل التسمية. ومن الناس من فرّق بين النسبتين، ونَسَب الخير إليه دون الشر، والكلُّ على تقصير في هذه المسألة، وإنما ذلك لجهلهم بإجراء الحكمين وإثبات الكونين، ولجهلهم بالعموم والخصوص وما يدخل في القدر بالذات وما يدخل فيه بالعرض، وما وقع في الوجود مقصوداً وما وقع فيه تبعاً. ولو وقفوا على هذه المضايق والدقائق لاهتدوا إلى سواء السبيل.

وكذلك من ضلّ في الطريق فتارة يأخذ ذات اليمين وتارة يأخذ ذاتَ الشمال، واليمين والشمال مضلَّة وإنَّما الطريق الوسطى: لا جبر ولا تفويض. فمن بصر حكم المستأنف أضاف الكلَّ إلى المكلّف المختار وهو صحيح، ومن بصر حكم المفروغ أضاف الكلَّ إلى الله تعالى وهو صحيح، ومن نظر إلى الحكمين معاً نسب الخير إلى الله تعالى والشرَّ إلى نفسه وهو صحيح، ومن نظر إلى الحكمين بالذات والعرض حَكَم بأن الخير واقع في القدر بالذات والمقصود، وأن الشر واقع في القدر بالعرض والتبع، وهو صحيح". [١٤].

ويقول أيضا في موضع آخر من أسراره:

"وقد سمعت من الفريقين اضطراب أقاويلهم في الختم والطبع والإقفال وإضافتها إلى الله تعالى، وما يلزم الفريقين من رفع التكليف أو تكليف مالايطاق، سواء جبل الطبع على المنع من الإيمان ابتداءً كما قال الأشعري، أو جزاءً كما قال المعتزلي. وبالاتفاق بين الفريقين لم يرتفع التكليف عنه. ومَنْ طُبع على قلبه وخُتم كيف يخاطب بالإيمان؟ ! وأعجب من ذلك تناقض الأمر والخبر. فإنّ الخطاب بالإنذار في قوله تعالى: (قم فأنذر) باقٍ والخبر بأنـّه: (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) حاصل، فكيف وجه الجمع بين الأمر والخبر؟ ! وبالخبر لم يرتفع التكليف عن المنذِر بالإنذار، وعن المنذَر بالقبول. والأشعري ظن أنـّه لما التزم تكليف مالايطاق ولم يقل بتقبيح العقل فيه فقد نجا من الزام التناقض عليه، إذ كان تقدير خطاب المكلف: إفعل يا مَن لا يفعل. وتقدير خطاب النبي (ص) أنذر مَنْ لا يؤمن قط، ولا يقبل الإنذار قط. وأنذر من طُبع على قلبه وسمعه فلا يفهم ولا يسمع. والمعتزلي ظنّ] أنّه [لـمّا حمل الطبع والختم على الجزاء فقد نجا من تقبيح العقل فيه. وإنما ينفعه ذلك إذا أخرجه من دار التكليف. فإن كان في دار التكليف والخطاب بالإيمان وقبول الإنذار لم ينقطع عن

ه

لزمه مالزم الأشعري من التناقض وزيادة تقبيح العقل على موجب مذهبه. فما الخلاص؟ ولات حين مناص.

ومن لم ير الكونين ولم يعرف الحكمين فهو في كل مسألة أعور بأي عينيه شاء. ومن أخذ العلم من أصله وبصّره بالكونين، أعني كون المفروغ وكون المستأنف، علم أن الخطاب بالإنذار حكم المستأنف، وهو ليس ينقطع في دار التكليف، وأن الخبر عن عدم قبول الإنذار بالختم حكم المفروغ، وهو ليس يبطل في عالم التقدير. والحكمان من حيث الصورة يتناقضان، ومن حيث المعنى يتوافقان. وهما كحكم موسى والعالم (ع)، وكحجتي آدم وموسى في السماء، والخبر معروف. وكإشارتي المصطفى (ص) في قوله: "اعملوا وكلّ ميسر لما خلق له". فقوله (ع): اعملوا إشارة إلى حكم التكليف، وهو المستأنف. وقوله: وكل ميسر لما خلق له، اشارة إلى حكم التقدير، وهو المفروغ" [١٥].

اهتمام خاص بحكمة علي والباقر والصادق:

حين يذكر الشهرستاني فرق الشيعة في كتابه "الملل والنحل" يقف عند ذكر الامام الصادق (ع) ويقول: "وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة" وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المتنمين اليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم، ثم دخل العراق وأقام بها مدة، ما تعرّض للامامة قط (المقصود طبعاً الامامة السياسية) ولا نازع أحداً في الخلافة قط. ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلّى الى ذروة الحقيقة لم يخف من حطّ".

ثم يذكر الشهرستاني أقوالاً عن الصادق تشكل قاعدة مواقفه تجاه المذاهب المختلفة خلال تفسيره:

"هذا قوله في الإدارة: إنّ الله أراد بنا شيئاً وأراد منّا شيئاً، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عمّا أراده منّا؟ !

وهذا قوله في القدر: هو أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض.

وكان يقول في الدعاء: اللهم لك الحمد إن أطعتك، ولك الحجة إن عصيتك، لا صنع لي ولا لغيري في إحسان. ولا حجة لي ولا لغيري في إساءة" [١٦].

في مسألة الذات والصفات، واختلاف المتكلمين فيها الى مشبّهة ومعطّلة ينقل عن أئمة أهل البيت آراءً تنفي التشبيه وتنفي التعطيل، وتشير الى أن هذه المقولة لايمكن أن تنطبق على "الله" كما تنطبق على البشر.

ينقل عن علي (ع) قوله: "لا يوصف بوصف، ولا يحدّه بحدّ، ولا يقدّر بمقدار. فالذي كيّف الكيف لا يقال له كيف، والذي أيّن الاين لا يقال له أين".

وكيف إذن بالصفات المذكورة في القرآن لله سبحانه؟ ينقل هنا عن الامام الباقر قوله: هل سمّي (الباري) عالماً إلاّ لأنه واهب العلم للعالمين؟ ! وهل سمّي قادراً إلاّ لأنه واهب القدرة للقادرين. ثم يعلّق على قول الامام: وليس هذا قولاً بالتعطيل فإنه لم يمنع من إطلاق الأسامي والصفات كمن امتنع وقال: ليس بموجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز. ولكنه استدل بالقدرة في القادرين على أنه قادر، وبالعلم في العالمين على أنه عالم، وبالحياة في الأحياء على أنه حيّ قيّوم. واقتص على ذلك من غير خوض في الصفات بأنها لذاته أو لمعان قائمة بذاته كي لا يكون متصرفاً في جلاله بفكره العقلي وخياله الوهمي". [١٧].

استنتاج

من جميع ماتقدّم نخلص الى القول إنّ الشهرستاني وقف من كلّ المذاهب والفرق بعد أن استوعبها استيعاباً يشهد عليه كتابه: الملل والنحل موقف العالم الباحث عن الحقيقة، فوجد القوم حيارى مختلفين، وهذا ما اعترى الغزّالي أيضا، لكنه اتجه الى علوم أهل البيت ليجد فيها ضالته، ويحصل منها على جميع الاجوبة لاسئلته.

بعبارة أخرى يفهم من كلام الشهرستاني أنه اتجه لأن يكون من الفرقة الناجية، وهي – كما يراها – فرقة أهل السنة والجماعة، ثم إن مذهب أهل السنة والجماعة ليس بالذي فرزته عقول الرجال على مرّ العصور، بل هو كما قال رسول الله: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ولا يمكن معرفة ماكان عليه رسول الله وأصحابه إلاّ عن طريق من ورث علومهم، وهم أهل البيت، فهم الخلفاء، وهم الأئمة، وطريق الامامة مستمرّ فيمن يرث هذه العلوم.

ملاحظة: رغم اختلاف الشهرستاني مع ابن سينا والاشاعرة والمعتزلة فانه لا يعمد الى سلاح التكفير، بل يستهجن الروح البدويّة التي تفرّق وتكفّر، وهذا كان في القرن السادس الهجري ونحن اليوم وبعد مضي أكثر من تسعة قرون على ذلك الزمان نرى الروح البدوية تعود الى بعض مواقع الانترنت فتخصص مواقع لتكفير ابن سينا. هذا هو الذي يدعونا لأن نهتمّ باعادة روح علمائنا القدامى الى مجتمعاتنا المتخلفة.

الهوامش:

١ - الملل والنحل، تخريج محمد بن فتح الله بدران، القاهرة، ط٢، القسم الثاني، ص ١٦٨.

٢ - نفس المصدر، ص ١٩٨.

٣ - نفس المصدر، ص ٢٤١.

٤ - نهاية الاقدام، تحقيق الفرد جيوم، مطبعة المثنى ببغداد، ص ٣٨.

٥ - نفس المصدر، ص ٤١.

٦ - الشفاء، الالهيات، ج٢، المقالة ١٠، الفصل ١، تحقيق ابراهيم مدكور، القاهرة ١٩٦٠م. ص ٤٤٠.

٧ - مصارع المصارع، نصير الدين الطوسي، تحقيق د. سهير مختار، ص ٦٠٥.

٨ - تفسير الشهرستاني، المسمى مفاتيح الاسرار ومصابيح الابرار، تحقيق محمد علي آذرشب، مركز نشر التراث المخطوط، طهران، ١٩٩٧م.

٩ - مفاتيح الاسرار، مخطوط، ٤١٧أ.

١٠ - نفس المصدر، ٣٢٣ آوب.

١١ - نفس المصدر، ٣٢٠ آوب.

١٢ - تفسير الشهرستاني، ص ٢٧٩ ومابعدها.

١٣ - تفسير الشهرستاني، ص ٢٨٥ و ٢٨٦.

١٤ - مفاتيح الاسرار، ١٩٨ب و١٩٩أ.

١٥ - نفس المصدر، ٦٣ ب و ٦٤ أ.

١٦ - الملل والنحل، تحقيق َبدران، ١ / ١٤٨.

١٧ - نهاية الاقدام، ص ١٣٠.



[ Web design by Abadis ]