ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الحوزة الإيرانية في القرن الماضي

ملخص

الحوزة العلميّة الايرانية تمثل الواجهة التي تصدّت للغزو الثقافي والاقتصادي والسياسي والعسكري الغربي لايران.

فهي – بعلمائها المرتبطين ارتباطاً وثيقاً بعامة الشعب – قد قادت المعركة أمام النفوذ السياسي البريطاني والروسي ثم الامريكي. ولم تكن مواقفها نظرية فكريّة فحسب، بل اقترنت بمواقف عملية سقطت على أثرها حكومات وأدت في النهاية الى سقوط النظام الملكي بأجمعه وإقامة نظام إسلامي.

مقدمة:

الحوزة في اصطلاح الشيعة تعني حوزة العلوم الدينية أو مركز دراسات الفقه والأصول والحديث وما يرتبط بتربية مجتهدين أو دعاة في الشريعة الإسلامية.

أهم الحوزات العلمية في إيران بمدينة قم، وثمة حوزات علمية أخرى في مشهد وطهران وأصفهان وشيراز وسائر المدن الإيرانية.

جدير بالذكر أن الحوزات العلمية الإيرانية ذات ارتباط وثيق بالحوزات الأخرى وخاصة حوزات النجف وكربلاء وسامراء في العراق حيث كثير من علمائها إيرانيون.

ويرتبط الناس بالحوزة عن طرق مختلفة:

ـ التقليد: حيث يجب على كل إنسان أن يقلّد في أعماله الدينية مجتهدا كي تكون هذه الأعمال وفق منهج الشريعة، ويرتبط الناس بمقلديهم عن طريق (الرسالة العلمية) وهي مجموعة الأحكام الفقهية التي يحتاجها المقلّد في عبادته ومعاملاته.

ـ أئمة المساجد: الذين ينتخبهم الناس لإمامتهم في الصلاة، وتعليمهم أصول دينهم، وحلّ قضاياهم ومشاكلهم، ويتولى الناس عادة الإنفاق على الأمور المعيشية للإمام.

ـ خطباء المنبر: وعقدُ المجالس سنّةٌ شائعة في ايران، ويتولى المنبر فيها عادة علماء وطلاب الحوزة، وتزداد بشكل واسع في شهر رمضان وشهري محرم وصفر.

ـ الكتب والمجلات التي تصدرها الحوزة العلمية.

وهذه الحوزات كان لها في إيران منذ الغزو الأوروبي للعالم الإسلامي مواقف مهمة في صيانة البلاد من التدخل الأجنبي في مقدرات البلاد، وحفظ هويّة الأمة وعزّتها.

أشهر مواقفها في نهاية القرن التاسع عشر كانت في قضية انتفاضة التنباك. التي قطعت الطريق أمام الشركات الأجنبية من التلاعب بمقدرات البلاد. وفي القرن العشرين توالت مواقفها الرافضة للتدخل الأجنبي حتى توجت هذه المواقف بالتحول الإسلامي الكبير في إيران.

إيران في مطلع القرن العشرين

الأوضاع التي سادت إيران في مطلع هذا القرن يمكن تلخيصها بما يلي:

انحطاط في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعدم وجود مشروع حقيقي للنهضة، وتدخل الدول الغربية للسيطرة على كل شؤون البلاد بما في ذلك توجيه الحركات الإصلاحية لتكون وفق مصالحها، أو ضربُ تلك الحركات إن تعذر احتواؤها.

كتاب (سياحتنامه إبراهيم بك). لزين العابدين مراغئي يصور أوضاع إيران قبل هذا القرن بأسلوب روائي، فهو يحكي قصة رجل إيراني رحل إلى مصر وأقام فيها خمسين عاماً يعمل في التجارة بصدق وإخلاص، ولم يفارقه حب وطنه وإخلاصه لشعبه، وُلِدَ له إبراهيم فربّاه على حبّ إيران، وحين اقترب أَجَلُ الوالد وصى ابنه أن يعمّق في نفسه حبّ الوطن وأن يعرض عمّا يُشاع بشأن تدهور الحالة فيه، وبهذه الروح والمعنويات يسافر إبراهيم لزيارة" مشهد "في إيران ويرى مايرى من خراب البلاد في جميع مناحي الحياة، ويصف مايرى بأسلوب أخاذ مؤثر.

وينتشر الكتاب بين الناس، ويفعل فعله في دفع الجماهير نحو حركة" المشروطة " (الحركة الدستورية) حتى قيل إن تأثيره في هذه الحركة يشابه تأثير كتاب" العقد الاجتماعي "لروسو في الثورة الفرنسية.

وشتان بين حركة المشروطة والثورة الفرنسية، فقد كانت الثورة الفرنسية مشروع حركة شاملة لكل مجالات الحياة، قائماً على أصالة التراث الأوروبي، وبعيداً عن كل مؤثرات القوى الأجنبية، بينما كانت حركة المشروطة مستوحاة من الأسلوب الغربي للحياة السياسية، ولم تكن قائمة على أصالة، ولم تقدم مشروعاً كاملا للنهضة، وما كانت بعيدة عن التدخل الروسي والبريطاني لدفع الأحداث نحو ما تقتضيه مصلحة كل من الدولتين الكبيرتين.

فالبريطانيون كانوا يستهدفون إضعاف الحكومة المركزية عن طريق دعم الحركة الدستورية لأن الحكومة كانت خاضعة لسيطرة روسيا القيصرية، والروس كانوا يعارضون الحركة الدستورية، لنفوذهم في بلاط الشاه، وكان كل شيء في إيران بين فكّي رحا هاتين الدولتين.

وما حققت الثورة الدستورية هدفها في إقرار الدستور سنة ١٩٠٥م إلا حين انهزمت روسيا في حربها مع اليابان، فانشغلت بنفسها ولم تتدخل عسكرياً لدعم سلطة الشاه.

إن ضعف العالم الإسلامي كان من الممكن أن يتبدل إلى قوة، بسبب وجود عناصر الدفع والحركة في مكوناته الفكرية والعقائدية والتاريخية، لكن الصراعات الداخلية فوّتت عليه فرصة النهضة واستعادة القوة، وفتحت المجال أمام القوى الطامعة لتجد لها موضع قدم، ثم لتحكم السيطرة على مجريات الأحداث.

وكان أول صراع فتح المجال أمام التوغل الأوروبي هو الصراع الصفوي العثماني، والخطة الأوروبية كانت تقضي بتقسيم أراضي الدولتين الإيرانية والعثمانية.

واستمرت مساعي تجزئة إيران في العهد القاجاري إلى مناطق نفوذ تقاسمتها روسيا في الشمال وبريطانيا في الجنوب حتى أن ناصر الدين شاه القاجاري قال: (إن أردت السفر إلى شمال إيران يعترض السفير البريطاني، وإن أردت السفر إلى الجنوب يعترض السفير الروسي، سحقا لهذا البلد الذي لا يحق للشاه فيه أن يسافر إلى جنوب مملكته أو شمالها).

لقد انتصرت الحركة الدستورية في إقرار الدستور وإقامة مجلس شورى وطني، لكنها لم تستطع أن تقي البلاد من كارثة التدهور المستمر في التكوين السياسي والاقتصادي.

في أغسطس من عام ١٩٠٧ حين كان مجلس الشورى الوطني يدشّن دورته الأولى، انعقدت بين روسيا وبريطانيا معاهدة قسمت بموجبها إيران إلى ثلاث مناطق: الشمالية تحت نفوذ روسيا، والجنوبية تحت نفوذ بريطانيا، والمنطقة الوسطى محايدة.

موقف الحوزة من هذه الغارة

كانت خطة القوى الأوروبية تتجه بوضوح إلى تجزئة العالم الإسلامي والسيطرة على مقدراته، وكانت الفئة الوحيدة التي تحسّست هذا الخطر، وحذّرت منه ودعت إلى التصدي له" علماء الدين "ووراءها عامة الشعب المتدين، ولدينا وثيقة على غاية من الأهمية صدرت قبل سنوات من الحرب العالمية الأولى التي أعقبها تنفيذ خطة تمزيق العالم الإسلامي.

الوثيقة تتحدث عن لقاءات بين علماء الشيعة الإيرانيين وعلماء أهل السنة في بغداد، وعلى أثر هذه اللقاءات أصدر علماء الشيعة بياناً هذه ترجمته:

(بسم الله الرحمن الرحيم. بعد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد (صلى الله عليه وآله) خاتم النبيين وصحبه المنتجبين، لـمّـا شاهدنا أن اختلاف الفرق الخمس الأساسية الإسلامية في أمور لا تتعلق بأصول الديانة والشقاق بين فئات المسلمين الكبرى، فمن أجل أن نكون على الكلمة الجامعة الدينية وأن نتفق على الدفاع عن الشريعة الشريفة المحمدية (صلى الله عليه وآله)، فقد اتحدت آراء المجتهدين العظام من زعماء الشيعة الجعفرية وعلماء أهل السنة الكرام من المقيمين في دار السلام ببغداد، على وجوب التمسك بحبل الإسلام كما أمر الله تعالى في كتابه المجيد: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)، ووجوب اتحاد كافة المسلمين لحفظ بيضة الإسلام وصيانة الممالك الإسلامية والإيرانية من تشبث الدول الأجنبية.

اتفق رأينا جميعاً على صيانة حوزة الإسلام وعلى بذل كل قوانا ونفوذنا في هذا السبيل وأن لا نألوا جهداً يقتضيه المقام، بينما أملنا بكمال الاتحاد بين الدولتين العليتين الإسلاميتين ورعاية كل منهما لحفظ استقلال حكومتها العليّة وحماة مملكتها وصيانة ثغورها من تدخل الأجانب، وأن يتـّبعا ماقال الله في كتابه العزيز: (أشداء على الكفار رحماء بينهم).

ونذكّر عامة المسلمين بعقد الأخوّة الذي أبرمه الله بينهم، وبوجوب الابتعاد عن كل ما يؤدي إلى الشقاق والنفاق، وأن يبذلوا الجهد في حفظ نواميس الأمة، وأن يتعاونوا ويتعاضدوا من أجل اتفاق الكلمة عن طريق حسن المواظبة، كي تحفظ الراية الشريفة المحمدية ويصان مسؤولو الدولتين العليتين العثمانية والإيرانية، أدام الله شوكتهما بمحمد (صلى الله عليه وآله) وصحبه خير البرية. غرة ذي الحجة سنة ١٣٢٨. النجف الأشرف: الخراساني، المازندراني، شريعت أصفهاني. كربلاء المعلاة: الصدر، حاج نور الدين الاصفهاني، الحاج الشيخ حسين، الحاج شيخ العراقين. سامراء: الميرزا محمد تقي الشيرازي).

منطق التيار الديني الذي مثلته الحوزة العلمية يتلخص في أن يتـّحد المسلمون متجاوزين الأطر الطائفية الضيقة، والالتزام بتعاليم الدين المبين والابتعاد عن كل عوامل التفرقة. وهو منطق يقوم على أساس أن علاج الأمة في المحافظة على هويتها وكرامتها، وإذا فعلت ذلك فإن كل اتجاه إصلاحي سيكون أصيلا مرتبطاً بالجذور الحضارية، ومتفاعلاً مع معتقدات الناس وعواطفهم. ولا يمكن إصلاح وضع الأمة بدون ذلك.

بينما قام منطق الإصلاحيين الإيرانيين المتغربين على أساس تقليد النظم الغربية في السياسة، والتخلّص من نفوذ الدين في الحياة الاجتماعية، وتغيير الحرف العربي إلى حرف لاتيني، وتخليص اللغة الفارسية من المفردات العربية، ومحاربة العمامة وتبديلها إلى قبعة، ومحاربة مجالس ذكر الحسين بن علي (ع)، ومكافحة الحجاب و… أمثال هذه الأمور التي تدل على هزيمة داخلية وانفصال عن الجذور… وكلها فتحت ثغرات جديدة في جسم المجتمع الإيراني المنخور لتنفذ منها قوى الهيمنة العالمية.

موقف الحوزة من الحركة الدستورية

تبنت الحركة الدستورية معارضة استبداد الشاه، وجعل الحكم شورى، من هنا طالبت بالدستور ومجلس الشورى.

والشورى المخالفة للاستبداد من أصول الشريعة الإسلامية نصا وعقلا، ولذلك هبّ علماء الحوزة إلى تأييد حركة المشروطة. وكتب المجتهد الكبير محمد حسين النائيني (١٨٦٠ – ١٩٣٦م) في هذا الصدد كتاباً تحت عنوان" تنبيه الأمة وتنزيه الملة "عبّر فيه عن الموقف الديني تجاه المشروطة ويتلخص في أن الحاكم – إن لم يكن معصوماً – لابد أن يستند إلى دستور يحدد حقوق الدولة وواجباتها، وإلى مجلس من حكماء الأمة ومخلصيها يتولى الإشراف على تطبيق الدستور، شرط أن لا يتضمن الدستور ما يخالف أحكام الشريعة.

من هنا كان موقف الحوزة مجمعاً تقريباً على الوقوف إلى جانب الحركة المشروطة في بداية الحركة، لكننا نشاهد انسحاباً تدريجياُ من قبل بعض العلماء، وما كان هذا الانسحاب تأييداً لاستبداد الشاه، ولكن المنسحبين وجدوا في هذه الحركة بعض الظواهر التي تدل على وجود يد أجنبية وراءها تريد أن تسوقها إلى عزل الدين عن الحياة الاجتماعية.

لقد تلمس هؤلاء العلماء بالتدريج:

١ـ أن الحركة الماسونية في إيران وقفت بكل ثقلها وراء الحركة الدستورية.

٢ـ أن السفارة البريطانية في طهران أصبحت معقلاً لثوار الحركة الدستورية يلوذون بها متى ما ادلهمت الخطوب.

٣ـ أن الجنرال أسعد بختياري وهو من أكبر الإقطاعيين (خان) ورئيس عشيرة البختياري يعود من أوروبا بعد اندلاع حركة المشروطة إلى إيران ويقود خيّالة عشيرته ويهجم على طهران للدفاع عن أنصار المشروطة، بينما كان شعار المشروطة أنها ضد الإقطاع وضد الخانات (النظام العشائري) !! هذه وغيرها من مظاهر تدخل العناصر المشبوهة جعلت بعض عناصر الحوزة تتردّد في تأييدها … ثم أدى الأمر بأحد علماء الدين المناصرين للحركة إلى أن يدق أجراس الخطر بشأن ما ستسفر عنه المشروطة وهو" آية الله فضل الله نوري "ورفع شعار" المشروعة "بدل المشروطة، مؤكداً أن الشريعة فيها ما يستطيع أن يثبت قواعد الشورى ويحول دون الاستبداد، ولا حاجة لمشروع المشروطة الذي ينطوي على فساد ظاهر.

واخيرا انتصرت المشروطة وأعدم الشيخ فضل الله نوري، وظن المتفائلون أن طريق التقدم والازدهار قد تمهد لإيران، ولكن ظنهم سرعان ماخاب كما سنرى.

الدورات الثلاث الأولى للمجلس رافقت أشد الأزمات التي حلّت بالبلاد، فالدورة الأولى انتهت بقصف المجلس بالمدفع وإعلان انحلاله وإلغاء الدستور، ثم استؤنفت الثورة الدستورية ونجحت في إرغام الشاه القاجاري على إعادة نظام المشروطة. وانعقدت الدورة الثانية للمجلس في نوفمبر ١٩١٠م، وانحلت هذه الدورة بفعل الضغوط الأجنبية. وصادفت الدورة الثالثة نشوب الحرب العالمية الأولى، وتوقف المجلس قبل انتهاء مدة هذه الدورة، وبقي متوقفاً لسنين، وبعدها انعقدت معاهدة ١٩١٩م. هذه المعاهدة كانت بين إيران وبريطانيا، وكانت باختصار تقديم إيران بكل مرافقها للتدخل البريطاني.

موقف الحوزة من معاهدة ١٩١٩

كانت بريطانيا تستهدف تحقيق هذه المعاهدة عن طريق البطش العسكري ضد أية معارضة، وعن طريق ممارسة نفوذها في مجلس الشورى لإقرارها.

من هنا مارست الحوزة العلمية مقاومتها لهذه المعاهدة عن طريق انتفاضات مسلحة، وعن طريق دفع علماء الدين المجتهدين ليرشّحوا أنفسهم في انتخابات المجلس.

من الانتفاضات المسلحة ذات العلاقة بالحوزة انتفاضة الغابة، بدأت على يد رجل دين هو" ميرزا كوجك خان "بإنشاء لجنة" اتحاد إسلام "سنة ١٩١٥م.

وصعّد نشاطه ضد الحكومة بعد اتفاقية ١٩١٩ في غابات شمال إيران بمحافظة جيلان. وبعد سنوات من الكرّ والفرّ وتشديد الضغط والمحاصرة تم القضاء على هذه الحركة.

ومن الانتفاضات المسلحة، نهضة الخياباني، أسسها الشيخ محمد الخياباني في تبريز سنة ١٩٣٠م. وكان تاجراً انخرط في الحوزة، كان من ثوار حركة المشروطة، ثم نهض بحركته بعد اتفاقية ١٩١٩م. سيطر على تبريز وشكل فيها لجنة وطنية بقيادته، لكنه واجه هجوماً عسكرياً شرساً شتـّت أفراده وأباد الحركة.

وثمة انتفاضات مسلحة أخرى نراها في هذه الفترة يمكن أن نتلمّس فيها دور الحوزة بدرجة وأخرى. منها: حركة محمد تقي بسيان سنة ١٩٣١ في خراسان، وحركة البوشهريين ضد بريطانيا، وكان من زعمائها الشيخ حسين جاكوتاهي المعروف بـ" سالار إسلام "= قائد الإسلام. وكانت هذه الحركة قد بدأت ضد الاحتلال البريطاني لميناء بوشهر سنة ١٩١٤م، واستمرت حتى سنة ١٩٣٣م.

ومن جانب آخر حثّ علماءُ الحوزة من يستطيع أن يدخل مجلس الشورى ويقف بوجه انحرافه، ومنهم آية الله" مدرّس "الذي دخل المجلس كما يقول هو: " بحسب أمر حجج الإسلام في العتبات العاليات". وكان انتخابه في الدورة الثانية للمجلس ليكون من علماء الطراز الأول المراقبين على صحة القوانين وعدم مخالفتها للشريعة الإسلامية. وهذا الرجل كان أسطورة في مقاومته للانحراف، إذ تواصل حضوره في الدورات التالية، وتوالت مواقفه الصلبة أمام أي اعتداء على مصالح الشعب، وأي تدخل أجنبي في البلاد.

المشروع البريطاني الجديد

لقد واجهت اتفاقية ١٩١٩م معارضة عارمة كان العامل الديني وعلماء الحوزة الطاقة المحركة لها. وأوشكت الانتفاضات الشعبية ووجود أمثال آية الله المدرس في مجلس الشورى الوطني تتحول إلى نهضة عامة ضد أي تدخل أجنبي. من هنا اتجهت الخطة البريطانية إلى: أولا – إبطال مفعول المجلس وتحويله إلى دمية لا حول له ولا قوة. وثانياً – إلى إلغاء دور الحوزة في الساحة الاجتماعية.

مهدت لذلك بانقلاب عسكري سنة ١٩٢٠، دفع" رضا خان "إلى أن يكون قائداً للجيش، ثم ساقت الأوضاع في اتجاه أن يصبح رضا خان رئيساً للوزراء سنة ١٩٢٣م. وفي السنوات الثلاث بين ١٩٢٠ – ١٩٢٣ ظهر رضا خان بمظهر رجل وطني يحاول أن يعمل على استتباب الأمن في البلاد ويقضي على قطاع الطرق، وينهي الفوضى ويقف بوجه تقسيم إيران. في سنة ١٩٣٤ رفع شعار إقامة الجمهورية وإنهاء الحكم الملكي. وفي سنة ١٩٣٥ استطاع أن يحصل من مجلس الشورى الوطني على قرار يقضي بخلع أحمد شاه (آخر الملوك القاجاريين) من السلطنة ويفوض حكم البلاد إلى رضا خان (رضا بهلوي)، حين استلم مقاليد السلطة أعلن أنه يستهدف رفعة الإسلام! ومنع بيع الخمور، وخفض أسعار رغيف الخبز. ونفى ولي العهد القاجاري، وأقام احتفالات متواصلة كان آخرها تتويج رضا خان ليصبح رضا شاه بهلوي، ولتصبح السلطنة البلهوية بدلا من السلطنة القاجارية!

استمر رضا بهلوي في الحكم حتى سنة ١٩٤١م، وفيها مارس أبشع ألوان الدكتاتورية، وخلال ستة عشر عاماً انحبست الأنفاس في الصدور، ولم يسلم على رأسه من حام حوله أدنى شك. وفي جو البطش هذا عقد البريطانيون اتفاقية سنة ١٩٣٣ وبموجبها أصبحت بريطانيا قادرة على استثمار نفط إيران حتى سنة ١٩٩٣، وأمست كل مقدرات هذه الثروة بيد بريطانيا، لاتنال منها إيران سوى النزر اليسير… وما كان أمام مجلس الشورى الوطني إلا أن يصادق على هذه الاتفاقية، ومن الذي يجرؤ على معارضتها؟ !

تحقق لبريطانيا أهم أهدافها في إيران وهو السيطرة التامة على النفط، بقيت العقبة في وجود الحوزة العلمية التي تشكل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة وتلهب الشارع أمام البريطانيين، كما ألهبته في حركة التنباك، وحركة المشروطة، والاعتراض على اتفاقية ١٩١٩ وثورة العشرين (١٩٢٠) في العراق.

رضا شاه والحوزة

المشروع البريطاني الذي أوكل لرضا خان تنفيذه يشبه مشروع" أتاتورك "في تركيا، ويتلخص بالانفصال التام عن الدين في الحياة مع تبعية تامة للغرب. تظاهر في بداية سلطنته بالدين واهتمامه بالمظاهر الدينية الشعبية، لكنه بعد أن توج نفسه اتجه بسرعة إلى محاربة كل مظاهر الدين ابتداء من محاولة إلغاء الخط العربي بتبديل الحروف العربية إلى حروف لاتينية، ومروراً بنزع العمامة وإبدالها بالقبعة، وعدم إعفاء طلبة العلوم الدينية من الجندية أسوة ببقية الطلبة، ومصادرة كل الأوقاف التي تمول الحوزة العلمية، وفرض السفور الإجباري على المرأة، ومنع مجالس الذكر، و… عشرات القرارات التي نفذها أو حاول تنفيذها رضا شاه لإنهاء وجود الدين في الساحة الاجتماعية، وبلغ به الأمر أن وضع القرآن الكريم على ظهر بعير، وأخرجه من بوابة فارس (دروازه شيراز) قائلا: أخرج من حيث أتيت.

لقد يئست الحوزة من مجلس الشورى الوطني بعد أن أخصاه رضا شاه وألغى وجود العلماء المراقبين فيه كما نص على ذلك الدستور، وزوّر الانتخابات بكل وقاحة، حتى أن آية الله المدرس (وهو الرجل الأول بين النواب عادة من حيث عدد أصوات الناخبين) رشّح نفسه فلم يحصل ولا على صوّتّ واحد، مما حدى به إلى أن يقول: لقد صوت أنا – على الأقل – لنفسي فأين صوتي؟ !

اعتمدت الحوزة العلمية في مواجهة رضا شاه على محورين:

الأول – الضغط الشعبي عن طريق استثارة عواطف الناس.

الثاني – التصدي المباشر بواسطة البيانات واتخاذ الواقف.

الثالث – التركيز على" مظلومية "علماء الدين أمام البطش والإرهاب، مع الصمود أمام هذه المحاولات. وهذه المظلومية كانت على مر تاريخ الشيعة بشكل خاص سلاحاً هاماً لمقارعة الخصم، لأنها تستقطب كل المظلومين والمقهورين، وتتحول سياسة البطش إلى طاقة مخزونة مرشحة للانفجار متى ماسنحت لها الفرصة.

في بداية تحرك رضا خان على طريق السلطة، واستلام مهام رئيس الوزراء لم تنطل على التيار الديني الروح الدكتاتورية التي يحملها الرجل، فهب آية الله مدرس للوقوف من خلال مجلس الشورى الوطني بوجه طيشه، ومع اشتهار رضاخان بالدموية والقمع حين كان قائداً للجيش، تجرأ" مدرس "ممثلاً للحوزة العلمية أن يستدعي رضاخان للمثول أمام المجلس للإجابة على التهم التالية:

١ـ سوء السياسة الداخلية والخارجية.

٢ـ نقض الدستور والحكم الدستوري، وإهانة مجلس الشورى الوطني.

٣ـ مصادرة أموال المقصرين وغيرهم وعدم تسليمها إلى خزانة الدولة.

وكان من الواضح أن مدرّس ومجموعته لا يحققون سحب الثقة من حكومة رضاخان، لكنهم أرادوا أن يكسروا جوّ الإرهاب ويسجلوا موقفاً للتاريخ.

وحين توّج رضاخان نفسه وأصبح رضاشاه بهلوي وصرح بنواياه تجاه الحوزة ومظاهر الدين، تحركت الحوزة العلمية في اتجاهين: الأول – يتمثل في حوزة قم بزعامة آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري الذي اهتم بالمحافظة على الحوزة من التمزق والانهيار أمام ضغوط رضا شاه محتفظاً بقدر أدنى من العلاقة مع الحكومة رأى هذا التيار أنها ضرورية لعملية صيانة الحوزة.

والثاني - تمثل في حوزة مشهد بخراسان، وكان اتجاهاً ثائراً مارس تعبئة الجماهير عن طرق إصدار البيانات الرافضة ودفع خطباء المنبر لاستثارة الناس.

ومن علماء مشهد الذين دخلوا ساحة مواجهة رضا شاه وواجهوا السجن والنفي والإهانة:

آية الله السيد عبد الله الشيرازي، وآية الله سيد يونس أردبيلي، والسيد هاشم نجف آبادي وغيرهم…

ومن الخطباء الذين اشتهروا في إشعال نار الثورة بمشهد: بهلول، والشيخ واعظ، والشيخ عباس علي محقق، والشيخ علي أكبر مدقق، والشيخ محمد القوجاني وغيرهم.

ومدينة مشهد ذات مكانة مؤثرة في كل إيران باعتبارها مزاراً لجميع الإيرانيين لاحتضانها مرقد الإمام علي بن موسى الرضا ثامن أئمة أهل البيت، وعلماؤها ذوو نفوذ كبير بين جميع المتدينين. ومن هنا فإن موقف حوزة مشهد زلزل عرش رضا شاه الذي اضطر إلى إرسال وفد من البلاط والحكومة إلى الشيخ عبد الكريم الحائري في قم والتعهد بالكف عن كثير مما اعترض عليه علماء الدين مؤكداً" أننا لم يكن لدينا في أي وقت من الأوقات هدف سوى عظمة الإسلام وشوكته ورعاية مقام واحترام رجال الدين…". ولكنه يستمر في مشروعه لفصل إيران عن دائرة الحضارة الإسلامية.

لا يفوتنا هنا أن نذكر أن المتغربين الذين ظهرت بداياتهم منذ العصر الصفوي والماسونيين، كانوا يناصرون رضا شاه ويوفّرون له الأجواء المطلوبة في مجلس الشورى الوطني والمحافل الأدبية والإعلامية.

ثم تنشب الحرب العالمية الثانية وتعلن إيران حيادها في هذه الحرب، لكن الحلفاء تذرعوا بأمور واهية فدخل الجيش السوفييتي ليحتل شمال إيران، والجيش البريطاني ليسيطر على الجنوب، وفي سنة ١٩٤١ اتجه الجيشان إلى طهران، وفي نفس اليوم قدّم رضا خان استقالته تاركاً العرش لابنه محمد رضا بهلوي، وأخذ إلى جزيرة موريس.

محمد رضا بهلوي والحوزة

تولى محمد رضا العرش في فترة بائسة من فترات تاريخ إيران، حيث الجيوش السوفييتية والبريطانية تحتل البلاد، والجوع والفوضى عامة. حاول الابن أن يصلح ما أفسده والده، فألغى حظر الحجاب ومجالس الذكر، وحاول إعادة مانهبه والده من الناس وخزائن الدولة، ومثل أمام القضاء مرتكبو جرائم عصر رضابهلوي. لكن الأمور كانت بيد بريطانيا والاتحاد السوفييتي يسيّران الأوضاع وفق مصالحهما، وقد يختلفان في أمر لكنهما يعودان الى الاتفاق نظير اتفاقهما مع حكومة ايران على الانسحاب بعد ستة أشهر من انتهاء الحرب، على أن تضع الحكومة تحت تصرفهما كل الطرق والإمكانات للحركة والتنقل.

وفي هذه الفترة بالذات نشطت العناصر الإيرانية الموالية للغرب في إشاعة فكرة عزل الدين عن الحياة تحت عنوان ضرورة عدم تدخل الدين في السياسة، وفي إشاعة حرب نفسية ضد الحوزة العلمية، كي يعتقد الناس ويعتقد علماء الحوزة أنفسهم أنـّهم متخلّفون ولا يصلحون لإبداء أي رأي في السياسة والمجتمع.

في مثل هذا الجو المفعم بالنظرة السلبية إلى علماء الدين نهض آية الله السيد أبو القاسم الكاشاني ليكسر الطوق المفروض على الحوزة.

وما كان الكاشاني بحاجة إلى مقوّم لنهضته سوى مقاومة الهزيمة النفسية، وكان يمتلك ذلك لأنه – إضافة إلى خصائصه الذاتية – قد مارس مقاومة المحتلين منذ شبابه حين اشترك في ثورة العشرين في العراق ضد البريطانيين، وتحقق بجهاد علماء الدين انتصار الدم على السيف أو" المكوار على الطوب "بتعبير العشائر العراقية… وهذا الانتصار منح الكاشاني معنوية نرى آثارها منذ وروده إيران.

فبدأ بإيقاظ الناس ضد الاحتلال البريطاني، مما استفز الجيش البريطاني المحتل. في سنة١٩٣٤ اقتحم عدد من الضباط البريطانيين بيت الكاشاني لاعتقاله لكنهم لم يعثروا عليه. ثم اعتقلوه في فترة تالية وأبدى من الصمود في المعتقل ماشاع على الأفواه واستقطب المشاعر والعواطف. ومن هنا بدأت حركة جماهيرية جديدة في إيران أدت إلى نهضة تأميم النفط.

منذ سنة ١٩٤٣ بدأت أمريكا بالبحث عن موضع قدم لها في إيران، وبدا ذلك عن طريق استخدام مستشار اقتصادي لإنقاذ أوضاع البلاد المتدهورة، ثم تقاطر المستشارون العسكريون.

في أذربيجان وكردستان ظهرت حركات يسارية انفصالية قوية، وكان ارتباطها بالاتحاد السوفييتي لايحتاج إلى استدلال كثير. ونشط حزب توده ليدافع عن مصالح الاتحاد السوفييتي في إيران، من هنا ازداد الاعتماد على أمريكا للقضاء على المطامع السوفيتية في إيران.

قدرة بريطانيا وأمريكا في إيران أفشلت سياسة الاتحاد السوفييتي في السيطرة على نفط شمال إيران، وبقي النفط الإيراني بيد بريطانيا تنافسها أمريكا.

مشروع الكاشاني في مواجهة بريطانيا وأمريكا

شعار الكاشاني تلخـّص في طرد الإنجليز من ايران. وكان يقرن شعاره هذا بما يرتبط بعقيدة المسلمين القاضية بعدم جواز سيطرة الطامعين على بلاد المسلمين. ثم إن هذا الشعار كان يصدر من" آية الله "بكل مالهذه الكلمة من عمق في الوجدان الديني الإيراني… ومن" مظلوم "يعيش بين السجن والنفي، و" المظلومية "تذكّر الشيعة بكل دماء المظلومين من أهل البيت.

ومن هنا كانت كلمة الكاشاني تفعل فعلها كالنار في الهشيم، كما صوّر ذلك خبر تصوير محمد حسنين هيكل الذي عاش بنفسه في ايران إبان تلك الأحداث وصوّرها في كتابه" إيران فوق بركان".

منذ تولي محمد رضا شاه أمور البلاد تشكلت عدد من الحكومات لم يبق كل منها أكثر من بضعة أشهر، وكانت تسقط أمام الضغوط الشعبية ووراءها الكاشاني. كان مشروع الكاشاني في الظاهر تأميم نفط إيران، لكنه كان يتجه نحو تخليص إيران من النفوذ الأجنبي وإعادة إيران إلى حضيرة العالم الإسلامي.

من هنا نراه في كل خطبه ونداءاته يركز على ضرورة التخلّص من كل عوامل انحطاط إيران النفسية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ولا يمكن ذلك إلا بعودة الأمة إلى أصالتها وهويتها الدينية. كان يرى أن مشكلة الشعب الإيراني هي هزيمته النفسية بشكل عام، وتبعية مثقفيه بشكل خاص أمام الغزو الاستعماري. من هنا اهتم كثيراُ أن يعيد الثقة إلى نفوس الجماهير ويعيد إليها إيمانها بقدرتها على أن تمسك زمام أمورها وتحرّر مقدّراتها من سيطرة الأجنبي.

بعد توالي سقوط الوزارات وقع الاختيار على" عبد الحسين هجير"، وكانت له من القدرة والتجربة والحنكة ما ظن أنه قادر على أن يعيد دكتاتورية رضا شاه إلى البلاد، ويكمّ الأفواه. قال له الشاه: لا تستطيع أن تحكم إلا إذا استطعت أن ترضي الكاشاني، لكنه لم يستطع أن يحصل على موعد لقاء من الكاشاني!

كان هجير واثقاً من قدرته على الحكم، لأنه مسنود من بريطانيا، ولذلك فإنه سيحصل على ثقة مجلس الشورى الوطني الذي سيطرت بريطانيا على أكثرية أعضائه سوى أقلية سميت بكتلة الأقلية، ومنهم الدكتور مصدق. كما أنه أعدّ نفسه للبطش بكل معارضة.

في هذه الأجواء أصبح بيت الكاشاني خلية نحل تموج حوله الجماهير المعارضة الساخطة. وحين انعقد المجلس ليمنح الثقة لوزارة هجير، تحركت مسيرة جماهيرية صاخبة من بيت الكاشاني إلى مقر المجلس ترفع أمامها مصحفاُ كبيراُ وراية خضراء، وشعار الناس: " نصر من الله وفتح قريب "و" إنا فتحنا لك فتحاً مبينا".

لكن المسيرة واجهت إطلاق النار، فقُتل جمع وجُرح آخرون وحصل هجير على ثقة المجلس.

في تلك الأيام كانت حركة" فدائيان إسلام "قد تشكلت بقيادة نواب صفوي. ونواب صفوي رجل دين من الحوزة العلمية، تبنى نفس أهداف الكاشاني لكنه لم يكتف على الصعيد العملي بالخطب، بل مارس ايضا عمليات الاغتيال كما سنرى.

والكاشاني كان يؤيد حركة فدائيان إسلام بما في ذلك عمليات اغتيالاتها.

وفي هذه الفترة بالذات خلقت السياسة البريطانية كارثة أخرى في فلسطين، فقد قامت دولة إسرائيل تحقيقاً لوعد بلفور، وكانت كل الظروف الشعبية في إيران مؤهلة لأن يشهد هذا البلد المسلم أول رد فعل شعبي عارم في العالم الإسلامي تجاه احتلال فلسطين.

كان الكاشاني في خطبه يهتم بربط إيران بقضايا العالم الإسلامي تحقيقاً لهدفه في وحدة الأمة الإسلامية، وجاءت قضية فلسطين ليستثمرها في هذا السبيل.

عقد الكاشاني اجتماعاً جماهيرياً ضخماً أوضح فيه أبعاد جريمة احتلال فلسطين، وأسفر عن استعداد آلاف المتطوعين للجهاد في فلسطين، لكن هجير عارض ذلك. وبقيت حركة التعاطف مع القضية الفلسطينية حادة متدفقة في الشارع الإيراني حتى نـُفي الكاشاني. وقد حاول الكاشاني ونواب صفوي خلال هذه الفترة إيجاد ارتباط بين الحركة الشعبية الإيرانية المناصرة لفلسطين مع العالم العربي والإسلامي، لكن الظروف البائسة في تلك الفترة أحبطت تلك المحاولات.

في سنة ١٩٤٩ تعرّض الشاه لعملية اغتيال، فسارع البريطانيون لاستغلال الحدث وإعلان حالة الطوارئ في إيران، ونفي على أثر ذلك آية الله الكاشاني إلى لبنان.

لم تهدأ المقاومة الجماهيرية، وكان الكاشاني على اتصال بها عن طريق البيانات. فسقط هجير، وتولى رئاسة الحكومة" ساعد "الذي سقط هو الآخر، وبعد الضغوط الشعبية عاد الكاشاني إلى طهران سنة ١٩٥٠ بعد مضي سنة ونصف السنة في المنفى فاستقبل استقبالاً مدهشاً.

وبهذه العودة قويت شوكة المطالبة بتأميم النفط، لكن البريطانيين اختاروا جنرالاً ليتولى رئاسة الوزراء في إيران علّه يضبط الأوضاع، وهو الجنرال حاج علي رزم آرا، عارضه الكاشاني وأعلن أنه عميل للأجانب.

قبل عام من عودة الكاشاني (١٩٤٩) كانت قد تشكلت الجبهة الوطنية من النواب المعارضين (الأقلية) في المجلس الوطني، ومنهم الدكتور مصدّق.

الجبهة الوطنية عارضت اختيار رزم آرا أيضا، لكن كل المعارضات جوبهت برد عسكري عنيف، أوشكت الأنفاس أن تختنق في الصدور لولا أن تدارك الوضع رجل من فدائيان إسلام اسمه خليل طهماسبي فأطلق عدة رصاصات على الجنرال رزم آرا فأردته قتيلاً، وقبض على القاتل لكن الكاشاني سرعان ما أعلن أن قاتل رزم آرا قد أدى ما عليه من خدمة لوطنه وشعبه وأمته ولابد أن يطلق سراحه.

شكلت هذه الحادثة منعطفاً في تاريخ إيران المعاصر، إذ لم يجرؤ بعدها أحد من خَدَمة الإنجليز أن يرشح نفسه لتولي رئاسة الحكومة، ولم يجرؤ أعضاء المجلس أن يمنحوا الثقة لعميل.

لابد أن نذكر أن الجبهة الوطنية حين تشكلت كان الكاشاني في منفاه بلبنان، فأرسل برقية تأييد للجبهة، مما يدل على اهتمامه بضرورة تجميع كل الطاقات الوطنية والدينية لإنقاذ البلاد من يد الناهبين.

استثمر الكاشاني كل الظروف لتصعيد الضغط، مما أدى بالأمر إلى أن يصادق المجلسان (مجلس الشورى ومجلس الأعيان) على مشروع تأميم النفط.

ضمن خطة بريطانيا منذ الخمسينيات في إشراك أمريكا لتنفيذ أهدافها، ولمواجهة الموقف في إيران بعد قرار التأميم، أرسلت بريطانيا وفداً إلى واشنطن لاتخاذ سياسة مشتركة تجاه إيران!!

لوّحت بريطانيا بممارسة القوة عن طريق إرسال أساطيلها إلى مياه المنطقة، وفي هذه الأثناء طُرح اسم الدكتور مصدق ليكون رئيساً للوزراء، فقد كان رئيساً للجنة النفط في مجلس الشورى الوطني كما كان على رأس الجبهة الوطنية، وعرف بارتباطه بآية الله الكاشاني، وصادق المجلس عليه، وتشكلت حكومة أنيط بها مسؤولية تنفيذ قرار التأميم.

وقف الكاشاني بقوة وراء الحكومة الجديدة لتنفيذ أهدافها، لكنّ مشروع التأميم واجه – إضافة إلى التهديد العسكري – حصاراً اقتصادياً رهيباً، فقد خرج العاملون الأجانب في حقول النفط بالجملة من إيران، والخبرة الإيرانية في مجال استثمار النفط كانت متواضعة، ولم تعد أية جهة تشتري النفط الإيراني، وهذا أدى بطبيعة الحال إلى أزمة اقتصادية شديدة في داخل إيران، لكن الكاشاني وقف بكل ما أوتي من قوة يعبّئ الجماهير ويوصيها بالصبر والمصابرة ومواصلة الطريق.

وفي خطوة أخرى سعى الكاشاني إلى تحويل قضية إيران إلى قضية إسلامية، داعياً الأمة الإسلامية عامة والعربية خاصة – عن طريق بيانات مدوّنة بالعربية – إلى توحيد الصف ونبذ الخلاف والاتجاه نحو وحدة سياسية واقتصادية لمواجهة الغزو الاستعماري والبريطاني بشكل خاص.

وبعد انتخاب الدورة ١٧ لمجلس الشورى الوطني سنة ١٩٥٣ أقر إبقاء الدكتور مصدق في رأس الوزارة، وكان ذلك طبعاً بفضل الجو الشعبي العام الذي هيأه كاشاني، لكن مصدق قدّم استقالته وترشّح أحمد قوام السلطنة لرئاسة الوزراة. وأحمد قوام مسنود بالشاه وبالماسونية وبأسرة ذات ثروة وجاه. حاول قوام أن يسترضي الكاشاني، لكن كاشاني أعلن أن قوام (ذو حياة سياسية مليئة بالخيانة والظلم والجور، وقد أثبت خيانته مراراً ومحكمة الشعب قد أصدرت حكمها النهائي بإنهاء حياته السياسية…).

وحين أصرّ قوام على إنهاء كل مقاومة تجاه حكومته دفع الكاشاني جماهير الشعب لانتفاضة عامة في ٣٠ تير (٢١ تموز)، ودخلت الدبابات الشوارع لمواجهة الناس وشاع الخبر أن آية الله الكاشاني لبس الكفن ونزل إلى الشارع، واستمرت الاشتباكات حتى اضطر الشاه إلى عزل قوام، وتولى مصدق رئاسة الوزارة للمرة الثانية.

كان من المفروض أن يفهم مصدق أن عودته إلى الحكم تمّت بفضل الروح الدينية لدى الجماهير، ويفهم قدرة الدين على تصعيد روح الصبر والمواصلة والمقاومة، لكنه هو والجبهة الوطنية تعاملوا بعد ٣٠ تير بشكل يوحي بأنهم اتجهوا إلى الحد من نفوذ الكاشاني في المجتمع، وإلى نوع من انفصال الدين عن المسائل الحياتية، كما اتجهوا أيضا إلى نوع من المساومة والتنازل بشأن مسألة النفط أمام بريطانيا وأمريكا.

حاول الكاشاني أن يغطي على خلاقاته مع هذا التوجه الجديد للجبهة الوطنية ومصدق، لكن هذه الخلافات طغت بالتدريج على السطح، أحس الكاشاني بأن أمريكا تستهدف القيام بانقلاب عسكري ضد الحكومة الوطنية القائمة، ومن هنا كثف نشاطاته على محور تعبئة الجماهير والاتصال بشخصيات العالم الإسلامي، ليعطي للنهضة صفة إسلامية عالمية، ودعم الحكومة الوطنية. وحين تمادت الجبهة الوطنية في تحجيم نشاطات الكاشاني كتب رسالة تاريخية إلى الدكتور مصدق بين له جهوده في حفظ معنويات الساحة وتصرفات الحكومة المفضية إلى الانعزال عن الجماهير… ثم… وهذا مهم جداً… حذّره من مؤامرة أمريكية بقيادة الجنرال" زاهدي "!. وهذا ماتم بالضبط، فقد حدث انقلاب عسكري على مصدق بقيادة الجنرال زاهدي!!

أما كيف تم هذا فباختصار:

كروميت روزفلت المعروف باسم" كيم "ابن أخ الرئيس الأمريكي الأسبق ثيودور روزفلت وعضو وكالة الاستخبارات الأمريكية، كُلف بأداء مهمة الانقلاب بالتعاون مع المستشارين العسكريين الأمريكيين في إيران وعملاء بريطانيا، والخطة اقتضت استثمار الوضع الاقتصادي المتردي لإثارة مجموعات من الناس المأجورين إلى الخروج في شوارع طهران والهجوم على المرافق الحيوية مرددة شعارات مؤيدة للشاه. وعقب ذلك تحرّكت وحدات من القوات العسكرية بهدف ضبط الأوضاع! وأول مافعلته أن استولت على الإذاعة، وفي ظهر ٢٨ مرداد (١٧ آب) أعلن الجنرال زاهدي سقوط مصدق، وأعلن نفسه رئيساً للوزراء.

وكانت الخطة تقتضي أيضا أن يخرج الشاه من إيران قبل تنفيذ الانقلاب، فذهب إلى بغداد، ولكن السفير الإيراني في العراق كان من أنصار مصدق، فاضطر أن يذهب إلى روما. وبقي هناك حتى استتبت الأوضاع بيد زاهدي فعاد، ومع عودته بدأت مرحلة جديدة من السيطرة الأمريكية على إيران.

موقف الحوزة من فترة السيطرة الأمريكية

في هذه الفترة ساد نوع من الإحباط في الأوساط الجماهرية، من هنا فإن الشعب الإيراني لم يتحرّك لمواجهة انقلاب ٢٨ مرداد كما تحرك في محاولة انقلاب ٣٠ تير، بسبب انفصال الحكومة عن العاطفة الدينية للجماهير.

غير أن الكاشاني حاول أن يواصل مواقفه، وبذلك تعرض للسجن وهو في الثمانين من عمره.

ومجموعة فدائيان اسلام قُمعت بعد إعدام نواب صفوي ورفاقه من أعضاء الحركة.

وتدفق المستشارون الأمريكيون ليسيطروا على الجيش وعلى جهاز الأمن الذي عرف بالساواك. وتوثقت العلاقات مع إسرائيل، ونشط اليهود وعملاء إسرائيل المتمثلون بأتباع البهائية في إيران، ومهدت أمريكا لأن تركّز كل السلطات بيد الشاه، وما عاد للحكومة ومجلس الشورى الوطني مكانة تذكر في إدارة شؤن البلاد… وشُنت حملة دعائية واسعة اشترك فيها، دون اتفاق مسبق، حكومة الشاه والقوميون واليساريون لتشويه سمعة الحوزة وفصلها عن عواطف الناس.

وأمام هذه الحالة الجديدة أمسك بزمام الحوزة رجل كبير سار على طريق الشيخ عبد الكريم الحائري – المار ذكره في عصر رضا شاه – وهو آية الله السيد حسين البروجردي.

هذا الرجل تحرك بحكمة بالغة وفق ما تقتضيه مستجدات الساحة فبعث نشاطاً بالغاً في الدراسات الفقهية والأصولية والحديثية، مؤسساً مدرسة جديدة في الحركة الاجتهادية للحوزة تقوم على أساس الانفتاح على المذاهب الاسلامية الأخرى ودراسة أحاديثها. وفي حقل الدعوة نشط في ربط الجماهير بعلماء الدين عن طريق نشر العلماء (المسمون في إيران بالروحانيين) في جميع أرجاء البلاد، واستثمار المسجد والمنبر والتقليد، والمواسم الدينية لربط الناس بالدين ورجاله، وكان له موقف في محاربة البدع والتحجر الفكري، كما كان له دور بارز في تقريب المذاهب الإسلامية، وخاصة بين السنة والشيعة عن طريق إقامة علاقات مع أئمة الأزهر.

وبقي الرجل في هذا المركز العلمي الدعوي القيادي حتى سنة ١٩٦١ وفيها توفي ثم توفي الكاشاني في السنة التالية، وكانت عظمة تشييع جنازة البروجردي ومجالس العزاء التي أقيمت له في إيران وخارج إيران مؤشراً مهما على مدى نجاح الرجل في أن يمد نفوذه إلى قلوب الملايين من الإيرانيين وغير الإيرانيين.

تحول في السياسة الإيرانية وموقف الحوزة منه

رغم أن الشاه حاول أن يسيطر على الأوضاع في ايران منذ سقوط حكومة مصدق سنة ١٩٥٣م، إلا أن الشعب الإيراني أصبحت له تجارب نضالية متراكمة كانت أولاها في هذا القرن حركة المشروطة وبلغت ذروتها في حركة تأميم النفط، كما أن الأحزاب والمجموعات الوطنية واليسارية والاسلامية التي تشكلت منذ بداية هذا القرن أيضا كان لها الأثر في توعية الجماهير. أضف إلى ذلك وجود الحوزة العلمية التي لا يجوز لها شرعاً أن تقف مكتوفة الأيدي أمام الغزو الامريكي والتغلغل الصهيوني في إيران. من هنا ما كان للوضع القائم بإمكانه أن يستمرّ، ومصلحة استمرار الهيمنة الأمريكية تقتضي إجراء يضمن بقاء هذه المصالح.

منذ بداية الستينات اتجهت السياسة الأمريكية في عهد جون اف كندي إلى إجراء" إصلاحات "في البلدان التابعة، لدفع شعوب هذه البلدان في اتجاه تطبيع علاقاتها مع أمريكا وإزالة الحواجز أمام عملية التطبيع، وأهم حاجز هو الهوية الوطنية والدينية لشعوب هذه البلدان.

وكان لابد أن تقترن هذه السياسة بحرية نسبية شهدها المجتمع الإيراني آنئذ أعادت شيئاً من الحياة إلى الأحزاب الدينية والوطنية. وفي هذا الجو" التطويري "للحياة في إيران أعلن الشاه لائحة (الإصلاحات) !

استغل الإمام الخميني كل هذه الظروف الجديدة فأعلن نهضته التي انتهت بانتصار الثورة الإسلامية.

الإمام الخميني والحوزة

تربى الإمام الخميني في حوزات" خمين "و" إصفهان "و" اراك "و" قم "وكان يمتاز بالجد في طلب العلم، وأصبح من كبار المجتهدين والأساتذة في حوزة قم. وكان متميزاً عن غيره من العلماء والأساتذة بما يلي:

١ـ الجد والاجتهاد في الدراسة والتدريس، حتى كان درسه في قم من أكثر حلقات الدرس جداً ونشاطاً وحركة.

٢ـ الاهتمام بالتزكية وتهذيب النفس والتربية، فكان يخصص وقتاً لتربية طلابه على التقوى والزهد والاهتمام بكبار الأمور.

٣ـ الاهتمام بالفلسفة والعرفان في جو كان يرفض الاشتغال بالفلسفة ويرى عدم اختلاف العرفان عن شطحات الصوفية.

٤ - الوعي على دسائس المستعمرين وخططهم، مما حدا به أن يكتب في وقت مبكر من حياته كتاب" كشف أسرار "وفيه يبين ما يحيط بالعالم الإسلامي من خطط للهيمنة عليه.

وتدوينه لهذا الكتاب لا يعني أنه كان يمارس عملاً سياسياً، بل كان حتى وفاة آية الله البروجردي عام ١٩٦١ معروفا فقط بالنشاط العلمي التدريسي والتربوي.

بعد هذا التاريخ تصدى الإمام لمشروع الشاه (الإصلاحي) الجديد. وحشد مراجع قم لهذا التصدي وعلى رأسهم: الشريعت مداري، والكلبايكاني، والمرعشي النجفي.

وتميز خطابه آنئذ بما يلي:

١ـ عدم مناقشة تفاصيل المشروع بل تصدى له بمجموعه، باعتباره مشروعاً أمريكياً يستهدف استمرار الهيمنة ومصادرة عزة إيران وكرامتها.

٢ـ فضح السياسة الأمريكية في إيران والمطالبة بإخراج المستشارين الأمريكيين، ومهاجمة الحكومة المؤتمرة بأوامر أمريكا.

٣ـ نصح الشاه أن يعتمد على شعبه بدل الاعتماد على أمريكا.

٤ - إدانة أي ارتباط بإسرائيل، والمطالبة بتطهير أجهزة الدولة من الصهاينة وعملائهم.

٥ـ تعبئة الجماهير عن طريق استثارة عواطف" المظلومية "لدى الشعب الإيراني.

٦ـ التأكيد على دور الدين وعلمائه في تحرير البلاد من التدخل الأجنبي، وعدم انفصال الدين عن السياسة.

٧ـ الاستناد إلى القاعدة الشعبية في ضغطه على الشاه، حتى أنه خاطبه مرة: " لو تماديت في أعمالك سأقول للشعب أن يلقيك خارجاً".

هذه المواقف سحبت أولا البساط من تحت أقدام الأحزاب اليسارية التي كانت تزايد في معارضة التدخل الأمريكي، وأصبحت الحوزة في طليعة هذه المعاضة بقوة. ثم إنها أحبطت كل المحاولات التي أرادت إلقاء فكرة فصل الدين عن السياسة وفكرة تخلّف علماء الدين.

دفع الإمام الخميني بنهضته الحوزة العلمية إلى مركز قيادة الشعب الإيراني، خاصة بعد أن تطورت الأوضاع، وبعد الهجوم على المدرسة الفيضية في حوزة قم ومقتل الآلاف في طهران وقم.

وماكان أمام نظام الشاه غير البطش بكل قسوة، فاعتقل الإمام الخميني، ثم نفاه إلى تركيا سنة ١٩٦٣ ومنها ذهب الإمام إلى النجف في العراق لتبدأ مرحلة جديدة من النهضة.

الحوزة العلمية بعد سنة ١٩٦٣

حين كان الإمام الخميني في المعتقل زاره رئيس منظمة الساواك وقال له: " السياسة تحتاج إلى أولاد حرام ولا تناسب علماء الدين "فأجابه: " السياسة التي تتحدث عنها أتركها لك "… فالإمام اعطى بمواقفه مفهوماً جديداً للسياسة بعيداً عن المعنى الشائع المقترن بالتضليل والميكيافيلية، كما أن الضابط الذي أخذه للنفي قال له: " إن أنصارك جميعا خلدوا إلى السكوت وتراجعوا عنك بعدما واجهوا القوة". أجابه: " إن أنصاري هم الأطفال الذين يرقدون الآن في مهدهم". وبهذّا شد الإمام أمله في الشباب الذي سيظهر على الساحة بعد ١٥ عاما.

هذان الأساسان: تنظير مفهوم جديد للسياسة، والثقة بالمستقبل، هما اللذان اعتمدهما الإمام في حركته خلال ١٥ عاماً من إقامته في المنفى.

وفي مدينة النجف واصل الإمام نهضته في إطار الحوزة عن طريق إلقاء دروس في" الحكومة الإسلامية "أو" ولاية الفقيه"، وبذلك صاغ نظرية في الحكم الإسلامي تستند إلى أصالة فقهية، وبهذه النظرية جعل إلغاء الحكم الشاهنشاهي القائم في إيران ضرورة شرعية.

وكان يرتبط بإيران عن طريق البيانات المكتوبة أو المسجلة على أشرطة الكاسيت يعلن فيها موقفه من كل قضية وحادثة تمر بإيران. كما كان يستثمر فرصة الحج ليوزع بيانات بين الحجاج بشأن مايجري في إيران، وكان يركز في بياناته على قضية فلسطين وعلى التغلغل الصهيوني في إيران.

وفي داخل إيران تواصلت حركة الحوزة بشكل خاص في قم وطهران ومشهد.

في مدينة قم تواصلت النهضة عبر طلبة الإمام الخميني وخاصة الشباب منهم، وكانوا جادين في نشر بيانات الإمام في جميع أرجاء إيران، وفي مواصلة الحركة الفلسفية العرفانية التي بدأها الإمام، وكان للعلامة محمد حسين الطباطبائي دوره المهم في ترسيخ أسس الدراسات الفلسفية في الحوزة، ثم العلامة مرتضى مطهري تلميذ الطباطبائي والخميني كان له أيضا سهم وافر في نشر الدراسات الفلسفية العرفانية، في قم أولا، ثم في طهران بعد انتقاله إليها.

ولم يترك أنصار الإمام الخميني في داخل إيران مجالاً إلا ولجوه لبثّ الفكر الإسلامي الأصيل بين الشباب، فقد دخلوا الجامعة وعلى رأسهم العلامة مرتضى مطهري، ودخلوا التعليم من مثل محمد علي رجائي، ومنهم من دخل حقل تدوين الكتب الدراسية مثل محمد رضا باهنر.

ومرتضى مطهري في طهران كان اسطورة في نشاطه، فقد كان رجل تأليف وخطابه وتدريس وتنظيم ومواقف، ألف في كل مجال إسلامي تحتاجه الساحة، ابتداء من" داستان راستان "= قصص الصالحين، للأطفال والناشئة، حتى أعمق الدراسات الفلسفية للمتخصصين. وكان خطيباً من الدرجة الأولى على المنابر وعلى منصة" حسينية ارشاد". وكانت منابره في الواقع دروساً في الفكر والعقيدة والمجتمع، كما درّس في الجامعة ليرتبط فكرياً بالشباب الجامعي.

وعلى المستوى التنظيمي أسس" جمعيت مؤتلفة إسلامي "كل الكلمات عربية لا تحتاج إلى ترجمة، وهدفها تعميق المحتوى الأيديولوجي للنهضة. وفي مجلس علمائها بهشتي، وباهنر، وهاشمي رفنسجاني، وعدد آخر من العلماء، أسسها بعد نفي الإمام الخميني، وكان ممثلاً للإمام فيها.

ومواقفه كانت ذات أثر كبير على مواجهة الانحراف الفكري في المجتمع، فقد واجه المد اليساري المادي بدراسات ومحاضرات معمقة، وواجه الفكر الإسلامي الالتقاطي المهزوم أمام الفكر الليبرالي أو أمام الفكر الماركسي ببيان مافيه من انحراف. كما واجه التيار القومي، الذي ركز على إيران ماقبل الإسلام، بقوة وألف فيه كتاب" الخدمات المتبادلة بين إيران والإسلام "ردّ فيه على كل تزييف لحقائق الفتح الإسلامي لإيران، ودافع عن الفاتحين، ورفض باستدلال مسهب مقولة دخول الإسلام في إيران بالسيف. كما كان لا يترك فرصة إلا ويذكّر الناس فيها بمأساة فلسطين وبضرورة مناصرة المجاهدين الفلسطينيين. ولا يفوتنا أن نذكر مواقفه في محاربة البدع والخرافات والتحجر والتقاليد الخاطئة التي تتقمص صفة الدين.

وفي حوزة مشهد كان السيد علي الخامنئي الوجه البارز في الحقلين الثقافي العلمي والسياسي الجهادي معاً، وكان حوله جمع من طلبة العلوم الدينية الشباب، والسيد الخامنئي كان منذ بداية نهضة الإمام الخميني حلقة وصل بين قم وعلماء مشهد. ومنذ ذلك الوقت حتى سنة ١٩٧٨ عاش بين المنبر وقاعة الدرس والتدريس وتربية الشباب، وبين السجن والمنفى.

والواقع أن الذين واصلوا نهضة الإمام الخميني في الحوزة كانوا يعملون على شاكلتين:

الأولى – النشاط الفكري والعملي دون الاصطدام بالسلطة ودون تحمّل السجن والنفي مثل: مطهري وبهشتي وباهنر. والثانية – الجمع بين النشاط الفكري العلمي والعمل السياسي المناهض للسلطة، وهؤلاء كانوا يتعرضون باستمرار للسجن والنفي، من مثل السيد علي الخامنئي والشيخ هاشمي رفسنجاني. غير أن الجميع كان يعتمد على (الكلمة) في عمله.

أما سلطة الشاه فكانت تعتمد في بقائها على عدة وسائل:

منها البطش، ونشر الفساد الخلقي، وشراء الذمم، وقوة الساواك، يساعدها في ذلك المخابرات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية.

غير أن الكلمة كانت ثابتة في النفس وذات عطاء مستمر في السلوك، أما وسائل الشاه فلم يكن لها أساس ولا جذور ولا قرار. وتحيّنت الكلمة الفرصة لتؤتي أكلَها. فحانت هذه الفرصة سنة ١٩٧٧.

الحوزة والثورة الإسلامية

ارتبطت الثورة الإسلامية بالحوزة والإمام الخميني حتى يمكن أن نطلق عليها اسم المرحلة الثانية من نهضة الإمام. فالشرارة الأولى التي فجرتها سنة ١٩٧٧ كانت وفاة السيد مصطفى الخميني نجل الإمام في النجف بصورة غامضة. أقيمت مجالس الفاتحة، مما استفز النظام فدفع أحد كتـّابه لأن ينشر مقالاً يتهجم فيه على الإمام الخميني. على أثر هذا المقال خرجت مظاهرة عفوية صغيرة في مدينة قم اتجهت إلى بيوت كبار علماء الدين (المراجع) للاعتراض على المقال. يبدو أن النظام بدأ يتحسس من الخطر المحدق به من جراء عمل متواصل استمر ١٥ عاماً من قِبَل الإمام وأنصاره، فأمر بإطلاق النار على المظاهرة سقط فيها عدد من القتلى، أقيم لهؤلاء مجلس تأبين في تبريز فهاجمه النظام وقتل عدداً من الحاضرين في المجلس، وتوالت مجالس التأبين في المدن وسقوط عدد من القتلى، وكان ذلك مقدمة خروج مسيرات عظيمة من الشباب والرجال والنساء، وبداية إضرابات واسعة عمّت كل القاطاعات. فقد النظام صوابه وبدأ الشاه يغير رؤساء الوزارات، ثم خرج في التلفزيون معتذراً، ولكن ذلك لم يغير الموقف، فالإمام يصدر النداءات تلو النداءات يطالب الشعب بالمواصلة حتى اقتطاف الثمار.

ضغط النظام على الحكومة العراقية لكي تمنع الإمام من البقاء في العراق، اتجه أولا عن طريق البر إلى الكويت فأُغلقت الحدود بوجهه، قفل راجعا إلى النجف، ومنها إلى بغداد ليتجه إلى باريس.

كان الشاه قد خرج من إيران جاعلا السلطة بيد آخر رئيس وزراء لنظامه هو الدكتور شاهبور بختيار. حاول بختيار بما له من رصيد في الجبهة الوطنية أن ينقذ الموقف، لكن تدفق الجماهير إلى الشوارع والمطالبة بعودة الإمام الخميني وإقامة الحكومة الإسلامية عمت كل مدن إيران وأريافها وقراها.

فجأة وجدت الحوزة نفسها في موقع قيادة ثورة عارمة، فجنّدت كل المساجد وشكّلت فيها اللجان لإدارة شؤون المواطنين وشؤون الثورة، كما انتشر أفراد الحوزة في كل أرجاء إيران، ليوجهوا حركة الجماهير ويحولوا دون أي إفراط أو تفريط.

والواقع لم يكن دور السيطرة على الملايين الغاضبة التي تتعرض باستمرار لنيران العسكر أمراً هيّناً، خاصة لو أخذنا بنظر الاعتبار وجود عناصر تريد تشويه ثورة الجماهير ووصمها بالعنف والفوضوية. غير أن جماهيرية علماء الدين ومعرفتهم الشخصية بالناس في كل منطقة وقدرة تأثيرهم على المواطنين جعل الحركة الجماهرية التي استمرت أشهرا طويلة في غاية الانضباط.

لقد تعرضت إحدى المسيرات في طهران لمذبحة بواسطة جيش الشاه، فأمر الإمام الخميني من منفاه أن تخرج المسيرة في اليوم التالي وتنثر الزهور على سيارات القوات المسلحة، وهكذا فعلوا، وكان لذلك أبلغ الأثر في تعاطف الجيش مع الشعب والتحاقه سلمياً بالثورة في نهاية الأمر.

وكان للحوزة الدور أيضا في تنظيم أمر استقبال الإمام حين عاد إلى طهران من باريس. وهو استقبال كان فيه عظمة بالغة كما انطوى على خطورة بالغة، لأنه جاء في وقت لايزال بختيار رئيس وزراء الشاه في السلطة، والجيش وسائر القوات المسلحة خاضعة له، والأنباء تتحدث عن تحرك أمريكي لقمع الثورة ورجالها.

ولكن الاستقبال تمّ بأروع صورة بفضل الجهود التي بذلتها لجنة الاستقبال التي تشكلت من علماء الدين. وبين عودة الإمام إلى ايران في ١٠ بهمن ١٣٥٧ هـ. ش (٢٩ / ١ / ١٩٧٩)، وإعلان انتصار الثورة في ٢٢ بهمن (١٠ فبراير شباط) مرّت عشرة أيام كان لكل ساعة من ساعاتها أحداث جسيمة مرعبة مرّت بسلام، وكان التحام الرّوحانيين بالناس أهم عوامل اجتياز تلك الأحداث.

الحوزة والنظام الجديد

بعد الانتصار اهتم الإمام الخميني في خطابه إلى الحوزة بتذكير أفرادها بأنهم انتهوا من الجهاد الأصغر، وقد حان الجهاد الأكبر، فلا تغرّنهم السلطة، ولا تشغلنـّهم الصغائر، ولا يساورنهم فكر اقتطاف الثمار المادية. وقدم الرجل بنفسه أعظم أمثلة الزهد والقناعة والابتعاد عن المظاهر.

كما كان يوصيهم بشكل مركز على ضرورة تجاوز الذات والابتعاد عن (الأنا) والذوبان في المبدأ، والإيمان بأن كل مقاليد الأمور بيد الله سبحانه، وهذا الذي حدث من انتصار ليس من يدنا إنما هو من فضل الله… وكان يردد دائما: " وما رميت إذ رميت "ويأتي بالشواهد الكثيرة على ذلك.

غير أن الذات حين تكون متورّمة متضخـّمة يصعب تذليلها، ولذلك برزت في الحوزة تصرفات تدل على هذه الصعوبة. من ذلك أن مرجعاً من المراجع هو السيد كاظم شريعت مداري حاول أن يشقّ وحدة الصف في تلك الظروف الخطيرة، لكن حكمة الإمام عزلته عن مكانته وبقي معزولا حتى توفي رحمه الله. أما بقية المراجع فظلوا محتفظين بمكانتهم يدعمهم الإمام ويجلّهم ويحترمهم غاية الاحترام، وظلوا هم يواصلون دعم الثورة، ويرون وجوب الانضواء تحت الراية التي رفعها الإمام، والاستجابة لقراراته باعتباره الولي الحاكم المبسوط اليد.

وأشير هنا إلى موقف مرجع من مراجع النجف هو المفكر آية الله السيد محمد باقر الصدر، فقد كتب إلى الإمام يعلن عن" ذوبانه "فيه، ويبدي استعداده لأن يكون" جنديا "من جنوده! وهو موقف كان له الأثر الكبير في دعم الثورة إضافة إلى ماقدمه من أفكار ودراسات فقهية وعلمية لتسديد المسيرة.

والخطاب الفقهي المهم الذي وجهه الإمام الخميني إلى الحوزة يتلخص في دخول عنصري" الزمان "و" المكان "في الاستنباط. أي أن الحكم الشرعي المستند إلى القرآن والسنة لابد أن يراعي المستجدات ويواكبها مع المحافظة على الأصول. وهذا يعني أنه وجّه الدراسات الفقهية الحوزوية إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهو توجيه يحيي روح الاجتهاد في الفقه ويبعده عن فترة الركود.

تم كان للحوزة دور في دفع عجلة الدولة الوليدة إلى الاستقرار وسط أمواج عاتية من التحرك الدولي ضدها. فقد ساهمت في إجراء استفتاء عام بعد أقل من شهرين على انتصارها على نوع النظام الذي تختاره الجماهير. ثم توالت الانتخابات لترسيخ أسس الحياة الدستورية الشورائية في البلاد، مثل انتخابات مجلس خبراء الدستور، وهو مجلس ضم في أغلبه علماء الحوزة العلمية، فأقر الدستور، ثم انتخابات رئاسة الجمهورية. وكان الرئيس الأول هو أبو الحسن بني صدر، انتخبته الجماهير لقربه من الإمام فكرا وعملا كما بدا لأول وهلة، لكنه بدأ يسير في نفس طريق مصدق في الانفصال عن الحوزة العلمية، غير أن مجلس الشورى أقرّ عزله من منصبه.

ثم كان للحوزة دور مهم في الحرب الإيرانية العراقية. فقد أدّت دورها في التعبئة ورفع المعنويات، كما قدمت عدداً غفيراً من الشهداء.

ونهضت الحوزة بأعظم دور في وفاة الإمام الخميني، فكل الرهانات الأجنبية كانت تتجه نحو انتهاء النظام في إيران بوفاة المؤسس، لكن الحوزة ممثلة بمجلس الخبراء سرعان ما انتخبت الإمام السيد علي الخامنئي ليكون خلفاً للإمام الخميني، وساندته ووقفت وراءه، ولاتزال تسانده وتقف وراءه في مهمته الصعبة المتمثلة بحفظ مسيرة الإمام الراحل تجاه عمليات الغزو الثقافي والحرب السياسية والاقتصادية والإعلامية المعلنة والخفية ضد الجمهورية الاسلامية.

مستقبل الحوزة

خلال قرن من الزمن نجحت الحوزة – رغم ما اعترى مسيرتها من إخفاقات – أن تحارب الظلم والاستبداد. وأن تصد الطامعين الأجانب في ثروات البلاد، وأن تحافظ على أصالة الشعب الإيراني وهويته الإسلامية، وأن تحول دون التغلغل الصهيوني في إيران، وأن تقف بوجه محاولات فصل ايران عن العرب والعالم الإسلامي، ثم أن تغير النظام الملكي وتغير المسيرة في إيران باتجاه استعادة الدور الحضاري للإسلام وإحياء المشروع الإسلامي للحياة.

وكان على الحوزة بعد هذا التغيير أن:

ـ تحافظ على علاقاتها الفكرية والعاطفية والدينية مع الأمة وأن لا تكون مراكز القوة والقرار التي بيدها عازلاً بينها وبين الشعب.

ـ ترتفع في مستوى خطابها الثقافي لتستطيع أن تواكب متطلبات العصر، وخاصة بعد انفجار المعلومات.

ـ تحصن نفسها من الاختراقات الأجنبية خاصة وأن نظام الحوزة مفتوح أمام الأموال التي تأتي من الخارج باعتبارها أموال خمس وزكاة، ومفتوح أمام انتساب الطلبة الإيرانيين وسائر المسلمين.

ـ ترتفع في مستوى تقواها وزهدها وابتعادها عن المال والمتاع، لكي تحافظ على مركزها في قيادة قلوب الناس وتكسب ثقتهم.

ـ تجعل خطابها عالمياً وإسلامياً بعيداً عن الطائفية والنظرات الضيقة، لكي تنتفح على العالم وينفتح العالم عليها.

ـ تحافظ على وحدة الشعب الإيراني عبر الترفّع عن الولوج في الاختلافات الداخلية وتصون روح أبوّتها لكل التيارات الداخلية.

لقد كان للحوزة بعد الثورة في هذه المجالات نجاحات وكان لها بعض الإخفاقات… ومستقبلها يتوقّف على دراسة نقاط قوتها وضعفها لتدعم مسيرتها عبر مراجعة مستمرة.

الهوامش:



[ Web design by Abadis ]