ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الخطاب الانساني في مثنوي مولانا جلال الدين الرومي

ملخًص

كل بيت من أبيات ديوان مولانا جلال الدين الرومي يحمل مفهوما إنسانياً خالداً، لأن الرجل ينطلق من القرآن والسنّة ليغور في أعماق محتوى الانسان بكل تعقيداته وملابساته. وفي هذا المقال وقفة عند ثلاثة محاور تتصدّر الديوان، هي: محور شدّ الانسان بخالقه، واستثارة روح العشق في نفسه، وفتح عينه على الجمال. وهي محاور العرفان الاسلامي للسموّ بالكائن البشري الى حيث أراد له الله سبحانه.

خطاب مولانا اليوم يجد له على الساحة العالمية صدى واسعاً لما فيه من جانب إنساني، ولما يشعره إنسان اليوم من عطش الى عودة الروح.

مقدمة

جلال الدين، محمد بن محمد البلخي، ولد سنة ٦٠٤ هـ، في مدينة بلخ من مدن خراسان الكبرى، وتقع اليوم في أفغانستان ووالده عارف وفقيه، رحلت

أسرته من بلخ وهو صبي، واتجهت غرباً، فلما وصلت نيسابور استقبلهم الشيخ فريد الدين العطار، ويروى أنه تلمّس في جلال الدين الصبي مستقبلاً مرموقاً. ثم اتجهت الاسرة الى بغداد، ويقال إن شهاب الدين السهروردي استقبلهم هناك، ثم أدّوا فريضة الحج، وعادوا الى الشام، ومنها الى بلاد الاناضول أو الروم بدعوة من سلطان سلاجقة الروم، وسكنت الأسرة في - " قونية"، وتولى الوالد محمد المعروف ببهاء ولد منصب الافتاء والتدريس الى أن توفي سنة ٦٢٨هـ، فخلفه ابنه جلال الدين.

وجلال الدين تربّى على يد والده وكبار تلاميذ والده، فكان مؤهلاً

لتولّي المسؤولية العلمية. وليستزيد من طلب العلم هاجر الى الشام وحصل على معارف واسعة في حلب ودمشق، ثم عاد الى قونية عالماً كبيراً.

وظلّ يواصل مهمّة التدريس والإرشاد حتى سنة ٦٤٢هـ إذ حدث في حياته انقلاب كبير.

وملخص هذا التحوّل أن مجالسه تحولت من الطريقة التقليدية في تدريس الفقه والتصوّف الى مجالس روحية صرفة.

لقد قيل في هذا التحوّل كثيراً، وعزي الى لقائه بعارف كبير هو" شمس التبريزي"، غير أني أراه بمنظار آخر، وأحسب أنه ثورة على الاوضاع المتردّية في القرن السابع.

هذا القرن يمثل الحالة الفظيعة التي وصلت اليها مشاعر الامة الاسلامية من انتكاسة، والروح الاسلامية من هبوط، وهذا هو الذي وفّر أرضية اجتياح العالم الاسلامي على يد المغول وسقوط بغداد.

الدراسات الدينيّة صارت جافّة لا تخاطب الروح، والمدارس الدينية تحوّلت الى دكاكين. واستفحلت الذاتيات والأنانيات، وظهر التمزّق الاجتماعي على أثر ذلك. ومن الطبيعي أن يتجه نظر كل مصلح في مثل هذه الاوضاع الى معالجة الروح والمشاعر. ونهض جلال الدين الرومي بمشروعه الكبير في الإحياء الديني منطلقاً من القرآن والسنّة، ومتعمقاً في النفس البشرية ليضع إصبعه على نقاط ضعفها وقوتها، وليدعو الى ارتفاع الانسان الى مستوى إنسانيته، وليجعل خطابه خطاب توحيد ووحدة:

١ـ مثنويّ ما دكان وحدت است

غير واحد هرچه بيني آن بت است

١ـ مثنويّنا حانـوت الوحـدة

وكلّما تراه غير الواحد فهو الوثن

وظلّ حتى آخر حياته يتحرّك ويحرّك، لا يهدأ حتى في أيام مرضه الأخير، إذ لم ير على وجهه الاّ الاستبشار مع أن الحمى المحرقة كانت تنهش بدنه. توفي سنة ٦٧٢هـ، بعد أن أقام الدنيا، ولم يقعدها حتى اليوم، إذ نرى كبار علماء الشرق والغرب يعكفون على دراسة آثاره واستخراج الدرر من كنوزه، ونرى إقبال الشعوب حتى الغربية منها على ترجمة نثره وشعره، ومن تلك الآثار:

١ـ" المثنوي "وكلمة المثنوي هي شكل من النظم الفارسي على طريقة" المزدوج "تتحد فيه قافية شطري كل بيت، لكن القافية لا تتحد مع قوافي الأبيات الأخرى. وسمّي الديوان باسم الطريقة التي نظمت بها أبياته.

٢ - ديوان شمس التبريزي، باسم من اشتهر بأنه ملهم جلال الدين في تحوّله الروحي.

٣ - الرباعيات، وهي منسوبة الى مولانا وعددها ١٦٥٩ رباعية. إضافة الى المنثور الفارسي ويشتمل على:

٤ - المجالس السبعة.

٥ - مجموعة من الرسائل.

٦ - كتاب" فيه مافيه"

متى يكون الخطاب إنسانياً؟

شهدت مسيرة الآدابِ والفنون على مرّ التاريخ ملايينَ الشعراء والأدباء والفنانين، غير أن الخالدين منهم معدودون.

كثيرة هي دواوين الشعر العربي المطبوع منها والمخطوط والمفقود، لكن بين هذه الدواوين تبرز دواوين العظام من أمثال المتنبي والبحتري وابن الرومي وأبي العلاء لتشغل الناس والنقّاد والشرّاح ولتتجاوز الحدود وتتحدى عوامل الزمان والمكان.

وهكذا الأمر في بقية فنون الأدب والموسيقى والرسم والنحت، نرى الخالد من النصوص والروايات والسمفونيات واللوحات والتماثيل.

لعلّ سرّ الخلود فيها جميعاً يعود الى شيء واحد هو قدرتها على مخاطبة الانسان أيِّ إنسان على مرّ العصور.

والسرّ في هذه القدرة يعود بدوره الى انسجامها مع طبيعة الفطرة الانسانية.

مهما اختلفت المدارس الفكرية في نظرتها الى الانسان فإنها لايمكن أن تختلف في تميّز الكائن البشري عن سائر الأحياء المشهودة. إنه الموجود الوحيد القادر على الإبداع والتطوير والحركة في مسيرة الكمال المادّي والمعنوي.

قد تظهر على الساحة البشرية من الآداب والفنون ما تدغدغ غرائز الانسان وتستثير انفعالاته المختلفة فتستقطب حولها جماعات بشريّة يهلّلون لها ويرحّبون ويصفقون… لكنها سرعان ما تزول.

ويبقى ماينفع الناس… وما ينسجم مع نزعة الكمال.

مظاهر الخطاب الانساني في المثنوي

١ـ شدّ الإنسان بالكمال المطلق

التفسير القرآني لنزعة الانسان نحو التطوير والابداع والكمال المادي والمعنوي يتلخص في أن الانسان" كادح الى ربّه كدحا فملاقيه "أي إنه مفطور على الحركة نحو المطلق… ذلك لأن الانسان مخلوق من" طين". والطين يرمز الى كل النزعات الهابطة في الإنسان… لكن هذا الطين الذي جبل منه الموجود البشري فيه نفخة من روح ربّ العالمين. وهو تعبير عمّا في هذا الإنسان من قوة غير متناهية على الإبداع والتطوير.

والمولوي يؤكد على هذا المفهوم في أول كتاب المثنوي باعتباره المفتاح لتفسير كل مايرتبط بالانسان من سموّ وهبوط وعشق واشتياق وألم ومشاعر وأحاسيس وأسرار.

الإنسان في نظر المولوي يحمل روحاً قد انفصلت عن الله، واستقرّت في الجسد المحدود، فهي أبداً في شوق الى أصلها، وهذا هو سبب شوق الانسان الى السموّ والكمال… غير أنّ هناك الجسد أو الهابط من النزعات الذي يصدّ الانسان عن الحركة… لذلك كان الوصول الى ديار الحبيب مقروناً دائماً بجهد جهيد.

والمولوي في مطلع ديوانه يفسّر سرّ الأشواق في نفس الإنسان، ويبارك للإنسان هذه الأشواق، ويرى أنها مظهر حياة الإنسان وسبب المكانة التي يحتلّها في الوجود.

في لوحة فنية رائعة يدعو المولوي في" المثنوي "المذكور أن نصغي الى حديث الناي، فهو يشكو تباريح الفراق، ويقول: منذ أن انتزعت من مزرعتي فأنا أئنّ والناس رجالا ونساء معي يئنون… وكلّ من ينتزع من أصله يحنّ الى ذلك الأصل.

١ـ بشنو از ني چون شكايت مى كند

از جداييها حكايت مى كند

٢ - كز نيستان تا مرا ببريده اند

در نفيرم مرد وزن ناليده اند…

٣ - هر كسي كو دور ماند از اصل خويش

باز جويد روزگار وصل خويش

١ـ اصغ الى الناي إذ يشكو ويحكي عن آلام الفراق.

٢ - ماإن انفصلت عن مزرعة القصب حتى غدا الرجال والنساء

يئنون مع أنيني.

٣ - كل من أصبح بعيداً عن أصله، يعود ليبحث عن يوم وصاله.

والذي يبعث الناي على هذه الأشواق هو النار الملتهبة في داخله وليس الهواء… وهذه النار هي نار العشق… في إشارة رمزية الى معنى العشق (وهو ما سنذكره لاحقاً) … وفي إشارة رمزيّة أيضا الى أنّ هذه الاشواق الانسانية هي الطاقة التي تبعث بالبشرية الى الحركة والكمال.

١ـ آتشست اين بانك ناي ونيست باد

هركه اين آتش ندارد نيست باد

٢ - آتش عشقست كاندر ني فتاد

جوشش عشقست كاندر مى فتاد

١ـ إنها النار في صوت الناي وليس الهواء، والموت لمن لا يحمل هذه النار في صدره.

٢ - إنها نار العشق التي وقعت في الناي، إنها فورة العشق التي شبّت في الخمرة.

والعرفاء يدعون الله أن تكون صدورهم ملتهبة وقلوبهم مشتعلة، وبدون ذلك يكون القلب كئيبا، والقلب الكئيب ميّت لا حياة فيه.

يقول وحشي البافقي:

١ـ هر آن دل را كه سوزي نيست دل نيست

دل افسرده غير از مشت گل نيست

٢ - الهي سينه اى ده آتش افروز

در آن سينه دلي وآن دل همه سـوز

١ـ القلب الذي ليس فيه لهيب ليس بقلب، القلب الكئيب ليس سوى قبضة من طين.

٢ - اللهم اعطني صدراً مشتعلاً، وفي هذا الصدر قلباً كله حرقة ولهيب.

والدعوة الى حياة القلوب والنفوس هذه هي نفسها الدعوة الى إزالة ما ران على نفخة روح رب العالمين في الانسان من ركام الطين وقيود الأهواء الهابطة، فالحياة الانسانية الحقة تتجلى بهذه النفخة الالهية، وبدونها يفقد الانسان إنسانيته.

وفي تمثيل رائع يتحدث المولوي عن ذلك الشخص الذي كان يحمل بيده فانوساً في وضح النهار ويبحث عن" إنسان". ظنوه ساخراً ومازحاً، لكنه كان يبحث بجدٍ عن إنسان حيّ بحياة تلك النفحة الالهية في نفسه. يقول:

١ـ آن يكي با شمع بر مي گشت روز

گرد هـر بازار دل پـر عشق وسوز

٢ - بو الفضولي گفـت اورا كاي فلان

هين چه مي جوئي به پـيش هر دكان؟

٣ - هين چه مي جويي تو هر سو باچراغ

در ميـان روز روشن چيسـت لاغ؟

٤ - گفـت مي جـويم بهـرسو آدمي

كـاو بود حـي از حيـات آن دمـي

٥ - گفت من جوياي انسـان گشتـه ام

مـن نيابم هيچ وحيران گشتـه ام

١ـ كان شخص يحمل شمعة ويبحث عن شيء في النهار، يجول في كل سوق حاملاً قلباً مفعماً بالعشق الملتهب.

٢ـ جاء فضولي وقال له يا فلان عمّ تبحث في كل دكّان؟

٣ـ عمّ تبحث في كل ناحية وأنت تحمل المصباح في هذا النهار المضيء، هل تمزح؟ !

٤ - قال: أبحث في كل مكان عن آدمي، يكون حياً من حياة تلك النفخة.

٥ - أنا لا أزال أبحث عن إنسان فلم أجده وأصبحت متحيّراً

هذه هي دعوة" الدين "الحقيقية إنها دعوة الى" الحياة": يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم.

وهذا سرّ خلود الدين… وسرّ خلود أية دعوة إنسانية تنطلق من الدين، من تلك دعوة المولوي وخطابه الذي عالج بصورة فنية رائعة مشروعاً إحيائيا عن طريق شدّ الانسان بالمطلق سبحانه.

٢ - إحياء العشق في نفس الانسان

مرّ بنا أنّ أنين الناي تحركه نار العشق لا الهواء… فالعشق هو الطاقة التي تحرّك الانسان الى المطلق… وهذا المعنى للعشق من أهمّ ماتدور حوله مفاهيم العرفان الاسلامي… ومن أجمل مايحمله هذا العرفان من خطاب إنساني.

ومفهوم العشق في العرفان واضح وهو بعبارة بسيطة: التخلّص من أغلال" الطين"، والانطلاق في جوّ الكون الفسيح في حركة لانهاية لها نحو الجمال والكمال.

والدعوة الى العشق تستوعب جزء هاماً من كتاب المثنوي، يطرحها بأساليب مختلفة، ولأهميتها يخصص لها القطعة الثانية من الكتاب.

يدعو في هذا المثنوي ابنه، أو أي ولدٍ – في إشارة الى أنه موجّه أولاً الى الشباب – ويقول: حرّر نفسك من قيود المال والمتاع. فحاجة الانسان من متاع الدنيا محدودة. وهذه الدعوة لا تعني طبعاً الانعزال عن ممارسة النشاط الاقتصادي في الحياة، بل هي دعوة الى الابتعاد عن الحرص والطمع والذاتية والأنانية، وهو مما يستلزم النشاط الاقتصادي السليم في كل مجتمع كي يتجه الاقتصاد الى خدمة المصلحة العامة.

ولا سبيل الى التحرّر من هذه القيود إلا أن تكون عاشقاً فالعشق يطهّر الانسان من العيوب، ويسمو به، ويجعل الجبل دكّاً ويخر موسى صعقا. يقول:

١ـ بند بُگسل باش، آزاد اي پسر

چنـد بـاشي بنـدِ سيـم و بندِ زرّ

٢ - گر بريزي بحر را در كوزه يـى

چند گنجد؟ قسمتِ يك روزه يي

٣ - كوزه ي چشم حريصان پر نشـد

تـا صـدف قانع نشد پُـر در نشـد

٤ - هركه را جامه زعشقي چاك شـد

او زحـرص وعيب كلّـي پاك شـد

٥ - شاد باش اى عشق خوش سوداى ما

اي طبيـب جملـه علتهـاي مـا

٦ - أي دواي نخوت وناموس مـا

أي تـو افـلاطون وجالينوس مـا

٧ - جسم خاك از عشق بر افلاك شد

كوه در رقـص آمـد و چالاك شد

٨ - عشق جانِ طور آمد عاشقـا

طور مسـت وخرّ موسى صاعقـا

١ - أيها الغلام اكسر القيود وتحرر، الى متى تبقى في أسر الذهب والفضة؟

٢ - لو صببنا ماءَ البحر في كوز، فما مقدار ما يستوعبه الكوز؟ مقدار مايمكن استهلاكه في يوم واحدٍ.

٣ - عين الطامعين لا تمتلئ أبداً، نعم، لو لم تقنعِ الصَدَفة لما امتلأت درّاً.

٤ - من دخل في تجربة العشق، فقد تطهّر تماماً من الاطماع والعيوب.

٥ - كن قرير العين أيها العشق، يا منيتنا الجميلة، يا طبيب كل أمراضنا.

٦ - يا دواء أنانيتنا وذاتياتنا، يا أفلاطوننا وجالينوسنا.

٧ - الجسم الترابي بفضل العشق سما على الأفلاك، بل إن الجبل اهتزّ بفضله راقصاً.

٨ - أيها العاشق، إن العشق قد منح الجبل روحاً وحياة، حتى أن الطور أصبح ثملاً وخرّ موسى صعقاً.

وفي الأبيات إشارات الى أن العشق يحرّر الانسان من أغلال الجسد ويسمو به، وأن السبيل الوحيد لتخلّص الانسان من الذاتية والأنانيّة هو العشق، الحكمة اليونانية اتخذها المتكلمون لتربية الانسان وتهذيبه، ولجأوا في ذلك الى أفلاطون وجالينوس، لكن أفلاطون العارفين وجالينوسهم هو العشق، فبه يسمو الانسان وتتفتح أمامه أبواب الحكمة والمعرفة والكمال.

ثم يشير بعد ذلك الى التجلّي الالهي في طور سيناء لموسى. وما فعله هذا التجلّي بالجبل وبموسى، في إشارة الى أن العشق يستمدّ وجوده الحقيقي من الجمال الالهي المطلق (كما سيأتي).

٣ - فتح الأعين على الجمال الحقيقي

"الجمال "هو الذي يحفّز على العشق. والله خلق في الطبيعة ألوان الجمال الباهر في الانسان والحيوان والجماد، ليوقظ مشاعر العشق في نفس الانسان. وفي غزل العارفين حديث عن الجمال بكل صوره، وأكثره حديث عن جمال المرأة لأن المرأة بما فيها من جمال الخلقة وجمال سكن النفس والعاطفة المتدفقة هي أجمل مافي هذا الكون، لذلك أصبحت رمز غزل المتغزلين العارفين. نرى هذا الغزل عند كبار الفقهاء الصالحين من أمثال الشريف الرضي والشريف المرتضى وابن داود الظاهري وابن حزم والامام الخميني، كما نراه عند كبار العارفين من أمثال ابن عربي والعطار وسنائي وحافظ الشيرازي ومولانا جلال الدين الرومي.

ولدور جمال المرأة في إيقاظ مشاعر العشق يخصص مولانا القطعة الثالثة من ديوان" المثنوي "للحديث عن هذا المحور الهام من محاور العرفان.

في هذا المثنوي يتحدث بصورة رمزية عن قصة عشق بين ملك وجارية، ولا مجال لسرد القصّة هنا، لكننا نقف عند بعض محطّاتها مما له علاقة بموضوعنا.

بعد أن هام الملك في حبّ الجارية، وتزوجها، وقعت المشكلة، إذ مرضت الجارية مرضاً شديداً وعجز الأطباء عن علاجها، فاتجه الى عالم الغيب يدعو لشفائها، عندئذ ارتفعت نفسه الى المعشوق الحقيقي. ولم يكن هذا الارتفاع وهماً، بل خيالاً، والخيال عند العرفاء لايقابل الحقيقة، بل يعني الحقيقة في أسمى أبعادها وأكبر آفاقها يقول:

١ـ نيست وش باشد خيال اندر روان

تو جهاني بر خيالي بيـن روان

٢ - بر خيالي صلحشان و جنگشان

وز خيالـي فخرشـان و ننگشـان

٣ - آن خيالاتـي كه دام اولياسـت

عكس مـه رويـان بُستان خداست

١ـ الخيال يشبه الشيء المعدوم، لكنك ترى أن العالم يتحرك بالخيال.

٢ - من الخيال ينطلق صلح العالم وحربه، ومن الخيال يستمد العالم فخره وعاره.

٣ - ذلك الخيال الذي ينجذب اليه الاولياء، هو قبس من جمال حوريات الجنّة.

رؤية الجمال في هذه الأرض تستثير في الانسان مشاعر الارتفاع الى الجمال الحقيقي، وإذا بقي الانسان عند الجمال الأرضي فليس هو بعاشق، إذ أهون مايمنى به هو الذلة والعار يقول:

١ـ عشقهايي كز پي رنگي بود عشق نبود عاقبت ننگي بود

١ـ العشق الذي ينتج عن الظواهر والألوان، ليس بعشق حقيقي، فعاقبته تبعث على العار.

وهذا يعني أن العشق الذي يرفع الانسان ويباركه ويزكيه هو الذي يرفع صاحبه من الجمال الظاهري الى الجمال المطلق. والاّ فإنه يؤدي الى انحطاط مشاعر السموّ في الانسان والى صدّها عن الارتفاع.

والملك يخاطب ذلك الرجل الذي جاءه من عالم الغيب في منامه لينقذه من مشكلته بالقول:

١ـ گفت معشوقم تو بودستي نه آن

ليك كار از كار خيزد در جهـان

١ـ قال: كنت أنت معشوقي الواقعي لاذاك، لكن طبيعة هذا العالم تقوم على أساس أنّ الأمور تولد من الامور.

أي إنّ الارتفاع الى الجمال المطلق يولد من الجمال النسبي.

ثم إن المولوي في هذا المثنوي يذكر بيتاً في غاية الروعة عن سبب العشق… نعم، إنه الجمال، لكنّ الجمال هو نفسه سرّ من أسرار الله، يتجه اليه العاشق كما تتجه عقربة الاسطرلاب الى القطب يقول:

١ـ علّت عاشق زعلّتها جداست عشق اسطرلاب اسرار خداست

١ـ علة العاشق هي غير العلل المشهودة المعروفة، العشق اسطرلاب أسرار الله.

الجمال – إذن – من مقولات عالم الغيب، وهذا يفسّر لنا سبب حيرة المفكرين القدامى والمعاصرين في تفسير معنى الجمال.

كما أن الجمال بهذه الرؤية ينسجم مع طبيعة الانسان الميّالة الى السموّ والانعتاق.

ولا بأس أن أشير هنا الى أبيات من المثنوي في المرأة قد يكون له علاقة بنظرة مولانا الى مافي المرأة من خصائص تجعلها وسيلة للارتباط بالجمال المطلق. يقول معلقاً على الحديث المروي: " إنهنّ يغلبن العاقلَ ويغلبهنّ الجاهل": إنّ الجاهل يغلبهنّ لِما في طبعه من جفاف وجفاء، وما يفتقده من رقة ولطف ووداد، ولِما يغلب عليه من طبع حيواني. فالحبّ والرقّة والصفات الانسانية تدفع الانسان الى تكريم المرأة، بينما الصفات الحيوانية تشجّع على الاستهانة بها.

يقول:

١ـ گفت پيغامبر كه زن بر عاقلان

غالب آيد سخت و بر صاحب دلان

٢ - باز بر زن جاهلان غالب شوند

زانكه ايشان تند و بس خيره روند

٣ - كم بُودشان رقّت ولطف ووداد

زانكه حيوانيست غالب بر نهـاد

٤ - مهر ورقّت وصف انساني بُود

خشم وشهوت وصفِ حيواني بود

١ـ قال النبي: إن المرأة تغلب أصحاب العقول بشدّه وتغلب أصحاب القلوب.

٢ - وأيضا الجاهلون يغلبون المرأة لمافيهم من جفاء ولجاج.

٣ - فهؤلاء الجهال تنقصهم الرقة واللطف والوداد، للصفة الحيوانية الغالبة على طبعهم.

٤ - الحبّ والرقّة من الصفات الانسانية، والغضب والشهوة من الصفات الحيوانية.

وهذه رؤية إنسانية رائعة للعلاقة بين الرجل والمرأة، ولمكانة المرأة عند الرجل. ثم يردف الأبيات السابقة ببيت يحلق فيه بالمرأة الى السماء ويجعلها لجمالها الظاهري والمعنوي مظهراً من مظاهر الله سبحانه. يقول:

٥ - پـر تو حقست آن، معشوق نيست

خالقست آن، گوييا مخلوق نيست

٥ - إنها قبس من نور الله سبحانه، وليست هي المعشوقة، كأنها هي خالقة وليست مخلوقة!!

هذه النظرة السامية للمرأة يفهمها مولانا جلال الدين من نصوص الدين وروحه، ويرى فيها سرّ كلّ العواطف البشرية نحو الانثى، بمنظار يرفعها عن نزعات الشهوة والجنس.

تلخيص واستنتاج

اذا قلنا إن كل بيت من أبيات" المثنوي "فيه خطاب إنساني يحتاج الى وقفة وتأمّل فلسنا مبالغين، فهذا الرجل دخل في أعماق النفس الانسانية ليصوّر كلّ خباياها وأسرارها، وليقدّم مشروعا لنهضة البشرية من كبوتها يقوم على أساس استنهاض الانسان من قيود الطين، ودفعه للحركة نحو ربّ العالمين، يحدوه عشق الجمال وتعاليم الدين المبين.

هذا المشروع يستطيع اليوم أن يخاطب فطرةَ الإنسان التوّاقة دوماً الى الارتفاع والسموّ، خاصة في عصرنا الذي أريد لأشواق الانسان فيه أن تتجه الى المستنقعات الآسنة أو الى سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

إن شرقنا الاسلامي بحاجة الى عودة الروح وحركة الشعور فذلك مقدمة ضرورية لحركتنا الحضارية.

والعالم الغربي باقباله الشديد أخيراً على ترجمات المولوي يدلل على أن الحضارة المادية لا تلبي أشواق الانسان الى السموّ، ولا تحلّ التناقض القائم في وجوده بين الجانب المادي والجانب الروحي، بل بسبب ضمور الجانب الروحي تبقى التناقضات تعبّر عن نفسها بهذه الحروب الطاحنة التي شهدها العالم الغربي في القرن العشرين، وبمحاولة تصدير الحروب والازمات الى شرقنا الاسلامي منذ مطلع هذا القرن.

إن عالمنا الاسلامي مؤهّل أن يقدم للبشرية مشروعاً من تراثه العظيم يستطيع أن يجعل الانسان يتصالح مع نفسه ومع أخيه الانسان، وتكون الكلمة السائدة هي السلام والوئام والحوار.

الهوامش:



[ Web design by Abadis ]