ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 سعدي الشيرازي

ملخّص

في ظروف تفاقمت فيها عوامل الاذلال نهض سعدي الشيرازي بمهمة كبرى، فطاف العالم الاسلامي، وأشاع روح الوحدة الحضارية بين أرجائه وأحيا العشق في نفوس أبنائه كي يتخلصوا من شرنقة الذاتية والانانية، وكان يتوسل الى ذلك بالأدب الجميل، فيعزف على قيثارة الشعر والنثر أجمل الالحان، داعياً فيها بني الانسان الى تذوق الجمال والجلال في الكون، وطالباً من كل أبناء البشر أن يستشعروا وحدتهم الانسانية وأن يكونوا أعضاء في جسد واحد.

تمهيد

دور الأدب في حياة الشعوب ذو أهمية بالغة… فهو يحافظ على الذوق البشري من الانتكاس، وعلى المعنويات الإنسانية من الارتكاس. الجماعة الإنسانية حية

بما تمتلكه من مقومات الحياة. وأهم هذه المقومات الذوق الإنساني والمشاعر الإنسانية… وإذا ضعفت هذه المقومات دب الموت في حياة الجماعة، وفقدت دورها على ساحة التاريخ.

ويعظم دور الأديب ويتصاعد حين يعيش بين ظهراني أمة تكالبت عليها عوامل الموت والإبادة، لتحولها من أمة متحركة على طريق المستقبل الأفضل إلى مجموعة من الأفراد الذين يعيش كل منهم همومه الخاصة الصغيرة، وليتحرك على طريق أطماعه وأهوائه وأحقاده وحسده وضغينته، عندئذ تتحول هذه الأمة إلى شبح أمة وتفقد هويتها ومقومات حياتها ولا سبيل أمامها عندئذ إلا الفناء.

لاشك أن الأمة الإسلامية حية بقرآنها، لأنه الكتاب الذي يستطيع أن يضخ في جسدها دائماً مقومات الحياة، ويحافظ على مستوى رفيع من ذوقها ومشاعرها الإنسانية، بما يحمله من إعجاز أدبي ومحتوى تغييري. لكن الظروف السيئة إذا تكالبت على الفرد أو على الأمة تخلق على القلوب حجاباً وتضرب على الآذان أسدالاً ووقراً، وتجعل بين الإنسان والخطاب القرآني حجاباً، وهنا يأتي دور المصلحين ليزيلوا هذه العوامل العازلة من وقر وحجاب، وليفتحوا قلوب الناس وآذانهم لتتلقي نداء الروح ولتصغي إلى كلام السماء. وأفضل وسيلة يستطيع أن يمارسها المصلح لتحقيق الهدف هو" الأدب "لأنه الخطاب الذي يحمل من نور الجمال ما يستطيع أن يشق به ظلمات كل قبح تسقط البشرية في أوحاله.

وشاعرنا" سعدي "الشيرازي من أولئك المصلحين الذين عاشوا في أحلك الظروف الاجتماعية حيث ادلهمت خطوب الجهل الداخلي والغزو الخارجي لتمزق وجود الأمة، فحمل قيثارة أدبه وظل يعزف عليها في أرجاء العالم الإسلامي، ليكون له الدور الخالد في مخاطبة جيله وكل الأجيال بلغة تنفذ إلى القلب والروح فتوقظ المشاعر الإنسانية من سباتها، وترفع الإنسانية إلى حيث أراد لها بارؤها من عزة وكرامة.

من هو سعدي

رجل ظهر في القرن السابع الهجري بمدينة شيراز من بلاد فارس يتحدث بلغة تستولي على العقول والقلوب بنثرها وشعرها، وجدَ الناس فيه ضالتهم التي تنشدها فطرتهم الإنسانية، في وقت تكالبت فيه الظروف السيئة على العالم الإسلامي لتؤدي إلى هجوم المغول وسقوط الخلافة العباسية. وما كان هجوم المغول إلا بعد أن توفرت في المسلمين قابلية الغزو، فقد تفشت أمراض النزاعات الداخلية والجهل، وأدى كل ذلك إلى غياب الأهداف الكبرى والمثل العليا في المجتمع، وما ينجم عن ذلك عادة من حرص وطمع وذل واختلال في القيم.

والفرق بين الأديب وغيره أن الأديب وهبه الله قدرة رؤية الأشياء بأعمق مما يراه الإنسان الاعتيادي، ومن هذه النظرة العميقة ينطلق لاتخاذ مواقف لا يتخذها الآخرون. وسعدي الأديب رأى ما رآه الآخرون من أمراض عصره، ولكنه لم يقف أمامها موقف الخاضع العاجز المستسلم الذي يبررها بأسباب غيبية ويعزوها إلى القضاء والقدر، بل نظر إليها نظر طبيب قادر على أن يشخص أسباب هذه الأمراض ويهب لعلاجها.

بدأ شرف الدين مصلح بن عبد الله سعدي الشيرازي أول حركته في انتقاله من الطريقة التقليدية السائدة في عصره لتعلم الدين إلى طريقة العاشقين في فهم الدين والحياة والمجتمع، والعاشق له معناه الكبير لدى العارفين، فهو المتحرك الذي لا يقر له قرار، يشده الجمال نحو هدف سام كبير، ويجعله مستعداً لتقديم ألوان التضحيات في سبيل هذا الهدف. يشير إلى هذا الانتقال بقوله:

همه قبيله ي من معلمان ديـن بودنـد

مـرا معلم عشق ترا شاعري آموخت

أي: " كل أفراد قبيلتي كانوا معلمين في الدين / ومعلـم العشـق علمـك أن تنشـد الشعـر".

هذا التحول أثـر على خطاب الشاعر، فقد أصبح إنسانياً جمالياً عميقاً، كما دفعه هذا التحول إلى الخروج من دائرة بيئته الضيقة ليسوح في العالم الإسلامي، ويتعرف على مختلف الثقافات، في العالم العربي وآسيا الوسطى وشرق آسيا، وليعود وهو محمل بتجارب إنسانية واسعة، خلدها في نثره وشعره.

جمعت آثاره في مجموعة سميت" كليات"، والكليات لأي أديب تعني مجموعة ما تركه من أدب منثور ومنظوم.

وتضم كليات سعدي: " گلستان "أو روضة الورد، ويضم مجموعة من ذكريات الشاعر وقصصه ومواعظه هي مزيجة من النثر والشعر. وكتاب" بوستان "أو روضة العطر، و يتضمن حكايات منظومة وقصائد في المديح، وكتاب" غزليات "ويتضمن الطيبات، والبدائع، والخواتيم، والغزليات القديمة، والترجيعات، والملحقات، والرباعيات. وكتاب" المواعظ "وفيه القصائد الفارسية والعربية، والغزل العرفاني، ونصيحة الملوك، والمجالس.

منزلة الشاعر ومكانته

أطلق كثير من الشعراء القدماء ورجال التاريخ والأدب أحكاماً عامة على الشاعر، لا بأس أن نشير إلى بعضها. فمن المعاصرين له، الشاعر" همام التبريزي "وقد كان من مشاهير الغزليين في عصره، يصف نفسه بالإجادة في الشعر، لكنه يستدرك بأنه لم يبلغ في إجادته ما بلغه سعدي يقول:

همام را سخن دلفريب وشيرين هست

ولي چه سود بيچاره نيسـت شيرازي

أي: " لهمام أسلـوب حلـو يخلـب الألباب / ولكن ما فائدة ذلك، فالمسكين ليس (سعدي) الشيرازي".

ومن معاصريه أيضاً شاعر آخر مجيد يسمى" مجد همگر "يقول عن شعر" سعدي "إنه كالكعبة يؤمه كل الناس، كما يشبه فيض قلبه بزمزم.

از سعدي مشهور سخن شعـر روان جوي

كو كعبه فضلست و دلش چشمه زمزم

أي: " اطلب من سعدي المتكلم شعراً سلسلاً / فهو كعبة الفضل وقلبه عين زمزم".

وقد ظل الذين جاؤوا بعده يفيضون كثيراً من ألوان التقدير له. وحتى" حافظ الشيرازي "شاعر العرفان الكبير يجعل" سعدي "أستاذاً في جميع فنون الشعر، ليس في نظره – فحسب – بل في نظر جميع الناس.

استاد سخن سعديست نزد همه كس أما

دارد سخن حافظ طرز سخن خواجو

أي: " أستاذ الأدب سعدي باتفاق الجميع / أما لحافظ أدب يحذو فيه حذو خواجو".

ويرى" دولتشاه "أن أنبياء الشعر ثلاثة، كل واحد أستاذ في ناحية، لا يجاريه فيها غيره. هم" الفردوسي "في القصص، و" الأنوري "في القصائد، و" سعدي "في الغزل.

در شعـر سـه تن پـيمبراننـد

هـرچند كه لا نبـي بعـدي

أوصاف وقصيـده وغـزل را

فردوسي و أنـوري وسعـدي

أي: " في الشعر ثلاثة هـم أنبيـاء / وإن كـان (لا نبي بعـدي) / في الوصف والقصيدة والغزل / فـردوسـي وأنوري وسعدي".

يؤيد هذا ما يذكره صاحب" حبيب السير "فيقول إن أحداً لم يبلغ ما بلغه" سعدي "في فن الغزل.

ويورد الأستاذ" الگرگاني "في مقدمته على" الگلستان "أن سعدي بلغ مكانة في الغزل لم يدركها أحد قبله، فقد ألبسه ثوباً جديداً، وكأنما كانت غزلياته دواء للولهى، ولهذا يعدون ديوانه في الغزل" ملاحة الشعراء".

ويذكر" براون "في مقارنة طويلة بين" حافظ وسعدي "كيف أن" حافظاً "استعار كثيراً من المعاني التي تضمنتها أشعار" سعدي "في الگلستان، والطيبات، والغزليات، والبدائع. وينتهي من ذلك بأن" حافظاً "يعد مديناً إلى حد كبير للشاعر" سعدي".

ويرى الأستاذ" آربري "أن الشاعر الحق، والكاتب المبدع هو الذي يجمع بين سمو الفكرة وطرافتها، مع رقة العبارة وسلاستها، ومن هنا كان السبب في إعجاب الكثيرين من الفرنسيين" بسعدي "فقد أعجب به" ديدرو "وأطراه" فولتير "وأشادت به" مدام رولان "وقال عنه" رينان "إن سعدي في الواقع واحد منا، كما قال عنه" بارييه دي منار "إننا نجد فيه ما يذكرنا ببلاغة" هوارس "ورقة" اوفيد "وفصاحة" دي ريبالييه "وإنسانية" لا فونتين".

ولهذا أصبح الرجل – ذو الأسلوب البديع – أنموذجاً يحتذيه كل من يتعلم الفارسية.

رسالة سعدي إلى عالمنا المعاصر

الخالدون في التاريخ هم الذين يخاطبون فطرة الإنسان. وفطرة الإنسان ثابتة لا تبديل لخلق الله، وهي دائماً تنشد الجمال والكمال. وشاعرنا سعدي كان جميلاً عذباً في أسلوبه ومعلم الكمال في مضمونه.

موسيقاه في نثره وشعره لا تزال تحتل مركز الصدارة في الأدب الفارسي، بل في الأدب العالمي، حتى عند أصحاب الحداثة وما بعد الحداثة. لقد جاء بعده من نال شهرة واسعة في زمانه، لكنه مالبث أن اختفى من الساحة بعد زوال الظروف الخاصة التي أدت إلى اشتهاره، أما سعدي فلا يزال من الخالدين، وهذا درس لكل الأدباء والفنانين الذين يريدون أن يقدموا العطاء الخالد لأمتهم.

في كتابه" گلستان "يشير إلى أن رسالته الأدبية تجاوزت – حتى في عصره – حدود المكان، وأصبحت أحاديثه متداولة على كل لسان، فذكره الجميل تناقلته الأفواه، وكلامه سرى في بسيط الأرض، وحديثه قصب الجيب الذي يرتشفه الناس كقصب السكر، ورقعة منشآته تتداولها الأيدي كورقة ذهبية.

ألا يذكرنا هذا بالمتنبي الذي تجاوز حدود زمانه ومكانه، فكان ينشد قصائده في الشام ومصر والعراق، فتتناقلها الأفواه في إيران، ويتصدى لها وزير إيراني كبير مثل الصاحب بن عباد فينقدها في زمن حياة الشاعر؟ !

ألا يذكرنا سعدي والمتنبي وأمثالهما من العظام بما كان يسود في الأمة الإسلامية من وحدة حضارية وحركة حضارية مع كل الظروف الصعبة التي ألمت بالعالم الإسلامي آنئذ؟ !

سعدي من رموز وحدتنا الحضارية

بداية أذكر أن العالم الإسلامي ينتظره مستقبل عظيم على الساحة العالمية إن أحسنَ استعمال ما يمتلكه من مقومات حضارية. إن بريق التطور التقني في السلاح والارتباطات وفي سائر المجالات قد بهر وغطى على عظمة وجود أمتنا الحضاري. لكن النور الذي سيبقى هو نور الحضارة، والحضارة الإسلامية لا ينافسها منافس على الساحة العالمية.

لا نذهب إلى ماذهب إليه هنتنغتون في صراع الحضارات، ولا نؤمن بما يقوله، ولا نعتقد أن مايجري في الساحة العالمية هو صراع بين حضارات، لأن المصارع القوي اليوم على الساحة العالمية لا يمتلك حضارة… بل إنه ينطلق من عقدة نقصه الحضاري ليشيع في العالم الدمار، وليقضي باسم عولمة خاصة به على حضارات العالم، وإذا كان توجهه الأول اليوم نحو العالم الإسلامي، فلأنه مهد الحضارات الإنسانية، ولأن المنظرين الاستراتيجيين أوحوا له بأن الحضارة الإسلامية مؤهلة لأن يكون لها الدور الريادي على الساحة العالمية.

والعودة إلى وحدتنا الحضارية ما عادت ضرباً من المستحيل كما كان بعضهم يوحي بذلك، لأن الوحدة الأوروبية أثبتت إمكان توحيد شعوب نشبت بينها في القرن الماضي على الأقل حربان عالميتان، كما أن وحدتنا الحضارية ضرورة حتمية لبقائنا في عالم التكتلات. وكل مقومات الوحدة الأساسية قائمة بين ظهرانينا ونحتاج إلى تفعيلها.

أعود إلى سعدي الشيرازي لأقول إنه من رموز وحدتنا الحضارية. فهو إضافة إلى خطابه الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان استطاع أن يقدم النموذج الرائع للامتزاج الحضاري بين الإيرانيين والعرب.

هذا الامتزاج نشاهده فيما خلفه لنا من تراث. مؤلفاته مزجت بين العربية والفارسية بحيث لا يمكن أن يطالعها أحد إلا أن يكون ملماً باللغتين معاً. ولم يكن ذلك مصادفة، بل تعمد إلى ذلك – فيما أعتقد – ليثبت أن الامتزاج هذا يبلغ باللغة إلى ذروة الكمال.

كثرة التضمينات القرآنية وكثرة العبارات والأبيات العربية التي تتخلل نثره وتـلمع شعره، والقصائد العربية التي تحتويها كلياته تثبت أنه أراد التوفيق بين اللغتين العربية والفارسية ليخرج بنصوص تجمع بين الاثنين في إطار جميل خلاب بعيد عن أي تكلف.

في كتابه" گلستان "على سبيل المثال ترى في الصفحة الأولى نثراً مليئاً بالمفردات العربية: مِنة… عز وجل… طاعة… موجب… قرب… شكر… مزيد… نعمة… نـَفَس… ممد… حياة… مفرح… ذات… واجب… تقصير… عذر… رحمة… حساب… ناموس… فاحش… وظيفة… خطأ… كريم… خزانة… غيب…وظيفة… محروم… نَظَر… فراش… فرش… داية… بنات… نبات… خلعة… قباء… ورق… أطفال… قدوم… موسم… ربيع…و…

وترى آية هي قوله تعالى: اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور… وهكذا تستمر الصفحات على هذا المنوال تتخللها أبيات بالعربية مشفوعة بأبيات في الفارسية.

والعربية في كليات سعدي نراها:

ـ في المفردات العربية الكثيرة في نثره.

ـ وفي أبياته العربية المتناثرة خلال نثره.

ـ وفي قصائده العربية التي أفرد لها المحققون قسماً خاصاً.

تبدأ أولها بقوله:

الحمد لله رب العالميـن علـى

ما در من نعمة عز اسمه وعلا

وهي في ذكر الله ونِعَمه.

والثانية في رثاء بغداد والمعتصم بالله بعد هجوم المغول ومطلعها:

حبست بجفني المدامـع لا تجـري

فلمـا طغى الماء استطال على السكر

وتزيد على تسعين بيتاً.

والثالثة في مدح نور الدين بن صياد ومطلعها:

مادام ينسرح الغزلان في الوادي

احذر يفوتك صيد يا ابن صياد

عدد هذه القصائد العربية يربو على العشرين، وأكثرها في الغزل كما ذكرنا، ومن غزله العربي قوله:

يا نديمي قم تنبه واسقني واسقِ الندامى

اسقياني وهدير الرعد قد أبكى الغماما

وشفا الأزهار تفتر من الضحك ابتساما

قل لمن عير أهل الحب بالجهل ولاما

لا عرفت الحب هيهات ولا ذقـت الغرامـا

ونرى العربية في ملمعاته نظير قوله:

وقتها يكدم برآسودي تنم

قال مولائي لطرفي لا تـنم

اسقياني ودعاني أفتضح

عشق ومستوري نياميزد بهم

ما بمسكيني سلاح انداختيم

لا تحلوا قتلَ من ألقى السلَم

قد ملكت القلب ملكاً دائماً

خواهي اكنون عـدل كـن خـواهـي ستم

وليست مظاهر الوحدة الحضارية عند سعدي متجلية في الامتزاج اللغوي بين العربية والفارسية فحسب، بل أيضاً فيما يعرضه من قصص حقيقية أو رمزية دارت في بلاد عربية أو غير عربية أحياناً من العالم الإسلامي.

فتجواله في العراق والشام ومصر والجزيرة العربية أمده بخصب حضاري في شعره ونثره. في أحاديثه عن الشام مثلاً يتكرر ذكر دمشق والقدس وحلب وطرابلس، ويذكر عنها قصصاً فيها عبرة وتذكير.

من ذلك قصة أسْرِهِ في الشام يرويها على طريقته في السرد. يذكر القصة منثورة ثم يقطـع فقراتها بقطعة شعرية أو بيت، وفيها من العبر الكبيرة المرتبطة بواقعنا الراهن، يقول:

"ذات يومٍ بدت لي ملالة من صحبة إخواني الدمشقيين، فهمت على وجهي في صحراء القدس واستأنست بالحيوانات، إلى أن صرت مرة أسير قيد الفرنج، وسخـروني في عمل الطين مع اليهود في خندق طرابلس، حتى مر بي واحد من رؤساء حلب كان لي به سابق معرفة، وعرفني فقال: أي فلان! ماهذه الحال؟

(قطعة شعرية)

"كنت أفر من الناس إلى الجبل والصحراء / لأنه لم يكن لي عن الله انشغال بالغير / فقس أية حالة تكون في تلك الساعة / إذ يتحتم علي أن أعمل في حظيرة اللئام".

(بيت شعر)

"لإن يكن الرجل مقيداً عند الأصدقاء / خير من أن يكون المرء في البستان مع الغرباء".

* * *

"فأشفق على حالي التعسة، وخلصني من القيد بعشرة دنانير، وأخذني إلى حلب، وزوجني ابنته، بصداق قدره مائة دينار، بعد أيامٍ، أخَذَت ابنته في المشاكسة والعصيان وطول اللسان، وكانت تنغص عيشي".

(ابيات مثنوي)

"المرأة الخبيثة في بيت الرجل الطيب / جحيمه في هذا العالم أيضاً / فحذار من قرين السوء حذار، (وقنا ربنا عذاب النار) ".

* * *

"فأطالت مرة لسان التعنت وكانت تقول: ألست أنت الذي خلصك أبي من قيد الفرنج بعشرة دنانير؟ فقلت بلى! أنا ذاك الذي خلصني أبوك من قيد الفرنج بعشرة دنانير وجعلني أسيراً في يدك بمائة دينار".

(أبيات مثنوي)

"سمعت أن رجلاً كبيراً خلص خروفاً من فم ذئب / وفي وقت الليل أمر السكين على حلقه / فأتته روح الخروف قائلة: لقد اختطفتني من براثن الذئب / فلما نظرت، كنت أنت ذئبي في النهاية".

* * *

وفي القصة إضافة إلى السرد الأدبي الممتع:

ـ أن الإنسان إذا مل المقام في مكان فعليه أن ينتقل منه، وهي دعوة إلى عدم الخضوع للعادة، وعدم الخضوع للعادة من أهم محاور دعوة العرفاء.

ـ مقارنة بين العيش مع البشر الطبيعيين (مردم)، وهم الدمشقيون، والعيش مع البشر اللئام (نامردم)، وهم الفرنج الغزاة. وتأكيده على أن الإنسان إذا مل المقام مع أهله فلابد أن يتنقل بين أهل آخرين من أبناء أمته لا أن يوقع نفسه في ورطة اللئام من أعداء أمته. فقيد الأصدقاء أفضل من بستان الغرباء.

ـ إشارة إلى إمكان أن يلقى الإنسان العنت من الأصدقاء الجهال المشاكسين، بما في ذلك الزوجة.

- إشارة إلى أن المتظاهرين بالإنقاذ والتحرير قد يكونون هم أنفسهم الجزارين.

* * *

وفي قصة أخرى له مع قاضٍ حلبي رواها من أثق بروايته في أحد مجالسه الأدبية، ولم أعثر عليها في كلياته الموجوة بحوزتي، يذكر جهل القاضي في إشارة إلى الجهل المتفشي، يقول ما معناه:

"كنت في حلب جالساً عند قاضٍ فجاءه شخصان يترافعان. أحدهما يتهم الثاني بأنه سارق. فالتفت القاضي إلى المتهم وقال له: هل سرقت شيئاً، فقال: لا. قال القاضي: أقسمْ على ذلك، فأقسم. فقال القاضي: اخرجا لم تثبت التهمة. حين خرجا التفت إلى القاضي وقلت له: يا شيخ أما سمعت قول القائل:

ولا تقبـل لسـارقة يمينـاً

ولـو حلفـت بـرب العالمينـا؟

فارتبك القاضي، وعاد إلى نفسه متأملاً وقال: أعيدوا الرجلين، وقبل أن يأتي الرجلان سألني: في أية سورة من القرآن هذه الآية!!

قلت: يا شيخ!! هذه ليست آية بل بيت من معلقة عمرو بن كلثوم:

ألا هبـي بصحنـك فاصبحينـا

ولا تبقي خمـور الأنـدرينا!!

"فهز القاضي رأسه وقال: عجيب! كنت أظن أنها في سورة: (إنا فتحنا لك فتحاً مبينا) !!"

* * *

وخارج العالم العربي يذكر قصة من إقليم تركستان، ومن مدينة كاشغر حين عقد الصلح بين خوارزم والخطا، بأسلوب ممزوج بين الدعابة والاعتبار. دعابته يذكرها في وصف فتى جميل رآه في جامع كاشغر يدرس النحو ويردد الجملة المعروفة في النحو القديم:

ضرب زيد عمرواً. فيخاطبه سعدي بالقول:

"مذ صار طبعك ولعاً بالنحو / امحت من قلوبنا صورة العقل / فيا من قلوب العشاق صيد في شركك / نحن مشغولون بك وأنت بزيد وعمرو".

ويذكر ما دار بينه وبين ذلك الصبي على النحو التالي:

"كانت في يد الصبي مقدمة النحو للزمخشري، ويقرأ: " ضرب زيد عمرواً "فقلت أي بني: حصل الصلح بين" خوارزم والخطا "ولا تزال خصومة زيد وعمرو باقية؟ فضحك وسأل عن موطني فقلت: من أرض شيراز الطاهرة. فقال: أتعرف شيئاً من كلام سعدي؟ قلت نعم، وأنشدت:

بليت بنحوي يصول مغاضباً

علي كزيدٍ في مقابلة العمرو

على جر ذيلٍ ليس يرفع رأسه

وهـل يستقيم الـرفع مـن عامـلِ الـجر

فغاص في الفكر لحظة وقال: غالب أشعاره بالفارسية مشهورة في هذه البلاد، حبذا لو قلت شيئاً هو أقرب إلى الفهم: " كلم الناس على قدر عقولهم".

* * *

وفي هذه القصة إضافة إلى الدعابة وموسيقى العبارات الجميلة نرى إشارات إلى:

ـ الطريقة الجافة في تدريس اللغة العربية آنئذ، وقد تكون قائمة حتى اليوم بدرجة وأخرى، فالشواهد لا تتجاوز زيد وعمرو، والعلاقة بينهما علاقة خصام، وهي علاقة ليست ببعيدة عن الذهنية السائدة في عصور الانحطاط.

ـ وإلى انتشار شعر سعدي واللغة الفارسية في آسيا الوسطى، وهي ملاحظة هامة عن الوحدة الحضارية، وعن دور اللغة الفارسية في حمل الثقافة الإسلامية إلى تلك الأصقاع من وسط آسيا.

ـ وإلى ضررة الابتعاد عن التعقيد في الخطاب الأدبي.

ـ وإلى ضرورة ابتعاد العلماء عن التبختر والتحجر.

الخطاب الإنساني المعتدل

حضارتنا تقوم على أساس الخطاب الإنساني العام، ومخاطبة الإنسان وتكريمه بما هو إنسان. كثير من الآيات القرآنية تبدأ بعبارة: (يا أيها الناس) ومنها آية الدعوة إلى التعارف بين الشعوب: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

والنصوص الدينية الأخرى تؤكد أن الإنسان أخو الإنسان، شاء أم أبى. وتؤكد أن كل أبناء البشر من بني آدم، وآدم من تراب، فلا تفاضل ولا تفاخر في الأنساب والأعراق، والتفاضل عند الله - لا عند البشر - بما يقطعه الإنسان على طريق كماله، وهو الذي عبرت عنه الآية بالتقوى.

وعلى الصعيد العملي انفتحت الحضارة الإسلامية على لغات الشعوب وثقافاتهم، ولم تـفرض اللغة العربية – مع قداستها – على غير العرب، ولا أدل على ذلك من بقاء اللغة الفارسية إلى جوار اللغة العربية في إيران، بل من إقبال القبائل العربية المهاجرة إلى إيران على تعلم اللغة الفارسية، حتى أصبح الجيل الثالث منهم لا يعرف اللغة العربية إلا عن طريق التعلم. وهكذا الموقف من الديانات الأخرى، كان موقف احترام واعتراف، والدليل على ذلك تعايش المسلمين مع المسيحيين واليهود والزرادشتيين حتى يومنا هذا، رغم استفزازات الحروب الصليبية وممارسات الحركة اليهودية العالمية التي أنجبت الصهيونية.

واشتهر سعدي برفع هذا الصوت الإنساني في أدبه حتى عُد من شعراء الانسانوية، واشتهر خاصة بقوله:

بني آدم اعضـاي يكديگـرنـد

كـه در آفرينش زيك گوهـرنـد

چـو عضوي بـدرد آورد روزگار

دگـر عضـوها را نمـاند قـرار

تـو گر محنت ديگران بي غمـي

نشايد كـه نامت نهند آدمـي

أي: " بنو آدمٍ جسد واحد

إلى عنصر واحدٍ عائد

إذا مس عضواً أليم السقام

فسائر أعضائه لا تنام

إذا أنت للناس لم تألم

فـكيـف تسميـت بالآدمـي"

بهذه الروح الإنسانية نظر إلى العرفان، فذهب إلى أن العارف أو الصوفي هوالذي يخدم الناس لا الذي يختار العزلة والاعتكاف، ويطلب من كل الناس حتى الحكام أن يتخلـقوا بأخلاق الدراويش:

"ليس العبادة سوى خدمة الناس / ليست بالتسبيح والسجادة وارتداء الدلق / ابقَ أنت على عرش سلطنتك / بأخـلاق طـاهـرة وكـن درويشاً".

ويرى أن المعتكفين في الخانقاه لا نفع فيهم، وأن العارف لابد أن يتزود بالعِلم الذي يخدم فيه الناس يقول:

صـاحب دلي بمدرسه آمـد زخانقـاه

بشكست عهـد صحبـت أهل طريق را

گفتم ميان عالم و عـابد چه فرق بود

تا اختيار كـردي از آن اين فريق را

گفت آن گليم خويش بدر ميبرد زموج

وين سعي مي كند كه بگيرد غريـق را

أي: " عارف جاء من الخانقاه إلى المدرسة / وقطع عهد الصحبة مع أهل الطريقة / قلت: مالفرق بين العالم والعابد / حتى جعلك تختار هذا الطريق؟ / قال: ذاك ينقذ سجادته من الموج وهـذا يسعـى للأخـذ بيد الغريـق".

كما أن حضارتنا دعت دائماً إلى الوسطية، وإلى الابتعاد عن الإفراط والتفريط، فأمتنا الوسط مدعوة إلى أن تكون شاهدة، والشاهد لا ينحاز إلى طرف، بل يسير على الجادة الوسطى، والانحياز إلى طرف هو التطرف، وهو مرفوض… وهي مدعوة إلى الاعتدال وإلى الطريق المستقيم.

وسعدي عاش في عصر الإفراط بين المدرسة والخانقاه، أي بين العلم والدروشة، فدعا إلى عرفان مقرون بالعلم والفكر والحكمة يقول:

سخنـدان پـرورده پيـر كهـن

بينديشد، آنگه بگويـد سخـن

نـزن تاتوانـي بگفتـار دم

نكو گوي، گرديرگوئي چـه غم

بينديـش وآنگـه بر آور نفس

وزان پيش بس كن كه گويند بـس

بنطق آدمي بهترسـت از دواب

دواب از تو به گر نگوئي صواب

أي: " إن الشيخ المعمر، البليغ المربي / يفكر ثم يتكلم / لا تنطق بغير ترو وتأمل / أحسن القول، وماذا يضيرك إن أبطأتَ في الكلام؟ / فكر ثم افتح فمك / واسكت من قبل أن يقال: كفى! / إن الآدمي بالنطق أفضل من الدواب / والدواب خير منك إن لم تقل الصواب".

ويقول بشأن السلوك المقرون بالحكمة:

"لقمان را گفتند: حكمت از كه آموختي؟ گفت: از نابينايان كه تا جاي نبينند پاي ننهند. قدم الخروج قبل الولوج، مرديت بيازماي وآنگه زن كن".

أي: " قيل للقمان الحكيم ممن تعلمت الحكمة؟ قال: من العميان، فإنهم لا يضعون القدم حتى يعرفوا المكان. (قَدم الخروجَ قبل الولوج) جرب رجولتك ثم تزوج".

والدعوة إلى الخطاب المعتدل نراها في شعر سعدي حين يتحدث عن الصمت والكلام، فلا الصمت المطبق مطلوب ولا الهذر الكلامي، فالصمت له وقته، والكلام له وقته. يقول:

اگر چه پيش خردمند خامشي ادب است

به وقت مصلحت آن به كه در سخن كوشي

دو چيز طير عقل است: دم فـروبستن

به وقت گفتن، وگفتن به وقت خاموشي

أي" ولو أن الصمت في رأي اللبيب من الأدب / لكنك اجتهد في أن تتكلم حين تقتضي المصلحة / شيئان من خفة العقل: السكوت / في وقت الكلام، والكلام في وقت السكوت".

وما أحوجنا اليوم إلى أن نخطط لحياتنا الفردية والاجتماعية في الكلام والسكوت، كي لا نقع في إفراط الهذر أو تفريط الإعراض عن قولة الحق.

والاعتدال نراه أيضا في موقفه المذهبي، ولعل هذا الموقف استلهمه من أستاذه الغزالي. فالغزالي لم يتعصب لمذهب معين. يقول في رسائله الفارسية ما ترجمته:

"أسير في المعقولات على مذهب البرهان وما يقتضيه الدليل العقلي. وفي الشرعيات على مذهب القرآن، ولا أقلد أحداً من الأئمة، فليس للشافعي علي عهد ووصية، ولا لأبي حنيفة حجة وسند".

وليس من شك أن دراسة سعدي كانت على يد أساتذة من أهل السنة، وفي كلياته ما يشير إلى أنه سني المذهب، ولكنك ترى في هذه الكليات حديثاً عن علي بن أبي طالب وعن أهل البيت ما يوحي أنه شيعي، والمحصلة من كل ذلك أنه أراد أن يتجاوز المذهبية في نهجه، ويقف الموقف الذي يمليه عليه فكره وشخصيته المستقلة، لا التقليد الأعمى.

نحن اليوم بأمس الحاجة إلى هذا الاعتدال في الموقف المذهبي. بحاجة إلى تفهم السنة بأنها التزام بسنة رسول الله (ص)، وهو التزام واجب على كل المسلمين، عندئذ يكون كل المسلمين سنة، وأن نفهم التشيع بأنه ولاء لآل بيت رسول الله (ص)، وهو ولاء أوجبه القرآن الكريم قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى عندئذ يكون كل المسلمين شيعة، وما عدا ذلك فهو إما خلافات تاريخية لا علاقة لنا بها، وإما اختلافات اجتهادية طبيعية بين البشر، أجازها الإسلام وشجع عليها.

الدعوة إلى العزة

المجتمع البشري حي بعزته فإذا ذل مات… هذه حقيقة تؤكدها كل الدراسات التاريخية والاجتماعية، وتثبتها حقائق الواقع الراهن، من هنا فإن كل الأنبياء والمصلحين دعوا إلى صيانة عزة الإنسان وكرامته على ظهر الأرض، كي يستشعر الحياة، ويسير على طريق استخلاف الله في الأرض وما يتطلبه هذا الاستخلاف من إبداع وابتكار واستثمار لمواهب الطبيعة وكنوزها.

وسعدي بأسلوبه الأدبي الرائع جَهَد لأن يحافظ على روح العزة في مجتمعه بعد أن تكالبت عليه أنواع الظروف لإذلاله.

وأهم وَتـَر ضرب عليه لصيانة روح العزة في المجتمع هو إنقاذ الناس من التهافت على الدنيا كتهافت الذباب على قطعة الحلوى. وإيقاظ العقول والقلوب على حقيقة هذه الحياة التي لا تبقى لأحد. وهذا لا يعني أنه دعا إلى ترك الدنيا، بل دعا إلى ممارسة الحياة ممارسة مترفعة عن الدنايا وعن الذاتية والأنانية، وعن الحرص والطمع، وعن كل العوامل التي تخلق السلبيات في العلاقات الاجتماعية، وتحول دون تفتح مواهب الانسان وكفاءاته ودون العطاء الاجتماعي العام. دعا إلى أن لا يتحول الإنسان إلى دودة تعيش في الظلام، لا تعرف إلا ماحولها، ولا تعمل إلا لإشباع نهمها الغريزي.

نراه في حكاياته بكتاب گلستان يخاطب النفس الإنسانية بأساليب مختلفة لينتشلها من وهدة الهبوط ويرفعها إلى الارتباط بالكون الفسيح وخالقه.

يقول في الباب السابع: " سمعت أحداً من الشيوخ المربين كان يقول لمريد: أي بني! لو كان ارتباط ابن آدم بالرازق بقدر ارتباطه بالرزق لارتقى على الملائكة في المقام".

وفي هذا المضمار ينشد أحياناً بيتاً بالعربية فيقول:

بئس المطاعم حينَ الذلِ يكسبها

القِدر منتصب والقدر مخفوض

وأحياناً ينشد بيتاً بالفارسية يقول:

هركه نان از عرق خويش خورد

منـت از حاتـم طائي نبـرد

أي: " كل من يأكل الخبز من عمله / لا يتحمل المنة من حاتم الطائي".

وأحياناً ينشد قطعة شعرية يقول:

"إذا أردت الغنى، لا تطلب غير القناعة / فإنها دولة هنية / إذا نثر الغني الذهب بحجره / فحذار أن تنظر إلى نواله / فقد سمعت كثيراً من الأكابر (يقولون) / إن صبر الفقير خير من بذل الغني".

وفي كتابه بوستان خصص باباً للقناعة يدعو إليه بقوله مثلاً:

ـ" اقنعي أيتها النفس بالقليل / حتى تري السلطان والفقير متساويين".

ـ" وابغ جوفاً طاهراً أينما تذهب / فإن البطن لن يمـلأه إلا التـراب".

ـ" والنفس الأمارة تحيل المرء ذليلاً / فلا تطعها إن كنـت عاقـلاً".

وفي قطعاته الشعرية يكثر من التأكيد على عزة النفس، وفي إحداها يصور أصدقاءه يقولون له:

"لماذا أنت يا سعدي لا تتحرك للحصول على المال والمتاع؟ / فأنت تتربع على عرش الشعر، فلماذا تعيش كما يعيش المرتاضون؟ / لو مدحت قليلاً فستنال الحظوة / وصاحب الفن إن كان معدماً فهو مغبون، ولا يقدر أن يكسب ود الاخوان".

ثم يجيبهم: " لا أستطيع أن أرفع حاجتي إلى هذا المالك وذاك الثري / فهذا من فعل المتكدين / لو طلب مني أن آخذ إبرة من اللئام / لتحولت هذه الإبرة إلى إبر على جلدي مثل القنفذ / لقد قلتَ: إن رضا الصديق لا يتيسر إلا بالمال / وهذا أيضاً خلاف المعرفة والرأي الصحيح / فألف كنز ثمين يعادل حبة من الفن / والمنة بعد ذلك على المعطي، والحيف علي".

وهذه القطعة الشعرية تذكرنا بأديب إيراني آخر هو علي بن عبد العزيز الجرجاني (ت ٣٦٦هـ)، فقد دعا جميع ذوي القلم والفن أن يحافظوا على شرف علمهم إذ قال:

يقولون لي: فيك انقباض وإنما

رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما

إذا قيل: هذا منهل قلت: قد أرى

ولكـن نفـس الحـر تحتمل الظمَا

ولم أقضِ حق العلم إن كان كلما

بـدا طمـع صيرتـه لـي سلما

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي

لأخـدم مـن لاقيت لكن لأخدَما

أأشقى بـه غرسا وأجنيـه ذِلة

إذن فاتـبـاع الجهل قد كان أحزَما

ولو أن أهـل العلم صانوه صانهم

ولـو عظمـوه في النفـوس لعظما

ولكن أهـانوه فهان ودنسـوا

محيـاه بـالأطماعِ حتـى تجهمـا

تربية الذوق الجمالي

ذكرنا أن سعدي الشيرازي عاشق بالمعنى العرفاني، والعاشق بهذا المعنى هو الذي يغلي صدره بالمشاعر النبيلة التي تدفعه إلى حب الجمال والكمال، من هنا فالعاشق لا يستقر ولا يخنع ولا يستسلم للظروف، بل يتحرك رغم كل الصعاب على طريق الجمال.

وعلى العكس من العاشق الإنسان المتبلد الاحساس، الضعيف الهمة، الذي لا يهتز أمام السحر ولا يطرب أمام الجمال.

وتربية الذوق الجمالي هدف كل الأنبياء والمصلحين، لأنه يدفع الإنسان للحركة نحو الجمال المطلق ويجعل الكائن البشري معرضاً عن القبائح والسيئات.

نحن اليوم بأمس الحاجة لتربية الذوق الجمالي لشبابنا لكي يطلبوا الجمال في كل مجالات حياتهم، ويعرضوا عن القبيح في المظهر والسلوك. والذوق الجمالي يبعد الشباب عن الوقوع في مستنقع الرذيلة، لأن الشاب – إن تحلى بالذوق الجمالي - يستطيع أن يفهم قبح الرذائل، ويفهم الفرق بين الجمال الحقيقي والجمال السرابي الخداع.

وهي مسألة نحتاج إلى الوقوف عندها طويلاً، لكنا نكتفي بهذه الإشارة ونعود إلى سعدي الشيرازي الذي سعى فيما سعى إلى أن يستثير الذوق الجمالي الفطري في مجتمعه، الذي تكالبت فيه ظروف سحق هذا الذوق وإماتته، بفعل الظروف الاجتماعية السيئة.

هو أولا يكرر الدعوة إلى التأمل في مظاهر الطبيعة ومافيها من جلال وجمال وأسرار، والى التعمق بما وراء الظواهر من علاقات تربط كل الكون بهدف تكاملي واحد. يقول:

بذكرش هرچه بيني در خروش است

ولي داند درين معنى كه گوش است

نـه بلبل بر گلش تسبيح خوانيست

كه هر خاري بتسبيحش زبانيسـت

أي: " كل ماتراه يموج بذكره / لا يفهم ذلك إلا القلب السميع / ليس البلبل فحسب يسبح على وردته / بل كل شوكةٍ لسان ينطق بتسبيحه".

والقلب الذي يستطيع أن يتفهم حقائق الأشياء هو القلب الذي يخفق بالعشق لا القلب المتبلد الجامد. كل مظاهر الطبيعة تدعو الإنسان إلى أن ينفتح قلبه وينصقل ذوقه، بل لقد عرِف عند العرب عن الجمل بأنه يطرب للصوت الجميل، فما بال الإنسان لا يهزه الجمال؟

يقول سعدي:

داني چه گفت مرا آن بلبل سحري؟

تو خود چه آدمي كز عشق بي خبري

اشتر بشعر عرب در حالتست وطرب

گـر ذوق نيست ترا كژ طبع جانوري

أي: " أتدري ماذا قال لي البلبل في السحر؟ / أي إنسان أنت يامن لا معرفة لك بالعشق؟ / الجمل في الشعر العربي له ذوق وطرب / وإذا لم يكن لك ذوق فأنت حيوان معوج الطبع".

ثم يردف سعدي هذين البيتين بيت عربي فيقول:

وعند هبوب الناشرات على الحمى

تميـل غصـون البـان لا الحجـر الصلـد

يضع سعدي مواصفات للعاشقين منها أنهم لا يملون الطلب والبحث للوصول إلى الجمال، يقول:

چو يعقوبم ارديـده گردد سپيد

نبردم ز ديدار يوسـف اميد

طلبكار بايد صبور وحمـول

كـه نشنيده ام كيمياگر ملول

چه زرها بخاك سيه در كنـد

كه باشد كه روزي مسي زر كند

أي: " فلئن ابيضت عيناي، كما ابيضت عينا يعقوب / فلن أقطع الأمل، من رؤية يوسف / ولابد للطالب أن يكون صبوراً قادراً على التحمل / إذ لم يسمع أن كيماوياً (ساعياً للحصول على الذهب من معادن أخرى) أصبح ملولاً / فما أكثر ما ينفقه من مال وذهب / لعله يوماً يستطيع أن يحول النحاس إلى ذهب".

ومن صفات العاشقين أنهم يشعرون – رغم ثقل أعباء العشق – بالبهجة والسرور والحبور.

وسعدي مبتهج دائماً، لأنه يعيش في عالم مبتهج بخالقه، وسعدي عاشق لكل العالم، لأن كل العالم من فيض المحبوب. يقول:

بجهان خرم از آنم كه جهان خرم از اوست

عـاشقم بر همه عالم كه همه عالم از اوست

أي: " أنا مبتهج بالكون لأن الكون مبتهج به / أنا عاشق لكل العالم لأن جميع العالم منه".

وما أجمل هذا الارتباط بالكون! إنه ارتباط يشرح الصدر، ويبارك العمر ويزكيه ويرفعه، ويجعل العلاقة بين الإنسان والكون علاقة العاشق بالمعشوق.

ويفصل سعدي بين حديث العشق وحديث العقل، فالعشق حديث تضحية وفداء وتحمل ومعاناة وإيثار، وحديث العقل حديث مصلحة ومنفعة واستئثار وطلب السلامة. يقول سعدي:

درديست درد عشق كه هيچيش طبيب نيست

گر دردمنـد عشق بنالـد غريب نيست

داننـد عاقـلان كـه مجانين عشـق را

پـرواي قول ناصـح و پند اديب نيست

أي: " ما أشد ألم العشق الذي ليس له طبيب / وإذا ناح المصاب بالعشق فليس ذلك بغريب / يعلـم العقـال أن مجانين العشـق / لا يرعوون لقول ناصح وموعظة أديب".

وهذا لا يعني أن سعدي يدعو إلى ترك العقل، بل يرى أن عالم العشق غير عالم العقل، عالم العشق يتجاوز الذات، وعالم العقل يكرس الذات. ولا نبالغ إذا قلنا أن كل الذين بذلوا جهودهم من أجل خدمة البشرية في أي مجال من المجالات هم عاشقون. والعرفاء يرون أن العشق هي النار التي تحرك البشرية، وهو طاقتها المحركة، ويعبرون عن العقل بأنه الدخان المصاحب للنار. يقول العطار في منطق الطير:

عشـق جانان آتش است وعقل دود

عشق چون آمد گريـزد عقـل زود

أي: " عشق الحبيب نار والعقل دخان / وحين يحل العشق سرعان ما يهرب العقل".

ويقول سعدي:

حـديث عقـل در ايام پادشاهي عشق

چنان شده است كه فرمان حاكم معزول

أي: " حديث العقل في أيام سلطنة العقل / أصبح وكأنه فرمان الحاكم المعزول"

منطق العاشقين غير منطق الأنانيين. والعرفاء يرون أن العاشقين هم أصحاب الرأي الصائب والنظر الثاقب. يقول سعدي:

هر كسي را نتوان گفت كه صاحب نظر است

عشـق بازي دگر و نفس پرستي دگر اسـت

أي: " لا يمكن أن يقال عن أي شخص بأنه صاحب نظر / فالسير على طريق العشق شيء وعبادة النفس شيء آخر".

سعدي يضع العاشق مقابل الأناني وعابد الذات، وبذلك يدعو إلى أن يكون الإنسان عاشقاً ينشد الجمال بعيداً عن الذاتية والأنانية، مندفعاً دائماً ليقدم الخير والعطاء للبشرية جمعاء.

الهوامش:



[ Web design by Abadis ]