ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الأدبان المعاصران العربي و الفارسي مقاربة في الظواهر المشتركة

الحديث عن الأدب في أية أمة هو الحديث عن حياة تلك الأمة بكل ما في هذه الحياة من قوّة وضعف، ومن مظاهر صحة أو مرض، ومن هزيمة وانتصار.

قصة العرب والإيرانيين في العصر الحديث تكاد تكون متشابهة في كثير من مقاطعها وانعطافاتها. تبدأ من غزو عسكري لا يشبه ذلك الغزو الذي تعرضت له المنطقة من قبل على يد الصليبيين الأوائل أو الغزّ أو المغول، لأنه كان هذه المرة مجهزاً بمشروع حضاري متكامل فيه الفكر الفلسفي والعلمي والتطور التقني. وكان من المفروض بمنطق التاريخ أن يذوب العرب والإيرانيون في الفاتحين المنتصرين، وينهزموا أمامهم تماماً، بلغتهم وخطّهم وفكرهم وأدبهم ودينهم وتقاليدهم، كما حدث للأمم المغلوبة على مر التاريخ، لكن الذي حدث أن انبثق لديهما بدل ذلك تشبّث بالحياة والبقاء، ويعود ذلك إلى مايستندان إليه من خلفية حضارية غنية بأفكارها وآدابها ومعتقداتها وتراثها. من هنا حدثت عودة إلى الماضي في عصوره الذهبية مع ظهور إرادة التغيير… وبدأ من هنا ظهور الإشكالية التي لاتزال قائمة لديهما حتى اليوم متمثلة بالطموح إلى مشروع يجمع بين الأصالة والمعاصرة… بين الحفاظ على المخزون الحضاري الذي يعود إليه الفضل في الحياة والإرادة والهوية، وبين التطور العالمي الهائل في جميع المجالات.

وبسبب غياب المشروع المتكامل كان هناك تأرجح واضح في الأفكار والآراء تجاه قضايا التراث والمعاصرة، ويمكن اختصار الاتجاهات التي ظهرت في الفكر والأدب مع شيء من التسامح بثلاثة اتجاهات:

الأول: التمسّك بالقديم وخاصة ماكان في عصوره الذهبية باعتباره أفضل عملية تستطيع أن تحافظ على الهوية والشخصية الحضارية، وتقينا من الذوبان في الآخر.

الثاني: يرى أن كل مشاكلنا في تمسكنا بالقديم، وإذا أردنا أن نحافظ على وجودنا فلابد من قبول الحضارة الغربية بكل مافيها من خير أو شر، إذ لا يمكن فصل أجزاء المشروع الحضاري، ولابد من رفض كل ما يمت للقديم بصلة.

الثالث: يرى أن الحضارة الإسلامية طالما واجهت تيارات فكرية غريبة، وكان موقفها من هذه التيارات موقف الانتقاء والتفاعل الإيجابي. ونستطيع اليوم أن نقف على قاعدة من تراثنا، لنتعامل مع الحضارة الغربية بشكل إيجابي فاعل… نأخذ منها ما نريد ونرفض ما لا نريد.

وشهدت الساحة الأدبية والفكرية نقاشاً حاداً بين التيارات الثلاثة بأساليب مختلفة، وكان الإشكال على الاتجاه الأول اتهامه بالجمود، وعلى الثاني رميه بالتغرّب والهزيمة، والثالث كان أقوى حجّة غير أن عملية الانتقاء ماكانت باليسيرة لأنها تتطلّب وجوداً حضارياً على مستوى العصر، يستطيع أن يواجه التيارات الوافدة ويتفاعل معها إيجابياً، وإلا سوف يتحوّل التفاعل إلى انفعال.

فمن هذه القصة المشتركة بين الأدبين المعاصرين العربي والفارسي سأقف عند بعض المحطات التي تمثل جوانب من هذه القصة، مركزاً على الأدب الفارسي لعلم القارئ العربي بما في الأدب العربي المعاصر من نظائر لهذه المنعطفات.

رفض الواقع السيء:

عدم الاستسلام للواقع المتردّي الذي مُنيت به الأمة وأدّى إلى هزيمتها ظاهرة مشهودة في الأدبين المعاصرين العربي والفارسي.

وتستند هذه الظاهرة إلى ماكان يستشعره إنسان هذه المنطقة الحضارية من تاريخ عريق مليء بالمفاخر. يقول علي أكبر دهخدا. ] ولد سنة ١٨٩٧ [:

١ - أي مردم آزاده كجاييد كجاييد

٢ - در قصة وتاريخ چو آزادة بخوانيد

٣ - بي شبهه شما روشنـي چشم جهانيـد آزادگي أفسرد بياييد بياييد

مقصود أز آزاده شماييد شماييد

در چشمه خورشيد شما نـور وضاييـد

أي:

١ـ أيها الأحرار أين أنتم؟ أين أنتم؟ فالحرية ذبلت، هلمّوا هلمّوا.

٢ - إقرأوا قصص التاريخ مثل قراءة الأحرار، والمقصود من الأحرار هو أنتم، أنتم بالذات.

٣ - أنتم دون شك ضياء عيون العالمين، وأنتم في عين الشمس نور وضياء.

ويستذكر أديب الممالك الفراهاني. ] ولد سنة ١٨٨٠ [أمجاد المسلمين، وكأنها جزء من أمجاد بني وطنه، فيقول:

١ـ درچين وختن ولولـه أز هيبت ما بود

٢ - در أندلس وروم عيان قدرت مابود

٣ - صقليـه نهان در كف و در رايت مابود در مصر وعدن غلغله أز شوكت مابود

غرناطة وأشبيليه در طاعت مابود

فرمان همايـون قضا آيت مـا بـود

٤ - جاري به زمين وفلك وثابت وسيّار

أي:

١ـ كانت الصين والختن صاخبة من هيبتنا

وكانت مصر وعدن تعج من شوكتنا

٢ - وكانت الأندلس والروم عيانا فيها قدرتنا

وكانت غرناطة وأشبيلية كلها في طاعتنا

٣ - وكانت صقلية النائية في كفنا ورايتنا

وكان أمر القضاء الحاكم آيتنا

٤ - جارية في الأرض والفلك الثابت والسيار

ولا يقتصر الشاعر على ذكر الأمجاد، بل يلتفت إلى الواقع السيء، فيقول:

١ـ أفسوس كه أين مزرعة را آب گرفته

٢ - خون دل ما رَنگِ مى ناب گرفته

٣ - رخسار هنر گونـه مهتاب گرفتـه دهقان مصيبت زده را خواب گرفته

وز سوزش تب بيكرمان تاب گرفته

چشمان خِرد پـرده زخـوناب گرفتـه

٤ - ثروت شده بي مايه و صحت شده بيمار

أي:

١ـ أسفاً لقد غمر الماء هذه المزرعة

وقد غطّ في النوم هذا الفلاّح المنكوب

٢ - ومهجتنا اصطبغت بلون الشراب النقي

وانحنت قامتنا من حر الحمّى

٣ - ووجه الفن أصبح كالليل المشوب ببصيص القمر

وعيون العقل أُسدلت عليها ستائر حمراء

٤ - أصبحت الثروة غير ذات قيمة وأضحى الجسم سقيما

التفكير في العلاج:

لم يكن في الساحة مشروع يُحتذى للتخلّص من الوضع الفاسد، بل تراوحت وجهات النظر في العلاج بين الاستنهاض العسكري، والتغيير السياسي، والتحول الاجتماعي.

يقول علي أكبر دهخدا بعد أبياته التي ذكرناها في دعوة أحرار إيران:

١ - إين روبهكان تاطمع أز ملك ببرّند

٢ - أندر كفتان جوكان، وين گوي به ميدان

٣ - بس عقده گشوديد به اعصار وكنون هم

٤ - منهيـد زكف چاچخ و شمشيـر و نه زوبين يك بار دگر پنجه شيري بنمائيد

با جَلدي وجالاكي زودش بربائيد

اين بسته گشائيد كه بس عقده گشائيد

در حرب ووغائيد نه در صلـح وصفائيـد

أي:

١ـ حتى ينقطع أمل هذه الثعالب من البلاد

مرة أخرى اشهروا مخالب الأسود

٢ - في أيديكم صولجان، وهذه الكرة في الميدان

فاضربوا الكرة بسرعة وبجلد وخفّة

٣ - كثيرة هي العقد التي حُلّت بأيديكم في العصور

وهذه العقدة المستعصية حلّوها، فما أكثر ما فككتم من عُقد

٤ - لا تضعوا أرضاً أنواع مابيدكم من سلاح

ففي الحرب والوغى أنتم، لا في صلح وصفاء

ويرى محمد تقي بهار أن الأوضاح تحتاج إلى جماعة مصلحة تشيع في الوطن التربية والحرية والقانون، فيقول بعد أن يستعرض مفاخر إيران قبل الإسلام وبعده:

١ـ إيران بود آن چشمه صافي كه بتدريج

٢ - كو مرد دليري كه به بازوي توانا

٣ - جز فرقه مصلح نكند دفع مفاسد

٤ - بي تربيت آزادي وقانون نتوان داشت

٥ - بي نيروي قانون نرود كاري أز پيش

٦ - يارب تونگهبان دل أهل وطن بـاش بگرفته لجن تاگلو وزير ذقن را

بزداي أز اين چشمه گل لاي ولجن را

آن فرقه كه آزرم ندارد تو ومن را

(سعفص) نتواند خواند نخوانده (كلمن) را

جز بر سر آهن نتوان برد ترن را

كامّيد به إيشان بـود إيـران كهن را

أي:

١ـ إيران كانت عين صافية، ثم بالتدريج

علاها العفن حتى الحلقوم وتحت الذقن

٢ - أين الرجل الشجاع الذي بساعديه القويتين

يزيل عن هذه العين الأوحال والعفن

٣ - لا يستطيع دفع المفاسد سوى جماعة مصلحة

جماعة ليس همّها أن تقول أنا وأنت

٤ - فبدون التربية والحرية والقانون لا يمكن أن يكون لنا شيء

لايمكن بدونها أن نقرأ (سعفص) ولا (كلمن)

٥ - لا يمكن أن نفعل شيئاً دون قوة القانون

ولا يمكن تسيير القطار إلاّ على سكة الحديد

٦ - يارب كن حارس قلب أهل الوطن

فأمل إيران العريقة بهؤلاء

ويرى أديب الممالك في قصيدة أن المشكلة سياسية تتمثل بالتدخل الأجنبي الروسي والبريطاني، فالروس نقضوا العهود، وجاء البريطانيون ملوحين بالإنقاذ غير أن عهودهم أيضاً أبادت البلاد… ويرى أن سبب هذا التدخل الأجنبي هم المسؤولون من وزراء ونواب يبيعون الأوطان للأجنبي بثمن بخس، يقول:

١ـ در طرف راست يار عربده جو بين

٢ - شاهد روسي نخست أز ره بيداد

٣ - آن سان رفتار كرد با تو كه بروي

٤ - ليك بت انكليس أز در اخلاص

٥ - عهد بريتانيا نسيم صبا بود

٦ - أي وزرا تا چند در گلّه ما

٧ - أي وكلا تا به كي دهيد بـه دشمـن در طرف چب حريف عهد شكن را

كرد حيله هاي سرّ وعلن را

هيج نكردي خطا عقيده وظن را

آمد ووارونه كرد طرح سخن را

طرفه نسيمي كه سوخت سرو وسمن را

راهنمايي كنيد گُرگِ كهن را

أز ره جهل و هـوس عروس وطـن را

أي:

١ـ انظر إلى الجانب الأيمن حيث الرفيق المعربد

وإلى الجانب الأيسر حيث الصاحب الناقض للعهد

٢ - واشهد أولاً الروس الذين سلكوا سبيل الظلم

ودبّروا المكائد ماظهر منها وما بطن

٣ - وقد عاملك بهذا الشكل وأنت

لم تسئ فيه ظناً ولا فكراً

٤ - أما الصنم البريطاني فمن باب الإخلاص

جاء وقَلَب مشروع كلامه

٥ - كان عهد بريطانيا نسيم صبا

وهبّة نسيم أحرقت الأخضر واليابس…

٦ - يا أيها الوزراء حتّام في قطيعنا

تسوقون الذئاب المحترفة؟

٧ - أيها النواب إلى متى تسلّمون العدو

عن جهل وهوى عروس الوطن؟

وبأسلوب ساخر يتحدث أشرف الدين الكيلاني] ولد سنة ١٨٧٠ [عن الأوضاع السيئة، ويعزو كل هذه الأوضاع إلى غياب حرية الرأي وحرية القلم فيقول:

١ـ أي قلم پنداشتي هنگامه دانشوريست

٢ - تو نفهميدي كه أوضاع جهان خرتو خـريست دوره علم آمد، و هركس به عرفان مشتريست

خر همانست و عـوض گرديده پالان أي قلم

٣ - نيستي آزاد در ايران ويران أي قلم

٤ - أيها الشاعر تو هم أز شعر گفتن لال باش

٥ - چشم بندي كن ميان معركه نقـّـال بـاش شعر يعني چه! برو حمّال شو رمّال باش

حقـه بازي كن تو هـم مانند رندان أي قلم

٦ - نيستي آزاد در ايران ويران أي قلم

أي:

١ـ أيها القلم أظننت أنه آن أوان المعرفة

وجاء عصر العلم، وأصبح الجميع زبائن العرفان؟ !

٢ - ألم تفهم بأن أوضاع العالم حمارٌ في حمار (هرج ومرج)

فالحمار هو نفسه، وإنما تغيّر سرجه أيها القلم!

٣ - لست حراً في إيران المخروبة أيها القلم

٤ - أيها الشاعر أنت أيضاً اسكت عن قول الشعر

ماهو الشعر؟ إذهب وكن حمالاً ورمّالاً!

٥ - كن مهرّجاً على المسرح وكن (حكواتياً)

كن مخادعاً وكن مثل الشطّار أيها القلم

٦ - لست حراً في إيران المخروبة أيها القلم

إرادة التغيير:

وتصاعدت أمام التحديات الخارجية والداخلية إرادة التغيير وظهرت الحركات الإصلاحية في المجتمع، والدعوة إلى التطوير في الأدب.

يقول أديب الممالك معبراً عن هذه الإرادة:

١ـ أي أدبا تابه كي معاني بي أصل

٢ - أي شعرا چند هشته در طبق فكر

٣ - أي عرفا چند گستريـد در ايـن مي تراشيد أبجد و كلمن را

ليمون پستان يار وسيب ذقن را

دانـه تسبيـح ودام حيلـه وفـن را

أي:

١ـ أيها الأدباء إلى متى تأخذون المعاني الجوفاء

لتحرّكوا منها أبجد وكلمن (كلمات لا معنى لها)؟

٢ - أيها الشعراء إلى متى تعكفون في فكركم

على ليمون ثدي الحبيب وتفّاح ذقنة؟ !

٣ - أيها العرفاء كم تنشرون في هذا الطريق

حبّات المسبحة وفخ الحيل والفنون؟ !

إنها ثورة على الجمود في المعاني والألفاظ، ورفض لظواهر الدجل والرياء، ولم نر مثل هذه الثورة قبل هذا العصر، مما يدل على تصاعد إرادة التغيير.

وإيرج ميرزا] ولد سنة ١٨٧٤ [يرى أنه سعدي العصر، أي أن سعدي مهما عظم فهو شاعر زمانه، ولا يجوز الوقوف عند سعدي بدعوى أنه ليس بالإمكان أفضل مما جاء به الأقدمون. بل لابد من أن يواكب الشعر الزمان.

يقول:

١ـ سعدي نو بود، وچون سعدي به دهر

٢ - سعدي عصرم، اين دفتر واين ديـوانم شعر نو آورد إيرج ميرزا

باورت نيست به ديوانـم بين ودفتـر

أي:

١ـ كان سعدي مجدداً، ومثل سعدي في زمانه

جاء بشعر جديد، (إيرج ميرزا).

٢ - سعدي عصري، وهذا دفتري وهذا ديواني

إن لم تصدق انظر إلى ديواني ودفتري

واستمرت إرادة التغيير لتخلق إبداعاً في الشعر وفي سائر ألوان الأدب، مع كل ما اعترى هذا الإبداع من قوّة وضعف.

التأثير الغربي:

أثر حروب الروس وإيران (بقيادة عباس ميرزا في عهد فتح علي شاه القاجاري) على الثقافة والأدب في إيران يشبه إلى حد كبير تأثير حملة نابليون على مصر، فقد أيقظت الإيرانيين ليستشعروا تخلّفهم، ولكن هذا الإحساس لم يقترن بمشروع نهضوي أصيل يقدمه ويعمل على تنفيذه قادة مبدئيون. بل إن هذه اليقظة اقترنت بفراغ لابد أن يملأ. وكان المشروع الجاهز لملء الفراغ هو المشروع الغربي. وكان التعامل معه - مع الأسف – تعامل المغلوب أمام الغالب. وهو تعامل يقترن عادة بالانفعال والتقليد الأعمى، ولا يسفر في النتيجة عن حركة حضارية داخل الأمة المغلوبة. وهكذا كان الأمر لدى الإيرانيين، كما كان عند العرب في زمن محمد علي باشا وبعده.

ظهر هذا الانفعال في إيران على يد الإيرانيين القاطنين خارج الوطن بشكل خاص، وأذكر منهم عبد الرحيم طالبوف] ولد سنة ١٨٣٠ [صاحب كتاب (أحمد) وكتاب (مسالك المحسنين)، والحاج زين العابدين مراغه اي] ولد سنة ١٨٣٥ [صاحب كتاب (سياحتنامه إبراهيم بيك)، وميرزا ملكم خان صاحب الرسائل النقدية الكثيرة ومدير صحيفة (قانون)] ولد سنة ١٨٢٩ [، وميرزا فتح علي آخوند زاده] ولد سنة ١٨١٢ [المسرحي الناقد وصاحب الرسائل النقدية الكثيرة.

ويلاحظ في هذه الكتابات غالباً رفض كل ماهو موجود في إيران من دين وتراث وعادات وتقاليد، وقبول كل ماهو غربي، وهذا هو الانفعال الناتج عن غياب مشروع أصيل للنهضة.

ويلاحظ أيضاً اهتمام هؤلاء بالارتباط بالمحافل الماسونية الغربية وسعيهم لتأسيس هذه المحافل في إيران.

وأقف قليلاً عند بعض أفكار واحد من هؤلاء، فهي تمثل تجربة الهزيمة القاسية، وتبين طبيعة هذه الهزيمة وتوجهاتها.

ميرزا فتح علي آخوند زاده رائد كتابة المسرحية والقصة الأوروبية في الشرق كما يقول عنه فريدون آدميّت. وفريدون هذا من المهتمين بدراسة روّاد التغرّب في إيران ومن المتحمّسين لهم والمروّجين لأفكارهم.

في كتابه "انديشه هاي ميرزا فتح علي آخوندزاده" = أفكار… يقول:

"إنّ هذا الرجل: منظّر القومية الإيرانية ناقد السياسة والدين، والمؤمن بانفصال السياسة عن الدين انفصالاً مطلقاً…"] الكتاب المذكور، ص ١٦ [.

والواقع أنه ماكان مؤمناً بالقومية الإيرانية بقدر ماكان حاقداً على الإسلام، وبالتالي حاقداً على العرب وعلى الخط العربي، ولذلك فهو أول من دعا إلى استبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي. ودافعه في ذلك ننقله على لسان فريدون آدميّت (المدافع عنه) إذ يقول: "يمكننا بنظرة سريعة أن نفهم الدافع في ذلك (في الدعوة إلى تغيير الخط العربي) إنه كراهية الكاتب للعنصر العربي وما يرتبط بالعرب" وينقل آدميّت عن آخوندزاده مايؤيد هذه الكراهية، ولا ننقله ترفعاً عن ذكره. ] الكتاب المذكور، ص ٧٦ [.

من هنا نستطيع أن نفهم بوضوح ارتباط التوجه الإسلامي في إيران بحب العرب والعربية، والصلة الواضحة بين التغرّب وكراهية العرب. وليت المثقفين العرب يفهمون هذه الحقيقة في مواقفهم من إيران.

اليسار:

قبيل منتصف القرن العشرين شاع بين المثقفين والأدباء الإيرانيين توجه نحو المشروع السوفيتي.

ويعود هذا التوجه إلى الصدمة التي مُني بها المثقفون من ممارسات الغرب، ولكن أوروبا بقيت هي الغالبة المسيطرة على الأفكار والنفوس، فإذا صدمها غرب أوروبا فإنها تتجه إلى شرق أوروبا لتستمد منه مشروعها النهضوي.

ونشط الاتحاد السوفيتي السابق ليحتوي هذا الجو الجديد، وتأسست (جمعية العلاقات الثقافية الإيرانية السوفيتية) وعقدت أول مؤتمر للكتاب والشعراء الإيرانيين سنة ١٩٧٤، واجتمع فيه ستون شاعراً وأديباً وباحثا (ً (.

وهذا التيار الأوروبي الشرقي تبلور في الدفاع عن (الحرية الحمراء) وعن (حقوق الكادحين).

من شعراء هذا الاتجاه فرّخي يزدي. ] ت ١٩٤٠ [قضى عمره في السجون والمعتقلات، وقتل في السجن بحقنة هوائية، وكان يكتب مقالاته الثورية في صحيفة أصدرها باسم (طوفان). ومن أشعاره المشهورة التي تحولت إلى أنشودة ثورية قوله:

١ـ آن زمان كه بنهادم سر به پاي آزادي

٢ - تا مگر به دست آرم دامن وصالش را

٣ - در محيط طوفانزاي، ماهرانه در جنگست

٤ - دامن محبت را گر كني زخون رنگين

٥ - فرّخـي زجان ودل مـي كند در اين محفل دست خود زجان شستم أز براي آزادي

مي دوم به پاي سر در قفاي آزادي

ناخداي استبداد با خداي آزادي

مي توان ترا گفتن پيشواي آزادي

دل نثار استقـلال، جـان فـداي آزادي

أي:

١ـ في ذلك الزمان إذ وهبتُ رأسي للحرية

نفضتُ يدي من الحياة من أجل الحرية

٢ - حتى أحظى بوصالها

أركض سعياً على الرأس في أعقاب الحرية

٣ - في جو عاصف، يخوض الحرب بمهارة

ربّان الاستبداد مع رب الحرية

٤ - إذا ضرّجتَ حضن المحبة بالدم

يمكن أن يقال لك أنك رائد الحرية

٥ - فرّخي في هذا المحفل يبذل - بكل وجوده - .

مهجته في سبيل الاستقلال وروحه في سبيل الحرية

ومن شعراء هذا الاتجاه أبو القاسم لاهوتي توفي في موسكو سنة ١٩٥٣، بعد أن تولى رئاسة أكاديمية طاجيكستان، وعضوية الحزب الشيوعي. من أشعاره:

١ـ غيرتم من كشد اين گونه كه پروانه دهد جان

سوزد وخوش بود الحق كه چه مردانه دهد جان

٢ - اي خوش آن عاشق صادق كه به ميدان محبّت

غرق خون گردد و در دامن جانانه دهد جان

٣ - درگه دوست بود خانه ي آزادي وأميد

زنده آن است كه در خدمت إين خانه دهد جان

٤ - گر خزان حمله كند بنده ي آن بلبل مستم

كه جدايي نكند أز گل و در لانه دهد جان

أي:

١ - أنا أغار من الفراشة على طريقة موتها

أنها تحترق، وما أجمل ذلك حقاً أن تموت هكذا بشهامة

٢ - طوبى لذلك العاشق الصادق الذي في ساحة الحب

يتضرّج بدمه، ويسلم الروح في حضن الحبيب

٣ - منزل الحبيب هو منزل الحرية والأمل

والحي من يقدم حياته في خدمة هذا المنزل

٤ - إذا هجم الخريف فأنا غلام ذلك البلبل

الذي لا ينفصل عن الورد ويسلم الروح في وكره

ظاهرة التحرر من الشعر العمودي

لئن تجلّت هذه الظاهرة في الأدب العربي المعاصر على يد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وغيرهما من رواد الشعر الحر، فإنها تبلورت بوضوح في الأدب الفارسي المعاصر على يد علي اسفندياري الملقب بـ (نيما يوشيج)] ولد سنة ١٩٠٣ [، فهو بحق رائد الشعر الحر في إيران، وإن كان قد سبقه من نظم شعراً بهذا السبك شعراء آخرون، لكنه كان أسطورة في هذا اللون الأدبي حتى سمّي الشعر الحر في إيران بالشعر النيمائي نسبة إليه.

ونيما أنشد الشعر العمودي في بداية حياته الشعرية بالسبك الخراساني، وعاش مع أقطاب الشعر العمودي، لكنه أحس في نفسه بعطش إلى التغيير والإبداع والتطوير فقدّم القصائد تلو القصائد نحا فيها منحى غنائياً متأثراً بالشاعر الفارسي القديم نظامي گنجوي، ومنفتحاً على مدارس الرومانسية والرمزية الفرنسية.

ومفهوم التغيير لدى نيما يتلخص بمايلي:

١ـ يتجه في الشعر من حيث المحتوى اتجاهاً اجتماعياً، وأن يكون الشاعر ابن زمانه.

٢ - يرى أن الشعر ينبغي أن يصوّر تجاربه الشعورية بشكل محسوس مرئي، لا أن يصوغ هذه التجارب بشكل ذهني.

٣ - التحول في المحتوي والطريقة والرؤية يتطلب تغييراً في القالب أيضاً كي يكون منسجماً مع هذا التحول. ومن هنا فإن الوزن والقافية بكل مافيهما من موسيقى ضرورية للشعر، ينبغي أن يكونا منساقين في اتجاه عواطف الشاعر وانفعالاته. ويرى أنه لم يهمل عروض الخليل، ولكنه جعلها أكثر سعة وعطاء. هذا التوجه يشبه إلى حد بعيد ما تكتبه نازك الملائكة ومايكتبه أدونيس عن تطور الشعر العربي.

(أيها البشر) قصيدة لنيما يوشيج يتضح فيها مذهبه الشعري، يقول فيها:

أي آدمها كه بر ساحل نشسته شاد و خندانيد

يك نفر در آب دارد مي سپارد جان

يك نفر دارد كه دست و پاي دائم من زند

روي اين درياي تند و تيرة و سنگين كه من دانيد

آن زمان كه مست هستيد أز خيال دست يابيدن به دشمن

آن زمان كه پيش خود بيهوده پنداريد

كه گرفتيد دست ناتواني را

تاتواناي بهتر پديد آريد

آن زمان كه تنگ مي بينيد

بر كمرهاتان كمربند

درچه هنگامي بگويم من

يك نفر در آب دارد من كند بيهوده جان قربان

أي:

أيها الجالسون على الساحل مسرورين وضاحكين

هناك شخص في الماء يلفظ أنفاسه الأخيرة.

هناك شخص يرفس باستمرار بيده ورجله.

عند ذلك البحر الداكن الثقيل الهائج الذي تعرفونه،

في ذلك الوقت الذي تنتشون فيه متخيلين أنكم انتصرتم على العدو…

في ذلك الوقت الذي تظنون فيه عبثاً أنكم

قد أخذتم بيد إنسان ضعيف

لكي تخلقوا له قوة أفضل…

في ذلك الوقت الذي تضيقون فيه

أحزمتكم على ظهوركم.

في أي وقت أقول لكم

هناك شخص يفقد روحه عبثاً في الماء.

الشعر المنثور:

ظهـرت في العالـم العربي قصيدة النثر لتقلّد ماظهر في الغرب تحت اسم

(Poeme en Prose) وواجهت نقداً لاذعاً حتى من دعاة الشعر الحر. وحين وصفت دعوة أصحابها بأنها ركيكة فارغة المعنى كان جواب المدافعين عنها: بأن كبار شعراء الغرب قد كتبوا قصائد منثورة مثل بودلير ورامبو وسان جون بيرس و…، وبأن رافضي قصيدة النثر وضعوا (حجاب التزمّت والسلفية والانغلاقية).

وفي إيران أيضال لايزال النقاش محتدماً حول الشعر المنثور أو الشعر الأبيض.

وبروز هذه الظاهرة ومايدور حولها من نقاش في الأدبين المعاصرين العربي والفارسي يدل على اشتراكهما في المؤثرات الغربية، وفي وجود إرادة التطوير لدى المبدعين، كما أن النقاش الحاد في هذا المجال يدل أيضاً على غياب مشروع أصيل للحداثة.

أبرز وجوه الشعر المنثور في إيران أحمد شاملو، فقد أصدر أول مجموعاته الشعرية عام ١٩٤٨ تحت عنوان: (آهنگهاي فراموش شده) أي الألحان المنسية، وهي تضم قصائد في الشعر العمودي والشعر الحر والشعر الأبيض (المنثور).

وحذا حذوه في إنشاد الشعر المنثور بعض الشعراء الشباب، غير أنه واجه نقداً لاذعاً ولم يقابل الاستحسان، لكنه لايزال مستمراً حتى اليوم.

ومما أنشده شاملو من الشعر المنثور قطعة تحت عنوان: (النشيد الكبير) متأثراً فيها بالحرب الكورية عام ١٩٥١، يخاطب فيها شخصاً كوريّاً اسمه (شن – جو) يقول:

شن – جو !

كجاست جنگ؟

در خانه تو

در كره

در آسياي دور؟

أما تو

شن.

برادر بزرگ زرد پوستم!

هرگز جدا مدان

زان كلبه حصير سفالين بام

بام وسراي من

پيداست

شن

كه دشمن تو دشمن من است

وآن اجنبي كه خوردن خون توراست مست

أز خون وتيره پسران من

باري

به ميل خويش

نشويد دست!

أي:

يا (شن - جو) !

أين الحرب؟

في بيتك

في كوريا

في آسيا القصوى؟

أما أنت

ياشن

يا أخي الأكبر الأصفر!

لا تعتقد أبداً بالانفصال

من ذلك الكوخ الحصيري ذي السطح السفالي

سطح بيتي ومقامي

واضح معلوم

ياشن!

فعدوك عدوي

وذلك الأجنبي الذي يمتص دمك وهوثمل

من الدم القاني لأبنائي

على أي حال

برغبتكم

لاتكونوا يديه

الغموض:

الفن ينطلق من الروح الإبداعية الجمالية للإنسان، وهذه الروح من مظاهر (نفخة) رب العالمين في هذا الكائن البشري، ولذلك فإن الفن يحمل مسحة من هذه النفخة بما فيها من مظاهر جلال وجمال ومن أبعاد لامتناهية ومن غموض.

وطبيعة النفس البشرية تتوق إلى الفن الذي تتوفر فيه هذه الصفات… الجمال. والتحليق نحو اللامتناهي… والغموض. والشعر كلما كان محلّقاً في ماوراء المحسوس والمشهود كان غموضه أكثر، ولكن قدرة الشاعر هو أن يتحدث بلغة قادرة أن ترفع المتلقي إلى مستوى فهم عالمه الغامض وأن يقدم له تجربته الشعورية بلغة موحية بنفس أحاسيس الشاعر، وما هذه الفنون التي تزخر بها لغة الشعر من تصوير وخيال وفنون بيانية إلا وسيلة لإيصال لغة الشعر إلى المتلقي.

قدرة الشاعر تتجلّى إذن في جانبين:

الأول: الارتفاع إلى العالم الغامض اللامتناهي الذي يخترق حجب الظاهر والمحسوس.

الثاني: التمكن من رسم عالمه وإيحاء مشاعره الغامضة للمتلقّي.

الشعر العربي والشعر الفارسي غنيّان بالعمالقة الذين برزت فيهم هذه القدرة على اختلاف في مراتبهم، ويجد الإنسان نفسه مع هؤلاء العمالقة يعيش في عالم غير هذا العالم المحدود.

اللغة عندهم لا تعبر عن واقع قائم كما هي حالة النثر، بل تخلق عالماً جديداً متميزاً له خصائص متفرّدة.

هذا الغموض الجميل في لغة الشعر العربي والفارسي يغمر الإنسان بشعور صوفي ميتافيزيقي، يرفعه إلى عالم اللامتناهي، ويلبّي حاجة عميقة في نفسه إلى هذا الارتفاع والاتصال.

وكان من المفروض في نهضة الشعر الحديثة أن يقدم شعراء الفارسية والعربية المعاصرون عوالمهم الجديدة، وتجاربهم الشعورية البديعة، لكن أكثرهم لم يستطع ذلك بسبب الابتلاء بتقليد الغرب، وهو تقليد يحول دون الابتكار والإبداع. ومن هذا التقليد (الغموض) في الشعر.

الغموض – كما ذكرنا – من خصائص الشعر، حين يكون معبراً عن تجربة شعورية صادقة في نفس شاعر موهوب، لكن الغموض حين يكون تقليداً فلا يسفر إلا عن قطيعة بين الشاعر والمتلقي، وقد يُقال إن هذا الشعر الغامض له فئة واسعة من المتلقين، وهذا حق، ولكن هؤلاء المتلقين يبحثون في الواقع عن عالم يتجاوز الظواهر المحسوسة المادية. وقد يخالون أنهم يجدون ضالتهم في هذا الغموض الذي يقدمه لهم أصحاب الحداثة، ولكنه غموض يبدو في كثير من الأحيان سرابياً (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئاً).

طبعاً هذا الحكم على الغموض في شعر الحداثة ليس مطلقاً، بل هو الظاهرة العامة، كما أن هذا لا يعني أن الوضوح يدل دائما على قدرة إبداع. وكما يقول أدونيس: "إن حياتنا الشعرية شعبذة تتخذ من الغموض ستاراً لتخفي عجز أصحابها عن الإبداع… وهناك شعبذة تتخذ من الوضوح ستاراً لتخفي هي الأخرى عجز أصحابها عن الإبداع. فلا يعنيني الغموض بذاته أو الوضوح بذاته، وإنما الإبداع هو الذي يعنيني". الإبداع هو المطلوب، لكن التقليد عدو الإبداع، ويكاد الباحثون يجمعون على أن الغموض عند الشعراء العرب والإيرانيين المعاصرين ظهر مع ظهور الشعراء الرمزيين الغربيين، ومن بعدهم السرياليين.

وكما ظهر في العالم العربي من يدافع عن مطلق الغموض في الشعر العربي المعاصر، كذلك في إيران هناك من يرى أن الشاعر المعاصر لم يتعمّد الغموض، بل إنه استهدف أن يتوغل في عالم خاص وفضاء خاص، ويعتقد أن فهم الغموض في الشعر المعاصر يتوقف على فهم العلاقات البعيدة التي تربط بين أجزاء الشعر، ويضرب على ذلك مثالاً من الشعر الفارسي المعاصر حيث يقول الشاعر:

تاريك ترين شبان بين شبگير

رودي ست سياه

رودي ست

فرو رونده

در مرداب

أي:

أحلك ليلة ليس لها حد

نهر أسود

نهر

ينساب

في مستنقع

وإلى هنا المقطع واضح، فالليل يشبه نهراً أسود، وهذا النهر الأسود يصب في مستنقع… ثم نرى في مقطع آخر للشاعر قوله:

من شب را

قطره

قطره

من نوشم

أي:

أنا الليل

قطرة

فقطرة

أشربه

فالمقطع هذا غير مفهوم، فما معنى أن الشاعر يشرب الليل قطرة فقطرة. ولكن لو أوجدنا ارتباطاً بين هذا المقطع والسابق، نفهم أن هذه الـ (أنا) هي المستنقع.

هذا التبرير للغموض في الربط بين المقطعين ليس عاماً، فالربط هذا غير ممكن في كثير من الشعر الغامض الذي نستطيع أن نحكم عليه بأنه صادر عن ذهن لا يعرف هذا الارتباط.

روح اليأس:

مشكلة الطبقة (المثقفة) في إيران والعالم العربي أنها ربطت نفسها بمثل أعلى مستورد لا أصيل، اتجهت أولاً إلى المثل الأعلى الغربي فتبنته، وراحت تتغنى بالقانون والديمقراطية والحرية دون أن يكون لها مشروع كامل لتحقيق هذه الآمال الوردية، ثم باءت بأنواع الإحباطات بعد أن تبين لها الوجه الاستعماري الاستكباري للغرب، وبعد أن تحول دعاة التغرب – ومنهم رضا شاه في إيران – إلى طواغيت متفرعنين حين مسكوا السلطة، وعاملوا الأحرار أسوأ مما كان يعاملهم السلاطين المستبدون.

ثم جاء البشير من شرق أوروبا ليلوح لهم بمشروع مناصرة الأحرار والكادحين والمظلومين، وسرعان مابدت سرابيته حين تعامل مع إيران كقوة كبرى تريد أن يكون لها سيطرة وهيمنة ونفوذ ومصالح وجواسيس وعملاء.

وتوالت هذه الإحباطات، وظهر ذلك جلياً في الأدب الفارسي المعاصر كما ظهر لدى شعراء العربية في قصائدهم عن وعود بريطانيا، وبريق الشعارات الغربية، وفشل ثورة عرابي باشا، وحادثة دنشواي، وتبدد الآمال في الثورة العربية الكبرى، والهزائم العسكرية أمام العدو الصهوني.

نرى هذا الإحباط لدى صادق هدايت في رواية (بوف كور) أي البومة العمياء: وصادق هدايت أشهر كاتب إيراني في عهد رضا شاه (أبو الشاه الأخير المخلوع). درس في باريس، ثم عاد إلى باريس بعد يأس مرير سنة ١٩٥١، وانتحر فيها. يعبر صادق هدايت عن إحباطه ويأسه في روايته المذكورة إذ يقول: "في الحياة جراح هي مثل البرص تفترس بالتدريج الروح وتدمرها، وهذه الأوجاع لايمكن أن نشكوها لأحد، لأن الناس يميلون بشكل عام إلى اعتبار هذا النوع من الآلام ظواهر غير طبيعية، وبالتالي لا تستحق الاهتمام، إذ أنه لم يكن من حظ البشرية حتى اليوم، اكتشاف وسيلة شفاء أو دواء لذلك، لذا يبقى الدواء المخدرات".

ولولا بصيص الأمل الذي شعّ على أثر الحركة الوطنية الإسلامية في عهد مصدق – كاشاني وما تبعها من حركة تأميم النفط لساد اليأس تماماً في أوساط المثقفين.

غير أن اليأس من الأوضاع بقي بدرجة وأخرى مشهوداً في آثار أدباء إيران.

نراه في شعر سهراب سپهري حيث يعبر عن وحدته بقوله:

به سراغ من اگر بيايد

نرم و آهسته بياييد، مبادا كه ترك بردارد

چيني نازك تنهايي من

أي:

إذا توجهتم إليّ فتعالوا بهدوء وبطء، كي لا تنفطر

زجاجة وحدتي الرقيقة

ويعبّر شفيعي كدكني عن رغبته في هجرة الديار التي ضاقت به من خلال حوار بين زهرة برية اسمها (گَوَن) وبين (نسيم) يهبّ في قطعة (سفر بخير)، أي مع السلامة.

(به كجا چنين شتابان؟ )

گَوَن أز نسيم پرسيد

(دل من گرفته زين جا،

هوس سفر نداري

زغبار اين بيابان؟ )

(همه آرزويم، أما

چه كنم كه بسته پايم…)

_ (به كجا چنين شتابان؟ )

- (به هر آن كجا كه باشد به جز اين سرا سرايم)

_ (سفرت به خير! أما تو ودوستي خدا را)

أي:

(إلى أين أنت ذاهب بهذه السرعة؟ )

سألت زهرة الصحراء النيسم

_ (ضاق صدري بهذا المكان

_ أما فيك هوى للسفر

من غبار هذه الصحراء؟ )

_ (كل أملي ذلك لكن

ماذا أعمل فرجلي مغلولة).

- إلى أين أنت ذاهب بهذه السرعة

- (إلى أي مكان، فكل مكان غير هذا الربع ربعي).

- تصحبك السلامة، ولكن الله الله في المحبة.

ويقول مهدي أخوان ثالث معبراً عن هذا اليأس مخابطاً (قاصدك).

قاصدك! هان چه خبر آوردي؟

از كجا وز كه خبر آوردي؟

خوش خبر باشي، أما، أما

گرد بام و در مَنْ

بي ثمر مي گردي

انتظار خبري نيست مرا

نه زيارت نه ديار و دياري – باري،

برو آن جا كه بود چشمي و گوشي باكسي

برو آن جا كه ترا منتظرند

قاصدك!

در دل من / همه كورند و كَرند…

دست برادر از ين در وطن خويش غريب

قاصدك تجربه هاي تلخ،

با دلم مي گويد

كه دروغي، دروغ

كه فريبي تو، فريب

أي:

يا قاصدك ما وراءك!

من أين تحمل الأخبار وعن من تُخبر؟

خيراً خبرك، أما، أما

حول سطح بيتي و بابي

عبثاً تدور

فلا أنتظر خبراً

لا من حبيب ولا من ديار و لاديّار، على أي حال

إذهب حيث يكون مع شخص عين وأذن

إذهب حيث ينتظرونك

يا قاصدك

في قلبي الجميع عُمي وصُم

كفّ عن هذا الذي هو غريب في وطنه

يا قصادك التجارب المليئة بالمرارة

تقول لقلبي أنت كذب… كذب

أنت خداع. خداع

وفروغ فرخزاد شعرت دائماً بوحدتها في مجتمعها، ولم تنسجم أبداً مع ما يحيط بها، بدأت متمردّة، ثم ارتدّت خائبة حزينة يائسة، ومما قالته معبرة عن يأسها:

وأين منم

زني تنها

در آستانه فصلي سرد

در ابتداي درك هستي آلوده زمين

ويأس سادة وغمناك آسمان

وناتواني دستهاي سيماني

زمان گذشت

زمان گذشت و ساعت چهار بار نواخت

چهار بار نواخت

امروز اول دي ماه است

من راز فصلها را مي دانم

نجات دهنده در گور خفته ست

وخاك، خاك يذيرنده

اشارتيست به آرامش…

به مادر كفتم: "ديگر تمام شد"

گفتم: "هميشه بيش از آن كه فكر كني إتفاق مي افتد

بايد براي روزنامه تسليتي بفرستيم".

إيمان بياوريم

إيمان بياوريم به آغاز فصل سرد

إيمان بياوريم به ويرانه هاي باغهاي تخيل

به داسهاي واژگون شده بيكار

ودانه هاي زنداني

نگاه كن چه برفي مي بارد…

أي:

هذه أنا

امرأة وحيدة

على عتبة فصل بارد

عند بداية إدراك وجود الأرض الملوث

ويأس السماء البسيط الحزين

وعجز الأيدي الإسمنتية

* * *

مر الزمان

مر الزمان ودقت الساعة أربعاً

دقت أربع دقات

واليوم أول أشهر الشتاء

أنا أعرف سر الفصول

والمنقذ يرقد في القبر

والتراب، التراب المضياف

علامة للسكينة…

* * *

قلت لأمي: "انتهى كل شيء"

قلت لأمي: "دائماً قبل أن تفكري يحدث شيء

لابد أن نرسل عزاء إلى الصحيفة"

* * *

لنؤمن

لنؤمن ببداية فصل البرد

لنؤمن بخرائب بساتين الخيال

بالمناجل المعوجة المهجورة

وبالبذور السجينة

أنظر أيّ ثلج يتساقط…

الانتفاض على الموضوعات القديمة:

من مظاهر التحول في الشعر المعاصر العربي والفارسي التجديد في الموضوعات. وهذا التجديد نراه في الشعرين ينحو منحى إنسانياً، ويحاول أن يثور على تلك الرومانسية الحالمة للشعراء، ويوجّه الشعر نحو تحسّس آلام الجماهير وواقعها، ويستلهم الوزن والقافية والمضمون من حركة الناس في الشوارع والطرقات.

يقول الشاعر أحمد شاملو:

١ـ موضوع شعر شاعر پيشين

از زندگي نبود

در آسمان خشك خيالش، أو

جز باشراب ويار نمي كرد گفت وگو

أو در خيال بود شب وروز

در دام گيس مضحك معشوقة پاي بند،

حال آن كه ديگران

دستي به جام باده ودستي به زلف يار

مستانه در زمين خدا نعره مي زدند!

٢ - موضوع شعر

امورز

موضوع ديگري است…

امروز شعر، حربة خلق است

زيرا كه شاعران

خود شاخه يي زجنگل خلقند

نه ياسمين و سنبل گلخانه فلان

٣ - بيگانه نيست شاعر امروز

بادردهاي مشترك خلق:

أو بالبان مردم

لبخند مي زند

درد و اميد مردم را

با استخوان خويش

پيوند مي زند.

٤ - امروز

شاعر

بايد لباس خوب بپوشد

كفش تميز واكس زده بايد به پا كند،

آنگاه در شلوغترين نقطه هاي شهر

موضوع وزن وقافية اش را، يكي يكي

با دقتي كه خاص خود اوست،

از بين عابران خيابان جدا كند…

وزن ولغات وقافية ها را

هميشه من

در كوچه جسته ام.

آحاد شعر من، همه أفراد مردمند

از "زندگي" كه بيشترن "مضمون قطعة" است

تا "لفظ" و "وزن" و "قافية" شعر، جملة را

من در ميان مردم مي جويم.

اين طريق بهتر به شعر، زندگي و روح مي دهد.

أي:

١ - موضوع الشاعر القديم

لم يكن عن الحياة.

في سماء خياله الجافة

لم يكن يتحدث سوى مع الكأس والحبيب

كان يعيش في الخيال ليل نهار

غارقاً في فخ تجاعيد شعر محبوبته المضحك، بينما الآخرون: يد على الكأس ويد على شعر الحبيب

ثملون يعربدون في أرض الله!

٢ - موضوع الشعر

اليوم

موضوع آخر…

الشعر اليوم حربة الجماهير

لأن الشعراء

هم أنفسهم أغصان في غابة الجماهير

لا زهور في مزهرية فلان.

٣_ ليس غريبا شاعر اليوم

مع آلام الجماهير المشتركة

إنه مع شفاه الناس

يبتسم

آلام وآمال الناس

بعظامه

يدمجها.

٤ - اليوم

الشاعر

لابد أن يلبس الفاخر

ويرتدي الحذاء النظيف اللامع،

ثم في أكثر نقاط المدينة ازدحاماً.

موضوع أوزانه وقافيته، واحدة واحدة بدّقة خاصة به،

يفرزها بين مادّة الشارع.

الأوزان والكلمات والقوافي

دائماً أنا

عثرت عليها في الزقاق.

مفردات شعري كل الأفراد.

من "الحياة" التي تشكل أكثر "مضمون القطعة"

حتى "اللفظ" و "الوزن" و "القافية" جميعها

أجدها بين الناس

هذا الطريق

يعطي الشعر، حياة وروحاً أفضل.

هذه نماذج من الظواهر المشتركة في الأدبين المعاصرين العربي والفارسي، تدل جميعاً على وحدة المسار، ووحدة التحديات واشتراك العرب والإيرانيين في الآمال والآلام.

الهوامش:



[ Web design by Abadis ]