ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أبو فراس الحمداني

مقاربة في دارسة مدحه وهجائه

"ملخص"

المدح والهجاء فنان من فنون الشعر العربي لهما قيمتهما الأدبية حينما يبتعدان عن التكسب وفي بلاط سيف الدولة نرى مثل هذا الاتجاه في المدح والهجاء، خاصة عند الأمير أبي فراس الحمداني فهو يترفع عن الإسفاف، وله أسلوبه الخاص في المدح وخاصة في مدح سيف الدولة، ويموج مدحه بالطهر والعفاف خاصة في مدح المرأة، ويبلغ أبو فراس ذروة مدحه وهجائه في إطار رساليته، ويبتكر أجمل الفنون لمدح أوليائه من آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ، ويقارن بينهم وبين معارضيهم في أسلوب فريد في الأدب العربي، وتشيع في شعره قيم إنسانية سامية نحن بأمس الحاجة إليها اليوم.

(٢٠٧)

موضوع المدح والهجاء له قيمته الفنية والاجتماعية المتمثلة في استجلاء طريقة تناول الأنا والآخر، لأن الشاعر في مدحه أو هجائه يسعى إلى تبين مظاهر القوة أو الضعف في نفسه أو قومه أو في شخص آخر أو قوم آخرين.

وليس من موضوع استأثر باهتمام الشعر العربي اكثر من المدح والهجاء، وذلك يعود لتوظيف الشعر في الصراع، وتاريخ العرب كله صراع، وهذا الصراع له جانب سلبي حين يكون من أجل الاستعلاء القبلي، وله جانب إيجابي حين يتجه إلى رفض الواقع السيء والى محاولة تقديم النموذج الأفضل للحياة.

موضوع المدح والهجاء إذن تغذيه المواقف الساخنة أو العصبيات، وتحدد اتجاهه نوع تلك المواقف، ويرتفع فنياً كلما صدر عن شعور صادق لا يشوبه تكسب.

وبسبب ارتباط الشعر العربي على مر التاريخ برزق الشاعر، فقد شاع التكسب في المدح والهجاء، وبذلك خسر قسم كبير من الشعر العربي تلك القيمة الفنية التي اتصف بها في موضوعات الغزل والوصف والتأمل في الكون والموت والحياة وحتى لا أدخل في تطور المدح والهجاء في الشعر العربي، وهو موضوع يستحق دراسة مستفيضة لما يفرزه من تداعيات، أشير فقط إلى أن موضوع المدح والهجاء يتطور كلما ابتعد عن التكسب، ولكما نما في بيئة قادرة على أن تفجر طاقات الشاعر الفنية وتفتح ذهنه على آفاق جديدة ومعان مبتكرة.

وبلاط سيف الدولة يمثل النموذج الأسمى في البيئة التي توفرت لتطور موضوع المدح والهجاء للأسباب التالية:

١ - كثرة الاحتكاكات بين هذا البلاط وغيره من الخصوم السياسيين أو

(٢٠٨)

الفكريين أو الطامعين.

٢ - شخصية سيف الدولة الأدبية المرموقة التي اجتذبت إليها الشعراء، وجعلت الشاعر يرى نفسه في محيط أدبي أكثر مما هو في محيط حكم وحاكم.

٣ - شخصية سيف الدولة القتالية التي صيرت منه بطلاً أسطورياً يقارع الخصوم ببسالة تستثير مشاعر الشعراء.

٤ - ارتباط هذا البلاط بآل بيت رسول الله فكرياً وعاطفياً مما جعله يرتبط بتاريخ الأدب المقاوم المناضل الرافض للظلم والظالمين [١].

بعد هذه المقدمة ألقي الضوء على موضوع المديح والهجاء عند الأمير أبي فراس الحمداني:

خصائص المدح والهجاء عند أبي فراس الحمداني

١ - الترفع عن الإسفاف في الهجاء:

نرى في هجاء أبي فراس نوعاً حضارياً من الهجاء ينبو عن ذكر المثالب والأعراض، ويعبر عن نوع من الألم والمضاضة تجاه إساءات الآخرين، وكأنه لا يريد أن يطعن بمن يهجوه بقدر ما يريد صرفه عن غيه، وقد تكون نتف من هذا اللون من الهجاء موجودة في الشعر العربي، لكن الذي يميز أبا فراس أن هجاءه يقتصر على هذا اللون الرائع المتزن، مما يبين أن علاقته بالآخر في مجتمعه علاقة إصلاح لا طعن حتّى ولو أساء إليه يقول معلقاً على إساءة صاحبه:

صاحب لما أساء اتبع الدلو الرشاء

رب داء لا أرى منه سوى الصبر الشفاء

أحمد الله على ما سرّ من أمري وساء [٢]

(٢٠٩)

ويخاطب الذين ناصبوه العداوة بالقوة:

أيا قومنا لا تنشبوا الحرب بيننا أيا قومنا لا تقطعوا اليد باليد

عداوة ذي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند

فياليت داني الرحم منا ومنكم إذا لم يقرب بيننا لم يبعد [٣]

ولا نرى لأبي فراس شعراً هجائياً قاسياً إلاّ مع أعداء أمته المحاربين. ثم نراه يهجوهم بهذه القسوة وهو يعيش في أسرهم، مما يبين مدى ما كان يتمتع به الرجل من إحساس بالرفعة والعزة أمام العدو، وهو ما نحن بأمس الحاجة إليه اليوم.

ثم نراه يهجوهم بعد أن استفزه قائد الروم الدمستق إذا قال له: إنّما أنتم كتاب ولا تعرفون الحرب. فأجابه أبو فراس.

أتزعم يا ضخم اللغاديد أننا ونحن أسود الحرب لا نعرف الحربا

فويلك من للحرب إن لم نكن لها ومن ذا الذي يمسي ويضحي لها تربا

ثم راح يعدد الوقائع التي انتصر فيها الحمدانيون على الروم، وبعدها قال:

بأقلامنا أحجرت أم بسيوفنا واسد الشرى قدنا إليك أم الكتبا؟

ثم يختتم القصيدة بأسلوب رائع في الهجاء إذ يقول:

رعى الله أوفانا إذا قال ذمة وأنفذنا طعناً، وأثبتنا قلبا

وجدت أباك العلج لما خبرته أقلكم خيراً وأكثركم عجبا [٤]

٢ - أسلوب خاص بالمدح:

بسبب شيوع المداحين والهجائين المتكسبين يحاول أبو فراس أن ينفي عنه أن يكون مداحاً أو هجاءً، ولكنه يقر بأنه مدح نفسه وآباءه، وأن أكثر شعره كان في هذا اللون من المدح، يقول:

(٢١٠)

الشعر ديوان العرب أبداً وعنوان الأدب

لم أعدُ فيه مفاخري ومديح آبائي النجب

ومقطعات ربما حليت منهن الكتب

لا في المديح ولا الهجاء ولا المجون ولا اللعب [٥]

ويقول:

نطقت بفضلي وامتدحت عشرتي وما أنا مداح ولا أنا شاعر

وهل تجحد الشمس المنيرة ضوءها ويستر نور البدر والبدر زاهر

وهذه الأبيات تبين ما آل إليه الشعر في زمن أبي فراس، فهو ينفي عن نفسه أن يكون شاعراً كي لا يحشر في زمرة هؤلاء الّذين يقولون مالا يفعلون، ويحترفون الكلمة دون إيمان بقدسية هذه الكلمة. وينفي عنه أن يكون مداحاً كي يحافظ على كرامة شعره.

وهذه الخصائص في مدح أبي فرانس أبعدت مدحه عن المبالغات الشديدة التي ابتلى بها هذا اللون الأدبي. وصيرت من المدح عند شاعرنا ديواناً يسجل فيه الوقائع ويصف فيه المعارك لا على طريقة المؤرخين، بل بأسلوب فني يصف فيه رجولة الأبطال وشهامتهم ورفعتهم وفق معايير إنسانية وإسلامية.

نراه - على سبيل المثال - حين يذكر مفاخر الماضي يقدم لها بالقول: إن مفاخر الحاضر أهم، دفعاً لتوهم قد يساور المستمع أن الشاعر يجتر أمجاد الماضي يقول:

أتسمو بما شادت أوائل وائل وقد غمرت تلك الأوالي الأواخر؟

أيشغلكم وصف القديم؟ ودونه مفاخر فيها شاغل ومآثر

وهل يطلب العز الذي هو غائب ويترك ذا العز الذي هو حاضر؟ [٦]

بعد هذه المقدمة يسرد أمجاد أجداده في وقائع تاريخية محددة، ويلاحظ أنّه

(٢١١)

في أبياته يذكر موقفين متضادين عن علاقة قومه ببني العباس: موقف المدافع عن بني العباس، وموقف المهاجم المنتقم من العباسيين، ويبين سبب هذا التضاد وفق معايير خاصة. فيذكر عمّه الحسين بن حمدان ودفاعه عن الخليفة العباسي، ثم هجومه في وقت آخر على دار الخلافة، يقول:

نطيعهُمُ ما أصبح العدل فيهمُ ولا طاعةَ للمرء والمرء جائرُ

لنا في خلاف الناس عثمان أسوةُ وقد جرت البلوى عليه الجرائر

وسار إلى دار الخلافة عنوةً فحرّقها، والجيش بالدار دائرُ [٧]

فمعيار العلاقة مع الخلافة العباسية هو "العدل" فإن ساروا عليه فهم مطاعون وإلا فلا طاعة لهم، ويشير إلى مشروعية الثورة على الحاكم الظالم إن سار بغير العدل، وهي مشروعية تنطلق من إيمانه بفكر مدرسة آل البيت - عليهم السلام ـ.

٣ - أسلوب مدحه سيف الدولة:

أكثر مدح أبي فراس في سيف الدولة علاقة أبي فراس بسيف الدولة علاقة نسب وإمارة وشجاعة ورجولة وطريقته في مدحه لها أسلوب خاص. تراه كلما مدحه كأنه يريد أن يفخر بنفسه وبهذه الطريقة يدفع عن نفسه أن يكون محترفاً للمدح ثم إنه يمدحه معدداً صفاته في النسب والشجاعة والبأس والرجولة، وهذه هي المشتركات بينه وبين أبي فراس. ولا نرى له مدحاً في سخاء سيف الدولة ولا في قصوره ولهوه وقصفه، لأن مثل هذا المدح من شؤون المتكسبين، ولا تتناسب مع شخصية سيف الدولة في رجولته وبطولته وترفعه عن ترف العيش.

ومما أنشد في سيف الدولة وأشرك فيه نفسه قوله:

ألا قل لسيف الدولة القرم: إنني على كلّ شيء غير وصفك قادرُ

(٢١٢)

فلا تلزمني خطة لا أطيقها فمجدك غلاب وفضلك باهر

ولو لم يكن فخري وفخرك واحداً لما سار عني بالمدائح سائر

ولكنني لا أغفل القول عن فتى أساهم في عليائه وأشاطر [٨]

وكان شاعرنا يعيش المرارة حين يبلغه عتب سيف الدولة عليه، فتثور شاعريته لينظم أبرع الإنشاد في مدح سيف الدولة، ومما قاله وهو في أسره:

وقد كنت أخشى الهجرو الشمل جامع وفي كلّ يوم لفتة وخطاب

فكيف وفيما بيننا ملك قيصر وللبحر حولي زخرة وعباب

أمن بعد بذل النفس فيما تريده أثاب بمر العتب حين أثاب

وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب [٩]

وهو أسلوب فريد في المدح تمتزج فيه مرارة الهجر وعشق الممدوح وصدق العاطفة، وهو مزيج قل أن نراه في الشعر العربي.

٤ - المدح بالطهر والعفاف:

أذكر أولاً أنني أعتبر الفخر من المدح لأنه يعبر عن المعايير التي يراها الشاعر حسناً في نفسه أو قومه، فهو يدخل في موضوع المدح الذي حدّدته في بداية هذا البحث.

والحديث عن الطهر والعفاف قد نجده في الغزل العذري، لكن قلما نجده في المدح وأبو فراس بارز في هذا المجال في أسلوب رائع يجسد دور النفس اللوامة في ضبط تصرفات الإنسان والتحكم في نزواته وشهواته [١٠]، يقول:

فيا نفس ما لاقيت من لا عج الهوى ويا قلب ما جرت عليك النواظر

كان الحجا والصون والعقل والتقى لدي لربات الخدور ضرائر

وهن - وإن جانبت ما يشتهينه حبائب عندي منذ كن أثائر

(٢١٣)

وكم ليلة خضت الأسنة نحوها وما هدأت عين ولا نام سامر

فلما خلونا يعلم الله وحده لقد كرمت نجوى وعفت سرائر

إلى أن يقول:

ولي فيك، من فرط الصبابة، آمر ودونك، من حسن الصيانة، زاجر

عفافك غي، إنّما عفة الفتى إذا عف عن لذاته وهو قادر [١١].

الأبيات تصور مشهداً من مشاهد الصراع بين الطهر والهوى تحاكي قصة يوسف مع زليخا، وتنتهي بانتصار الإرادة على الشهوة، وهو من نوادر التصوير الفني في الأدب العربي

والشاعر يؤرقه شوقه إلى المحبوب، ويلتهب صدره بحب الحبيب، لكنه حب شريف عفيف السريرة، يقول:

كيف السبيل إلى طيف يزاوره والنوم في جملة الأحباب هاجره؟

الحب آمره والصون زاجره والصبر أول ما تأتي أواخره

أنا الذي إن صبا أو شفه غزل فللعفاف وللتقوى مآزره

وأشرف الناس أهل الحب منزلة وأشرف الحب ما عفت سرائره [١٢]

والبيت الأخير يبلغ الذروة في فهم معنى الحب، ومكانة المحبين ومعنى الحب الحقيقي يمدح نفسه بأنه متخلق بهذا الحب العفيف الذي تتجلى فيه عظمةُ الإنسان وسموّه.

٥ - هجاء الأوضاع الاجتماعية

شاعرنا حساس يرى بواطن الأمور ولا ينخدع بالظاهر، ويرى الناس على حقيقتهم والأوضاع الاجتماعية على حقيقتها، فيسوءه ما يرى من مظاهر النفاق والدجل في المجتمع، وهي مظاهر موجودة دائماً بدرجة وأخرى في

(٢١٤)

المجتمعات البشرية خاصة حينما تختل الموازين الاجتماعية بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية المهيمنة.

ويظهر أن عصر أبي فراس كان يضج بهذا الاختلال نتيجة الاحتكاكات القبلية المستمرة والاشتباكات الحربية المتواصلة وضعف الخلافة المركزية، والحكومات المتعاصرة. غير أن هذا الوضع لم يؤد إلى انفعال شاعرنا وسخطه بقدر ما أدى إلى أن يتخذ موقف الحكيم الناقد لهذه الأوضاع، يقول:

وقور وأحداث الزمان تنوشني وللموت حولي جيئة وذهاب

وألحظ أحوال الزمان بمقلة بها الصدق صدق والكذاب كذاب

بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ومن أين للحر الكريم صحاب

وقد صار هذا الناس إلاّ أقلهم ذئاباً على أجسادهن ثياب

تغابيت عن قومي فظنوا غباوتي بمفرق أغبانا حصئ وتراب

ولو عرفوني حق معرفتي بهم إذا علموا أني شهدت وغابوا

وما كلّ فعال يجازى بفعله ولا كلّ قوال لدي يجاب

ورب كلام مر فوق مسامعي كما طن في لوح الهجير ذباب [١٣]

ويتألم شاعرنا أن يرى الأوضاع الاجتماعية في بلاد أعدائه أفضل مما هي عليه في بلاده، ففي العامين اللذين قضاهما في بلاد الروم لم ير الحزن على الوجوه، ولا التكلف في السلوك، ويرى أن ما يخشاه من قومه أدهى مما يخشاه من أعدائه، وهذا أروع تصوير في النقد الذاتي، يقول:

أقمت بأرض الروم عامين لا أرى من الناس محزوناً ولا متصنعا

إذا خفت من أخوالي الروم خطة تخوفت من أعمامي العرب أربعا

وإن أوجعتني من أعادي شمية لقيت من الأحباب أدهى وأوجعا [١٤]

وهذا الهجاء للأوضاع الاجتماعية أو النقد الاجتماعي يعبر عن نزعة الشاعر

(٢١٥)

الإصلاحية وفهمه لواقعه السيء، وجرأته على نقد هذه الأوضاع.

ومن هذا النقد ما يوجهه إلى الخلافة العباسية لتعاملها السيء مع أبناء علي الّذين يمثلون في رأي الشاعر رمز الدين والتقى في المجتمع يقول:

الدين مخترم، والحق مهتضم وفيء آل رسول الله مقتسم

والناس عندك لا ناس فيحفظهم سوم الرعاة ولا شاء ولا نعم

ثم يقول:

يا للرجال أما لله منتصف من الطغاة؟ أما للدين منتقم؟

بنو علي رعايا في ديارهم والأمر تملكه النسوان والخدم

محلؤون فأصفى شربهم وشل عند الورود وأوفى ودهم لمم

فالأرض إلاّ على ملاكها سعة والمال إلاّ على أربابه ديم

وما السعيد بها إلاّ الذي ظلموا وما الغني بها إلاّ الذي حرموا

للمتقين من الدنيا عواقبها وإن تعجل منها الظالم الأثم [١٥]

والأبيات طافحة بالإحساس بالظلم الذي نزل بحملة الرسالة الإسلاميّة من آل علي، بل بالناس أجمع حين أقصيت الفئة الصالحة عن مواقعها الاجتماعية.

٦ - مدح المرأة

الشعر العربي تغزل بالمرأة ورثاها وقلما خصص مدحاً لها، لأنها ليست مصدراً للصلات أما أبو فراس فقد اتجه إلى مدح بعض النساء كما يمدح الرجل ففي قصيدة يمدح فيها امرأة شيعها في يوم ثلج يبدأ بمقدمة غزلية تقليدية ثم ينتقل إلى الفخر، وبعده يقول:

ويوم كأن الأرض شابت لهوله قطعت بخيل حشو فرسانها صبر

تسير على مثل الملاء منشراً وآثارها طرز لأطرافها حمر

(٢١٦)

أشيعه والدمع من شدة الأسى على خده نظم على نحره نثر

وعدت وقلبي في سجاف غبيطه ولي لفتات نحو هودجه كثر

وقد يخيل لقارئ هذه الأبيات أن الشاعر يتغزل ولكنه في الواقع يمدح، لأن المعنية بهذه الأبيات ليست حبيبة بل امرأة من أكابر قومه، يقول فيها بعد ذلك:

وفيمن حوى ذاك الحجيج خريدة لهادون عطف الستر من صونها ستر

وفي الكم كف لا يراها عديلها وفي الخدر وجه ليس يعرفه الخدر

وهو من روائع المدح للمرأة في سترها وصونها ثم يرفع شأن هذه المرأة إلى الذروة حين يقول:

فهل عرفات عارفات بزورها وهل شعرت تلك المشاعر والحجر

أما أخضر من بطنان مكة ما ذوى؟ أما عشب الوادي أما أنبت الصخر

سقى الله قوماً حل قومك فيهم سحائب لاقل جداها ولا نزر [١٦]

ويمدح امرأة يبدو أنها زوجه بأسلوب متميز أيضاً، يقول:

وأديبة اخترتها عربية تعزى إلى الجد الكريم وتنتمي

محجوبة لم تبتذل، أمارة لم تأتمر، مخدومة لم تخدم

لو لم يكن لي فيك ألا أنني بك قد غنيت عن ارتكاب المحرم

ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم

٧ - الرسالية في المدح والهجاء

المقصود بالرسالية ما اتجه إلى مدح أو هجاء منطلق من إيمان برسالة سامية، وهو شائع لدى شعراء الشيعه بشكل خاص، ويتميز أبو فراس بالتركيز على هذا الجانب حتّى أنّه خصص قطعة من شعره ليذكر كلّ أئمة أهل البيت الاثنى عشر، وكأنه يريد أن يعلن عقيدته الاثني عشرية بكل وضوح وقل أن نرى

(٢١٧)

ذلك عند غيره من شعراء الشيعة يقول:

لست أرجو النجاة، من كلّ ما أخشاه، إلاّ بأحمد وعلي

وببنت الرسول فاطمة الطهر وسبطيه والإمام علي

والتقي النقي، باقر علم الله فينا محمّد بن علي

وابنه جعفر وموسى ومولانا علي، أكرم به من علي !

وأبي جعفر سمي رسول الله ثم ابنه الزكي علي

وابنه العسكري والقائم المظهر، حقي محمّد بن علي

بهم أرتجي بلوغ الأماني يوم عرضي على الإله العلي [١٧]

وله في هذا المجال قصيدة "الدين مخترم" وسنأتي على ذكر أبياتها في الحديث عن أسلوب المقارنة عند أبي فراس، وفيها أيضاً يهجو العباسيين مادحاً العلويين من هذا المنطلق الرسالي حيث يقول:

خلوا الفخار لعلامين إن سئلوا يوم السؤال، وعمالين إن علموا

لا يغضبون لغير الله إن غضبوا ولا يضيعون حكم الله إن حكموا …

ما في ديارهم للخمر معتصر ولا بيوتهم للسوء معتصم

ولا تبيت لهم خنثى تنادمهم ولا يرى لهم قرد له حشم

الركن والبيت والأستار منزلهم وزمزم والصفا والحجر والحرم

صلى الإله عليهم أينما ذكروا لأنهم للورى كهف ومعتصم [١٨]

٨ - أسلوب المقارنة في المدح والهجاء:

يشاهد في شعر أبي فراس جمعاً بين المدح والهجاء بصورة مقارنة بين الممدوح والمهجو.

نقف على سبيل المثال عند قصيدته المذكورة في مدح آل البيت وفيها يقارن

(٢١٨)

بين العباسيين والعلويين. يقارن بينهما في الشرف والمكانة:

لا يطغين بني العباس ملكهم بنو علي مواليهم وإن زعموا

وفي شرف النسب:

أتفخرون عليهم لا أبا لكم حتّى كأن رسول الله جدكم

وفي المجد:

ولا لكم مثلهم في المجد متصل ولا لجدكم مسعاة جدهم

وفي العرق والرحم:

ولا لعرقكم من عرقهم شبه ولا نفيلتكم من أمهم أمم

وفي الصفح عن الأسرى:

هلاّ صفحتم عن الأسرى بلا سبب للصافحين ببدر عن أسيركم؟

وفي الفارق بين هارون الرشيد وموسى بن جعفر، وبين المأمون وعلي بن موسى الرضا:

ليس الرشيد كموسى في القياس ولا مأمونكم كالرضا إن أنصف الحكم

وفي ما يتصاعد من بيوتهما من أصوات:

تبدو التلاوة من أبياتهم أبداً وفي بيوتكم الأوتار والنغم

وفي النساء والرجال:

منكم علية أم منهم؟ وكان لهم شيخ المغنين إبراهيم أم لكم؟

وهذا الأسلوب في المقارنة طريقة بديعة في المدح والهجاء قل أن نجد له نظيراً في الشعر العربي.

٩ - أسلوب الحوار في التمدح:

هذا الأسلوب نجده بوضوح في قصيدة "أراك عصي الدمع" وفي هذه

(٢١٩)

القصيدة يبدو على الظاهر أنّه يتغزل، ولكن لو أمعنا النظر فيها لوجدنا أنّه يتحدث عن نفسه بأنه: صابر - حافظ للعهد - حبه لا يتزعزع - معروف غير مغمور - قائد كتائب القتال - مقتحم لكل الأهوال - محارب لا يهدأ - صاحب رجولة امام طلب النساء - كريم - يتخير أصعب الطرق - لا يرضخ للذل - لا يستغني عنه أهله - لا يتخير إلاّ الصدر - تهون عليه نفسه في طلب المعالي.

إذن هو يمتدح نفسه في هذه القصيدة أي يفخر بها وهو في أسره، والمحاور في القصيدة لا يبدو أنّه امرأة يتغزل بها، بل مثل أعلى يتعشقه، والدليل على ذلك أن هذه المحاورة تعرف كلّ فتى مثل أبي فراس ولا تنكره، وأن قتلاها كثيرون، فهو إذن يتحدث مع محاورة تحاول أن تتجاهله وهو ينكر عليها هذا التجاهل، وليس ببعيد أن تكون حريته أو سيف الدولة كما ذهب إلى ذلك بعضهم. لأنه كان يتوق إليهما وهو في أسره، بينما كان سيف الدولة - في ظن أبي فراس - يتجاهله، فهو يرد على هذا التجاهل بذكر كلّ الصفات الكريمة التي يتحلى بها.

والجميل في أسلوب القصيدة هو ذكر هذه الصفات الحميدة على شكل حوار: [١٩]

ـ أراك عصي الدمع شيمتك الصبر أما للهوى نهي عليك ولا أمر؟

ـ بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ولكن مثلي لا يذاع له سرّ…

ـ تسائلني من أنت؟ وهي عليمة وهل بفتى مثلي على حالها نكر؟ !

ـ فقلت: كما شاءت وشاء لها الهوى فتيلك ! قالت: أيهم فهو كثر!

ـ فقلت لها: لو شئت لم تتعنتي ولم تسألي عني وعندك بي خبر!

ـ فقالت: لقد أزرى بك الدهر بعدنا فقلت: معاذ الله بل أنت لا الدهر

وفي بعض أبياته يحاور أصحابه:

ـ قال أصيحابي: الفرار أو الروى - فقلت: هما أمران أحلاهما مرّ

ـ يقولون لي: بعت السلامة بالردى - فقلت: أما والله ما نالني خسر

(٢٢٠)

إن أبا فراس من نوادر الشعراء العرب الّذين عزفوا على قيثارة قلوبهم، فما كان يصطنع الشعر كسباً للمال، ولا كان يهتم بكسب ود هذا وذاك، ولكنه كان في شعره يعبر أصدق تعبير عن تجربته الشعورية، ثم إن الرجل توفرت له بيئة رفعته من الانشداد بهمومه الذاتية وعواطفه الفردية، فعاش لهم كبير هو الدفاع عن دولة ارتبط بها نسباً وقيادة وعقيدة، فكان يهمه أن يرى هذه الدولة منسجمة موحدة قوية في داخلها، صامدة منتصرة أمام أعدائها، من هنا اتجه مدحه إلى كلّ ما يحقق آماله وطموحاته، واتجه هجاؤه إلى كلّ ظاهرة من شأنها إضعاف شوكة هذه الدولة ومصادرة عزتها وكرامتها.

ونحن اليوم - في اعتقادي - بأمس الحاجة إلى تعميم القيم التي تغنى بها أبو فراس من رجولة وكرامة ووحدة وانسجام، ومن رفض لك التحديات التي تواجه شخصية الأمة.

(٢٢١)

__________________________________

١ - انظر: أعيان الشيعة، محسن الأمين، ج ١٨، ط دمشق ١٣٦٤ هـ، ص ٢٩ - ٢٨٩؛ وسيف الدولة وعصر الحمدانيين، سامي الكيالي، حلب ١٩٣٩م؛ وشاعر بني حمدان، أحمد أحمد بدوي، القاهرة، ١٩٥٢ م.

٢ - ديوان أبي فراس الحمداني، شرح علي العسيلي، بيروت، ١٤١٨ هـ. ص ١١.

٣ - الديوان، ص ٨٣.

٤ - الديوان ص ٣٩ - ٤١.

٥ - الديوان، ص ٢٤.

٦ - الديوان ٩٠.

٧ - الديوان ٩٢.

٨ - الديوان ص ٩٦.

٩ - الديوان ص ٢٨.

١٠ - انظر: أبو فراس فارسى بني حمدان، عمر فروخ، ط ٢، بيروت ١٤٠٨ هـ. ويرى المؤلف أن مجون أبي فراس لم يكن صادقا، بل كان مجاراة لمذهب الشعراء في عصره.

١١ - الديوان، ص ٨٦ - ٨٧.

١٢ - الديوان، ص ١٠٨.

١٣ - الديوان، ص ٢٦.

١٤ - الديوان، ص ١٥٢.

١٥ - انظر: الادب في بلاد الشام، د. عمر موسى باشا، ص ٢٨١، والديوان، ص ٢١١ وما بعدها.

١٦ - الديوان، ص ١١٢ وما بعدها.

١٧ - الديوان ص ٢٥٩.

١٨ - الديوان، ص ٢١٦.

١٩ - الديوان، ١٢٩ وما بعدها.



[ Web design by Abadis ]