ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نحن و الغز و الثقافي

الثقافة كلمة مستحدثة يراد بها كلّ ما يميز الأمة في فكرها ومشاعرها وتعاملها مع الكون والحياة …. إنها هوية الأمة ومظهر أصالتها والمعبّر عن وجودها وحياتها.

ومنذ أن ولدت الأمة الإسلاميّة انبثقت معها ثقافة تمثلت في عقيدتها وأخلاقها وآمالها وحركتها الفكرية والاجتماعية وعلى مرّ العصور تعمّقت هذه الثقافة واتسعت تغذيها جهود المسلمين في مجال الفكر والتجربة، ويثريها الانفتاح الفاعل - لا المنفعل - على الثقافات الأخرى.

ومن الواضح أن أهم عامل في صيانة الثقافة الإسلاميّة على مرّ العصور يتمثل في اعتزاز المسلمين بهويتهم، وإحساسهم بمكانتهم وبمسؤوليتهم على الساحة العالمية …. فهم قادة مسيرة البشرية على طريق كلّ كمال إنساني وعلمي وهم هداة …. ودعاة …. وشهود و وسط…. في حركة التاريخ …. من دون انغلاق على ما عند الآخرين من علم ولو كان في الصين…

ولظروف تاريخية وثقافية مني المسلمون في القرون الأخيرة بهزيمة… عسكرية … وسياسية … واقتصادية … وعلمية … وأفظع من كلّ ذلك انهزموا نفسيا… فقدوا الإحساس بالعزة … والفخر بالهوية المتميزة … فقدوا الشعور بالمكانة والدور والمسؤولية … وكانت هذه الهزيمة النفسية نتيجة "غزو ثقافي" مدروس، جند له الغزاة جيشا من الإعلاميين والمستشرقين والأدباء والكتاب وأصحاب الفنون والمتخصصين في الدراسات النفسية والاجتماعية.

والغزو الثقافي أغنى الغزاة عن الغزو العسكري لأنه جعل المسلمين يقبلون عن "قناعة" بضرورة الخضوع إليهم واستجدائهم، والعيش على فتات موائدهم، بل والمحاربة تحت لوائهم.

ولو لم يكن للأمة الإسلاميّة رصيد من القرآن والسنة يبقي على جذوة وجودها، لأتى الغزاة على آخر أنفاسها، ولابتعدت عن ساحة التاريخ.

لكن هذا الرصيد الخالد حافظ على بقايا الهوية والوجود، حتّى قيض الله لهذه الأمة رجالاً أوقدوا الجذوة فاشتعلت وأنارت وتحولت إلى وهج ساطع يعيد الأمل إلى المهزوزين والثقة إلى المهزومين.

وأمام هذه الظاهرة فقد الغزاة صوابهم، وراحوا يشكلون الحلقات الدراسية المكثفة ويقيمون المؤتمرات والندوات، ويجندون الخبراء والمفكرين لدراسة سبل المواجهة والتطويق.

وحين وجدوا أن المدّ يتسع والصحوة تتعالى، لجأوا إلى تواجد عسكري دمّر بقاعا من عالمنا الإسلامي وهدّد أخرى، لكن هذا القمع العسكري علاج مؤقت، لابد أن يستتبعه القمع الدائم، وذلك ما لا يتم إلاّ عن طريق التخطيط لهزيمة نفسية أخرى للمسلمين.

وبدأت خطة الغزو الثقافي الجديد بسلاح متطور يهاجم المسلمين في عقر دورهم عن طريق الأجهزة الإلكترونية والأقمار الصناعية.

واعتمدت الخطة أول ما اعتمدت على تضخيم التطور التقني الغربي لا قناع المسلم بأنه لابد - إن أراد اللحاق بركب التطور - أن يكون تابعا ذيليا متطفلا على الغرب ولابد له - إن أراد أن يعيش - أن يقبل "النظام العالمي الجديد" بكل معادلاته في مجال الهيمنة السياسية والاقتصادية والتقنية.

ثم اعتمدت الخطة أيضاً سبيل إثارة الشهوات … فالهوية الإسلاميّة تقوم على أساس التعادل بين متطلبات الروح والجسد، وكل إخلال بهذا التعادل يشكل تهديدا للهوية، ولاستمرار مسيرة الأصالة خاصة في المجتمع الإسلامي المعاصر حيث الهوية في بداية الظهور، والإنسان المسلم في المراحل الأولى للاستيقاظ.

المجتمعات المسلمة لم تستعد إحساسها الكامل بالعزة حتّى الآن وإن بدأت بذلك، والأمة المسلمة لم تعد إلى هويتها بالشكل المطلوب، والمسلمون لم يعتلوا مكانتهم على الساحة العالمية كما أراد لهم الله سبحانه إنها فترة مخاض صعب حرج وتحتاج الولادة إلى احتضان واهتمام لدرء مخاطر الفعل والانفعال عنها وهذا الهجوم الواسع للإخلال بقدرة الإرادة وإضعافها وإرضاخها للشهوات يهدد هذه الولادة ويعرضها لخطر كبير.

وثمة محور ثالث للخطة يعتمد عملية تحقير المسلمين والاستهانة بهم وانتهاك مقدساتهم، وتصويرهم بمظهر مجموعة بشرية لا هم لها إلاّ البطن والفرج،

ولا شغل لها إلاّ البطر والراحة والاستهلاك، هذا بالنسبة لعامتهم أما أصحاب الهموم الإسلاميّة فهم رجعيون وديماغوجيون وإرهابيون و…و… ومن الطبيعي أنهم يسعون في المحور الثالث لتهويل تلك التصرفات الخاطئة المخجلة لبعض المسلمين ليسموا بها الأمة الإسلاميّة بأجمعها.

وهنا نطرح أسئلة ليجيب عليها المسلمون أنفسهم: ما هي مسؤوليتهم تجاه هذه العملية الواسعة المكثفة المدروسة التي تستهدف هويتهم وكرامتهم وعزتهم؟

ما هي مسؤولية العلماء والمفكرين والعاملين في سبيل عزة الإسلام بشكل خاص؟

ألا تستدعي توحيد كلّ الطاقات والجهود؟ ألا تفرض تجاوز الاختلافات المذهبية والطائفية؟ ألا تتطلب حزما شديدا لرجع كلّ موقف داخلي يدعم عملية الإذلال والإهانة؟ ألا يستوجب استثمار كلّ الفرص لتسجيل موقف يثبت عزة المسلمين وكرامتهم وشخصيتهم الحضارية والفكرية المتميزة؟ …

الجواب على هذه الأسئلة واضح…

ولكن الجواب وحده لا يكفي …لأننا غزينا في عقر دارنا… ومثل هذا الغزو يستتبع ذلاً لا يمكن تبديله إلى عز إلاّ إذا ارتفعت أمتنا أو قادتها الفكريون على الأقل إلى مستوى التحديات الراهنة.

وإننا من منطلق "التقريب" ندعو إلى هذا الارتفاع، ونعتقد أنّه يجب أن يبدأ بحوار علمي عملي جاد لتجاوز الحساسيات التاريخية الموروثة ثم يتواصل بأذن الله تعالى بهدف تحصين الأمة من كلّ غزو خارجي، وبهدف استعادة دور الريادة على الساحة العالمية، وما ذلك على الله بعزيز.



[ Web design by Abadis ]