ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نحن و البدعة

الالتزام بالقرآن والسنة أعظم ميزة تختص بها الجماعة المسلمة. وهذه الميزة توحد الأمة في الفكر، والعاطفة، والروابط، والمسير، والهدف، وتحول دون أن تتلاعب بها الأهواء وتعصف بها التيارات وتفتك بها عوامل التفرقة والشتات.

ومن الواضح جداً أنّ الأمة الإسلامية كانت موحدة بقدر ما كانت ملتزمة بالقرآن والسنة، ثم دب فيها الشقاق واتسع باتساع دخول "البدع" فيها.

الكفر والإلحاد والزندقة لا تمزق الأمة كما تمزقها البدعة. لأن الأمة تقف جميعها صفاً واحداً أمام الكفرة والملحدين والزنادقة، غير أنها إزاء البدعة. - وهي الانحراف المتقمص لباس الدين - تنقسم على فريقين: فريق واع متفهم لدينه يميز الحق من الباطل، فينكر البدعة، وفريق لم يبلغ مستوى التمييز والتمحيص، فيتجه مدفوعاً بعاطفة سطحية أو بذاتية ضيقة إلى الانحراف العشوائي وراء المبتدعين، وقد يبلغ به التعصب لها حد تقديم النفس والنفيس.

وبرزت البدع في تاريخ الإسلام من يوم أنّ أجازت السلطة الحاكمة لنفسها أنّ تشرع خلاف نصوص القرآن والسنة، فدخلت في المجتمع الإسلامي بدعة التمييز الطبقي

والتمييز العنصري، وبدعة السكوت أمام التسلط الفرعوني، ومن يوم أنّ ولي أمر الأمة ولاة من سفهائها وفجارها، فاتخذوا مال الله دولاً، وعبادة خولاً، والصالحين حرباً، والفاسقين حزباً [١].

لقد ظهر على مر التاريخ دعاة وقفوا بوجه البدع وحاربوها، واسترخصوا كلّ نفيس من أجل إعلان زيفها، وقدموا دمهم ي سبيل مكافحتها، وفي سبيل إعلان حكم الله صريحاً واضحاً بشأنها.

ومرت علينا قبل أيام ذكرى "عاشوراء" الحسين بن علي سبط رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ، التي سجلت أعظم موقف إسلامي ملتزم في مكافحة بدع العصر الأموي، السياسية منها والاقتصادية والفكرية والعقائدية.

وهذه الذكرى - وإن اتخذت طابعاً مذهبياً - مع الأسف - هي في الواقع حدث هام يجب أنّ يعتز بها كلّ مسلم غيور على أمته وإسلامه، لأن صاحبها لم يكن يمثل طائفة خاصة من المسلمين، بل كان يعبر عن آمال كلّ المسلمين الّذين يستهدفون العودة إلى إسلام رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام دون أنّ تشوبه بدعة المبتدعين وانحراف المنحرفين.

مَنْ من المسلمين اليوم لا يعرف مكانة الحسين - عليه السلام - ولا يجل الأهداف التي أعلنها، ولا يقف موقف إعظام وخشوع أمام جسامة التضحية التي قدمها؟ .

مَنْ من المسلمين اليوم لا يعرف فضل الحسين على الأمة بما بذله في سبيل إحياء روح العزة والكرامة والمقاومة والأصلة والالتزام ورفض البدع فيها؟ . فلماذا إذن تبقى ذكرى"عاشوراء" محدودة في إطار مذهبي معين؟ لماذا لا تتسع لتشمل كلّ من يعرفون الحسين مكانته وأهدافه وتضحياته، وآثار ثورته في مسيرة الحياة الإسلاميّة؟ !

وثورة الحسين إنّ استطاعت أنّ ترسم الطريق أمام كلّ المصلحين تجاه المبتدعين،

فهي لم تستطع - في ظل غياب الوعي الإسلامي وإقصاء القيادة المبدئية للأمة - أنّ تضع حداً لظهور البدع، فاستمرت الانحرافات بأشكال شتى، واستمرت أيضاً الثورات لتصحيح المسار على يد الّذين دخلت ثورة الحسين - عليه السلام - في وجدانهم وترسخت في نفوسهم وعواطفهم.

ما أردنا في هذا المقال أنّ نقف عند ثورة الحسين رائدة مكافحة البدع في التاريخ، لأنها أشهر من أنّ نتحدث عنها، وأعظم من أنّ نخصص مقالاً لها، بل أردنا أنّ نلمح إلى موقف عظيم آخر اتخذه سليل الحسين العبد الصالح الإمام الحسيني السيد علي الخامنئي لنفض ماران على ذكرى الحسين - عليه السلام - من بدع هي أبعد ما تكون عن روح الإسلام وروح أهداف عاشوراء.

لقد اهتم الحريصون على "حياة" الأمة بإبقاء ذكرى الحسين - عليه السلام - "حية" في النفوس، ووضعوا لنا "منهاج إحياء الذكرى" في إطار ملتزم محافظ على تعاليم الإسلام ومبادئه. وعلى مر الزمن - وفي ظل غياب الوعي وإقصاء القيادة المبدئية - طال منهاج الإحياء هذا ما طال سائر أمور الدين من بدع وانحراف وظهر فيه ما يسيء إلى عظمة الذكرى ورساليتها. وظهر بين الفينة والأخرى من تصدى لهذه البدع، لكن الموقف الغالب منها كان السكوت خوفاً من رد فعل العامة والغوغاء، كما كان هناك من يشجع هذه البدع والخرافات ليعيش على دفئها كما يعيش المشعوذون على دف جهل الناس وهبوط مستوى تفكيرهم.

الانتصار الإسلامي الكبير في إيران نسف أخطر بدع كانت تسود الذهنية الإسلاميّة، تدور حول استحالة إقامة دولة الإسلام، وحول انفصال الدين عن السياسة، وحول عدم إمكان الانتصار على الطاغوت العالمي المستفحل….، وبعد انهيار هذه البدع الكبرى كان لابد من الالتفات إلى البدع الأخرى الموروثة من عهود الانحطاط وضعف الصوت الإسلامي الملتزم. ومع أنّ حياة الغمام الراحل السيد آية الله العظمى الخميني رضي الله عنه وأرضاه كانت مليئة بعد الانتصار الإسلامي بمهام إقامة الدولة، وتثبيت الأسس والمفاهيم، ومواجهة الحرب الطولية الظالمة، لكنه لم يترك فرصة دون أنّ يعلن

استنكاره لظاهرة انحرافية أو لبدعة يراها في المجتمع ويقدم توجيهه اللازم بشأنها.

واصل هذا الطريق خلفه بجد ونشاط خاصة مع ازدياد موجة الحركة الثقافية والاجتماعية الدينية بسبب توقف الحرب.

ويأتي موقف السيد ولي أمر المسلمين - سدد الله خطاه - من بعض البدع في إحياء ذكرى الحسين - عليه السلام - أيام شهر محرم، ليسجل صفحة تاريخية بيضاء ناصعة من صفحات تاريخ آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين في إحياء السنة وإماتة البدعة.

صحيح أنّ حادثة عاشوراء بكل ما أحاط بها من مأساة لم يعرف التاريخ لها نظيراً، تدمي القلب، وتحز في النفس وتثير عاطفة وهياجاً في وجدان من يحب رسول الله وآل بيته. لكن إحياء هذه الذكرى في العواطف يجب أنّ يكون في حدود ما أقرته السنة، وكل خروج عن ذلك فهو بدعة تشوه الوجه الناصع للإسلام، وتفتح المجال للجهلة والمغرضين أنّ يعبثوا كيفما شاؤوا في شعائر العزاء الحسيني، ويأتوا كلّ يوم بطامة جديدة.

وهذا ما حدث بالفعل حين عمد نفر إلى إشاعة إدماء الرأس والجسم يوم العاشر من محرم، تحت عنوان المشاركة العاطفية مع دماء العترة الطاهرة التي أريقت في كربلاء.

ومهما يكن الدافع في هذا العمل نزيهاً فإنه خروج على السنة و"أشبه شيء بالخرافة" [٢]

ولا يقره الإسلام.

وواضح أنّ اتخاذ موقف تجاه هذه الظاهرة وأمثالها يصطدم بعواطف أولئك الّذين يقدسون هذه العادات، ويجعلون منها وسيلة قربة إلى الله سبحانه وتعالى، ووسيلة انشداد بآل رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام.

ولكن العالم الملتزم يجب أنّ يظهر علمه تجاه البدعة رغم لوم اللائمين. وهذه بعض العبارات التاريخية الخالدة من خطاب السيد ولي أمر المسلمين في هذا المجال باختصار شديد:

ـ "الخطابة (في مجالس العزاء الحسيني) يجب أنّ تدور حول ثلاثة محاور:

تعميق العاطفة تجاه الحسين بن علي - عليه السلام - وآل بيت رسول الله عليهم صلاة الله… وإعطاء صورة واضحة للمستمع عن حادثة عاشوراء… وبث الوعي الديني والعمق الإيماني تجاه المعارف الدينية…. يجب أنّ نحذر تماماً من أي فعل يبعد مجلس العزاء الحسيني عن فلسفته الواقعية.

ـ (إدماء الرأس) ليس من الدين: إنّ الله لا يرضى عنه دون شك. وعلماء السلف كانوا مكتوفي الأيدي وغير قادرين أنّ يقولوا شيئاً (تجاه هذه البدع)، أما اليوم فهو يوم حاكمية الإسلام وسطوع نجم الإسلام، فلا يجوز أنّ يشوب مجتمعنا الإسلامي السامي… ما يظهره بمظهر خرافي غير منطقي.

ـ أنا واثق أنّ هناك من سيعلق على كلامي هذا، تحدوه عاطفة نبيلة قائلاً: حبذا لو أنّ فلاناً لم يتحدث عن هذا الموضوع الآن ! كلا ! لابد أنّ أقول كلمتي، لابد أنّ أقول كلمتي. أنا مسؤول أكثر من الآخرين. أنتم أيها السادة يجب أنّ تقولوا أيضاً كلمتكم.

ـ هذا خطر كبير في عالم الدين والمعارف الدينية، حماة حدود العقيدة يجب أنّ يلتفتوا إلى ذلك.

ـ "المرحوم آية الله العظمى السيد البروجردي هذا العالم الكبير، والمجتهد القوي العميق المتفتح نهى - كما نقل - عن تقبيل عتبة (مراقد أئمة اله البيت) مع أنّ هذا العمل قد لا يخلو من استحباب…. وذلك لكي لا يوحي هذا العمل أننا نسجد لقبور أئمتنا…، فمن الذي يشيع اليوم العادات الخاطئة بين الناس (في طريقة زيارة قبور الأئمة)؟ ! أخشى أنّ يكون (ترويج هذه الظواهر الانحرافية) من عمل الأعداء !…. ".

وأمام هذا الموقف التاريخي الشجاع يتحمل الإسلاميون مسؤولية كبرى…

مسؤولية إشاعة الوعي الإسلامي العميق لتجفيف منابع مظاهر الانحراف والبدع.

ولنا في الخاتمة حديث مع كلّ المصلحين العاملين على مكافحة البدع في عالمنا الإسلامي.

مكافحة البدع يمكن أنّ تجمع الأمة ويمكن أنّ تفرقها وتزيد في تمزقها:

تجمعها إنّ كانت محاربة البدع تنطلق من فهم واع حضاري عميق لمفهوم البدعة، وكانت مصحوبة بعملية توعية شاملة على الإسلام بكل جوانبه وأبعاده الواسعة، كما يحدث اليوم في ظل دولة الإسلام المباركة.

وتفرقها وتمزقها إنّ كانت تفهم البدعة فهماً ضيقاً متخلفاً لأنه - بموجب هذا الفهم - ستكون العلوم الفلسفية والكلامية التي هي حصيلة الدراسات العقائدية لعلماء الإسلام، وسلاح الدعاة لمواجهة الأفكار الهدامة… ستكون بدعة لأنها لم تكن في زمن الصحابة والتابعين !!، وستكون المؤتمرات والندوات والاحتفالات التي تقام لإحياء ذكرى رموز الإسلام في مواليدهم ووفياتهم بدعة !!، وسيكون الاهتمام بمراقد هؤلاء الرموز وزيارتها لاستلهام معطيات حياتهم الجهادية والفكرية بدعة أيضاً!!.

ولقد شهدت القرون الأخيرة مثل هذه التيارات لمكافحة البدعة أضرت - مع الأسف - أكثر مما نفعت، ومزقت الأمة أكثر مما جمعتها على القرآن والسنة.

وتفرقها أيضاً إنّ لم يصحبها وعي كامل بالإسلام في جميع أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعقائدية. لأن الجاهل بلب الإسلام سيتشبث بالقشور ويتعصب لها وينازع من أجلها، وتأتي النتيجة عندئذ خلاف ما يتوقعه الداعية في تجميع الأمة على هدى القرآن والسنة.

فلتتحد كلّ خطى العاملين على مكافحة البدع في أمتنا الإسلاميّة على هدي من القرآن والسنة وفهم حضاري عميق للإسلام، وليكن أسلوبهم الحكمة والموعظة الحسنة (وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ( [٣].

___________________________

١ - انظر إلى رسالة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب - عليه السلام - إلى مالك الأشتر لما ولاه مصر، نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح: الرسالة ٦٢: ٤٥٢.

٢ - نفس تعبير السيد ولي أمر المسلمين.

٣ - التوبة: ١٠٥.



[ Web design by Abadis ]