ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 موقف الرئيس الاسد من الثورة الاسلامية الايرانية / الخلفية التاريخية

جرت العادة على تحليل المواقف الدولية على أساس الجغرافيا - السياسية، دون الاهتمام بالجغرافيا - الثقافية، بينما الثقافة لها الدور الأول في بلورة المواقف الهامة، وهذا النقص التفت إليه أخيراً الباحثون الاستراتيجيون فراحوا يدرسون العلاقات الدولية على أساس الخلفية الحضارية والظروف الثقافية.

ولإن كان الاهتمام بالجانب الثقافي في دراسة المواقف والعلاقات هاماً على الساحة الدولية، فهو في إطار المنظومة الثقافية الواحدة أهم.

هذا المقال يستهدف تسليط الضوء على الخلفية التاريخية لموقف الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد من الثورة الاسلامية الايرانية لاداء بعض ماعلينا من حق تجاه هذا الرجل التقريبي بمناسبة الذكرى السنوية الاولى لوفاته.

ـ

[١] ١ - استاذ في جامعة طهران.

- - - - - (٨٨) - - - - -

الارتباط الحضاري بين العرب وإيران نستطيع أن نجد له جذوراً تمتدّ إلى عصور سبقت الإسلام في إطار منطقة الحيرة، ومنطقة اليمن، بل وفي الحجاز أيضاً. لكن الإسلام حوّل منذ القرن الهجري الأول الإيرانيين والعرب إلى أمة واحدة، تفاعلت لغوياً وأدبياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً فكوّنا مجموعة حضارية واحدة. وهذا التفاعل أثمر الحضارة الإسلامية التي نفخر بها اليوم، بل يتحدث عنها بـإعجاب كل الباحثين في العالم.

هذه الوحدة الحضارية تحمل من المخزون الثقافي والتراثي مايشكل طاقة دفع مستمرة للأمة، ومبعث اعتزاز وحركة لها. من هنا فإنّ قوى الهيمنة الغربية اتجهت إلى عامل القوّة هذا لتفتّته، واتخذ هذا التفتيت حالة هجوم على مقومات الحضارة الإسلامية. وبالمناسبة فإن ماطرحه "هنتغتون" في صراع الحضارات، قد مارسه الغرب تجاه أمتنا في وقت مبكر جداً ضمن الخطة الاستعمارية لغزو العالم الإسلامي.

ولعل أهم مقومات الحضارة الإسلامية هو التواصل الفاعل بين أبناء الأمة، ولذلك اتجه الغزو الاستعماري إلى خلق حواجز نفسية وسياسية بينهم. الحواجز السياسية طبعاً مفتعلة يمكن تجاوزها. لكن الحاجز الخطر هو النفسي، الذي يخلق قطيعة عميقة بين الشعوب والمثقفين والعلماء والحكام، وهذا هو الذي ركزت عليه الخطة الاستعمارية ضمن المحاور التالية:

أولاً: إثارة النزاعات القومية بين الشعوب الإسلامية.

ثانياً: إثارة النزاعات الطائفية بين هذه الشعوب.

ثالثاً: تزييف التاريخ الإسلامي، وتحريف كل مامن شأنه أن يخلق العزّة في المنتمين إليه، وتضخيم كل السلبيات الموجودة في الماضي.

رابعاً: خلق حالة من الاحساس بالذل والاحباط ونشر الفساد الاقتصادي

- - - - - (٨٩) - - - - -

والاجتماعي والسياسي بين المسلمين.

وهذه المحاور نراها في مضامين الوثائق التي نشرت بشأن خطط الغزو الاستعماري.

وكان التركيز في فصل الإيرانيين عن العرب على المحورين القومي والطائفي لماله من خلفية تاريخية موروثة. وبدأت ممارسة الفصل من الدخول على خط النزاع العثماني - الصفوي. فهاتان الدولتان الكبريان - بدل أن تتعاونا لمواجهة التحدي الحضاري آنئذ - دخلتا في صراع لانزال نعاني من مخلفاته [١].

العثمانيون عبأوا الشعوب التي هي تحت سيطرتهم، ومنها الشعوب العربية، قومياً وطائفياً ضد الصفويين، وهكذا فعل الصفويون ضدّ العثمانيين. والمهم في الأمر أن البريطانيين وجدوا لهم طريقاً لتنفيذ مآربهم من خلال هذا النزاع، وإن كانت ثمة قرائن تشير إلى أن بريطانيا لم تكن بريئة في أصل نشوب هذا النزاع.

دخول البريطانيين حلبة هذا النزاع كان على خلفية مساعدة الصفويين عسكرياً لمقاومة العثمانيين، ويبرز اسم الأخوين شرلي (روبرت وأنطوني) في مشهد التدخل. يذكر الراهب البريطاني صموئيل برجاس (Samuel Purchas) الذي زار المشرق خلال السنوات ١٦١٣ و١٦٣٦ فيما كتبه عن رحلته أن "الحكومة العثمانية التي بثت الخوف والرعب في العالم المسيحي، هي الآن مذعورة من فرد بريطاني هو السير أنطوني شرلي، وقلقة على مصيرها، لقد تعلّم الإيرانيون فنون الحرب من شرلي…. "

وعن روبرت شرلي يقول جورج منوارينغ (George Manuaring) وكان من مرافقي أنطوني إن "السيد روبرت شرلي بعد مغادرة أخيه تولى منصب قيادة عسكرية، ونال الرتب والنياشين الراقية خلال حروب شاه إيران مع السلطان

ـ

١ - انظر: الدكتور فاضل الأنصاري، قصة الطوائف.

[٢] ٢ - نصر اللّه فلسفي، تاريخ روابط إيران وأوربا (فارسي) ص ١٨٨.

- - - - - (٩٠) - - - - -

العثماني، وأبدى من الحزم وفنون الحرب ماجعل الإيرانيين يهدونه التاج تقديراً لفتوحاته. حين واجه العدوّ أخذ بيده رمحاً وحمل على الأتراك حملة أثارت الحيرة والدهشة، وأدّت إلى هزيمة الأتراك" [١].

هذه المساعدات العسكرية رافقها عمل ثقافي مدروس وفق خطة وضعت سنة ١٦٠٠م، واقتضت فيما اقتضت "أن تنشط المحافل الماسونية البريطانية - الفرنسية في إرسال أفرادها إلى إيران لتشكيل تنظيمات ماسونية فيها، وتشجيع الإيرانيين الوافدين إلى بريطانيا للانتماء إلى الماسونية" [٢].

ومحور نشاط هذه المحافل التشكيك في كل مايمت إلى إيران من أخلاق وعادات وتقاليد وتراث وعلوم، والتركيز على محورية الغرب ومرجعيته. ويجمع كل العاملين في إطار هذه المحافل الماسونية الإيرانية على كراهية الإسلام وعلى كراهية العرب واللغة والخط العربي، تحت شعار التعصب القومي الإيراني!!

ونقف قليلاً عند أحد روّاد التغرّب لنلامس مساعي هذه المجموعة في فصل الإيرانيين عن العرب، بل عن المنظومة الحضارية الإسلامية.

فتح علي آخوند زاده (١٣٣٨ - ١٣٩٥هـ) يعتبر من روّاد التغرّب (الاصلاح على الطريقة الغربية) في إيران. كتب عنه واحد من المدافعين عنه والمنتمين إلى مدرسته وهو "فريدون آدميت" وتحدّث عن مشروعه الإصلاحي ويتلخص في:

١ - تغيير الحروف الهجائية العربية في الخط الفارسي إلى حروف لاتينية.

٢ - بثّ كراهية العرب والفتح العربي لإيران، وتصويره بأنه هجوم وحشي بربري تسبب في تخلف إيران.

٣ - التركيز على محاربة المعتقدات الدينية وتصويرها بأنها مذلة للشعب

ـ

١ - نفس المصدر السابق، ص ١٣٣.

٢ - اسماعيل رائين، فراموشخانه وفراماسونرى در إيران (فارسي)، طهران، منشورات أمير كبير.

- - - - - (٩١) - - - - -

والوطن.

٤ - محاربة كل الظواهر والشعائر الدينية.

٥ - التأكيد على أن سبيل الإيرانيين في التقدم هو نفس السبيل الذي سلكه الغرب، ويقصد التخلي عن الدين والتمسك بالتراث [١].

واستمر هذا التفكير لدى دعاة القومية الإيرانية عبر شخصيات كان لها الدور الهام في الساحة الثقافية الإيرانية، ومنهم الميرزا ملكم خان، وسيد حسن تقي زاده، وأتباع هذا التيار سارعوا إلى مساندة "انقلاب رضا خان" العسكري (وهو أبو الشاه الأخير المخلوع) لأنه رفع راية "القومية الإيرانية المعادية للإسلام" [٢]، كما أنهم ساندوا الشاه المخلوع في كل مواقفه المعادية للعرب والإسلام، وكانوا المنظّرين للمشروع القومي الذي أعلنه محمد رضا بهلوي سنة ١٩٧٠ إثر احتفالات مرور ٢٥٠٠ عام على إقامة الإمبراطورية الإيرانية، وما تبعه من تغيير لمبدأ التاريخ الرسمي من الهجرة النبوية المباركة إلى بدء تأسيس الإمبراطورية الشاهنشاهية… وماكان من المفروض أن يتبعه من خطوات لولا وقوف الشارع المسلم بقيادة علمائه الواعين أمامه وإجباره على التراجع حتى من التاريخ الرسمي الذي سنّه.

النزاعات العثمانية - الصفوية عمّقت التنافر الطائفي والقومي بين إيران والعرب، وجاء المستعمرون في العهد القاجاري ليستثمروا هذا التنافر، ثم جاء رضا خان الذي أطاح بالأسرة القاجارية واستبدل بها الأسرة البلهوية، ليتخذ خطوات عملية لفصل إيران عن المجموعة الحضارية الإسلامية، فحارب العمامة، والحرف العربي، والكلمات العربية التي تشكل ثمانين بالمائة من اللغة الفارسية، كما حارب الشعائر والمظاهر الدينية، وأجبر الناس على لبس القبعة، ووضع القرآن على ظهر بعير وأخرجه - كما يروى - من بوابة القرآن في

ـ

١ - فريدون آدميت، انديشه هاى ميرزا فتح على آخوند زاده (فارسي)، ص ١٦ - ٣٣.

٢ - علي أكبر ولايتي، مقدمة فكرية لحركة المشروطة، تعريب آذرشب، مجلة رسالة التقريب، العدد ١٠، ١٤١٦هـ.

- - - - - (٩٢) - - - - -

محافظة فارس ليقول له: أخرج من حيث أتيت… ولكنه فشل، وعُزي فشله إلى الطريقة العنيفة التي مارسها في محاربة الإسلام، فجيء بابنه محمد رضا ليواصل المسيرة ولكن بشكل مدروس. فحشّد الكتّاب والباحثين لينبشوا التاريخ ويخرجوا من أسطره مايثير الحساسيات القوميّة، وأن ينبشوا التراث، ويستثيروا منه مايعمل على تعميق الفواصل الطائفية. ودوّنت الكتب الدراسية والموسوعات والدراسات على هذا الأساس. كما فُسح المجال للصهاينة والبهائيين والأمريكان أن يتغلغلوا في كل مقدرات إيران ويسيطروا على المرافق الهامة فيها، وينشروا أنواع المفاسد الخلقية بين الشباب، وأقام علاقات اقتصادية وعسكرية وأمنية مع إسرائيل على خلفية: "عدو عدوي صديقي".

ثمة عوامل كانت قائمة في الجبهة الإيرانية والجبهة العربية ساعدت على أن يحقق الشاه بعض النجاح في مهمّته لابد أن نقف عندها - ولو سريعاً - لما لها من ارتباط بخطة التفتيت المذكورة للعالم الإسلامي.

الأول - الموروث الطائفي والقومي الذي أناخ بكلكله على الأمة من أيام انحدارها نحو الضعف والتشتت.

الثاني - الدراسات الاستشراقية والتي استثارت الموروث الطائفي والقومي بشكل يتخذ ظاهراً علمياً حيادياً موضوعياً.

الثالث - ظهور مجموعة من الباحثين الإيرانيين والعرب المتغربين المتعلمين في مدارس الاستشراق والتبشير لتعميق فكرة الانفصال بين الإيرانيين والعرب.

الرابع - استغلال جهل الأمة وضعف إحساسها بالانتماء الحضاري إلى الجامعة الإسلامية، وتكريس الأطر الضيقة وحالة التشرذم في نفسيتها، والجهل لا ينسجم عادة مع المثل العليا الكبيرة بل يبحث عن عشّ له في

- - - - - (٩٣) - - - - -

الصغائر.

الخامس - الأيدي الخفية الصهيونية والماسونية وأمثالها التي كانت من العوامل المهمة في تسيير الأحداث السياسية نحو صراع عربي - إيراني، كما كانت من العوامل المهمة في إشاعة الاستهانة بالتراث وبكل أصيل في هذه الأمة.

مما سبق نفهم أن إيران كانت منذ بدايات عصر الاستعمار تمر عبر تيارين: الأول: ساخط على كل انتماء للمجموعة الحضارية الإسلامية، ومعاد للعرب.

والثاني: منتم إلى الإسلام والمسلمين ومدافع عن القضايا الإسلامية والعربية.

وكان نظام الشاه منحازاً تماماً إلى التيار الأول، ومسانداً له لذلك كان لهذا التيار الدور الأهم في الإعلام والتعليم ومراكز الأبحاث، كما كان منحازاً إليه في المواقف السياسية والاقتصادية، وكان أيضاً يحاول اتخاذ بعض المواقف التي يسترضي بها التيار الثاني، لكنه لم يفلح لاهتمام القيادة الدينية الشعبية بكشف الأوراق.

ودار الصراع حاداً في إيران بين دعاة الانفصال عن المجموعة الحضارية الإسلامية، وبين دعاة الانتماء إليها. وتمخّض هذا الصراع عن ظهور تيارات متعدّدة على ساحة الجانبين، ومثّل تيار الانفصال المجموعات المرتبطة بالشاه من أحزاب وفئات ومراكز أبحاث والمجموعات المرتبطة بالبهائيين والصهاينة والماسونية من ساسة وكتّاب وأساتذة جامعيين. بينما مثل مجموعة الانتماء الحضاري عامّة المتدينين من الشباب الجامعيين والمثقفين والكسبة والعمال والمزارعين، وعامة علماء الدين. وقاد الإمام الخميني هذا التوجّه على الصعيد

- - - - - (٩٤) - - - - -

السياسي والفقهي، كما قاده على الصعيد الفكري والنضالي رجال من أمثال الشهيد مرتضى مطهري، وأذكر أن كتاب (الخدمات المتبادلة بين إيران والإسلام) للشهيد مطهري [١] الذي انتشر بسرعة بين المثقفين كان يتجه بالصميم إلى الدفاع عن الانتماء الحضاري إلى الأمة الإسلامية وإلى الدفاع بشدة عن الفتح الإسلامي لإيران وعن اللغة العربية وعن العلاقات بين إيران والعرب على مرّ التاريخ.

ولم يكن لتيار الانتماء الحضاري من رصيد سوى الفطرة الإنسانية وقوة المنطق الإسلامي وخلفية الانصهار الحضاري العريق للإيرانيين بالإسلام والأمة الإسلامية.

ولو تفحصنا في خطاب تيار الانتماء خلال العقود التي سبقت انتصار الثورة في إيران لرأيناه يُركز على المشترك الإيراني العربي وعلى رأسه تحرير فلسطين من رجس الصهيونية، ومكافحة التغلغل الصهيوني في العالم الإسلامي، إضافة إلى المشتركات الأخرى مثل الوحدة ونبذ التفرقة والتضامن بين المسلمين، والعودة إلى الذات ومكافحة الغزو الثقافي الغربي.

وبهذا الخطاب حققت الثورة الإسلامية أكبر انتصار جماهيري على أعتى قاعدة للمكر الاستكباري في المنطقة. ونزلت بساحة الهيمنة الدولية كارثة لم تكن تحسب لها أي حساب. وتحقق في إيران بحقّ المتلاعبين بمقدراتها قوله سبحانه: (قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون).

مما تقدم يتضح تماماً أن انتصار الثورة الإسلامية في إيران على يد القاعدة الشعبية المتدينة وبقيادة علماء الدين إنما هو إحباط لكل المحالاوت التي أرادت أن تفصل إيران عن العرب والقضايا العربية والإسلامية، وعلى رأسها القضية

ـ

١ - هذا الكتاب ترجم إلى العربية تحت عنوان: "الإسلام وإيران".

- - - - - (٩٥) - - - - -

الفلسطينية.

والمهم في بحثنا هذا هو العودة السريعة بعد هذه الثورة إلى تحقيق الانتماء الحضاري عملياً. ومن مظاهر ذلك تبني القضية الفلسطينية على أوسع نطاق، وخروج الجماهير في اليوم الأول من الانتصار تنادي: اليوم إيران وغداً فلسطين، وتبني اللغة العربية في الدستور [١]، والتأكيد في الدستور أيضاً على الانتماء إلى الأمة الإسلامية الواحدة [٢].

لقد شعرت قوى الهيمنة العالمية بخطورة الموقف وأدركت أن زلزالاً توجّه إليها في المنطقة، وعبّرت القوى الصهيونية والاستكبارية عن مخاوفها، وكانت كل هذه المخاوف على خلفية حضارية ثقافية… لأنهم وجدوا في هذا التحوّل نهوضاً حضارياً للأمة.

بدأت كل الدوائر تخطط من أجل تطويق الثورة أولاً والإجهاز عليها والقضاء عليها في مهدها ثانياً، وكانت الخطط تستند إلى إثارة النعرات القومية والطائفية بوجه الثورة على الصعيد الداخلي والإقليمي عن طريق نبش موروث عصور التخلف والانحطاط. كما استندت أيضاً إلى إثارة مخاوف القيادات السياسية الحاكمة في المنطقة وإثارة مخاوف القوى التقدمية من سيادة موجة رجعية قادمة.

وشُنت على إيران حرب عسكرية تحت شعارات قومية وطائفية، وأفظع منها حرب ثقافية وإعلامية استخدمت فيها ملايين الكتب والنشرات والأفلام والخطب لتكريس الانفصال بين إيران والعرب.

وكان ردّ الفعل الطبيعي المتوقّع من إيران أن تثور فيها النزعات القومية والطائفية تجاه هذه الحرب الشعواء المشتعلة ضدها. لكنها سجلت في هذا الحقل انتصاراً لم يقل عن انتصار ثورتها، فلم تنفعل قط، ولم يقلّ فيها الحماس

ـ

١ - انظر المادة ١٦ من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

٢ - انظر المادة ١١ من الدستور.

- - - - - (٩٦) - - - - -

تجاه القضية الفلسطينية، وتجاه انتمائها الحضاري، بل تكرّس هذا الانتماء ضمن دائرة "الجهاد" ضدّ من يقف وراء هذه الحرب من الصهاينة والأمريكيين. ومقابل الاستفزاز الطائفي نشطت على ساحة التقريب بين المذاهب الاسلامية وقطعت أشواطاً تاريخية في هذا المجال. وكان لانتصار إيران على حالة الانفعال أسباب أرى أن من أهمّها موقف الرئيس الراحل حافظ الأسد من الثورة الإسلامية في إيران.

فماهي محاور هذا الموقف.

١ - تبيين طبيعة الثورة

وانتصار لنا نحن العرب، وانتصار لكل من يناضل من أجل حريته ضد الاستعمار وضد العنصرية" [٥] "رأينا في الثورة الإسلامية عنوان نهضة وبداية تحوّل عظيم مادامت ترفع راية الإسلام، وقامت وانتصرت في ظلّ هذه الراية لتعيد إلى إيران موقعها الطبيعي في صف الشعوب التي تواجه العدوان

ـ

١ - بيان لفرسان الشبيبة ٨ / / ١١ / ٨٠.

٢ - بمناسبة ثورة ٨ آذار، دمشق ٨ / ٣ / ٨٣.

٣ - حديث صحفي إلى وفد إعلامي ألماني ٣ / ٩ / ٨٥.

٤ - نفس المصدر.

٥ - نفس المصدر.

- - - - - (٩٧) - - - - -

والصلف الاستعماري الاستكباري وتناضل ضدهما" [١] "إن شعبنا في سورية يقابل بالتقدير والعرفان موقف الجمهورية الاسلامية الإيرانية الثابت المؤيد لنضالنا والذي يعتبر أنّ أهدافنا مشتركة في تحرير القدس الشريف وسائر الأراضي العربية المحتلة، وفي إنقاذ المسجد الأقصى والصخرة المشرفة وسائر المقدسات التي يستهدفها الاحتلال الصهيوني، ومقاومة الأطماع التوسعية الصهيونية في ديار العرب والإسلام" [٢].

وتعود الحرب المعلنة ضد إيران في رأي الرئيس الراحل إلى طبيعة الثورة في إيران، فقد شنت عليها الحرب "عندما أعلنت أنها ثورة إسلامية، وأنها قطعت علاقاتها مع إسرائيل، وأنها حطمت كل الاتفاقات التي كانت تجعل من إيران قاعدة أمريكية كبرى متقدمة في هذه المنطقة، وعندما رفعت إيران الثورة الإسلامية شعار الأخوة مع العرب، وعندما رفعت شعار الكفاح ضد الصهيونية وقاعدتها إسرائيل، وعندما رفعت شعار الكفاح ضد الإمبريالية الأمريكية" [٣].

هذه العبارات كافية دون شرح لأن تبين الصورة الواضحة للثورة الإسلامية في خطاب الرئيس الراحل الأسد، ويمكن فهم أهمية هذا الخطاب لو قارنّاه بما كان يصدر من الأوساط الأخرى من خطاب طائفي عنصري ظالم تجاه هذه الثورة.

إن العبارات المقتطفة تبين استيعاب الرئيس الراحل للتحول الذي حدث في إيران وجذور هذا التحوّل وأثره على مستقبل المنطقة.

٢ - توضيح موقف العرب منها

في حين أرادت الدوائر المعادية للثورة أن تصوّر حالة من الاجماع العربي على معاداة الثورة انبرى الرئيس الراحل ليقول: "اعتبرت الجماهير انتصار

ـ

١ - في زيارته الرسمية لإيران ٣ / ٩ / ٩٠.

٢ - نفس المصدر.

٣ - حديث بمناسبة ثورة ٨ آذار ٨ / ٣ / ٨٢.

- - - - - (٩٨) - - - - -

الثورة الشعبية في إيران انتصاراً لها، في ضوء هذا الفهم… في ضوء ماحققته الثورة الشعبية الإسلامية في إيران، في ضوء مارفعته من شعارات، في ضوء مانادت به، في ضوء مواقفها المعلنة والحرب المستمرة التي شنتها دون هوادة على الإمبريالية بكل قواعدها ومفرزاتها وعملائها، في ضوء هذا كله اعتبرنا نحن واعتبرت الجماهير العربية في كل مكان انتصار الثورة انتصاراً لها، وفي ضوء هذا أقام الكثير من العرب، حكومات، وأحزاباً، منظمات، شخصيات وطنية وقومية، أقاموا علاقات تعاون مع الثورة، بعضهم كانت له علاقة مع هذه الثورة قبل أن تقوم، وبعضهم أقام علاقاته مع هذه الثورة بعد أن تفجرت ونجحت" [١].

"إن ثمانية عشر حزباً عراقياً معارضاً، دانت الحرب ضد إيران، والأحزاب العربية التي ترفع شعار الوحدة هي أيضاً عارضت الحرب، إن عدونا هو إسرائيل، هذا أمر متفق عليه، وكل من يقاوم إسرائيل ويتصدى لها يلتقي معنا، يقف معنا ونقف معه" [٢].

وهذه حقيقة تلمستها بنفسي حين كنت أطوف في بعض البلدان العربية أو ألتقي بموسم الحج بالأخوة العرب، فقد وجدت التأييد الشعبي العربي الكبير للثورة الإسلامية الإيرانية والتفهم الواضح لطبيعة مايُشن عليها من حرب.

وأذكر أني في اجتماع عربي ذكرت أن الرئيس الراحل ينطلق في وقوفه إلى جانب الثورة الإسلامية من إرادة الشعب السوري، فنهض أحد الشخصيات العربية المعروفة وقال: بل ينطلق من إرادة الشعب العربي بأجمعه.

وكان - رحمه اللّه - يحذّر من إضفاء حالة قوميّة على الحرب المعلنة ضد إيران ويقول: "لا نريد أن تقوم حرب عربية - فارسية، وأن تقوم حالة عداء تلازمنا وتلازم أجيالنا المستقبلية، لا أظن أن عاقلاً عربياً يفكر بموضوعية إلاّ يرى الأمر من هذه الزاوية… ولا يجوز لنا كعرب أن نقع في مثل هذا الشَرَك، وبكل تأكيد القوة المعادية للأمة العربية هي المستفيدة من هذه الحرب" [٣].

ـ

١ - بيان عسركي لشبيبة الثورة ٨ / ١١ / ٨٠.

٢ - حديث صحفي لمجلة تايم الأمريكية ٤ / ١٠ / ٨٦.

٣ - نفس المصدر.

- - - - - (٩٩) - - - - -

٣ - آثار هذا الانتصار على الأمة العربية

بوضوح رؤية تامّة كان يفهم الرئيس الراحل آثار الثورة الإسلامية الإيجابية على مصالح العرب، فقد أطاحت بأكبر تهديد على العرب يقول: "في إيران كان يقوم حكم دكتاتوري إمبراطوري معاد للأمة العربية، متعاون مع إسرائيل، يشكل قاعدة عسكرية وسياسية عملاقة في هذه المنطقة الاستراتيجية تعمل بجد ونشاط لتنفيذ مخططات الإمبريالية العالمية، حكم دكتاتوري إمبراطوري له أطماع توسعية مما جعله يشكل خطراً دائماً مستمراً ومتزايداً على الأمة العربية وعلى الوطن العربي، هكذا كان الوضع في إيران. وجاءت ثورة شعبية لتقلب الأمور رأساً على عقب، فتطيح بالشاه، وتلغي الارتباطات الأجنبية الإمبريالية، وتلغي القواعد العسكرية الأجنبية، وتطرد من أراضيها الهيمنة والنفوذ الإمبرياليين… وتقطع كل علاقات إيران السابقة مع إسرائيل، وتنتقل لتأخذ مكانها في مجموعة بلدان عدم الانحياز، وتعلن تبنيها الكامل لقضية القدس وفلسطين والأراضي العربية المحتلة، وترفع شعار التحرير الكامل للقدس وفلسطين والأرض العربية المحتلة.

وتبعث هذه الثورة انعكاسات إيجابية على مجمل حركة النضال إقليمياً وعالمياً.

وتدخل هذه الثورة تعديلاً على موضوع التوازن إقليمياً وعالمياً.

وتقف مع العرب دون تردد في العمل من أجل تحرير ما احتل من أرضنا وفي استعادة حقوق شعب فلسطين" [١].

ويشير الرئيس الراحل إلى أحد المواقف العملية لإيران الثورة تجاه قضية عربية ويقول: "إن إيران الخميني ضد إسرائيل، ولما غزت إسرائيل لبنان عام ١٩٨٢ كانت إيران البلد الوحيد الذي أرسل قوات إلى لبنان" [٢].

ـ

١ - نفس المصدر.

٢ - حديث صحفي لبعثة إعلامية أمريكية ١٤ / ١٠ / ٨٦.

- - - - - (١٠٠) - - - - -

٤ - الدعوة إلى جبهة عربية إيرانية

ركز الرئيس الراحل على الإطار الحضاري الذي يجمع بين إيران وسوريا، بل إيران والعرب، ودعا إلى جبهة عربية - إيرانية. يقول: "إنه لمدعاة الفخر والاعتزاز أن تكون أوثق رابطة تربط بين بلدينا هي رابطة الرسالة السماوية، رسالة الإسلام العظيم الذي لنا في قرآنه الكريم وتعاليمه ومبادئه خير موجّه للسير على الصراط المستقيم، على طريق الحق والعدل والجهاد في سبيل اللّه.

ومنذ بدء الثورة الإسلامية في إيران رأينا في المبادئ التي التزمتها والشعارات التي رفعتها انطلاقاً من رسالة الإسلام أساساً متيناً لتعزيز العلاقات بين بلدينا بخاصة، وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدول العربية بعامة، ومارسنا سياستنا على هذا الأساس، وعملنا بصدق لتحقيق هذه الغاية" [١].

ويقول: "كانت سورية تنطلق دائماً من الحرص على تقوية التعاون وتمتين علاقات الأخوة والمودة بين العرب والإيرانيين، لأن مايربط بينهم من قيم وتاريخ يمكّنهم من تمتين هذه العلاقات والصلة، ولذلك كنا نخاطب جميع من يعنيهم الأمر ونقول لهم: إن الحرب يجب أن تتوقف، وأن ترافق التوقف جبهة موحدة بين العرب وإيران. لأن مصلحة العرب ومصلحة إيران ومصلحة القيم التي يحملها العرب وتحملها إيران تقتضي تعميق الروابط فيما بينهما بحيث تكون العلاقات العربية - الإيرانية نموذجاً للعلاقات التي يجب أن تقوم بين الدول الإسلامية الأخرى" [٢]. "ونرجو… أن نعمل من أجل بناء جبهة عربية إيرانية، وإسلامية في نهاية الأمر، ليس لنعتدي على الآخرين، ولا لنعتدي على أحد، وإنما لندافع عن مصالحنا وآمالنا وأمانينا، نحافظ على دورنا، ونعزز دورنا الذي يجب أن يكون لنا على هذا الكوكب الذي نعيش عليه" [٣].

ـ

١ - حديث في زيارة رسمية لإيران ٢٣ / ٩ / ٩٠.

٢ - نفس المصدر.

٣ - حديث الرئيس الراحل في مطار طهران ٢٦ / ٩ / ٩٠.

- - - - - (١٠١) - - - - -

٥ - مقاومة الضغوط

لم يكن موقف الرئيس الراحل تجاه إيران الثورة دون ثمن، ولابدّ أنه تعرض لجبال من الضغوط. أحد الوجوه الدينية السورية المعروفة ذكر لي أن الرئيس الأسد كان يكرر قوله: إنني أواجه من الضغوط ما لو واجه صخرة كبيرة لهشمها.

التقيت مرّة بزعيم عربي في بيته فقال لي: حين تخرج سيطلب السفير الأمريكي لقاء ليحذّرني من أي تقارب مع إيران وليبين لي النشاط الارهابي الذي تنوي إيران ممارسته في المنطقة العربية، وإذا كان اللقاء مع إيراني عاديّ مثلي له هذه التبعات فما بالك بالموقف الهائل الذي اتخذه الرئيس الأسد من إيران الثورة.

لا أريد أن أدخل في التفاصيل فما واجهه الرئيس الأسد على الصعيد الداخلي والإقليمي والعالمي من ضغوط لا يخفى على أحد، لكنه قاومها وخرج منتصراً، ثم ذاق حلاوة صبره وصموده حين اكتحلت عيناه في آخر حياته بالنصر المبين في جنوب لبنان.

أقف فقط قليلاً عند مقاومته لموجة التشكيك التي واجهته باسم العروبة جرّاء موقفه من إيران الثورة. يقول لمن يعتب عليه بسبب عدم اتخاذه موقف مناهض لإيران أيام الحرب: "بينما نحن نبحث في الغرب والشرق من أجل أن نكسب عضو كونغرس أو كاتباً في أوربا أو صحفياً في أمريكا يريدوننا أن نحارب شعباً من خمسة وأربعين مليون إنسان رفع من جديد لواء الإسلام" [١].

ويرفض بشدة ذريعة "الحدود" في شنّ حرب على إيران الثورة ويقول: "ولنفرض أيضاً أن خلاف الحدود القائم بيننا وبين إيران خلاف له أهميته، ولكن هل هذا الخلاف ضاغط إلى هذا الحد الذي يفرض علينا أن نشنّ الحرب

ـ

١ - حديث صحفي لبعثة أمريكية ١٤ / ١٠ / ٨٦.

- - - - - (١٠٢) - - - - -

وفي هذا الوقت بالذات على إيران؟ هل هذا الخلاف ضاغط إلى هذه الدرجة لنفجر حرباً تطغى على أمورنا الأخرى الهامّة بل على أهم قضايانا القومية؟

ثم كيف نرى قضايا الحدود؟ هل يجوز أن نعالج صراع الحدود على حساب صراع الوجود؟ … ثم أين هي الدولة العربية التي ليس لها مشاكل حدود؟ لو نظرنا إلى الوطن العربي من مغربه إلى مشرقه قلّما نجد دولة عربية ليست لها مشاكل حدودية. فلو كان على كل دولة عربية لها مشاكل حدودية أن تعلن الحرب لطغى الصغير على الكبير ولانتهت قضية فلسطين - وهي قضية العرب الأم - أسوأ نهاية عرفتها أية قضية في العالم، ولأصبحت إسرائيل سيدة هذه المنطقة بدون منازع. ألا يدركون هذا؟ " [١].

ثم دخل الضاغطون على الرئيس الراحل من مدخل آخر لثنيه عن موقفه تجاه إيران، وهو إلصاق تهمة تعاون إيران مع إسرائيل. وهي التهمة التي سخر منها الإمام الخميني (رض) حين قال: "إن الوجه الآخر من هذه التهمة يعني أن إسرائيل يريدون إلصاقها بـإيران الإسلام لتنجيسها، وهيهات أن تصبيها لوثة إسرائيل".

بالمناسبة لقد كانت على إسرائيل ديون كبيرة لإيران من أيام الشاه، وأبدى الصهاينة استعدادهم لتسديد ديونهم بعد دراسة مقدارها ضمن لجنة مشتركة، ورفضت الجمهورية الاسلامية أن يجلس إيراني معهم وأعرضت عن تلك الديون.

وفي هذا الشأن يقول الرئيس الراحل: "لابدّ أن يحكّم المرء عقله في هذه الأمور لا أن ينساق وراء كلام أو حملات تحمل أهدافها الخاصة وتفتقر إلى الموضوعية والتجرد، فثورة ترفع راية الإسلام وتضع في صميم مبادئها تحرير القدس من احتلال إسرائيل، وتقطع منذ اللحظات الأولى العلاقات التي

ـ

١ - بيان لشبيبة الثورة ٨ / ١١ / ٨٠.

- - - - - (١٠٣) - - - - -

أقامها الشاه مع إسرائيل، وتتخذ موقفاً من قضية فلسطين هو نفس الموقف العربي الصلب، وتستظل منذ أن قامت وحتى الآن بعناد وقوة بمظلة الإسلام ومبادئه، ثورة بهذا الشكل وبهذا المضمون لايمكن أن تتعامل مع إسرائيل… وأريد أن أقول في هذا المجال إن الحملة غايتها بهذا لكلام التشويش على الثورة الإسلامية في إيران ولا شيء آخر" [١].

ولابدّ أن أشير إلى موقف من مواقف الرئيس الراحل، قرأت عنه أخيراً، فهو يعبّر من جهة عن شدّة الضغوط، كما يعبّر من جهة أخرى عن الموقف الشهم الشجاع:

"في إحدى اللقاءات السياسية قال جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا للرئيس الخالد: إن أبواب العالم الموصدة أمامكم بـإمكانكم فتحها لو تخليتم عن دعم حَـمَـلَة العمائم والذقون الذين يمثلون الإرهاب بكل صوره…. فأجاب الرئيس الخالد: إذا كنتم تعتبرون أن العمامة واللحية التي تقاتل من أجل أرضها وحقوقها هي الإرهاب، فلا تستغربن إن رأيتني في زيارتك القادمة قد تعممت وطالت لحيتي" [٢].

تقييم الموقف

باختصار المشروع الإسلامي الذي انطلق من الجزيرة العربية يحمل كلّ مقومات دفع المسيرة البشرية نحو تحقيق أهدافها الإنسانية في العدل والسلام والإخاء، لكن الاختلافات القبلية والعنصرية التي اهتم رسول الإسلام أن يستأصل جذورها برزت بعده، فأفرزت ظهور الملك العضوض، وكان ذلك انتكاسة للمسيرة الحضارية، لكنّ المسيرة تواصلت بسبب مافيها من زخم إنساني فطري هائل. وهذه الاختلافات عصفت بالحكم الأموي وبالحكم

ـ

١ - حديث صحفي للصحافة الكويتية ١٣ / ١٢ / ٨١.

٢ - مقال: هل تطلع الشمس من الجنوب، د. صابر فلحوط، صحيفة البعث ١١٥٠٤.

- - - - - (١٠٤) - - - - -

العباسي، وهيأت العالم الإسلامي لغزو خارجي، فاجتاحنا المغول، لكنهم لم يكونوا يملكون مشروعاً بديلاً، فذابوا في المسلمين، ثم ساهموا هم أيضاً في المسيرة الحضارية التي تواصلت رغم تعثرها ومرورها بحالة ركود واجترار وقلّة إبداع.

وفي عصر الركود قامت دول كان بـإمكانها لو تعاونت أن تعيد المسيرة إلى سالف مجدها، لكن الموروث الطائفي والعنصري عصف بها ليحوّل تاريخها إلى نزاعات وحروب. وفي حالة الضعف هذه نهض المارد الغربي يحمل مشروعاً بديلاً للمشروع الإسلامي، ويمتلك قوة عسكرية وتقنية تخلّف عنها المسلمون.

استطاع الغرب أن يقتحم المسلمين من خلال ثغراتهم وأهمّها ثغرات الخلافات الطائفية والعنصرية. فسيطر سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وأهم من ذلك سيطر "نفسياً".

لكن الطاقة المخزونة في الأمة لم تدعها تستسلم، فأعربت عن وجودها من خلال نهضات التحرر، وحققت انتصارات هنا وهناك، وكان الانتصار الكبير في إيران، لأنها أريد لها أن تكون قاعدة الهزيمة، وإذا بها تتحول إلى قاعدة للنهوض والانتصار، ولتحدي قوى الهيمنة العالمية.

إنه تحوّل يمتلك من الرصيد الفكري والشعبي ما يجعله قادراً على إعطاء زخم كبير لمسيرة حضارة الأمة، ويعيدها إلى اتجاهها الصحيح.

هذا مافهمته تماماً قوى الهيمنة العالمية، فتصدت لظاهرة الثورة بشتى السبل، وأهمها شنّ حرب عليها باسم الطائفية والعنصرية، مستخدمة الموروث من سلبيات الماضي.

كانت كلّ الظروف العالمية والإقليمية مهيئة لحرب تستنزف فيها طاقات

- - - - - (١٠٥) - - - - -

العرب والإيرانيين ويتهيّـأ الجوّ تماماً لسيادة إسرائيلية في المنطقة يحقق لها حلم إقامة دولتها من النيل إلى الفرات.

هذا الفهم لتاريخ المنطقة وتفاصيل تطوراتها ولمخططات الاستكبار والصهيونية كان حاضراً بوضوح في فكر الرئيس الراحل الأسد.

وإلى هذا أشار الدكتور حبيبي المساعد الأول للرئيس الإيراني في حفل التأبين السنوي إذ قال: "إنني شخصياً على ضوء لقاءاتي العديدة والطويلة مع الرئيس الراحل خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته لاأزال أشيد دوماً بما شهدته منه من معلومات واسعة وإلمام ملحوظ سواء فيما يتعلق بتاريخ المنطقة وتفاصيل تطوراتها أو بمخططات الاستكبار والصهيونية…" [١].

وانطلاقاً من هذا الفهم ساهم بقوة في إحباط أكبر مؤامرة واجهت مسيرة الحضارة الإسلامية في العصر الراهن وكان من نتائج هذا الموقف تصاعد قوة المنطقة في مواجهة التحديات، ظهرت هذه القوة في جنوب لبنان وفي الأرض المحتلة، كما ظهرت في إعلان مشروع حوار الحضارات، وهو يعني أن الأمة المسلمة قادرة على الدخول في الساحة العالمية لتحوّل الصراع المعلن إلى حوار، ولتقدم مشروعها على مستوى العصر وبلغة العصر ليكون البديل للمشاريع التي أعلنت إفلاسها في العصر الحديث.

وكان بـإمكان هذه القوة أن تكون أكبر وأعظم لولا الحرب الأولى والثانية في المنطقة… ونسأل اللّه أن يقينا الاستدراج إلى الثالثة… فالخطط تحبك ليل نهار، وليس أمام العرب ولا أمام الإيرانيين إلا تحقيق أمنية الرئيس الراحل، وهي نفسها أمنية الإمام الخميني في إقامة تضامن عربي - إيراني، بل إسلامي يصون وجودنا من الاختراقات والاستفزازات، ويجعلنا قادرين على أن نتعامل بندية مع التكتلات العالمية القائمة.

ـ

١ - من كلمة الدكتور حسن حبيبي في حفل الذكرى السنوية بالقرداحة ١٠ / ٦ / ٢٠٠١.



[ Web design by Abadis ]