ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 إحياء الاسلام أولا

من المهم جداً لدعاة "التقريب" أن يدرسوا العلل والاسباب العميقة لحالة التفرقة الاجتماعية، وبدون هذه الدراسة لايمكن وضع خطة صحيحة ومنهج عملي فاعل لوحدة الامة.

والملاحظ أن دعاة وحدة الامة الاسلامية يختلفون كثيرا في مشاريعهم الوحدوية، بعضهم يركّز على المشروع القومي أو الاقليمي باعتباره مقدمة للمشروع الاسلامي، وآخرون يرفعون شعار وحدة العالم الاسلامي، وهؤلاء منهم من يرى أن الوحدة يجب أن تعالج في الاطار السياسي دون غيره، بينما آخرون يتناولون مسألة التقريب العقائدي والتشريعي بين المذاهب. وهذا الاختلاف في الرؤى يدلّ على عدم وحدة المنهج، وعدم وجود منهجية واحدة يدل بدوره على عدم فهم الاسباب الحقيقية لحالة التمزّق القائمة.

الوضع القائم

لو ألقينا نظرة على عالمنا الاسلامي عامة، وعلى كل واحد من أقطاره لرأينا في كل فصائله حالة الانشقاق والنزاع، فلا يخلو اتجاه سياسي أو ديني أو اجتماعي أو أدبي أو فكري من ظاهرة الانشقاق والتنازع والتناحر الى حدّ الاسقاط.

ظهر الاسلام في الجزيرة العربية فوحّدها، ولكن نشاهد في العالم الاسلامي كل يوم انشقاقا وانشعابا باسم الاسلام، وظهرت فكرة القومية في أوروبا فوحّدتها لكننا نرى عشرات بل مئات الاحزاب القومية المتناحرة ظهرت في العالم الإسلامي فزدات الطين بلة والطنبور نقرة، وفكرة التطوير والتحديث طوّرت أمما في العالم ودفعتها على ارتقاء سلم المدنية والحضارة، غير أن أفكار الحداثة في عالمنا الاسلامي لا تتعدى أن تكون معولا لمزيد من التمزيق والتشتيت.

والاغرب من كل هذا أن العدوّ يسبّبُ عادة وحدة الصفّ، ولكنه في عالمنا الاسلامي يؤدي الى مزيد من التفرقة والاختلاف كما هو واضح اليوم في ساحة الموقف من العدوّ الصهيوني.

والاحزاب تعلن كل يوم عن انشقاق جديد، وهكذا الحركات، والقيادات، والمدارس الفكرية والتيارات الادبية، ولا يعني هذا ظهور اجتهادات جديدة داخل المدرسة الواحدة، بل يعني ظهور متصارعين جدد على الحلبة، كل يريد إسقاط الآخر وإنهاءه.

نحن إذن أمام "ظاهرة مرضية" لا يقتصر وجودها على الساحة الدينية، بل تشمل كل توجهاتنا الفكرية والعملية، ولابد من التعمّق فيها بجدّ، كي تبذل الجهود نحو معالجتها، وتصان الطاقات المخلصة المتجهة الى الوحدة من الهدر والضياع.

أسباب حالة التشرذم

لا أدعي في مقالي هذا أنني أقدم أسباب حالة التشرذم المرضية في عالمنا الاسلامي، بل أريـد أن أفتـح الباب أمـام كـل المخلصيـن ليفكروا بجدّ ولكي لا يكتفوا بالوعظ والارشاد ورفع شعارات الوحدة وإقامة الندوات والمؤتمرات

للحوار وتأسيس الجامعات ومراكز الدراسات في هذا المجال، لأن هذه وحدها لايمكن أن تعالج المشلكة، اللهم إلا إذا اعتقدنا أن سبب هذه الحالة المرضية يعود الى الجهل، عندئذ سيكون تنوير الاذهان بالخطب والدراسات علاجا لهذه الحالة. ولكن الواقع يشهد وجود هذه الحالة المرضية بين العلماء والمفكرين والمثقفين والقيادات أكثر مما يجدها بين القواعد وعامة الناس، مما يدلّ على أن الجهل وحده ليس هو العامل، بل ثمة عامل أعمق.

استقراء بعض النصوص الدينية

في القرآن الكريم نصوص تدلّ على أن التفرّق لايحدث دائما بسب غموض المفاهيم والجهل بها، بل قد تكون التفرقة مقرونة بالبيّنة: (ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات) [١]. (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءتهم البينة) [٢].

ثم يوضح القرآن سبب التفرقة بين من جاءهم العلم فيقول: (وما تفرّقوا إلا من بعدما جاءهم العلم بغيا بينهم) [٣].

فالبغي إذن هو السبب وليس الجهل، والبغي: هو الظلم والفساد، وأصله مجاوزة الحدّ [٤] ودافعه دون شك الذاتية الطاغية التي تتحول الى مثل أعلى يعبده الفرد من دون أي مثل أعلى آخر.

ويقول في آية أخرى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا) [٥] فعدم الاعتصام بحبل الله هو سبب التفرّق. وهذا الاعتصام يعني التزام الانسان

ـ

١ - آل عمران / ١٠٥.

٢ - البينة / ٤.

٣ - الشورى / ١٤.

٤ - لسان العرب، مادة بغا.

٥ - آل عمران / ١٠٣.

بالمثل الاعلى المطلق الحق وحده، دون سائر المثل العليا الزائفة المؤدية الى التفرقة كما سنبين فيما بعد.

نظرة في تاريخ المسلمين

ظهرت الدعوة الاسلامية في مجتمع تمزّقه النزاعات القبلية، وكان المثل الاعلى للعربي الجاهلي قبيلته يدافع عنها ويضحي في سبيلها ويرى فيها شخصيته وكرامته وعزّته. ثم جاء الاسلام ليدعو الناس الى المثل الاعلى الحقّ، فشعر الفرد المسلم أنه أصبح "كبيرا" و"عزيزا" بحركته على طريق هذا المثل الاعلى بعد انتمائه الى الاسلام. وهذه "الشخصية الاسلامية" سجلت أروع مواقف الاستعلاء أمام طواغيت الارض، وأعظم صور الاستهانة بالكفر المتفشي آنذاك في الامبراطوريتين العالميتين. ولا نريد أن ندخل في تفاصيل سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) والصحابة، بل نستخلص منها مايلي:

إن المجتمع المسلم في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) أسلم وجهه لله، وتحرّك نحوه… أي نحو كل الصفات التي يتصف بها سبحانه من علم، وحكمة، وعدل، ورحمة، ونقمة من الجبارين، وهداية للعالمين. وهذا الزخم الكبير الذي دخل جسم الامة على يد النبي (صلى الله عليه وآله) ظل يحرك الامة قرونا طوالا رغم كل العوائق التي صدّت الحركة بسبب تعملق الآلهة المزيفة على طريق الحركة، متمثلة بالاهواء والشهوات وتسلط الطغاة. ومتى ماظهر مفعول هذا الزخم النبوي في التاريخ نراه يقترن باستشعار الاستعلاء الاسلامي والعزّة، ومن ثمّ التعالي على الصغائر والاتجاه نحو الوحدة، وأينما ضعف هذا المفعول - للاسباب التي ذكرناها - نرى التشرذم والتمزّق.

سيرة كبار الدعاة

الدعاة الذين استطاعوا أن يحدثوا موجة كبيرة في التاريخ الاسلامي يتميزون جميعا بأمور: عظم الشخصية والاستهانة بالصغائر، والاحساس الكبير بعزّة النفس، والتفاني في سبيل هدف كبير.

وهذا يعني أنهم تحرّروا من نير ذاتياتهم الضيقة، وانطلقوا في رحاب مثل أعلى، فأبدعوا وأثمروا وتركوا آثارهم الكبيرة في المجتمع.

لايكفي رفع شعار الاهداف الكبرى، فهذا ظاهر القضية، ولابد أن يستقطب الشعار الكبير كل مشاعر الانسان وعواطفه لينتزعه انتزاعا حقيقيا من الانشداد بالذات الضيقة.

والملاحظة في هؤلاء الدعاة الكبار أن كل أعمالهم وحركاتهم ومشاعرهم تتجاوز الاطر المذهبية والاقليمية والعنصرية، وتنحو منحى تقريبيا لانزاع فيه مع بقية فصائل الامة ولا خصام، حتى يصعب أحيانا تمييز الجهة المذهبية أو القومية التي ينتمون إليها. ولقد اختلف الباحثون في انتساب الشريف الرضي مثلا من القدماء، واختلفوا في السيد جمال الدين من المتأخرين. وهذه هي طبيعة الكبار…

والمؤسف أن هذه الظاهرة… ظاهرة تجاوز الاطار الذاتي… والحركة نحو مثل أعلى كبير كانت على مرّ التاريخ الاسلامي فرديّة. ولم تكن حالة اجتماعية لأسباب كثيرة لامجال لذكرها… ولو تحولت الى ظاهرة اجتماعية عامّة لأحدثت حركة ضخمة نحو مستقبل واعد، ولذابت فيه كل الاختلافات الصغيرة في المجتمع.

ومادامت هذه الحركة الاجتماعية الكبرى لم تشقّ طريقها فان المجتمع سيشهد كل يوم مزيدا من التمزق والصراع والنزاع، هذا على المستوى الاجتماعي العام، وعلى المستوى الفئوي ستشهد الساحة - في غياب الحركة الاجتماعية الرائدة - مزيدا من الانشقاقات الحزبية والحركية والمذهبية.

نظرية مالك بن نبي

يرى المفكر الجزائري مالك بن نبي أن سيطرة الوثنية في المجتمعات الاسلامية هو السبب الاساس لحالتها المزرية. يقول: "ومن سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم، والعكس صحيح أيضا" [١].

والفكرة هنا ليس تراكم المعلومات، فقد تتراكم العلوم في عقل وثني، لكنّ روح الحركة نحو التكامل العلمي هي المقصودة، واذا وجدت هذه الروح وجدت الحركة نحو كل كمال إنساني.

ويذكر المرحوم بن نبي دور الوثنية في الحالة الاجتماعية الراهنة في بلده، ويرى أن الاصلاح يجب ان لا يقتصر على المظاهر. فقد تحطمت في الجزائر الزوايا والقباب والدروشة، ولكن روح الوثنية لاتزال راسخة، وهذه الوثنية هي التي تسيطر اليوم على الاجواء السياسية وتحولها الى منابر متعدّدة تعمل على تفريق صفوف الامة يقول:

"وهكذا وجدنا أنفسنا في أحضان الوثنية مرة أخرى، كأن الاصلاح قد حطم الزوايا والقباب من دون الوثن، فقد توارت الفكرة عن العقول وحلّت محلّها الوثنية التي تتكلم اليوم وحدها، اذ نعد لها في كل سوق منبر، كي يستمع الناس اليها تسلية لهم، وإغفالا لواجباتهم، وإبعادا لهم عن طريق التاريخ. لقد ورث المكروب السياسي مكروب الدروشة، فأصبح يفعل بالشعب ماكان سلفه يفعل، فبعد أن كان الشعب يقتني بالثمن الغالي البكرات والحروز، أصبح يقتني الاصوات والمقاعد الانتخابية، ويسعى اليها بتعصّب لا يفترق عن تعصّبه الاول، دون أي ذوق ناقد، ودون أي جهد لتغيير نفسه ومجتمعه" [٢].

ـ

١ - شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين، دار الفكر، بيروت، ط ٤، ص٣٠.

٢ - شروط النهضة / ٣٨ - ٣٩.

إذن الوثنية ينتج عنها التعصب، وليس المقصود بالوثنية هنا التوجه بالعبادة الى صنم حجري او خشبي، بل هو العكوف على طريقة في الحياة محدودة بإطار ضيق لايتجاوز متطلبات الذات الفردية الحزبية والفئوية.

نظرية الشهيد الصدر

نظرية السيد الشهيد في المجال الاجتماعي غير واضحة تمام الوضوح لعدم تقديمه النظرية الاجتماعية كتقديمه النظرية الاقتصادية والفلسفية. ولو قدر لـ "مجتمعنا" أن يصدر لأفادنا كثيرا في هذا المجال. غير أن ماطرحه في محاضرات التفسير الموضوعي يمكن أن يشكل الاطار العام لمفهومه عن حركة المجتمع وعن نظريته الاجتماعية.

يرى السيد الصدر أن تفسير كل الظواهر الاجتماعية يمكن أن يتيسّر عن طريق فهم "الاله" الذي يعبده المجتمع. والآلهة في المجتمعات البشرية ثلاثة:

١ - الاله (المثل الاعلى) المطلق الحق، وهو الله سبحانه وتعالى [١].

وحركة البشرية على طريق هذا الاله لها صفاتها ومميزاتها الخاصة، فهي أولا: حركة غير متناهية على طريق التطور والابداع والنمو، وثانيا: حركة ينحل فيها التناقض القائم في الذات الانسانية بشكل موضوعي، ويتولد عنها الشعور بالمسؤولية اللازمة لانجاح المسيرة الانسانية. والانبياء سعوا الى قيادة المجتمعات على هذا الطريق.

٢ - الاله (المثل الاعلى) المشتق من طموح مستقبلي [٢]، والحركة على طريق هذا الاله فيها تجديد وتطوير وابداع، وتحدث في كل المجتمعات التي تتوفر فيها ظروف اجتماعية للحركة من دون اهتداء بمدرسة الانبياء.

ـ

١ - مقدمات في التفسير الموضوعي، دار التوجيه الاسلامي، بيروت، ص ١٤٦.

٢ - نفس المصدر / ١٢٦.

ويضرب السيد الشهيد لذلك مثلا بالمجتمعات الاوروبية التي جعلت من الحرية مثلا أعلى. ومثل هذه المجتمعات تحقق من المكتسبات بقدر ما يحمله مثلها الاعلى من عطاء. ثم يستنفد هذا الاله أغراضه، لانه إله سرابي، سرعان ما يتبين زيفه بعد أن حسبه الظمآن ماء.

٣ - الاله التكراري أو المنخفض [١]، وهو الإله المنتزع من واقع الجماعة البشرية بحدودها وقيودها. والمجتمع على طريق هذا الإله ستكون حركته تكرارية وسوف يكون مستقبله تكرارا للواقع والماضي، لانه يخلو من كل تطلع مستقبلي.

وسبب سيادة مثل هذه الالهة على المجتمعات:

١ - الالفة والعادة والخمول والضياع، وهو سب نفسي.

٢ - التسلط الفرعوني الذي يجد في كل تجاوز للواقع تهديداً لوجوده.

وحين تبتلى الامة بمثل هذه الحالة فستتحول كما يقول السيد الشهيد الى: "قلوب متفرقة، وأهواء مشتتة، وأرواح مبعثرة، وعقول مجمّدة، وفي حالة من هذا القبيل لا تبقى أمة، وإنما يبقى شبح أمة" [٢].

أعتقد أننا لا نجانب الصواب كثيرا لو قلنا أن الامة الاسلامية أقرب الى هذه الحالة الثالثة، التي سيكون مآلها الى أحد الاجراءات التاريخية الثلاثة التالية [٣].

١ - أن تتداعى هذه الامة أمام غزو عسكري من الخارج لأن هذه الامة التي أفرغت من محتواها قد تخلّت عن وجودها كأمة، وبقيت كأفراد، كل إنسان يفكر في طعامه ولباسه وسكنه. وهذا ما حصل للأمة الاسلامية حين وقعت فريسة غزو التتار.

٢ - الذوبان والانصهار في مثل مستورد من الخارج.

ـ

١ - نفس المصدر / ٤٣.

٢ - نفس المصدر / ١٣٣.

٣ - نفس المصدر / ١٣٤.

٣ - أن ينشأ في أعماق هذه الامة بذور إعادة المثل الاعلى من جديد بمستوى العصر الذي تعيشه الامة.

حالة التمزق والضياع إذن ظاهرة طبيعية لازمة لمجتمعات الآلهة المنخفضة. ولا يكفي هذه المجتمعات أن تعلن ولاءها من المآذن لله الواحد الاحد الحق، بل لابد أن ينشأ في أعماقها اندفاع نحو مثلها الاعلى الحق بمستوى العصر الذي تعيشه.

النظرة الشمولية للاسلام

لا أجد عبارة أشمل في تعريف الاسلام من عبارة: "أنه الحركة نحو الله" فهو حركة دائبة أولا، ونحو الله ثانيا.

وقد تكون حركة ولكن نحو آلهة سرابية، كالمجتمعات المتحركة على طريق تحقيق مثل عليا محدودة كالحرية والعدالة.

وقد لا تكون هناك حركة بل جمود وحياة تكرارية، وعكوف على العادات والتقاليد الموروثة، وهذه الحالة كما ذكرنا أقرب الى حياة المجتمعات الاسلامية الراهنة البعيدة عن الحركة نحو المثل العليا المحدودة، فما بالك بالحركة نحو المثل الاعلى الحق.

من هنا يتحمل دعاة الاسلام ودعاة الوحدة ودعاة التقريب مسؤولية فهم الاسلام بمعناه الشامل، ووضع الخطط الكفيلة بوضع المجتمعات المسلمة على طرق إسلامها. يتحملون مسؤولية إعادة "الحياة" الى الاسلام من جديد، "إعادة الحياة الى هذا المثل الاعلى، وتقديمه بلغة العصر، وبمستوى العصر، وبمستوى حاجات المسلمين" [١].

من هنا يجب أن تنصب الجهود أولا على شدّ الناس بالله بالمفهوم الحركي

ـ

١ - نفس المصدر السابق / ١٣٥ - ١٣٦.

الواعي لهذا الشدّ، وعلى مستوى العصر وحاجة العصر. وهذا هو السبيل الافضل لوحدة الامة تقريب فصائلها.

الثورة الاسلامية في ايران حققت دفعة عظيمة على طريق التقريب، رغم أنها لم تطرح فقها مقارنا ولا عقيدة مقارنة بين أهل السنة والشيعة، بل طرحت منهجا حركيا ضخما للعودة الى الله.

حتى المستاؤون من حركة التقريب يذكرون هذه الظاهرة المذهلة التي صحبت الثورة الاسلامية، يقول أحدهم:

"بعد قيام الثورة الايرانية (كذا) بقيادة الخميني، استبشر بقيامها كثير من شباب أهل السنة في مختلف بقاع الارض، وعلقوا عليها آمالاً، وفرضت فكرة التقريب نفسها" [١].

"ولهجت الصحف الاسلامية كالرائد والدعوة والمعرفة والرسالة والامان والبلاغ والاعتصام (وهي مجلات إسلامية سنية) بالثناء والتأييد للخميني ودولته، وعلى الشيعة عموما، وصدرت كتب بأقلام بعض المنتسبين للسنة تتحدث عن ثورة الخميني الاسلامية" [٢].

وحين هبت تيارات الغزو الفكري اليساري واليميني على العالم الاسلامي في الخمسينات والستينات انبرى علماء مسلمون من أهل السنة والشيعة لعملية الاحياء الاسلامي فكانت كتبهم جميعاً تتجاوز الاطار الطائفي، وتشق طريقها بين أبناء مختلف المذاهب الاسلامية، وأوجدت كتب أمثال سيد قطب ومحمد قطب ومحمد الغزالي ومحمد باقر الصدر ومحمد جواد مغنية وأبو الاعلى المودودي حالة تقريبية بين أهل السنة والشيعة وخاصة بين الشباب

ـ

١ - د. ناصر بن عبد الله بن علي القفاري، مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط ٣، الرياض ١٤١٤هـ، ٢ / ٢٢٩.

٢ - نفس المصدر / ٢٢٩ - ٢٣٠.

المتطلع الى الحركة والتغيير، شهدها كل من عاصر تلك السنوات.

وأنا بنفسي رأيت الأثر التقريبي العظيم الذي تركته كتب الشهيد الصدر بين أهل السنة، وكتب سيد قطب والمودودي بين الشيعة، رغم أنها لا تتحدث عن مسائل مذهبية، ولا تعالج قضية سنة أو شيعة، بل تطرح الاسلام بمفهومه الواسع، تطرحه حركة حيّة نحو تحقيق الحياة الافضل… تقدمه بأنه مسيرة نحو المثل الاعلى المطلق… نحو العلم والعدل والجمال والعزة والكرامة والقوة…. وسائر صفات الكمال والجلال التي يتصف بها الله سبحانه وتعالى.

تلخيص واستنتاج

١ - دعاة الوحدة والتقريب يجب عليهم أن يتجهوا بالدرجة الاولى الى إحياء الاسلام في المجتمعات الاسلامية بالمعنى الذي ذكرناه، أي شدّ الناس بالمثل الاعلى الحقّ، ودفع المسيرة البشرية نحو تحقيق ما يفرزه هذا المثل الاعلى من أهداف.

٢ - بدون عملية الإحياء هذه ستبقى الاهداف والطموحات في المجتمع على مستوى الذاتيات الضيقة والآمال الفردية التافهة، وهذه الحالة تؤدي الى مزيد من التجزئة الاجتماعية على الصعيد الديني والثقافي والسياسي.

٣ - تقديم الاسلام بهذه النظرة الشمولية سواء على المستوى الحركي أو المستوى الفكري أفضل سبيل لتجاوز مرض التجزئة في المجتمعات الاسلامية.

وصدق الله سبحانه وتعالى حيث قرن وحدة الامة باخلاص العبودية إليه إذ قال: (إن هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) [١].

ـ

١ - الانبياء / ٩٢.



[ Web design by Abadis ]