ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 السيد الشهيد محمد باقر الحكيم و التقريب مشروع فكري و مسيرة عملية

مقدمة

دراسة الفكر التقريبي للسيد الشهيد محمد باقر الحكيم تتطلب:

ـ معرفة هذا الفكر ضمن سياق تاريخ الفكر التقريبي.

ـ ومعرفة الظروف الخاصّة التي أحاطت بالسيد الحكيم في العراق وإيران.

ـ ثم بيان المرتكزات التي بنى عليها السيد أفكاره وآراءه في هذا المجال.

ولا يمكن الاحاطة بهذه الأمور في مقال ولذلك نكتفي بإشارات عابرة اليها لندخل في دراسة مباشرة لفكر السيد في حقل التقريب.

نظرة في تاريخ التقريب

المقصودبالتقريب هنا الجهود المبذولة على اختلاف أنواعها لتقريب وجهات النظر بين أهل السنة والشيعة.

اتخذ مفهوم التشيع ومفهوم التسنن تعاريف مختلفة على مرّ التاريخ، دخلت فيه عناصر تاريخية وسياسية وفقهية وعقائدية ونفسية، ولا يمكن اختزال الامر في مسألة الخلاف بين الامامة والخلافة، ولا في الخلافات الفقهية، بل تدخلت عوامل عديدة لتجعل المسلمين ينقسمون الى سنة وشيعة كان بينهما خصام أدّى الى نزاعات وفتن، وتخلّل ذلك محاولات لإحلال الوآم بين الفريقين. ارتبط تاريخ التسنن غالباً - لا دائماً - بالسلطة الحاكمة في عصور الخلافة الاسلامية، كما ارتبط تاريخ التشيّع غالباً لا دائماً أيضا بالثورات التي طالبت باعادة الحقّ الى نصابه في المجال السياسي والاقتصادي.

وأبرز ظاهرة بعد سقوط الخلافة العباسية سنة ٦٥٦هـ على يد المغول في العلاقة بين السنة والشيعة ظهور الدولة العثمانية التي تولّت مسؤولية الخلافة والدفاع عن أهل السنـة، وما رافقها من ظهور الدولة الصفوية التي تبنـّت الدفاع عن الشيعة. والعلاقة بين الدولتين كان يسوده الخصام السياسي غالباً الذي ترك أثره في تأجيج نيران الخصومات بين أهل السنـّة والشيعة. .

وكان من المفروض أن يخفّ الخلاف الطائفي هذا بعد سقوط الدولتين العثمانية والصفوية. لكن العالم الاسلامي دخل بعد ذلك عصر الاستعمار… وهو عصر تكرّست فيه الطائفية بشكل واضح لسببين: الاول – أن المصلحة الاستعمارية اقتضت التفريق لاستتباب الهيمنة. الثاني – أن الهزيمة النفسية تخلق عادة حالة من الذلّ والتشبث بالصغائر والابتعاد عن الأهداف الكبيرة.

وبلغ النزاع الطائفي في هذه المرحلة ذروته بعد ظهور الوهّابية، لكن الساحة لم تخل من محاولات للتخفيف من هذا النزاع وإزالة التوتر بين الفريقين، من تلك محاولات محمد علي باشا وابنه ابراهيم باشا في مصر ومحاولات السيد جمال الدين الافغاني وتلاميذه في مصر وفي أرجاء العالم الاسلامي، ومحاولات الأزهر وقم والنجف.

ولعل أوسع مشروع تقريبي ظهر في القرن الماضي كان مشروع "دار التقريب بين المذاهب الاسلامية" في القاهرة.

هذا المشروع – وإن كان قد حقّق انجازات باهرة – لم يقض على حالة النزاع الطائفي السنّي الشيعي، وقد عانى رجال الدار الأمرّين من الحساسيات الموجودة لدى الجانبين لأن العامل الطائفي يتغذّى من العقد التي خلقتها حالة الهزيمة النفسية والتخلف في العالم الاسلامي، وهي قائمة حتى يومنا هذا.

الاجواء التي أحاطت بالسيد الحكيم

لما للظروف الاجتماعية من تأثير على تبلور فكر الافراد نقف باختصار عند مايرتبط بالتقريب في البيئة التي عاش فيها السيد الحكيم بالعراق وإيران.

لعل الاستعمار لم يحاول تكريس الحالة الطائفية في بلد من البلدان كما حاوله في العراق. لقد غذّى روح التعصّب لدى الفريقين، وخطط لمواصلة بقاء هذا التعصّب حتى بعد نزوحه.

غير أنّ الصحوة الاسلامية في هذا البلد وضعت أمام المنتمين إليها آفاقاً واسعة من الأهداف الرسالية جعلتهم تلقائياً يميلون الى التفكير بالأمة الاسلاميّة وقضايا تخلّفها وسبل استئناف مسيرتها الحضارية وعودتها الى ساحة التاريخ، وبذلك تضاءلت تلقائياً أيضاً الحساسيات الطائفية في نفوسهم.

واجهت الصحوة هذه عقبات كثيرة طبعاً من القابعين في إطارهم الضيق من السنة والشيعة… ولكنّ رجل هذه الصحوة الكبير وأعني السيد الشهيد محمد باقر الصدر كان حكيماً كلّ الحكمة في مواقفه، لم يتصدّ لمعالجة الطائفية مباشرة، بل تصدى لها عن طريق طرح المشروع الاسلامي الكبير للعودة الى الحياة الاسلامية بلغة العصر وعلى مستوى احتياجات العصر، مما جعل الحالة الطائفية مهمّشة بل مرفوضة في وعي المنتمين الى الصحوة الاسلامية.

والسيد محمد باقر الحكيم من وجوه الصحوة ومن الذين عايشوا مدرسة الشهيد الصدر فكرياً وعملياً، ومن الطبيعي أن يرتفع الى مستوى هموم الأمة وآمالها وآلامها رغم ماتعرّض له من لوم اللائمين القابعين في دائرة مصالحهم الشخصية الضيقة.

ثم انتقل السيد الحكيم الى ايران ليعيش في ظل دولة اسلامية فتية لها أهداف واسعة على ساحتها الداخلية والخارجية. ورغم أنه ظلّ في ايران يعيش الهمّ العراقي بالدرجة الأولى، لكنه كان يعيش في خضم أحداث الجمهورية الاسلامية ومؤسساتها، لذلك بقي محافظاً على همومه الكبيرة، ولم تدفعه المعاناة الايرانية العراقية خلال أكثر من عقدين الى الانطواء على نفسه، بل واصل جهوده العلمية والعملية بكل جدّ ومثابرة. وظهر اهتمامه التقريبي في إيران بوضوح من خلال نشاطاته وكتاباته كما سيأتي.

أسس الفكر التقريبي عند السيد الشهيد الحكيم.

الف – المعالجة العلمية للخلاف المذهبي.

ب – المعالجة الاخلاقية للخلاف.

ج – المعالجة النفسية لمسألة الخلاف.

د – عقد الأمل على مستقبل التقريب.

هـ – ارتباط التشيع بالتقريب.

و – تنفيذ المشاريع العملية في التقريب.

ز – التفريق بين الدائرة الشعبية والدائرة السياسية في قضية الخلاف المذهبي.

الف – المعالجة العلمية

الحالة الطائفية ذات جذور نفسية – كما سيأتي - ترتبط بحالة التخلف وما يرافقها من حالة عشائرية في عالمنا الاسلامي. وقد تتخذ الطائفية طابع مجادلات علمية، لكنها لا تنتمي في الواقع الاّ الى روح عشائرية، والدليل على ذلك أنها تتجه الى تكريس الخلاف لا إلى تقصّي حقائقه العلمية، ولا أدلّ على ذلك أن الطائفيين لا يحملون أبداً هماً رسالياً إسلامياً، بل يعيشون فقط في دائرة همومهم المذهبية.

والمعالجة العلمية للطائفية هي نقل الخلاف الى دائرة علمية موضوعية لمعالجة حقائقه وفق منطق مقبول لدى علماء الفريقين، يؤدّي في النتيجة الى اتفاق بين الجانبين أو الى اختلاف اجتهادي طبيعي بعيد عن التعصّب والنزاع.

وهذه العملية العلميّة - في رأي السيد الحكيم – تنتهج السبل التالية:

١ـ "الاهتمام بالبحث عن الحقائق لكل مذهب من المذاهب الاسلامية. فكل مذهب له متبنيات خاصة، سواء في الجانب العقائدي أو الفقهي أو في حقل تفسير التاريخ وفهم التاريخ" (مقابلة / ٣٨)

وهذه الدعوة تعود الى أن "حقائق كل مذهب قد اختلطت – مع الاسف – باتهامات ونسب باطلة" (مقابلة / ٣٨).

من هنا فان "التقريب بين المذاهب يفرض أولاً الأخذ بمتبنيات كل مذهب من لسان أصحابه. وهذا أساس هام من أسس التقريب لفرز الصحيح عن المفتعل والمفترى عليه في كل مذهب". (مقابلة / ٣٨).

٢ـ في كل مذهب آراء فقهية وعقائدية شاذة، لايجوز أن يحمل المذهب أوزارها، بل المنهج العلمي يقتضي "التمييز بين الرأي السائد والرأي الشاذ داخل كل مذهب. فآراء رجال المذاهب بعضها يمثل الرأي السائد، وبعضها شاذ يختلف عن متبنيات المذهب السائدة. والباحث الذي يسند رأياً الى مذهب معين لابدّ أن يأخذ بنظر الاعتبار الرأي السائد ولا يتشبث بالآراء الشاذة. نعم، يمكن ان ينقل هذه الآراء الشاذة وينسبها الى أفرادها، لا إلى المذهب بشكل عام". (مقابلة / ٣٨).

٣ - المرجعية العلمية التي تحكم مسائل الخلاف بين السنة والشيعة تشكل السند القويم لحلٍ هذا الخلاف. والسيد الحكيم يعتقد أن المسلمين متفقون نظرياً على هذه المرجعية لكنهم لا يلتزمون بها عملياً في التحكيم بمسائل الخلاف. وهذه المرجعية تمثل في: القرآن والسنة. يقول:

"المسلمون يتفقون جميعاً على هذا الكتاب الموجود الآن بين المسلمين، ويعتبرونه وحياً نازلاً على الرسول الكريم بنصّه دون زيادة أو نقيصة.

ولا قيمة طبعاً لما يُنسب الى الشيعة من القول بتحريف القرآن. فهي نسبة باطلة وغير صحيحة، وآراء علماء الشيعة منذ الصدر الأول وحتى عصرنا الراهن هي الاعتقاد بسلامة النص القرآني من أي تحريف. وهذا هو الرأي السائد.

إذن هناك اتفاق على الرجوع الى القرآن الكريم، وهكذا بالنسبة للسنة النبويّة. كل المسلمين بكل مذاهبهم يعتقدون بأن ماجاء عن الرسول الكريم حجة لايمكن لأي شخص أن يجتهد أمامه. مذهب أهل البيت يركز على هذه المرجعية، مرجعية القرآن والسنّة. وقد بيّنا أهمية هذه المرجعية في بحثنا عن: التفسير عند أهل البيت" (مقابلة / ٣٩).

ولا يفوت السيد الحكيم وهو يتحدث عن مرجعية القرآن والسنة أن يبين أسلوب الرجوع الى القرآن والسنّة، حتى لاتكون هذه المرجعية عامل خلاف كما حدث في التاريخ. فيؤكد على ضرورة التتلمذ على القرآن والسنّة. أي أن يأتي المسلم إليها تلميذاً لا معلّماً، مستفتياً لا مفتياً، خالياً من المواقف المسبقة، لا أن يحاول تبرير مواقفه المسبقة بآية أو حديث. يقول:

"عندما يختلف المسلمون في رأي من الآراء، فليرجعوا الى المتفق عليه بينهم وهو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، دون اتخاذ موقف تفسيري مسبق تجاه القرآن والسنّة يناصر رأي هذا المذهب أو ذاك" (مقابلة / ٣٩).

ثم يذكر السيد الحكيم ملاحظة بصورة عابرة على غاية من الأهميّة هي أن رسول الله (ص) وضع للناس المرجعيّة ووضع الضمان لعدم الاختلاف في العودة الى هذه المرجعيّة وهو "اهل البيت". من هنا فإن السيد الحكيم يفهم "الثقلين" بأنهم السبيل الصحيح لفهم القرآن والسنّة، وأن ماحدث من خلاف بين المسلمين في فهم هذه المرجعيّة الرسالية إنّما هو بسبب عدم التزامهم بهذا الضمان الذي ركّز عليه النبي الاعظم في مناسبات متعددة ومنها حجة الوداع التي أوصى فيها بأهم أسس استمرار المسيرة الاسلامية على نهجها الصحيح.

يقول: "ولقد اهتمّ رسول الله (ص) بهذا الأمر (أي بأمر الأسلوب الصحيح في العودة الى مرجعية القرآن والسنّة) حين وقف ينصح المسلمين في حجة الوداع بعدّة أمور كان من جملتها نصيحتهم بالعودة الى الثقلين".

وهذا الفهم لدور الثقلين في توحيد المسلمين وإبعادهم عن الاختلاف نجده عند كبار العلماء من السنة والشيعة، وأشير على سبيل المثال الى "محمد بن عبد الكريم الشهرستاني" في كتاب "مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار" فهو يرى أن كل ما أصاب المسلمين من تفرّق في الفروع والأصول إنّما يعود الى ابتعادهم عن الرجوع الى الثقلين.

ب – المعالجة الأخلاقية للخلاف

وأقصد بالمعالجة الأخلاقية الالتزام بأدب الاختلاف وأدب الحوار بين المختلفين، وكتب المهتمون بتوحيد المسلمين في هذا المجال. وبينوا موقف النبي (ص) والصحابة والتابعين وأئمة أهل البيت من الرأي الآخر.

يقول السيد الحكيم في هذا المجال:

"لابد أن تسود الحالة العلمية في المواقف والحوار بين العلماء، نعم، الاختلاف طبيعي، والدفاع عن الرأي والاستدلال على صحته حقّ لكل عالم، وردّ الرأي الآخر باستدلال علميّ حق أيضا. ولكن تارة يكون الردّ بروح الاتهام والتحامل، وتارة يكون بروح احترام رأي الطرف الآخر وأفكاره" (مقابلة / ٣٩).

ويرى السيد الحكيم أن العالم الحقّ هو الذي يستهدف كشف الحقيقة، ويهمّه الوصول الى النتيجة، أياً كانت النتيجة، حتى ولو كانت مخالفة لفرضياته. وهذا هو السائد في حقل العلوم التجريبية والفكرية والثقافية. من هنا يدعو السيد الحكيم الى أن ينتهج علماء المذاهب نفس المنهج المعرفي في دراسات العلوم الأخرى يقول:

"يجب أن يكون تبادل الأفكار والآراء والمناقشات بين علماء المذاهب تماماً كما هو الحال بين علماء العلوم التجريبية والفكرية والثقافية، حيث يكون ردّ العالم على الآخر غالباً بروح الاحترام للرأي الآخر، باعتبار أنه يردّ على جهة علمية بذلت جهوداً حتى توصلت الى هذا الرأي.

بنفس هذا النَفَس من الاحترام المتبادل يجب أن يسير الحوار بين علماء المذاهب، إذا شاؤوا التقريب بينهم" (مقابلة / ٣٩).

ج – المعالجة النفسية في دائرة التقريب

لا نبالغ إذا قلنا إن أسباب الخلاف بين المسلمين يعود في معظمة الى عامل نفسي. فالحالة النفسية في عالمنا الاسلامي هي على العموم بائسة. الانسان المسلم غالباً يشعر بالضعف والدونيّة أمام جبروت الغرب، كما أنه يفتقد الأمل غالباً في مستقبل أفضل، ولا يشعر بعزّة في هويته وشخصيته وانتمائه الديني والوطني والقومي. وهذه الحالة لها إفرازاتها في الحياة العملية. وأهم هذه الافرازات فيما يرتبط بالتقريب هو أن يبحث كل فرد وكل جماعة عن سبيل لإثبات شخصيته بسبل موهومة، وهذا التمترس وراء الدفاع عن هذه الطائفة او الهجوم على هذه الطائفة بالأساليب العنيفة المعروفة إنّما هو إفراز للحالة النفسية السائدة.

الحالة الطائفية إذن وليدة حالة ركود ثقافي وحضاري لايمكن إزالتها إلاّ باستئناف حركتنا الحضارية. ولكن بقدر ما يتعلق بالتقريب لابدّ من معالجتها للتخفيف من حدّتها والتقليل من تبعاتها. ويقترح السيد الحكيم في هذا المجال مايلي:

١ـ طرح الهموم الكبيرة، وهذه العملية من شأنها أن ترفع التطلعات والأهداف الى مستوى رفيع بحيث تصغر الخلافات الجانبية. لأن الصغائر تكبر عادة في جوّ الهموم الصغيرة والأهداف الصغيرة. ولهذا نرى الطائفية تتضخم عادة في البيئات التي تعيش هموم متاع الحياة الدنيا، وتتضاءل تلقائياً عند الرساليين. ولقد رأينا أثر الصحوة الاسلامية في التقريب المذهبي كما رأينا آثار كتابي "اقتصادنا" و "فلسفتنا" في التقريب المذهبي رغم أنهما لم يعالجا خلافات مذهبية، بل طرحا أهدافاً رسالية كبرى تتعلق بالكون والحياة من وجهة نظر الإسلام، كما رأينا أثر انتصار الثورة الاسلامية في التقريب المذهبي خاصة خلال السنوات الاولى، لأنها طرحت المشروع الإسلامي للحياة على الساحة العملية.

يقول السيد الحكيم في هذا الصدد:

"لابدّ – من أجل التقريب بين المسلمين – من وضع القضايا الهامّة في رأس قائمة الاهتمامات والمناقشات. وسيكون ذلك عاملاً على التقريب بل على الوحدة. لأن القضايا مهما كبرت فإن الاتفاق بشأنها يكبر أيضا. وكلما دخلنا في التفاصيل والجزئيات أكثر اتجهنا الى الهامش أكثر" (مقابلة / ٤١).

٢ـ التأكيد على المشتركات، فالحالة النفسية البائسة تنبش في الاختلافات من أجل أن تخلق حالة تبريرية للتناطح والاصطدام. والتأكيد على المشتركات يخفّف من تضخّم الخلافات في النفوس. ومن هنا فإن التقريبيين مدعوون لأن يشدّوا الأنظار الى المشتركات في العقيدة وفي الفقه وفي الآمال والتحديات. يقول السيد الحكيم في هذا الصدد: "صحيح أن هناك اختلافاً بين المذاهب الاسلامية في مختلف المجالات، ولكن الاشتراك بينها هو أكثر وأهم مما به الاختلاف. المهم التوجّه والاهتمام… تارة يكون نحو المشتركات، وتارة يكون نحو إبراز الخلافات وإثارة النزاعات. نقاط الاتفاق بين مذاهب المسلمين مهمة جداً، تعبّر عن وحدة الأمة الإسلامية وعن هويتها وشخصيتها، فهم يحجون جميعاً حجاً واحداً، ويقفون على صعيد مشاعر واحدة، وهذه نعمة كبيرة من نعم الله على الأمة الإسلامية. وهكذا الصلوات الخمسة قد اتفق عليها المسلمون، وصوم شهر رمضان، وغيرها مما لا يحصى من المسائل الرئيسية المتفق عليها بين المسلمين. ولابد من إبراز مواضع الاتفاق هذه باعتبارها أساساً من أسس التقريب". (مقابلة / ٤٠).

وبشأن التأكيد على التحديات المشتركة يقول:

"فالاختلاف هنا يعني ضعف الامة وتمزقها وهيمنة أعدائها عليها. لذلك أعتقد أن من أهم أسس التقريب توحيد موقف المسلمين تجاه القضايا الرئيسية والمركزية. والتوحيد في موقف المسلمين مطلوب في المجالات السياسية وفي المواقف الاجتماعية، كما حدث بالفعل ضمن إطار المؤتمرات التي عقدت أخيراً لمعالجة المشاكل الاجتماعية مثل مؤتمر القاهرة ومؤتمر بكين ومؤتمر فينا، وكل هذه المؤتمرات عالجت مسائل حساسة هامة مثل مسائل الأسرة والمرأة. والمسلمون مطالبون باتخاذ موقف موحّد تجاه هذه القضايا. وهو عامل على تقريب المسلمين بكافة مذاهبهم وعلى وحدة الامة" (مقابلة / ٤١).

د – عقد الأمل على مستقبل التقريب.

والامل عنصر مهم من عناصر استمرار المسيرة. وحين يرى الانسان وضع العالم الاسلامي ومافيه من أحداث طائفية تتكرر باستمرار على شكل مناوشات كلامية وتراشق بالتهم والتكفير، بل ويبلغ الأمر أن تسفك الدماء وتزهق الأرواح في المساجد والمجالس الدينية بدوافع طائفية… حين يرى هذه الأحداث ويرى معاول الهدم تفعل فعلها باستمرار وبجدّ واجتهاد لتركيز الحالة الطائفية، يكاد يساوره اليأس من إمكان نجاح دعوة التقريب ومواصلة مسيرتها. لكن دعاة التقريب ينظرون الى الزوايا المضيئة التي تبعث الأمل في نفوس التقريبيين، وأعتقد أن السيد الحكيم فكر في هذا الأمر طويلاً، إذ ما إن سألناه عن إمكان نجاح جهود التقريب في العالم الإسلامي الذي تكاثرت فيه معاول التخريب الداخلية والخارجية، راح يعدّد الجوانب المضيئة من الطريق، ويتفاءل بمستقبل واعد للتقريب ومن النقاط التي أشار إليها:

١ - "السنة التاريخية التي تحكم حركة التاريخ والمجتمع الانساني، هذه السنة تقول: إن الحق يعلو لا محالة، وأن الباطل زاهق لا محالة. وقضية تقريب المذاهب ووحدة المسلمين هي قضية حقة، ولابد أن تنتصر في حركة السنن التاريخية والكونية التي تحكم حركة الانسان وحركة المجتمع الانساني. إنها مسألة غيبية نؤمن بها، وركز عليها القرآن في مواضع كثيرة منها قوله سبحانه: قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، ومنها قوله سبحانه: فأما الزبد فيذه جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. " (مقابلة / ٤٢).

٢ - "القضية الأخرى التي يجب أخذها بنظر الاعتبار هي وجود هذا الكيان المبارك القائم على الساحة الدولية اليوم المتمثل بالجمهورية الاسلامية، فقضية التقريب وقضية الوحدة الاسلامية أصبح لها أم وأب يرعيانها، ويهتمان بها ويتبنيانها. والدولة الاسلامية المباركة لها وجود كبير على الساحة الدولية، وتتبنّى أسساً راسخة قوية في العقيدة التوحيدية، وتنطوي على معنويات عالية مدعومة بتضحيات غالية ودماء زكية. وهذه الدولة اليوم تشكل رصيداً هاماً لوحدة المسلمين، لانها تطالب بعزم وإصرار على استعادة عزة المسلمين وكرامتهم، وماضاع حق وراءه مطالب. وهي مسألة هامة جداً يجب أن نأخذها بنظر الاعتبار في تقويم مستقبل حركة التقريب" (مقابلة / ٤٣).

٣ - "الامر الثالث الذي يمكن أن يذكر في هذا الصدد هو أن الوعي الاسلامي العام الموجود لدى الامة الإسلامية حقيقة لايمكن أن ينكرها أحد، هناك صحوة إسلامية، هناك وعي عام قائم لدى الأمة الإسلامية. هناك اهتمام لدى الأمة في العودة الى الله، والعودة الى الهوية والشخصية الإسلامية، والالتزام بما أمر الله سبحانه به. وهذا الوعي يوحّد بين فصائل المسلمين ويوجّه عواطفهم واهتمامهم نحو هدف واحد" (مقابلة / ٤٣).

٤ - "الامر الرابع في هذا الموضوع هو التطور العلمي والتقني الذي يمكن أن يساهم مساهمة كبيرة جداً في تحقيق هذا التقريب. حيث أنني قلت: إن أحد أسس التقريب هو التفتيش عن حقائق كل مذهب. ووجود هذا التطور الكبير في وسائل الارتباطات ونقل المعلومات يوفّر فرصة كبيرة للكشف عن هذه الحقائق ومعرفتها" (مقابلة / ٤٣).

٥ - "والامر الخامس، هو التطور في الجانب الانساني على الساحة العالمية. رغم أن السلوك العام شهد عالمياً تدهوراً وتدنياً في الجانب الاخلاقي، إذ ازداد الظلم والعدوان والتجاوز وبلغ حداً كبيراً، وشكلاً مفزعاً استخدمت فيه الأسلحة الكيمياوية والنووية الفتاكة. رغم ذلك فهذا التدهور مقرون بتطور ونمو وتكامل في الرؤية للقضية الأخلاقية، بما يعبّر عنه بحقوق الإنسان والإحساس بضرورة الدفاع عن هذا الحق، وهذه الظاهرة سنة طبيعية تحتاج الى حديث عن حركة التاريخ والمجتمع. فهناك دائماً حالة توازن بين التدهور الأخلاقي والوعي الأخلاقي، تؤدي الى انفجار تغييري نسميه الثورة والتغيير الجذري، ونحن اليوم نشاهد أيضا تدهوراً في الحالة السلوكية العالمية، والى جانبها تطوراً في الناحية النظرية، وفي الوعي على الحالة الأخلاقية، فيما يرتبط بحقوق الإنسان، والرأي المتبادل، وقضايا الحرية وقضايا التفاهم والتعارف، وغيرها من الأمور التي يمكن أن تكون عاملاً مساعداً في خدمة التقريب وقضية وحدة الإنسانية. ولذلك نشاهد الآن كثيراً من المشاريع الوحدوية المطروحة في العالم على المستوى الاقليمي والعالمي، نتيجة وجود الوعي في هذا الاتجاه" (مقابلة / ٤٤).

٦ - "والنقطة السادسة والمهمة في تصوري هي حاجة الأمة الإسلامية اليوم الى التقريب والوحدة. فالأمة تعيش صراعاً مصيرياً، والتقريب والوحدة من العناصر الهامة في كسب المعركة في هذا الصراع المصيري. والحاجة – كما يقولون – أم الاختراع. عند الاحساس بالحاجة الحقيقية للوحدة والتقريب ستتحرك الامة لسدّ حاجتها. ولذلك فان الفرص كبيرة لنجاح مشروع التقريب ونجاح أطروحة التقريب بين المذاهب ووحدة الامة. من هنا نجد أن الاصوات الداعية للتقريب هي الأقوى، والأصوات الداعية الى الاختلاف والتمسك بالفرعيات والشبث بالجزئيات أصبحت هي الأصوات الخافتة، وأضحت هذه الأصوات السلبية تتحدث بطريقة ملتوية بعيدة عن الواقع، تحاول أن تخفي حقيقة مواقفها… تحاول أن تتخذ موقف النفاق… وحالة النفاق تعبر عن بداية الانتصار. عندما يبدأ الحق بالانتصار والباطل بالانهزام، يعلن الباطل عن نفسه أولا بشكل واضح ويدخل في الصراع، وعندما يمنى بالهزيمة يحاول أن يدخل في حالة النفاق. وهذه الحالة مشهودة في بداية الدعوة الاسلامية، وفي تاريخنا المعاصر إبان الثورة الاسلامية، حيث كان العلمانيون والملاحدة والمنحرفون والمرتدون يواجهون الثورة علنياً في البداية. وعندما هُزموا أخذوا

يواجهونها بطريقة نفاقية. على أي حال، الاحساس بالحاجة الماسة بين المسلمين للتقريب هي بذاتها عامل على فتح الطريق لتحقيق هذا الهدف" (مقابلة / ٤٥).

هـ - ارتباط التشيع بالتقريب

من المحاور التي أكد عليها السيد الشهيد الحكيم في خطابه التقريبي هو إبراز التوجه التقريبي في مدرسة أهل بيت رسول الله (ص). لقد أكد هذا في كتابه: "الوحدة الاسلامية من منظور الثقلين" وفي ثنايا دراساته ومقابلاته المختلفة. وينهج في بيانه الأسلوب النظري، وبيان المواقف العملية.

أحسب أن السيد الحكيم كان يريد من هذا التركيز على التقريب في مدرسة

آل البيت أمرين:

الاول – أن يقول للشيعي أنّ التقريب هدف أساسي من أهداف مدرسة أهل البيت، فإذا كنتَ من أتباع مدرسة أهل البيت حقيقة فعليك أن تكون من دعاة التقريب المذهبي، وهو بذلك يردّ على أولئك الذين يتخذون مواقف معادية من التقريب تحت لافتة الولاء لأهل بيت رسول الله (ص). ويعملون على إثارة الفرقة والحزازات بين المسلمين تحت عنوان التولّي والتبرّي.

والثاني – أن يقول للسنّي أن دعوة التقريب في مدرسة أهل البيت هي دعوة مبدئية قائمة على أساس وجوب حفظ وحدة المسلمين، لأن حفظ وحدة المسلمين مقدمة واجبة لحفظ عزّتهم وكرامتهم ووجودهم. والتقية – لو فُهمت فهماً صحيحاً – ليست سوى اتخاذ مايلزم لصيانة وحدة المسلمين واتقاء مايفرقهم، ولا تقتصر على مسائل حفظ النفس.

يقول السيد الحكيم:

"أنا أعتقد أن قضية التقريب في نظرية أهل البيت قضية أساسية ورئيسية. وواجب من الواجبات الشرعية. وأول من رفع شعار التقريب بين المسلمين هم أهل البيت. ولم يرفعوه شعاراً يتحدثون عنه فحسب، بل جسدوه أيضاً حالة عملية وخارجة وتطبيقية، وقدموا على طريقه تضحيات كبيرة جداً على المستوى الشخصي لهم وعلى مستوى الجماعة والفئة التابعة لهم والملتزمة بسلوكهم ومسيرتهم. ولقد تحدثت عن مواقفهم هذه في كتاب: الوحدة الاسلامية من منظور الثقلين. وهناك مجموعة من المبادئ الرئيسية المعروفة لدى مذهب أهل البيت تجسّد هذه الحالة مثل مبدأ التقية. هذا المبدأ هو مبدأ تقريبي، ولو طالعنا نصوصه مطالعة واعية لوجدنا أنه لا يقتصر على الجانب الامني بل يشمل أيضا البعد التقريبي، والبعد الوحدوي وهو بعد مهم غفل عنه كثير من الباحثين. وأشرت في كتابي المذكور الى نصوص التقية التي تكرّس هذا البعد التقريبي الوحدوي. وثمة مبدأ آخر غفل عنه كثيرمن الباحثين هو مبدأ التعايش بين المسلمين. وقد نادى أهل البيت (ع) بهذا المبدأ وهو من خصائص مدرستهم. هناك تيارات الخوارج وتيارات الجهاز الحاكم وتيارات الانتهازيين وتيارات الثوريين المنتسبين لأهل البيت (ع) مثل الزيدية الذي تبناه بع

د

ذلك الحسنيون بعد زيد وأولاده. وتمتاز مدرسة أهل البيت بين كل هذه التيارات بدعوتها الى مبدأ التعايش السلمي بين المسلمين. ونرى مصاديق هذا المبدأ في دعوة أهل البيت للاشتراك في صلوات الجماعة وزيارة المرضى والاهتمام بالأمور الاجتماعية مثل تشييع الجنائز والوفاء بالعقود وغيرها من المسائل التي دعوا المسلمين جميعاً اليها، من أجل أن يؤكدوا مسألة التعايش.

وهذا مبدأ مهم لم يدرس بشكل كامل مع الاسف في أبحاثنا السياسية والاجتماعية.

لقد تبنّى أمير المؤمنين (ع) مبدأ الحرية السياسية ومبدأ التعددية السياسية في المجتمع الاسلامي، وهو تبنّ فريد يمتاز به عن بقية الحكام. وظل أهل البيت يتبنون هذا الرأي. وهي ظاهرة سياسية مهمة. فالامام يعتقد أن الخوارج على خطأ، وأن الزبير وطلحة وأم المؤمنين عائشة على خطأ في موقفهم، لكنه لم يتخذ موقفاً قمعياً لاسكاتهم، وإنما ترك لهم الحرية في أن يتحركوا. وكان يكتفي بإدانة مواقفهم. وبقوا يتحركون حتى رفعوا السلاح بوجه الإمام علي (ع). عندئذ لجأ الى مايحافظ على وحدة المسلمين. وأئمة أهل البيت تبنوا أيضا مقولة: "لاستسلمنّ ماسلمت أمور المسلمين ولم يكن الجور الا عليّ خاصة". وهي مقولة ذات دلائل وحدوية. وهذه هي مبادئ التشيع وأفكاره. وفي تاريخنا القديم والحديث صور كثيرة تعبّر عن الموقف العملي لهذه الحالة الوحدوية" (مقابلة / ٤٦).

ويرى السيد الحكيم أن مدرسة أهل البيت كانت في مواقفها العملية على مرّ التأريخ تتخذ المواقف العملية المجسّدة لمبدأ التقريب، والعصر الحديث شهد استمرار هذه المواقف.

والواقع أن الحوزة العلمية في مدينة قم كان لها مواقف رائدة في هذا المجال في العصر الحديث، وخاصة في زمن زعامة آية الله البروجردي، فمواقفه النظرية والعملية ومنهجه الدراسي والعلمي كان يقوم على أساس تحرّي مسائل الخلاف، وازالة ماعلق في الأذهان من أوهام، والتأكيد على الجانب العملي في التعاون بين المسلمين. أما النجف الأشرف فحاول بعضهم أن يراها متخلفة عن ركب التقريب ويرى أن خطابها المذهبي يغلب على خطابها الاسلامي، فيتصدّى السيد الحكيم لهذه الشبهة ويعدّد المواقف المعاصرة لحوزة النجف من القضايا الاسلامية مؤكداً أنها كانت تضع القضايا الإسلامية الكبرى نصب عينيها في مواقفها، دون أن يغلب عليها الاتجاه المذهبي، ومما يذكره رضوان الله عليه في هذا المجال:

١ - "الموقف من دخول الانجليز الى العراق، فالعراق هو البلد الوحيد الذي اجتمع فيه المسلمون جميعاً لمواجهة الغزو البريطاني. وقاد هذه المواجهة العلماء في العراق. فأصدر علماء النجف فتوى الجهاد ضد الانجليز، ووقفوا الى جانب الدولة العثمانية لصدّ هذا الغزو. على أن الدولة العثمانية كانت تتبنى مواقف مذهبية متشددة قمعية تجاه غير أتباع المذهب الحنفي، من أجل فرض هذا المذهب على كل المسلمين. بالرغم من ذلك وقف علماء النجف هذا الموقف الوحدوية" (مقابلة / ٤٧).

٢ - "وهكذا الامر في ثورة العشرين، نجد أن الشعار المطروح هو إخراج البريطانيين من العراق، دون التفكير في البديل الحاكم، هل سيكون سنياً أم شيعياً. بل إن علماء النجف ذهبوا وجاءوا بحاكم سنّي من الحجاز… علماء النجف وشيعة العراق هم الذين قاتلوا، وهم الذين قدموا التضحيات، القوة… ولكن كان همهم الاول الاسلام، ولم يكن لهم هم طائفي مذهبي. ولذلك اختاروا حاكما سنيا على شرط أن يحكم بالاسلام، وحينما نقض هذا الحاكم مبادئ الاسلام نهضوا بوجهه بدافع إسلامي أيضا" (مقابلة / ٤٧).

٣ - "وفي الحرب العالمية الثانية كان للمرجعية موقف معروف في مساندتها للحركة الوطنية الرامية لتحرير العراق من الهيمنة البريطانية، فقد وقف السيد أبو الحسن الاصفهاني الى جانب الثوار من أجل الاطاحة بالسلطة العميلة للبريطانيين" (مقابلة / ٤٧).

٤ - "وموقف علماء النجف من حركة الالحاد في العراق معروفة، فقد وقفوا بوجه التيار الشيوعي واليساري الذي حاول أن يهيمن على مقدرات العراق. وعلماء النجف قدموا في سبيل ذلك تضحيات جسيمة، رغم أن الظروف السياسية كانت تفرض أن لا يقفوا هذا الموقف، بل يحصلوا على مكاسب في العهد الجمهوري بعد عهود من الاضطهاد الطائفي. فالعهد الجمهوري يمثل انفراجاً للوضع الطائفي في البلد. وأعطى فرصة للشيعة كي يكونوا في جهاز الحكم وفي الأوساط العسكرية والاقتصادية، لكن علماء النجف وقفوا ضد نظام عبد الكريم قاسم المساند لتيار الالحاد، بل وقفوا ضد هذه الحالة من الانفراج، ليحققوا مكسب وحدة المسلمين في مواجهة تيار الالحاد الشيوعي" (مقابلة / ٤٨).

٥ - "وموقف علماء النجف من قضية أكراد العراق وهم من أهل السنة واضح، فقد أصدر العلماء فتوى تحريم سفك دماء الاكراد، وتحريم أي عدوان عليهم. بينما وقف علماء السلطة ضد الاكراد. علماء الشيعة وقفوا الى جانب صيانة دم الاكراد وأعراضهم، بينما وقف علماء السلطة الى جانب العمليات القمعية ضد الاكراد" (مقابلة / ٤٨).

٦ - "أضف الى كل ماتقدم موقف علماء النجف من قضية فلسطين. فقد واصلوا هذا الموقف في كل مراحل القضية، وأفتوا بجواز إنفاق الاموال والحقوق الشرعية لمناصرة العمل الفدائي ضد الصهاينة. ولايزال هذا الموقف المبدئي من هذه القضية ومناصرتها قائماً حتى اليوم" (مقابلة / ٤٨).

٧ - "ثم إن موقف علماء النجف من الاشتراكية المعلنة في العراق قد جسد مبدأيتهم في عدم الانجراف نحو الشرق ولا نحو الغرب. فقد وقفوا بوجه التيار الاشتراكي الذي أريد له أن يكون بديلا للتيار العلماني الديمقراطي. مؤكدين رساليتهم في هذا الموقف. ودخلوا في صراع كبير لم يدخله غيرهم" (مقابلة / ٤٨).

٨ - "ومسألة التقريب بين المذاهب، بذلت جهود كبيرة في النجف الاشرف لطرح ثقافة التقريب، ولتأليف الكتب الدراسية التقريبية، ولجعل مادة الفقه المقارن مادة دراسية في الحوزات العلمية. وهذا ماحدث في النجف لاول مرة، حيث أصبح كتاب: الاصول العامة للفقه المقارن، للسيد محمد تقي الحكيم كتاباً دراسياً في النجف وفي كلية أصول الدين ببغداد، هذه الكلية التي كانت برعاية المرجعية الدينية. ولقد شهد تاريخ الحوزة العلمية في النجف قديماً وحديثاً تأليف مثل هذه الكتب الفقهية المقارنة مثل كتاب تحرير المجلة للمرحوم الإمام الشيخ كاشف الغطاء في أيام الحكم العثماني. ومن قبل ألف الشيخ الطوسي رضوان الله تعالى عليه كتاب الخلاف، والعلامة الحلي، وهو من علماء مدرسة النجف، ألّف كتاب التذكرة وكتاب المختلف وهكذا حتى عصرنا هذا، دأب العلماء في النجف على السير على هذه النهج التقريبي ونهج توحيد المسلمين" (مقابلة / ٤٩).

٩ - "وهناك نشاطات لدى علماء النجف من أجل إقامة علاقات مع علماء الأزهر الشريف، وخاصة شيوخ الأزهر، وكان من نتائج تلك النشاطات التقريبية أن أصدر المرحوم الشيخ شلتوت شيخ الأزهر فتواه المعروفة. طبعاً كان لسماحة آية الله العظمى السيد البروجردي (رحمه الله). في قم مسعى خاص في هذا المجال، ولكن التطورات السياسية في ايران والعراق أدت الى أن تتواصل جهود التقريب مع الأزهر عبر علماء العراق. ولا بأس أن تعرفوا أن فتوى الشيخ شلتوت صدرت في زمن عبد الناصر، وكانت علاقات عبد الناصر بنظام الحكم في إيران آنذاك متوترة. بينما كانت حوزة النجف تخوض آنذاك حرباً مريرة ضد الشيوعيين ممّا قرّب الحوزة العلمية في النجف من سائر علماء الاسلام وخاصة علماء الازهر. ولا بأس أن أذكر شاهداً يمكن أن يعتبر مصداقاً لهذا التقارب الذي حدث آنئذ، حين اعترف نظام الشاه باسرائيل، وفتح الكيان الصهيوني مكتباً له في طهران أرسل شيخ الازهر الشيخ شلتوت برقية الى الإمام السيد الحكيم رضوان الله تعالى عليه، وأصدر الإمام الحكيم على أثر ذلك استنكاراً على ما أقدم عليه نظام الشاه" (مقابلة / ٤٩).

١٠ - "ومن اهتمامات مرجعية النجف في حقل التقريب، إرسال مصادر كتب الشيعة الهامة الى المكتبات المركزية في مصر ولبنان وسوريا والسودان وغيرها من البلدان الاسلامية" (مقابلة / ٥٠).

١١ - "ومن اهتمامات علماء النجف في حقل التقريب حضور المؤتمرات العلمية التي عقدت في القاهرة ومراكش وتونس واللقاء فيها بعلماء المسلمين والمفكرين من جميع أرجاء العالم الاسلامي. وكان التمثيل على أعلى المستويات العلمية، حضر بعض هذه المؤتمرات المرحوم الشيخ المظفر، وحضر بعضها السيد محمد تقي الحكيم" (مقابلة / ٥٠).

١٢ - "وهناك بعد آخر من هذه النشاطات التقريبية يتمثل في إقامة علاقات بين الكليات والمعاهد العلمية الدينية في النجف الاشرف وبغداد والكليات المماثلة في العالم الاسلامي، أهمها كليات الشريعة في القاهرة. وكان للسيد محمد تقي الحكيم والعلامة السيد مرتضى العسكري نشاط خاص ومساع جادة في مجال التقريب على هذا البعد" (مقابلة / ٥٠).

و - تنفيذ المشاريع العملية في التقريب

لايكفي الايمان بالتقريب على المستوى النظري، والسيد الحكيم إذ يبين إيمانه المبدئي بالتقريب يواجه سؤالاً عما فعله هو من مشاريع عملية في التقريب، يجيب هو على هذا السؤال ويعدّد نشاطاته التقريبية كما يلي:

١_ نشر ثقافة التقريب، فلا يمكن أن نقطع أية خطوة على طريق توحيد المسلمين دون أرضية ثقافية تحوّل قضية التقريب الى ثقافة متبنّاة من قبل المسلمين بكافة مذاهبهم. وأعتقد أن أفضل إطار لنشر هذه الثقافة هو إطار أهل البيت (ع) بما كانت لهم من أفكار وآراء ونشاطات استهدفت توحيد صفوف المسلمين كما ألمعنا اليه سابقاً. ومن الواضح أن هذه النشاطات أثمرت عن عاطفة جيّاشة يحملها المسلمون في مختلف عصور التاريخ وحتى يومنا هذا تجاه هذا البيت الكريم. وليس هناك من لم يحمل هذه الحرمة وهذه العاطفة تجاه آل البيت من المسلمين سوى نفر قليل من النواصب عُرفوا ببغضهم لآل البيت، وهي حالة شاذّة، لم تدم طويلاً، فقد انقرض هؤلاء. جدير بالذكر أن أهل البيت عاشوا مجتمعاً مليئاً بالتناقضات الحادّة والصراعات التي تحولت أحياناً الى شكل مواجهة دموية كما حدث في واقعة كربلاء. ومع ذلك كان موقف آل البيت من هذا المجتع موقف الدعوة الى الوحدة والتآلف والتعايش والتعاون. مما جعل هذا البيت الكريم ينال كل هذه الحرمة بين المسلمين. حتى يزيد بن معاوية الذي ارتكب هذه الجريمة الشنعاء، ماكان يجرأ على الاستمرار بالتظاهر في عداء أهل البيت، بل أظهر بشكل وآخر ندمه على فعلته.

مما تقدّم نفهم أن أفضل طريق لجمع مودّة المسلمين على صعيد واحد هو تعريف أهل البيت للمسلمين بمضمونهم الفكري والثقافي والأخلاقي.

فإذا تمكنّا أن نعرض فكر أهل البيت وطريقتهم ومواقفهم وأخلاقهم في مختلف القضايا، فذلك أفضل طريق لتقريب المسلمين حول محور واحد. ولكن هذا لا يعني أن المسلمين جميعاً سيلتزمون بالضرورة بمدرسة آل البيت، بل يعني أنهم سيقفون جميعاً موقف الاحترام من المشروع المطروح. وعلى هذا الاساس قمت بعدة خطوات:

الاولى: تأليف كتب تعرض نظرية أهل البيت في المجالات الحساسة الهامة، من أجل نشر ثقافة التقريب كما ذكرت. من هذه الكتب: "الحكم الاسلامي بين النظرية والتطبيق". فقد عرضت مضمون نظرية أهل البيت في الحكم على الصعيد النظري، ودرست التطبيق العملي الراهن لهذه النظرية في إطار الدولية الاسلامية القائمة في ايران. كما ألفت كتاب: "الوحدة الاسلامية من منظور الثقلين". وهو على ما أعتقد من المؤلفات النادرة في موضوعه. وفيه حاولت أن أستخرج نظرية الاسلام في الوحدة مستنبطة من القرآن الكريم ومن السنة ومن أخبار أهل البيت" (مقابلة / ٥١).

٢_ "الاهتمام بالقرآن الكريم على مستوى التفسير أو على مستوى الدراسات القرآنية، وهو اهتمام يصبّ في حقل التقريب، لأن القرآن الكريم موضع احترام واتفاق جميع المسلمين. وكلما ازداد الاهتمام بهذا المحور من قبل جميع المسلمين ازداد تقاربهم وتفاهمهم. ولا بأس أن أشير الى أن مدارسنا وحوزاتنا العلمية، بسبب ظروف متعددة بعضها سياسية وبعضها اجتماعية وبعضها تنظيمية لم تولِ الدراسات القرآنية الاهتمام اللازم. ومع أن علماء الشيعة ألفوا قديماً وحديثاً أسفاراً هامة في التفسير، أذكر منها في عصرنا الحديث تفسير الميزان. لكن الاهتمام بالدراسات القرآنية ضمن مناهج الدراسة في الحوزة العلمية ضعيف. لذلك بذلت جهوداً خاصة في حقل القرآن في النجف الاشرف ومدرستها العلمية. فقد دونت دروساً في علوم القرآن وألقيت فيها محاضرات في المعاهد العلمية التي أسست لتنظيم دراسات الحوزة العلمية في النجف. وواصلت هذا العمل العلمي في إيران بعد الهجرة التي حدثت بسبب الظروف السياسية" (مقابلة / ٥٢).

٢ - "مساهمتي في المؤتمرات، فقد اشتركت في مؤتمرات عقدت لقضية فلسطين، ومؤتمرات الوحدة الاسلامية التي عقدت لدراسة مسائل التقريب، كما حضرت عدداً من المؤتمرات التي عقدت في أرجاء العالم الاسلامي" (مقابلة / ٥٢).

٤ - "عملي في مواسم الحج، حيث أن الامام الحكيم أول من بادر لتأسيس بعثة حج دينية في موسم الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة وكنت مسؤول هذه البعثة لمدة تسع سنوات، وكانت البعثة تعمل في أوساط أتباع أهل البيت وأوساط عامة المسلمين" (مقابلة / ٥٢).

٥ - "المساهمة الجادّة في تأسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية وفي كل نشاطات هذا المجمع، وتقديم أطروحات علمية أعتقد أنها – لو نفذت – سوف تساهم مساهمة كبيرة في موضوع التقريب منها:

- أطروحة الروايات المشتركة بين السنة والشيعة، المروية عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام. فهناك كمية كبيرة جداً من هذه الروايات ذات مضامين رائعة هامة مشتركة بين الفريقين. وإصدار مؤلفات تضم هذه الروايات المشتركة سيجعل المسلمين أمام واقع لم يعرفوه، وهم أنهم قريبون جداً من بعضهم دون أن يعرفوا ذلك.

- وهكذا التأليف حول الرواة المشتركين، إذ هناك عدد كبير من الرواة المشتركين يعتمد عليهم أهل السنة والشيعة، والكشف عن هذه الحقيقة يساهم مساهمة جادّة في التقريب لأنه يوضح للمسلمين بأنهم كانوا في السابق على وضع أفضل مما عليه في الوقت الراهن.

- وكذلك التوجه لتحقيق الاصول المعتمدة عند أهل السنة والشيعة معا تحقيقاً تقريبياً. كأن يطبع كتاب البخاري وهو من صحاح أهل السنة بطريقة تقريبية، وذلك أن توضع في هامش الكتاب الروايات الواردة من طرق أهل البيت المتفقة مع روايات البخاري، أو تضاف الى روايات البخاري تعليقات وشروح تقرب الرؤى تجاه هذه النصوص. وقد بدأ العمل بالفعل في تنفيذ هذه الاطروحات.

- على المستوى الفقهي كتاب ابن رشد مثلال وهو: بداية المجتهد من الكتب المعروفة لدى إخواننا أهل السنة: ويقوم المجمع الآن بتحقيق هذا الكتاب ووضع الفقه الشيعي استدلالاً الى جانب مايعرضه ابن رشد" (المقابلة / ٥٣).

٦ - "المساهمة في تأسيس جامعة المذاهب الاسلاميّة على مستوى وضع المناهج وبيان الهيكلية وأمور التنفيذ" (المقابلة / ٥٣).

٧ - "مجلة رسالة التقريب أعطيت من وقتي لمتابعة إصدارها والاشراف على موضوعاتها. وهي مجلة رائدة في مجال التقريب آمل أن تتطور أكثر على طريق أداء رسالتها في المستقبل" (المقابلة / ٥٤).

"هذا الى جانب خطوات ومشاريع أخرى يطول الحديث عنها. ولابد من التأكيد على أن ماقمت به حتى الآن هو قليل بحق هذا الهدف الكبير والمشروع الكبير، ونسأل الله توفيق أداء المزيد من الأعمال الصالحة في هذا المجال" (المقابلة / ٥٤).

ز - التفريق بين الدائرة السياسية والدائرة الشعبية في قضية الخلاف بين السنة والشيعة

على مرّ التاريخ تدخلت مصالح الحكم لإثارة النزاعات الطائفية. كثير من الحكام اضطهدوا السنّة باسم التشيّع، واكثر منهم من اضطهد الشيعة باسم الدفاع عن أهل السنّة، والواقع أن مصالح الحكم هي التي أملت عليهم هذه المواقف. وهذه حقيقة يجب أن يفهمها أهل السنة والشيعة كي لا تستفزهم المواقف السياسية وتدفعهم لاتخاذ مواقف عدائية من هذا المذهب أو ذاك.

والسيد الحكيم إذ اكتوى بنار الطائفية التي أججها حكام العراق، يتخذ موقفاً صارماً في التفريق بين الموقف السياسي والموقف الشعبي من هذه المسألة. يقول رحمه الله:

"العراق كما هو واضح له تاريخه الخاص وتركيبه الاجتماعي والثقافي الخاص، وهو بهذه الخصوصية يعتبر من البلاد الفريدة في العالم الاسلامي، وأخذاً بنظر الاعتبار هذه الخصائص فإن نموذج التقريب لو نجح في العراق فسيكون له تأثير كبير على كل العالم الاسلامي. هذا البلد نسب التقسيم المذهبي فيه تكاد تكون متقاربة، كما أنه ينطوي على التعددية القومية إضافة الى التعددية المذهبية، أضف الى ماسبق تاريخ العراق بما له من عراقة وماكانت له من مركزية في العالم الاسلامي، حيث كانت بغداد عاصمة المسلمين السياسية، كما كانت الكوفة والبصرة عاصمتي المسلمين الفكرية، ومدرسة الكوفة بشكل خاص وتطورها الى مدرسة النجف لها أهميتها الفائقة في تاريخ هذا البلد، ووجود مراقد أئمة آل البيت في العراق… كل ذلك وقضايا أخرى تعطي لأرض الرافدين أهمية خاصة. ومن هنا كان العراق مستهدفاً أكثر من غيره في التآمر الاستعماري والهجوم الاستكباري. وعملية التفريق والتمزيق في العراق أريد منها تصوير حالة التمزق في جميع الأمة. والانجليز كرسوا اهتمامهم في العراق بعد هيمنتهم عليه لايجاد التفرقة المذهبية والطائفية بين أبناء الشعب العراقي، تماما كما فعلوا في شبه القارة الهندية، حيث أ

سفرت خططهم بين المذاهب والطوائف، بل حتى بين أبناء الطائفة الواحدة في شبه القارة الهندية الى تمزّق فظيع. ولا تزال هذه الحالة قائمة حتى الآن، ويسقط جرّاؤها بين آونة وأخرى القتلى والضحايا باستمرار. نفس الشيء حاولوا تطبيقه في العراق. لكن علماء الاسلام في العراق، وخاصة علماء النجف وقفوا ضد هذا المخطط وأفشلوه على المستوى الشعبي.

ويمكن القول الآن أن العلاقات بين فصائل الأمة في العراق علاقات مودّة وأخوّة، حتى لم يعد الانسان يشعر بوجود اختلافات طائفية بين أبناء الشعب. الشيعة يتزوجون من بنات أهل السنة. بل إن بعض العشائر العراقية تجد أبناء عشيرة واحدة نصفها من أهل السنة ونصفها آخر ينتمي الى مذهب أهل البيت. والمدن فيها اختلاط بين أبناء المذاهب. وكثير من المؤسسات الثقافية والمشاريع التجارية يشترك فيها أهل السنة وأهل الشيعة. وهكذا في مختلف المجالات نجد هذا الاشتراك موجوداً، وهذا التداخل قائماً. ولايكاد الانسان يشعر بوجود اختلاف.

أما على مستوى الحكومة فالأمر مختلف تماماً مع الأسف. فالسياسات الحاكمة تقوم على أساس التفرقة المذهبية والطائفية. وتتطرف هذه السياسات أحياناً الى حدّ رفع شعار: لا شيعة بعد اليوم!! كما فعل النظام الحاكم الحالي في العراق. فقد حاول هذا النظام أن يقضي على كلّ معالم أهل البيت في العراق. فقتل العلماء وألغى المؤسسات ومنع طباعة الكتب ونشرها. وأصدر قائمة في الكتب المحظورة تزيد على الألف كتاباً، بينها كتب يعود تأليفها الى أحد عشر قرناً خلت مثل مؤلفات الشيخ الطوسي ومؤلفات الشيخ الصدوق. وتدخّل النظام في تفاصيل حياة الناس لإحداث الفجوة بين أبناء الشعب، وليثبت وجوده من خلال عملية التمزيق.

لقد حاولوا أن يستثيروا أبناء السنة في العراق، بل أبناء السنة في العالم الاسلامي ضدّ شيعة العراق بأساليب مختلفة، من أجل أن يعطوا الصراع فيه طابعاً مذهبياً طائفياً وكأنه صراع بين أهل السنة والشيعة. بعد أن فشل النظام في سياسته العلمانية الموجهة لكل علماء الاسلام ولكل التراث الإسلامي حاول أن يعطي لحربه الظالمة ضد الإسلام والصحوة الاسلامية والتراث الإسلامي طابعا مذهبياً.

لقد بذلنا جهوداً كبيرة من أجل فضح هذا المخطط، وأسفر – والحمد لله – عن انفضاح النظام. وأصبح الموقف الشعبي داخل العراق موحّداً من النظام، فقد تبيّن أنه ليس سنياً، بل ولا هو عراقي أصلاً. اتضح أنه يعادي الجميع ويبطش بالجميع لا يفرّق بين سنيّ وشيعي، بل إنه مستعد أن يبطش بأعضاء الحزب، وأن الحاكم الطاغي يبطش حتى بأولاده وأصهاره وأقرب الناس اليه من أجل أن يبقى على الحكم، وجهودنا في هذا المجال امتدت الى العالم الاسلامي لتوضيح هذه الحقائق. لقد احترقت ورقته الطائفية بعد أن حاول أن يلعب بها زمناً، كما حاول أن يلعب بالورقة القومية في حربه ضد الجمهورية الإسلامية بأن يعطي الحرب حالة صراع بين العرب والفرس. لقد انكشفت كل الأوراق والحمد لله رب العالمين، وأصبحت طبيعة النظام واضحة في الداخل والخارج، ولانزال نبذل الجهود في هذا المجال" (المقابلة / ٥٤ – ٥٦).

تلخيص واستنتاج

السيد الشهيد الحكيم توفّرت له في النجف وإيران أجواء الارتفاع بفكره وهمومه ومشاريعه الى مستوى رسالي إسلامي. ومن هنا نظر الى التشيّع باعتباره مدرسة رسالية إسلامية لا طائفة مقابل طائفة أخرى.

كان السيد الشهيد ينظر الى تفرّق الأمة بقلب دامٍ، ومن هنا كان جادّاً في مسألة التقريب وصادقاً فيه ومخلصاً في طروحاته وآرائه ومشاريعه. أدى به التفكير الطويل في هذه المسألة الى أن يحيط بها من كل جوانبها النفسية والعلمية والأخلاقية، وعلى الرغم من كلّ مسؤولياته السياسية والجهادية خصّص جزءً كبيراً من وقته لقضية التقريب، لأنه رأى فيها قضية الأمة الكبرى وقضية عراقه الجريح.

وهنا لابدّ أن أشير الى مايواجه وحدة الأمة من تحديات تستهدف تمزيقها طائفياً، ولابدّ من اتخاذ موقف حكيم من ذلك… وكان موقف الحكيم حكيماً حقاً، فهو انتهج أسلوباً نأى عن الإثارات التاريخية، ووجّه جلّ اهتمامه الى معالجة الواقع واستشراف المستقبل ومخاطبة العقل والعاطفة، والتأكيد على الهمّ الاسلامي والمشروع الإسلامي. انتهج أسلوب ما أسماه إشاعة ثقافة التقريب، وهذا هو المنهج الذي نحتاج اليه في التقريب.

المصادر

١ - قصة الطوائف، الاسلام بين المذاهبية و الطائفية، د. فاضل النصاري، دمشق ٢٠٠٠م.

٢ - مقدمة فكرية لحركة المشروطة، د. علي اكبر ولايتي، ترجمة د. محمد علي آذرشب، المستشارية الثقافية بدمشق ٢٠٠١م.

٣ - الخلاف السني الشيعي و محاولات التقريب المذهبي في القرن العشرين، عدد خاص من "امتي في العالم"، الكتاب الخامس، مركز الحضارة الدراسات السياسية القاهرة، ٢٠٠١م.

٤ - ملف التقريب، د. محمد علي آذرشب، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، طهران ١٤٢١هـ.

٥ - رسالة التقريب، مجلّة، العدد ١١، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، طهران ١٤١٧هـ.

٦ - مفاتيح الاسرار و مصابيح الابرار، تفسير الشهرستاني تحقيق د. محمد علي آذرشب، مركز احياء التراث المخطوط، ط ١، طهران.

٧ - ادب الاختلاف في الاسلام، د. طه جابر العلواني المعهد العالمي للفكر الاسلامي.

٨ - مسألة التقريب بين أهل السنة و الشيعة، ناصر القفاري، ط ٣، السعودية ١٤٢٤هـ.

٩ - خطاب الوحدة الاسلامية، زكي الميلاد، دار الصفوة، بيروت ١٤١٧هـ.

١٠ - رسالة الاسلام، مجلة دار التقريب بين المذاهب الاسلامية في القاهرة.



[ Web design by Abadis ]