ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الحكومة الاسلامية من منظور الشاعر الكميت بن زيد

هاشميات الكميت بن زيد تنحو بأجمعها منحى سياسيا، ترفض النظام الاموي الحاكم، وتبين سبب رفضها، وتدعو الى حكومة عادلة وتذكر معالم هذه الحكومة، وتعتبر بأجمعها وثائق سياسية هامة تعبّر عن نوع التطلع السياسي للامة في القرن الاول الهجري. ومعظم الذين تناولوا دراسة هذا القرن الهام في مظاهره السياسية والاجتماعية لم يهتمّوا بمثل هذه الوثائق، بسبب غفلتهم عن ارتباط الشعر بالحقائق، ظانين أن الشعراء يسبحون في عالم الخيال ولا يمكن لشعرهم أن يكشف عن حقيقة. وفي هذا المقال أبيّن أهمية الشعر في الكشف الحقيقة، كما أوضح مكانة الكميت السياسية والعقائدية، والصورة التي يحملها تجاه السلطة الحاكمة في زمانه، وتجاه الحكومة الاسلامية العادلة التي يجاهد من أجلها.

الادب والحقيقة

العمل الادبي في أجمع عبارة: تعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية [١].

والفرق بين العمل العلمي والعمل الادبي، أن العمل العلمي لا يعبّر عن انفعال شعوري بموضوع من الموضوعات، ولا يتحدّث بصورة مؤثّرة موحية في السامع،

ـ

١ - سيد قطب، النقد الادبي أصوله ومناهجه، دار الشروق ط ٦، ١٤١٠هـ، ص ٩.

بل إنه يدرس المسألة عن طريق العقل والتجربة العملية، ويتحدث عنها بأسلوب علمي دقيق بعيد عن العاطفة والخيال، ويستهدف معالجة مسألة فكرية أو طبيعية أو اجتماعية أو سياسية.

أما العمل الادبي فهو تعبير عن انفعال شعوري يعتمل في نفس الاديب وهو يمرّ بتجربة من تجارب الكون والحياة وقضايا الانسان، بشكل مثير للانفعال في نفوس الآخرين.

وقد يخيّل لبعض أن هذا الفرق يجعل العمل الادبي يعيش في عالم بعيد عن الحقيقة والواقع، وليس الامر كذلك، بل إنه يعني أن تصبح الحقائق شعوريّة، تتجاوز المنطقة الباردة الى المنطقة الشعورية الحارة… إن للادب حقائقه الاصيلة العميقة، وإنه لايتجاوز منطقة الحقائق حتى ولو شطّ به الخيال. حتى الادب الاسطوري يعبّر عن حقائق المُـثُل التي تعيش في نفس الانسان. والخيال الشعوري عند الشعراء قد يبدو في بعض الاحيان لاول وهلة مخالفا للحقائق العلميّة، ولكنه على بعد معيّن يلتقي مع حقيقة أخرى أكبر وأعمق من هذه الحقيقة الظاهرية القريبة.

يضرب المرحوم سيد قطب لذلك أمثلة فيقول: [١]

"ابن الرومي مثلاحين يقول عن الارض في الربيع:

تَبَرّجت بعد حياء وخَـفَر *** تبرّجَ الانثى تصدّت للذكر

يبدو هذا القول خيالاً شاعرياً يخالف الحقيقة العلمية. فالارض مادة جامدة والانثى حية متحركة.

ولكن الحقيقة الاعمق، أن الارض في الربيع بكل مافيها من الحياة والاحياء تستعد للاخصاب في جميع عوالمها: عوالم النبات والحيوان والانسان. وتتهيأ بكل مافيها من رصيد لهذا الاخصاب، وتتبرج روحها لتلقيه، وتتفتح من الاعماق.

والبحتري حين يقول:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا *** من الحسن حتى كاد أن يتكلّما

ـ

١ - نفس المصدر / ١٣ - ١٤.

قد يخيل للكثيرين أنه إنما أراد تشبيه الربيع بانسان يضحك، على سبيل التشبيه لا على سبيل "الواقع". وهكذا يقول البلاغيون، لان الواقع الظاهر يمنع أن يختال الربيع ضاحكا.

ولكن الحقيقة الاكبر من الواقع الظاهري، أن الربيع يختال ضاحكاً في حقيقته. فما الضحك؟ أليس هو إطلاق طاقة فائضة بطريقة حسية؟ وماذا يصنع الربيع إلا أن يطلق طاقة حيوية فائضة في الارض وأبنائها الاحياء!

إنها حقيقة. ولكنها هنالك في الاعماق!"

وإذا ضرب "سيد" لنا أمثلة من ابن الرومي والبحتري، فنحن نقدّم مثالا للعمل الادبي من "ظلاله"، فهو سفر أدبي رائع في كلام اللّه سبحانه. لقد عاش مؤلفه مع القرآن من خلال تجربة شعورية، ابتعد فيها عن افرازات المنطقة الباردة من التفكير، وتجاوزها الى المنطقة الحارة من الشعور، ومن هنا جاء تفسيره طافحا بالحركة والحياة والتأثير. لايقول درست القرآن، بل يقول عشت القرآن:

"لقد عشت أسمع اللّه - سبحانه يتحدث اليّ بهذا القرآن…

لقد عشت - في ظلال القرآن - أنظر من علوٍّ الى الجاهلية التي تموج في الارض.

عشت أتملّى - في ظلال القرآن - ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع النظيف للوجود…

عشت - في ظلال القرآن - أحسّ التناسق الجميل بين حركة الانسان كما يريدها اللّه، وحركة هذا الكون الذي أبدعه اللّه…

وعشت - في ظلال القرآن - أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود…"

وعشت … وعشت… [١] وكلها تحكي عن تجربة شعورية مرّ بها الرجل مع القرآن الكريم، عاناها وهو يكتب "التصوير الفني في القرآن" وكذلك وهو يكتب "في ظلال القرآن" [٢].

ـ

١ - سيد قطب، في ظلال القرآن، ط ١٠، ١٤٠٢هـ دار الشروق، ص ١١ - ١٣.

٢ - النقد الادبي / ٣٩.

فهل هذه التجربة الشعورية مع القرآن شطت عن حقائق القرآن الكريم؟ أبدا، إنها عبّرت عن أعمق الحقائق التي تجلت في نفس الكاتب، وتستثير أعمق الحقائق في نفس القارئ.

الكميت الرسالي

يختلف نوع التجارب الشعورية التي يمرّ بها الاديب باختلاف سلوكه في الحياة، فاذا كان الاديب يعيش آماله وآلامه ومشاعره الفردية، يكون أدبه منطويا على الذات ومعبرا عن نزعة رومانسية في الادب، وإن كان يعيش هموما اجتماعية ورسالية، تكون المحفّزات التي تستثيره من النوع الاجتماعي الرسالي، وتكون التجارب الشعورية التي يمرّ بها ذات طابع يتجاوز المسائل الذاتية الفردية، ويكون أدبه أقرب الى الادب الواقعي.

والكميت كان أدبه واقعيا، وانفعالاته رسالية، وتجاربه الشعورية ترتبط بعواطفه الرسالية.

نجد هذه النزعة الرسالية بشكل واضح جليّ في حبّه لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

وهنا أقف قليلا عند هذه النقطة التي أحسبها ذات قيمة في وحدة الامة الاسلامية والتقريب بين فصائلها. وقيمتها تتجلّى عندما يتضح دور العاطفة في شدّ قلوب أبناء الامة.

لقد اهتم المخلصون في تقريب فصائل الامة بمسائل الاصول والفروع ليجدوا مساحات التقارب الواسعة بين المذاهب الاسلامية، وليبينوا قلة مساحات الاختلاف بالنسبة الى مساحات الافتراق. وهو سبيل جيّد وهام يعطي التقريب معنى واقعيا، ويكسبه رصيدا علميا. لكني أحسب أن تأثيره قليل في إزالة الحساسيات وشدّ القلوب وتوحيد الصفوف. وسبب ذلك يعود الى أن كلّ هذه الاعمال العلمية لا تؤثر إلا في العقل والفكر، أي في المنطقة الباردة من وجود الانسان. أما المنطقة الساخنة المحركة المؤثرة فتبقى بمعزل عن بحوث الاصول والفروع، إنها تحتاج الى حوافز عاطفية. وهي ليست قليلة في المنهج الاسلامي التربوي، وأعتقد أن حبّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يشكل معلما هاما من معالم هذا المنهج، وهو قادر أن يشدّ القلوب، ويوحّد العواطف، ويخلق الانسجام في الحركة والتطلّع أكثر من البحوث العلمية التقريبية.

لابدّ من تسخير كل الفنون والآداب ووسائل التأثير لشدّ الناس برسول اللّه (صلى الله عليه وآله) شدّا عاطفيا حارّا محرّكا… ومثل هذا الشدّ سيكون له أعظم الآثار في التربية، وفي توحيد الكلمة ورصّ الصفوف. وأسبوع الوحدة الاسلامية فرصة سنوية عظيمة لدراسة سبل الربط العاطفي برسول اللّه، فهي أساس الارتباط بشريعة النبي الخاتم وسيرته المباركة.

أعود الى عواطف الكميت تجاه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لقد كان الرجل عاشقا كلفا بالنبي هائما بحبّه. وهذا موقف له قيمته الكبرى في عصر بني أمية. ففي هذا العصر اقتضت مصالح الحكم والسياسة التقليل من شأن النبي (صلى الله عليه وآله)، والاعراض عن ذكره، فما بالك بمدحه، لأن مدح الرسول في هذا العصر، كما يقول الاستاذ عبد الحسيب طه حميده "تزكية للهاشميين، ولفت للذهن الى حقّ هؤلاء في الخلافة" [١].

والغريب أن مصالح الحكم والسياسة أباحت لابن الزبير - على مكانته المعروفة بين المسلمين - أن يسقط ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) من خطبه، حتى إذا ليم على ذلك قال: "واللّه لا يمنعني من ذكره علانية أني لا أذكره سرّا، وأصلّي عليه، ولكني رأيت هذا الحيّ من بني هاشم إذا سمعوا ذكره اشرأبت أعناقهم، وأبغض الاشياء اليّ ما يسرّهم. وفي رواية: إن له أهيل سوء" [٢] وإذا كان هذا شأن ابن الزبير فما بالك ببني أمية الذين كانوا يرون في ذكر الرسول (صلى الله عليه وآله) دفنا لذكرهم. يروي الزبير بن البكار يقول:

"قال المطرف بن المغيرة بن شعبة:

دخلت مع أبي على معاوية. فكان أبي يأتيه فيتحدث معه، ثم ينصرف إليَّ فيذكر

ـ

١ - أدب الشيعة الى نهاية القرن الثاني الهجري، ط دار الزهراء، القاهرة ١٤٠٩هـ، ص ٢٢٣.

٢ - ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة ٢٠ / ٤٨٩.

معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعةً، وظننت أنّه لأمر حدث فينا، فقلت: مالي أراك مغتماً منذ الليلة؟ فقال: يابنيّ! جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم. قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنّك قد بلغت سنّاً يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً فإنّك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فواللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه، فقال: هيهات هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل وفعل مافعل، فماعدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر.

وإنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كلّ يوم خمس مرات "أشهد أن محمداً رسول اللّه" فأي عمل يبقى؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبالك؟ واللّه إلا دفناً دفنا" [١].

وهذه الظروف السياسية هي التي جعلت الكميت يمدح النبي (صلى الله عليه وآله) مدحا مقروناً بالحديث عمّن يؤنبه ويعنّفه على هذا المدح. يقول:

فاعتَـتَـبَ الشوقُ في فؤادي والشـ *** ـعرُ الى مَنْ اليه مُعتَتَبُ

الى السراج المنير أحمد لا *** يعدلني رغبة، ولا رَهَبُ

وقيل: أفرطت، بل قَصَدتُ ولو *** عنّفني القائلون، أو ثلبوا

اليك يا خير من تضمّنت الأ *** رض، وإن عاب قولي العُيُبُ

لجّ بتفضيلك اللسان، ولو *** أكثر فيك الضجاج واللجُبُ

ويقول:

ما أبالي إذا حفظت أبا القا *** سِمَ فيهم ملامَةَ اللُّـوّامِ

لا أُبالي ولن أُباليَ فيهم *** أبدا رغم ساخطين رِغامِ

وهاشمياته مليئة بعواطفه تجاه النبي، يتحدث عنها بأسلوب رسالي لا بصورة

ـ

١ - الموفقيات ص ٥٧٦ - ٥٧٧ ومروج الذهب ٢ / ٤٥٤، وابن أبي الحديد ١ / ٤٦٣ وط. مصر تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ٥ / ١٢٩ - ١٣٠. وكانت قريش تكني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أبا كبشة استهزاء به.

عاطفة سطحية. فكل مافي المجتمع الاسلامي من وحدة وألفة ومجد وعظمة إنما هو بفضل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله):

بِك اجتمعت أنسابُنا بعد فُرقة *** فنحن بنو الإسلامِ ندعى وننسبُ

حياتُكَ كانت مجدنا وسناءنا *** وموتُكَ جدعٌ للعرانين موعبُ

وأنت أمينُ اللّهِ في النّاسِ كلِّهم *** ونُعتبُ لو كُنَّا على الحقِّ نُعتبُ

فبوركت مولوداً وبوركت ناشئاً *** وبوركت عِند الشَّيب إذ أنت أشيبُ

وبوركَ قبرٌ أنت فيه وبورِكت *** بِهِ ولَهُ أهلٌ لِذلكَ يثربُ

لقد غيَّبوا بِرّاً وصدقاً ونائلاً *** عشيَّةَ واراكَ الصَّفيحُ المُنَصّبُ

ولا تفوت الشاعر فرصة دون أن يبين فضل الرسول (صلى الله عليه وآله) على العرب، وإنقاذهم من النار، يقول:

أنقذ اللّه شِلوَنا من شفى النارِ به نعمةً من المنعام

لو فدَى الحيٌّ ميتاً قلتُ نفسي *** وبنيّ الفِدا لتِلكَ العِظامِ

طيِّبُ الأصلِ طيبُ العودِ في البِنية *** والفرعِ يثربيٌّ تَهامي

أبطحيٌّ بمكَّة استثقبَ اللَّهُ ضياءَ العما به والظَّلامِ

وإلى يثربَ التحوّلُ عنها *** لِمُقام من غير دار مقام

هِجرةٌ حُوِّلت إلى الاوسِ والخز *** رجِ أهل الفسيل والآطامِ

غيرُ دنيا محالِفاً واسمُ صِدق *** باقياً مجدُهُ بقاءَ السلام

الى جانب حبّه لرسول اللّه نجد نزعة الشاعر الرسالية متجلية في حب آل رسول اللّه. وهو حبٌّ يستمد جذوره من حبّ اللّه ورسوله وحبّ الاسلام ومنهجه. ونشأ الشاعر على هذا الحبّ منذ نعومة أظفاره كما تذكر رواية الاغاني عن لقائه بالفرزدق [١].

وظل يعيش هذا الحبّ الملتهب في وجدانه، يتغنّى به طول حياته، ويكرر بين آونة وأخرى أنه حبٌّ قائم على أساس القرآن والسنّة، يقول:

ـ

١ - ابو الفرج الاصفهاني، الاغاني، ط دار الكتب، ١٥ / ١٢٥.

وجدنا لكم في آل حاميم آية *** تأولها منّا تقيّ ومعربُ

وفي غيرها آيا، وآيا تتابعت *** لكم نصبٌ فيها لذي الشك منصبُ

أي إن حبّه يقوم على أساس القرآن حيث قوله تعالى في سورة حم الشورى: (… قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى) وآيات كثيرة أخرى تتابعت، وكلها أعلام ومراجع للشاكّين.

ويذكر حادثة الغدير لتكون دليلا من السنّة على ولائه يقول:

إن الرسولَ - رسول اللّه - قال لنا *** إن الامام عليٌّ غيرُ ماهُجرا

في موقف أوقف اللّه الرسولَ به *** لم يعطه قبلَه من غيره بشرا

ويقول:

ويوم الدوح دوح غدير خُم *** أبان له الولاية لو أُطيعا

ويُشفق الكميت على من يعيبه في حبّ آل البيت، ويؤكد أن الانحراف عنهم انحراف عن القرآن والسنة يقول:

فقل للذي في ظلّ عمياء جَونة *** ترى الجور عدلا أين، لا أين تذهبُ

بأي كتاب أم باية سنّة *** ترى حُبَّهم عارا عليَّ، وتحسبُ؟

ويظهر من روايات الاغاني ومروج الذهب أنه التقى الائمة علي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وأن الائمة أكرموه ودعوا له. من ذلك أنه: دخل على أبي جعفر (محمد الباقر) فأنشده فأعطاه ألف دينار وكسوة، فقال الكميت: واللّه ما أحببتكم للدنيا، ولو أردتها لاتيت من هي في أيديهم، ولكني أحببتكم للآخرة، فأما المال فلاحاجة لي به، وأما الثياب التي أصابت أجسادكم فأني أقبلها لبركتها [١].

وحدث محمد بن سهل (صاحب الكميت) قال: دخلت مع الكميت على أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام) أيام التشريق بمنى، فقال: جعلت فداك، ألا أنشدك؟ فقال: يا كميت إنها أيام عظام، فقال: إنها فيكم، فقال: هات - وبعث الامام الى بعض أهله - فأنشده لاميته:

ـ

١ - الاغاني; ١٥ / ٢٣.

ألا هل عم في رأيه متأمِّـلُ *** وهل مُدبرٌ بعد الاساءة مُقبلُ

فكثر البكاء حوله… ثم رفع أبو عبد اللّه يديه، وقال: اللهم اغفر للكميت ماقدّم وما أخّر، وما أسرّ وما أعلن، وأعطه حتى يرضى…

ويقول صاعد (مولى الكميت) دخلنا على فاطمة بنت الحسين، فقالت: هذا شاعرنا أهل البيت وجاءت بقدح فيه سويق، فحركته بيدها ودفعته اليه فشربه، ثم أمرت له بثلاثين دينارا ومركب، فهملت عيناه، ثم قال: لا واللّه إني لم أحبكم للدنيا [١].

واسمحوا لي أن أشير بشكل سريع الى مسألة تستحق كثيرا من الدراسة هي أن الكميت عرف في كتب الادب والتاريخ بأنه شاعر الشيعة، وأنه فقيه الشيعة… نعم، هذا صحيح، ولكننا يجب أن لا نفهم ذلك على أساس الافتراق القائم اليوم - مع الاسف - بين السنة والشيعة. كان الشاعر شيعيا لأن ولاءه لم يكن مع آل أبي سفيان، ولم يكن من شيعة بني أمية، بل كان ولاؤه مع آل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله). كان التقابل يومئذ بين شيعة علي وهم الذين يرفضون كل انحراف عن القرآن والسنة، وبين أصحاب مصالح الحكم الذين سعوا لتحريف الدين وفق مصالحهم.

من هنا فان الشاعر هو بمفهومنا اليوم شاعر كل المدافعين عن القرآن والسنّة، شاعر المسلمين جميعا.

آراء الكميت في السياسة والدولة

هاشميات الكميت كلها سياسية، سواء ما كان منها مدحا لرسول اللّه أو لآل بيت رسول اللّه، أو ما كان منها رفضا لنوع من الحكم، أو تأييدا لنوع آخر من الحكم.

ولقد مرّ بنا مدحه لرسول اللّه وآل بيته وما ينطوي عليه هذا المدح من جانب سياسي يعني أن الحكم يجب أن يستند الى القرآن والسنة.

ونذكر هنا نصوصا أخرى توضح نوع النظام الاسلامي الذي يتوق اليه هذا

ـ

١ - الاغاني ١٥ / ١٢٣.

الرجل الذي قيل عن مبلغ علمه أنه "خطيب بني أسد، وفقيه الشيعة، وحافظ القرآن، وثبت الجنان… وهو أول من ناظر في التشيع مجاهرا بذلك" [١].

وعن مبلغ شعره قال عنه اللغوي الناقد معاذ الهرّاء: "ذاك أشعر الاولين والآخرين" [٢]. والفرزدق بعد أن سمع بائيته:

طربت وما شوقا الى البيض أطرب *** ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب

قال له وهو آنئذ صبي: "أنت واللّه أشعر من مضى وأشعر من بقى" [٣].

من هذه الشهادات ومن مكانته الاجتماعية والدينية - حيث التقى الائمة علي بن الحسين ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق (عليهم السلام) وأكرموه ودعوا له - نستطيع أن نفهم أكثر أهمية النصوص التي ننقلها عنه [٤] في المسألة السياسية الاسلامية.

صفات الحاكم الصالح في أشعار الكميت

رأى الكميت في أئمة آل البيت مثَلَه الاعلى في الحاكم الصالح. فيصف الامام الحق:

١ - بالشجاعة، وبقدرته على اتخاذ الموقف المدافع عن مصالح الامة دون أن تأخذه في اللّه لومة لائم، يقول:

أسدُ حرب غيوثُ جدب بهاليلُ مقاويلُ غير ما أفدامِ….

وهمُ الآخذون من ثقةِ الأمر بتقواهم عُرىً لا انفصام

والمصيبون والمجيبون للدّعوةِ والمحرزونَ خَصل الترامي

ويقول متمنيا تولي هذا الحاكم الشجاع المقدام:

بمرضيِّ السياسةِ هاشميٍّ *** يكونُ حياً لأُمَّتهِ ربيعا

ـ

١ - البغدادي، خزانة الادب ١ / ٩٩.

٢ - نفس المصدر ١ / ١٠٠، الاغاني ١٥ / ١٢١.

٣ - الاغاني ١٥ / ١٢٥، مروج الذهب ٢ / ١٥٣، أمالي المرتضى ١ / ٤٧.

٤ - نقلنا الاشعار من القصائد الهاشميات، طبعة مؤسسة الاعلمي في لبنان.

وليثاً في المشاهدِ غير نكس *** لتقويمِ البريَّةِ مستطيعا

يُقيمُ أُمورها ويذبُّ عنها *** ويتركُ جدبها أبداً مريعا

٢ - يصفه بقدرته على هداية الناس الى جادّة الصواب، وجمعهم على الحق، وبدونه فان الناس يتفرقون مذاهب شتى، وتشطّ بهم السبل، ويتشتت أمرهم، يقول واصفا حالة الامة بعد أن فقدت عليا:

راعياً كان مسجحاً ففقدنا *** هُ وفقدُ المُسيمِ هَلكُ السَّوامِ

نالنا فقدهُ ونال سِوانا *** باجتداع من الأنوفِ اصطلام

وأشتَّت بنا مصادرُ شتّى *** بعد نهج السبيل ذي الآرامِ

ويقول واصفا الائمة الصالحين:

وإنَّهم لِلنّاس فيما ينوبهم *** مصابيحُ تهدي من ضلال ومنزلُ

لأهل العمى فيهم شفاءُ من العمى *** مع النُّصحِ لو أنَّ النَّصيحة تقبلُ

٣ - يصف من يرى فيهم المثل الاعلى في الساسة بالعلم والتقوى، وهو من مستلزمات الهداية:

راجحي الوَزن كاملي العدل في السيرة طبّين بالامور العظام

فضلوا الناس في الحديث حديثا *** وقديما في أول القُدّامِ

ويقول:

وإن هاج نبت العِلم في الناس لم تزل *** لهم تلعة خضراء منه ومِذنَب

صفات حكام السوء

وإنشاده في حكام السوء أكثر، لانه أقدر على مخاطبة عواطف الامة المسحوقة تحت وطأة هؤلاء الحكام، ولذلك تكثر هاشمياته من ذكر سيئاتهم، وتعسفهم، وظلمهم وكل هذه الصفات تلقي الضوء من جهة أخرى على مفهوم الحاكم الصالح لدى الشاعر.

يصف الساسة المتحكمون في زمانه بأنهم:

١ - يستهينون بالناس، ولا يرون لافراد الامة عزّة ولا كرامة، بل يسوقونهم كما تساق الانعام، فهو حين يتحدث عن "الساسة" الحقيقيين، يقارنهم

بالساسة الحاكمين فيقول:

ساسةٌ لا كمَن يرعى النّا *** سَ سواءَ ورِعيةَ الأنعامِ

لا كعبدِ المَليكِ أو كوليد *** أو كسُليمانَ بعدُ أو كهشامِ

رأيهُ فيهم كرأي ذوِي الثُلَّةِ في الثائجاتِ جُنح الظَّلامِ

جزُّ ذي الصُّوفِ وانتقاءٌ لذي المُخَّةِ نَعقاً ودَعْدعاً بالبِهامِ

٢ - يمتصون دماء الناس، ويستأثرون بالاموال لانفسهم دون أي اهتمام بمعاناة الفقراء. يقول:

تحل دماء المسلمين لديهم *** ويحرمُ طلعُ النَّخلةِ المتهدِّلُ

وليس لنا في الفيء حظ لديهم *** وليس لنا في رحلة النّاس أرحلُ

فياربِّ هل إلا بكَ النَّصر يُرتجى *** عليهم وهل إلا عليك المعولُ

فلا يشبع من الناس إلاّ من ركن الى هؤلاء الحكام الظلمة، وليس مصير من ينحاز عنهم الا الجوع، ويعبّر عن هذه الحقيقة فيقول:

فكيف ومن أنّى وإذ نحن خلفةٌ *** فريقان شتَّى تسمنون ونهزل

ويقول:

أجاع اللّه من أشبعتموهُ *** وأشبع من بجوركم أُجيعا

٣ - لا يهتمون بارادة الامة في انتخاب الحاكم، بل يفرضون أنفسهم، ويأخذون البيعة قسرا، يقول:

بحقكمُ أمست قريشٌ تقودنا *** وبالفذ منها والرديفين نُركب

إذا اتّضعونا كارهين لبيعة *** أناخوا لأخرى والازمّة تُجذَب

ردافاً علينا لم يُسيموا رعيّةً *** وهمّهُمُو أن يمتروها فيحلُبُوا

٤ - يثيرون الفتن في المجتمع، ليشغلوا الناس بها وليواصلوا سيطرتهم المقيتة على المجتمع، يقول:

ليَنتَتِجوها فتنةً بعد فتنة *** فيفتصلوا أفلاءها ثمَّ يركبوا

ويقول:

إذا شرعوا يوماً على الغي فتنة *** طريقهم فيها عن الحقِّ أنكب

ويقول:

ألحُّوا ولجُّوا في بعاد وبغضة *** فقد نشبوا في حبل غيٍّ وأنشبوا

تفرقت الدُّنيا بهم وتعرضت *** لهم بالنطاف الآجنات فأشربوا

٥ - يعطلون أحكام اللّه سبحانه، ويبتدعون تشريعا وفق أهوائهم، ليمسخوا هذا الدين المبين كما مسخت الاديان الالهية السابقة. يقول:

وعُطِّلت الأحكام حتى كأنِّنا *** على ملَّة غير التي نتنحّلُ

ويقول:

لهم كلَّ عام بدعةٌ يحدثونها *** أزلُّوا بها أتباعهم ثم أوجلوا

كما ابتدع الرُّهبانُ مالم يجئ بهِ *** كتابٌ ولا وحيٌّ من اللّهِ منزلُ

٦ - يسلطون الجهلة والحمقى على الحكم، كي يوطدّوا لهم السيطرة على الامة، ويحلبوا لهم درّها، ويسومونها سوء العذاب:

كأنَّ كتاب اللّهِ يُعنى بأمرهِ *** وبالنَّهي فيه الكودَني المركَّلُ

ألم يتدبَّر آية فتدُلَّهُ *** على ترك ما يأتي أم القلبُ مقفلُ

فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم *** فحتّى م حتّى م العناءُ المطولُ

رضوا بفعال السُّوء من أمر دينهم *** فقد أيتموا طوراً عداءً وأثكلوا

كما رضيت بخلاً وسوء ولاية *** لكلبتها في أوّل الدَّهر حومل

نباحاً إذا ما الليلُ أظلم دونها *** وضرباً وتجويعاً خبالٌ مخبَّلُ

ومشكلة الحاكم الظالم لا تقتصر على الحاكم وحده بل إنها مشكلة الامة بالدرجة الاولى… الامة التي رضخت لهذا الظلم واستكانت للظالمين، كل ذلك على أمل استدرار خسيس من العيش، واستدامة أيام من حياة الذل والعار. يقول:

وعُطِّلت الأحكام حتى كأننا *** على ملَّة غير التي نتنحّلُ

كلام النبيين الهداةِ كلامنا *** وأفعال أهل الجاهلية نفعل

رضينا بدنيا لا نريد فراقها *** على أننا فيها نموت ونقتل

ونحن بها مستمسكون كأنَّها *** لناجُنَّةٌ مما نخاف ومعقلُ

أرانا على حُب الحياةِ وطولها *** يجدُّ بنا في كلِّ يوم ونهزلُ

نعالجُ مرمقّاً من العيش فانياً *** له حاركُ لا يحمل العبءَ أجزل

أنصلح دنيانا جميعاً وديننا *** على ما به ضاع السَّوام المؤبَّلُ

ويحذّر الكميت من المماطلات السياسية التي يبديها الحكام من أجل امتصاص نقمة الجماهير، فيحذّر أهل مرو من الوعود التي قد يعرضها عليهم أسد أخو خالد القسري الذي تولّى خراسان سنة ١١٧هـ، ويستحث الخراسانيين على الثورة، يقول:

ألا أبلغ جماعةَ أهل مَرو *** على ما كان من نأي وبُعد

رسالة ناصح يُهدي سلاماً *** ويأمر في الذي ركبوا بجد

فلا تهنوا ولا ترضوابخسف *** ولا يغرركم أسدٌ بعهدِ

والا فارفعوا الرايات سودا *** على أهل الضلالةِ والتعدّي [١]

تلخيص واستنتاج

الكميت يعرض لنا بشعره وخاصة بهاشمياته صورة تكاد تكون متكاملة لاسس الحكم الاسلامي، وهي صورة لها قيمتها لأنها تعبّر عن رأي الثائرين في القرن الاول وأوائل القرن الثاني في الحكم. وليس كل الثائرين في هذا القرن لهم نظرية متكاملة في الحكم والحاكم. الخوارج آنئذ لهم آراء أقرب الى البداوة، ويلفّها الغموض والتعصب الاعمى، واللجاجة والجهل. وبقية الاحزاب من زبيريين وغيرهم لاهَمَّ لهم الا السيطرة على الحكم، وتبقى هذه المجموعة الموالية لاهل البيت. فهي ثائرة على أساس من هدى القرآن والسنة، ولها نظريتها الاسلامية في الحكم والحاكم. وتقوم على أساس احترام إرادة الامة وكرامتها وعزّتها وشخصيتها الرسالية. وهذا هو هدف السياسة الاسلامية والساسة المسلمين.

وكان عليّ (عليه السلام) يخشى دائما ضياع هذا الهدف، فيتسلط على الناس من يسحقوا كرامتهم ويستهينوا بحقوقهم، ويجرحوا عزّتهم. يقول:

"ولكنني آسي أن يليَ أمرَ هذه الامة سُفهاؤها وفجّارها، فيتخذوا مالَ اللّه دُولا، وعبادَه خَوَلا، والصالحين حربا، والفاسقين حزبا…" [٢].

ـ

١ - الطبري ٥ / ٤٣٣.

٢ - الرسالة ٦٢ من نهج البلاغة.

أساس الانحراف سيطرة السفهاء… ونتيجة هذه السيطرة العبث ببيت مال المسلمين، والاستهانة بكرامة المسلمين، وتقريب الفاسقين، وإبعاد الصالحين.

وأساس الحكم الاسلامي الصالح حكومة الصالحين، والعدل في توزيع الثروات، وحفظ كرامة الناس وعزتهم، وإبعاد الفاسقين، وتقريب الصالحين.

وعلى هذا الاساس فقط يمكن أن نعرف مدى قرب الحكم من الاسلام، لا على أي أساس ظاهري آخر.



[ Web design by Abadis ]