ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الحج و الحرم المكي في الآداب الفارسيّة

مقدمة

الحديث عن الحج والحرم المكي في الآداب الفارسيّة هو حديثٌ عن الثقافة التي جعلت من الايرانيين جزءً من هذه الأمة الاسلاميّة، وعن مكونات هذه الثقافة، وعن دور مكّة في هذا التكوين الثقافي، ثم دورها في الدفع الحضاري أو الاقلاع الحضاري - كما يسميه مالك بن نبي - لهذه الأمة.

إنّ الثقافة هي المزيج النظري والعملي لتكوين الانسان، وهذا المزيج يدفع الجماعة البشرية الى سلّم الارتقاء الحضاري بقدر مافيه من طاقة وقوّة دفع وقدرة على الاستمرار.

حركة الانسان المسلم نحو مكّة … هي حركة نحو "الله" بكل ما تتطلبه هذه الحركة من تغلب على الذات وعلى انشداد الانسان بالصغائر من مال ومتاع… ومناسك الحج فيها توثيق للعلاقة بالمثل الأعلى المطلق سبحانه، بجميع ما يتضمنه هذا المثل الأعلى من علم وسعة ورحمة وجلال وجمال. واجتماع الحجّ فيه أعظم ما تتطلبه الحركة الحضارية من معرفة وتعارف وتركيز للقيم الانسانية التي تتعالى على اختلافات اللون واللغة والجنس، وترفض التمييز الاجتماعي والطبقي.

غاية الاسلام هو حركة البشرية نحو الله، وليس بين البشر والله سبحانه فاصلة جغرافية يتحركون باتجاهها، بل هي حركة تكامل لتحقيق مظاهر الاستخلاف، أي إنها حركة نحو كل صفات الله من قوّة وعزّة وكرامة وعلم وسعة ورحمة… وهذه هي الحركة الحضارية… والحركة نحو مكّة تستوعب بشكل حركي عملي كل رموز هذه بالمخزون الثقافي اللازم للحركة الحضارية.

وقد يكون هذا – والله أعلم – هو سبب تسمية مكة بأم القرى… لأن القرية هي المدينة والمدينة هي مظهر التمدّن والحضارة، والأم هي التي تغذّي الابناء وتمدّهم بأسباب النموّ والنشوء والتكامل.

الحج والحرم في الآداب الفارسيّة يعبّر عن انشداد الأمة بمصدر حركتها الحضارية … بعزّتها وكرامتها وتحرّرها من قيود الذاتية ومن ظلمات الحمأ المسنون، وإخراجها الى نور نفخة ربّ العالمين.

نقتصر في هذا المقال على نوعين أدبيين هما: الرحلات والشعر، لنجد أن رحلات الحج هي أهمّ ماكُتب في أدب الرحلات باللغة الفارسية. وكتّاب الرحلات فيهم الأدباء والامراء والمفكرون والصحفيون. وفيها يضمّنون أهمّ مرحلة من مراحل حياتهم، وأجمل وأعمق تحوّل روحيّ مرّ بهم. ويعبّرون عن مشاعرهم تجاه حركات المناسك ورموزها وتجاه هذا الاندماج في المجاميع البشرية التي لا يجمعها الاّ الانتساب الى الدين الحنيف، ولا يوحّد وجودها في موسم الحج الاّ الحركة نحو الله سبحانه.

وفي الشعر تبرز المشاعر العاطفية بوضوح حين يمرّ الشاعر بتجربة شعورية في موسم الحج تتفجّر فيه أعمق التصورات تجاه هذه العبادة، فيرى في معالم الحرم مالا يراه الانسان العادي، وينظر الى الكعبة والمشاعر والمناسك نظرة تسمو على البناء الظاهري والأرض الظاهرية والحركة الظاهرية.

الرحلات

١ـ رحلة ناصر خسرو، عزم على الحج سنة ٤٢٧هـ، واستغرقت رحلته ٧ سنوات، وكتب أول رحلة في اللغة الفارسية. وهو مؤسس أدب الرحلات في هذه اللغة. اكتفى في حديثه عن الحج بوصف ظاهر المناسك ولم يتعرّض لمحتواها.

يصف وصوله جدّة، وما لقيه من استقبال أميرها تاج المعالي بن أبي الفتوح، ثم يصف المدينة، ويصف مكة والمسجد الحرام والسعي، يتحدث عن أبنية كان الخلفاء العباسيون قد أقاموها في المدينة وأوشكت على الخراب، وعن ملوحة ماء مكة، وعن الماء العذب الذي أتى به أمير عدن من المياه الجوفية الى مكة، ثم يفصّل الحديث عن الكعبة وأبعادها وأركانها وملحقاتها، ويصف المدينة المنورة.

ولناصر خسرو أربعة أسفار الى مكة له في كلِّ منها حديث وصفي عن أماكن الحج. وفي أحد أسفاره يشير الى ما أصاب الناس من قحط في تلك السنة، مما جعل الناس بسبب الجوع والفاقة يفرّون من الحجاز.

٢ - رحلة مكة، كتبها سلطان محمد سيف الدولة، من أمراء الاسرة القاجارية ومن أبناء فتح علي شاه القاجاري. أدّى فريضة الحج سنة ١٢٧٩هـ. تحدّث فيها عن سفره الذي بدأه من طهران ثم بحر الخزر ثم تفليس واستانبول ومكة، وعاد عن طريق العراق وجنوب إيران الى طهران.

أسمى كتابه "سفرنامه مكه" = رحلة مكة، وفيها يتحدث عن الاوضاع الجغرافية والسياسية والاجتماعية لما مرّ به من بلاد ومدن. ومما يلفت النظر في حديثة عن مكة إشارته العابرة الى مايجاور المسجد الحرام من مدارس.

٣ - رحلة فراهاني: كتبها الميرزا محمد حسن فراهاني، كان من الملازمين لناصر الدين شاه القاجاري، أدّى فريضة الحج مرتين كانت الثانية سنة ١٣٠٢هـ، وكتب عنها بأمر ناصر الدين شاه بالتفصيل. حج مُخِفّاً لأنه "نجى المخفّون وهلَكَ المثقلون" كما يقول.

يقول إن زاده في سفره كان نصيحة أسداها اليه شيخ إذ قال له: "لا يمكن أن تصل الى السعادة إذا كان همك أنا ونحن".

في إشارة الى ضرورة التخلص من الذاتية والانانية للوصول الى مراتب الكمال.

ومن الملفت في هذه الرحلة حديثه عن القنصل الايراني في جدة، وهو من المفروض أن يكون حامياً لمصالح الحجاج الايرانيين، لكنه كان يفرض عليهم أتاوة يملأ بها جيبه.

ويذكر أيضاً زيارته لقبر حواء في جدّة وطوله أكثر من مائة وخمسين ذراعا. وكان متولّي القبر يطلب من الحجاج بكل حماقة أن يقبّلوا سرّة أمهم حواء !

والكاتب كان له ذوق شعري، ومما أنشده في هذه الرحلة:

در طي ره عشـق اگر رنج كشيديـم

المنّة لله كه بـه مقصـود رسيديم

گفتند بجز سنگ وگِلـي بيـش نباشـد

ما در دل هر سنگ و گلي يـار بديديم

الترجمة: _ إنْ كنّا عانينا من المشقة على طـريق العشق / فالمنّة لله أن قـد وصلنـا الـى المقصـود.

ـ قالوا ليست الكعبة سوى مجموعة أحجار وطين / نحن في قلب كل حجر ولبنة رأينا الحبيب.

ويشير في كتابه الى حادثة تاريخية دون أن يذكر لها مصدراً، وهي أن أهالي مكة كانوا يحتفلون ويبتهجون بيوم العاشر من محرم لرواية تذكر أن سفينة نوح استوت على الجوديّ في ذلك اليوم، والشريف عبد المطلب وبعده الشريف عبدالله والشريف عون منعوا هذه الاحتفالات احتراما لذكرى مقتل الحسين في هذا اليوم.

٤ - تحفة الحرمين: اسم كتاب رحلة دوّنه محمد معصوم من أبناء التجار الايرانيين، حج سنة ١٣٠٥ هـ، والكاتب عُرف بمنزلته العرفانية والدينية، وكان يحمل من ناصر الدين شاه لقب "نايب الصدر" ورثه عن أبيه. سافر عن طريق قزوين وجيلان وباد كوبه وباطوم والقسطنطينية والاسكندرية ثم أمّ الجزيرة العربية.

والكاتب يشكو أيضا من الأتاوات التي يقبضها القنصل الايراني والسفير الايراني في الحجاز، ويقول: "تعاهد شريف مكة والقائم مقام والقنصل والمطوّف والمقدّم والجمّال والعكام والحمله دار وأمير الجبل والسفير الكبير على إفراغ جيوب الزوّار…".

ويذكر تفاصيل فساد الجهاز الدبلوماسي الايراني في الخارج وهكذا الفساد المالي للمتولين على شؤون الحرمين آنئذ. كما يتحدث عن جهل بعض الحجاج، وعن تعمّد الكذب في شهادة رؤية الهلال من أجل أن يكون يوم عرفة في يوم الجمعة، وأن يكون ذلك الحج حجاً أكبر.

وكتاب الرحلة هذا يعكس جانباً من الوضع المتردي الذي آل اليه العالم الاسلامي في القرن التاسع عشر.

٥ - رحلة الحج، وصف لرحلة قام بها ميرزا علي خان أمين الدولة بعد عزله عن الصدارة (أي رآسة الوزراء) سنة ١٣١٦هـ. إذ أحسّ أمين الدولة بأن مؤامرة ستدبّر لقتله بعد إقصائه من منصبه، كما هو شأن مَن قبله من المقصيين عن رآسة الحكومة. وقد يكون ذلك هو سبب عزمه على سفر الحج، ويبدو أن مظفر الدين شاه القاجاري قد عارض هذا السفر بسبب أخبار الوباء في مكة ذلك العام، لكنّ وساطات نساء البلاط (كنّته كانت بنت الشاه) وفّرت له إجازة السفر: كتب هذه الرحلة مجد الملك أخو أمين الدولة.

يظهر أن أمين الدولة كان يودّ أن لا تحاط زيارته بمراسيم رسميّة، لكنه كان يحظى باستقبال رسمي أينما حلّ. وحين استقبله قنصل جدّه قال له أمين الدولة:

"الوصول الى الله سبحانه يتطلب رِجلاً حافيا، وقلبا صافيا، لقد هربت من المظاهر وأردت أن أحجّ مثل رجل عادي، من الذي أخبرك بقدومي وكيف عرف الوالي بسفري فأغرقتموني بالتشريفات والمراسيم؟ !".

يتحدث أمين الدولة عن مشاهداته، ويكثر التأفف من قاذورات منى والذبح فيها الى جوار الخيام. ومع أنه كان يرغب أن يكون كسائر الناس، لكنه كان يتعامل مع الامور تعامل الصدر والحاكم.

٦ - رحلة التشرف بمكة المكرمة، رحلة حول العالم طاف فيها ميرزا على أصغر خان أتابك سنة ١٣٢١هـ. يذكر صاحب الرحلة باعثه عليها فيقول: "لقد لُمت نفسي كثيراً حين أقدمت للمرة الثانية على الاقتراض من الخارج لايران، فقد رأيت بأم عيني مانزل بالاموال المقترضة في المرة الأولى. والآن إذ دُعيت الى الاقتراض للمرة الثالثة، فاني هرباً من هذه العملية وفقت إجباراً لزيارة بيت الله".

كانت السفرة عن طريق ميناء أنزلي على بحر قزوين، بادكوبة، موسكو، سيبريا، قبچاق، بحيرة بايكال، منشوريا، شينغ يانغ، بكين، شانغهاي، ميناء ناكاساكي، كيوتو، طوكيو، أمريكا، فرانسا، ايطاليا، القاهرة، جدة، مكة، المدينة، دمشق، بعلبك، بيروت، بيت المقدس، ثم العودة الى ايران عن طريق اسطنبول.

يتحدث عن أدائه لمناسك الحج، ويذكر القوافل المحملة بالهدايا التي كانت تأتي الى أرض الحرمين الشريفين من الشام ومصر، ويصف البيت الحرام من الداخل والخارج، ويأسف لما رآه من مظاهر الفساد جوار المسجد الحرام.

ويضمن رحلته بعض الابيات التي تستثير روح التأمل والعرفان في تلك البقاع الطاهرة.

٧ - رسالة في ذكريات سفر الحج، للحاج سلطان حسين تابنده الگنابادي (رضا عليشاه). كانت رحلته سنة ١٣٢٤هـ. سافر بالطائرة من طهران الى البصرة، وأحرم بالنذر منها. يتحدث فيها عن أهمية فريضة الحج في وحدة المسلمين وتزكيتهم. ويفسّر بعض مناسك الحج وفق رؤية الطريقة الگنابادية التي يترأسها. ويشير تابنده الى اختلاف يوم العيد بين ايران والسعودية ويذكر عمل بعض الجهّال في الالتزام باعلان ايران، ويذمّ هذا العمل، إذ هو خطأ من الناحية الدينية والاجتماعية والعلمية كما يقول.

ويرى أن أن الحج يمكن تلخيصه بعبارة واحدة وهي: "قتل النفس الامّارة بالسوء".

٨ - الى الله نتّجه بالحج، لآية الله السيد محمود الطالقاني، ويظهر أنه حجّ في نفس السنة التي حجّ فيها آية الله الكاشاني (١٣٧٢هـ) يتحدث عن أعمال المناسك ومحتواها، وأينما ألقى نظره على مَعْلَم من معالم أرض الحرمين الشريفين تعود به الذكرى الى تاريخ صدر الاسلام فيكتب ما يتعلّق بذلك المعلم من حوادث.

يرى السيد الطالقاني أن حج المسلمين تبلور لواقعهم بكل مافيه من إيجابيات وسلبيات، يذكر بعض سلبيات الايرانيين في الحج كعدم اهتمامهم باداء الصلاة جماعة، ويذكر بعض سلبيات غيرهم من المسلمين. ويكثر في كتابه من الحديث عن البعد الاجتماعي للحج.

٩ - ذكريات سفر الحج: كتاب فيه رحلتان لأب ولابنه، الاب أحمد هدايتي، والابن الدكتور محمد علي هدايتي. ويقارن الابن بين سفر والده وسفره ذاكرا الفرق الكبير في السفرين من حيث اليسر والتسهيل.

فزيارة والده استغرقت عشرة أشهر ونصف الشهر، بينما استغرقت زيارته أسبوعين.

يذكر الاب أنه حين عاد الى جدّه بعد المناسك، استغل فرصة الانتظار فاقتنى كتاب "الإعلام بأعلام بيت الله الحرام" فطالعه وترجم قسما منه الى الفارسية. والابن يكثر في رحلته من الاسف على جهل بعض الحجاج بفريضة الحج ومحتوى مناسكه.

١٠ - خسي در ميقات أو "قشّة في الميقات" اسم كتاب لجلال أحمد دوّن فيه ذكريات سفره الى الحج سنة ١٣٨٤هـ. وفيه سلط هذا الأديب البارع نظره على جزئيات وتفاصيل بعض الأمور، مما لا يتاح لغير الأديب الناقد أن يراها.

في بداية سفره يلقي نظرة على ما أعدّه من أدوية وعقاقير لسلامته وصحته، وبنبرة حادّة يلوم نفسه فيقول: "يا رجل! إياك أخاطب! لقد جئت الى الحج، ومع ذلك فأنت ترسف الى هذا الحدّ في قيود ذاتك"؟ !

ثم يتحدث عن عظمة هذه الفريضة وعن ضرورة الاهتمام بتنظيمها واستثمارها. يقابل الناس العاديين ويتحدث اليهم، ويذكر نماذج من الحجاج الايرانيين، ويستاء مما يراه من بعض رجال الدين الذين يصطحبون القوافل.

يرى نفسه مُنْشَدّاً الى تاريخ عريق للأرض المقدسة، والى سيول بشرية من أمة الإسلام، ويعبّر عن مشاعره في كل منسك ومشعر، يرى نفسه في السعي أنه مقابل عظمة لامتناهية ويحسّ بنفسه وكأنه قشّة على سطح البحر.

١١ - ذكريات زيارة بيت الله والعتبات العالية في خدمة المرشد، كاتب هذه الرحلة محمد رضاخاني، حج سنة ١٣٨٧ مع الحاج سلطان حسين تابنده الگنابادي (رضا عليشاه)، الاسلوب أدبي جميل تتخلله أبيات من الشعر. يتحدث عن مكتبة الحرم النبوي وعن الصفّة ويرى أن الصوفي بحسب أحد الاقوال من "الصفة".

وباعتباره من السالكين في إحدى الطرق الصوفية ينقل بعض أسرار الحج عن كتاب "أسرار العبادة" لشاه نعمة الله ولي، ويستشهد بالقرآن والسنّة. يذكر ظاهر المناسك وباطنها، وتاريخ بعض معالم الحرمين الشريفين.

والكاتب حجّ للمرّة الثالثة مع عدد من الدراويش بمعيّة حاج سلطان حسين تابنده سنة ١٣٩١هـ ووصف ما تشهد السعودية من حركة عمرانية سريعة بفضل الرخاء الاقتصادي، في كتاب "قصاد السفر الروحي".

١٢ - رحلة الحج، كتبها جواد مجابي، مراسل صحيفة اطلاعات حج سنة ١٣٩٢هـ، وكانت ايران تعيش ظروف صراع بين الاتجاه الديني بكل أطيافه المتحجّرة والواعية وبين التيارات المتغرّبة والمتشرّقة المتبرّمة من الدين وأهله. يقول الكاتب عن ظروف ايران آنئذ: "الكتابة حول الحج تحتاج الى جرأة، إذ لابد للكاتب أن يتحمّل جفاء القشريين واستهزاء اللادينيين، فكلاهما قد سدّا الطريق أمام أهل القلم من الجانبين".

وكعادة الصحفيين يحاول الكاتب أن يعثر على الموضوعات المثيرة، فيقف عند بعض السلوك الشاذ للحجاج، وجهل بعضهم، والمفارقات الموجودة في موسم الحج، ومقابلاته لبعض الحجاج الافارقة، والمشاكل التي تواجه الحجاج في المشاعر.

١٣ - سعي هاجر. لعلها الرحلة الوحيدة المكتوبة بقلم امرأة، كاتبتها شكوه ميرزادگي، حجّت باعتبارها صحفية عام ١٣٩٧، وبأسلوب أخّاذ تحدّثت عن مشاهداتها في الحج، وعن الاهداف السامية التي تتضمنها هذه الفريضة الكبرى.

والرحلة تدل على ارتفاع في مستوى وعي النخبة المثقفة الايرانية في تلك السنين، كما تدلّ أيضا على الانحدار الذي بلغته نساء الطبقة المترفة في ايران آنذاك.

الكاتبة تتحدث بوعي سياسي واجتماعي عن الحج وأهدافه، وترى أنه الحرم الآمن من لوثة الحضارة المادية وبطش المدنية الغربية.

كما تتحدث في الوقت نفسه بأسلوب التنكيت عن النساء الايرانيات المرفهات اللاتي يتحدثن في موسم الحج عن المال والثروة والذهب والتفاهات.

١٤ - تحليل مناسك الحج. للدكتور علي شريعتي، وله كتابان في الحج: "ميعاد مع إبراهيم" و "تحليل مناسك الحج" ويتضمنان مجموعة أفكاره عن الحج بعد أن حجّ سنتي ١٩٧٠ و١٩٧١ والكاتب باعتباره متخصصاً في علم الاجتماع وعلم الأديان له آراؤه الخاصة في الحج لا نراها عند من سبقه ممن كتب في هذه الفريضة. ويعتبر الرجل في الواقع ممثلاً لطموح إسلامي برز في السبعينات يتوق الى الجمع بين الاصالة والمعاصرة، بين لغة الدين ولغة الغرب. فالحج في رأيه يجعل كل ماقيل في علم الانسان والتاريخ والدين والفلسفة يتبلور جملة في جوهر خالص وجهاز عظيم كامل متناسق كل التناسق.

بهذا المنظار يحلل الدكتور شريعتي في كتابيه مناسك الحج. فهي تمرين سنوي وعبر الاجيال من أجل أن يكون الفرد البشري إنساناً والمجتمع إبراهيميا.

ويطيل الدكتور شريعتي الحديث عن هاجر، فيرى كل الحج يرتبط بذكرى هاجر، والهجرة من هاجر، وهي أعظم حركة للانسان الالهي. فالمهاجر من صار كهاجر.

والهجرة حركة من التوحّش الى المدنية، من الكفر الى الايمان، والعكس، أي التعرّب بعد الهجرة، هو كفر، لأنه انتقال الى التوحّش. والدين يعني الحضارة.

الشعر

يكاد كل الشعراء الايرانيين القدماء قد ذكروا مكة والمدينة والمشاعر ومناسك الحج في أشعارهم.

وأهم المحاور التي تناولها الشعر الفارسي:

معالم الحرمين الشريفين، والخلفية التاريخية لهذه المعالم، وظاهر مناسك الحج ومحتوى هذه المناسك، والمعاني العرفانية للحج.

الكعبة وما يتعلق بها

الكعبة في الشعر الفارسي مظهر جلال وجمال، تغزّل الشعراء بقامتها وكسوتها وحجرها الاسود وعطرها وبابها، وحلقة بابها، ولتعلّق الجمال بالعرفان نعود الى ذكر هذا التغزّل في المعاني العرفانية للحج.

وفي حديث الشعراء عن الكعبة تركيز على الصفة الشعبية للكعبة أي أنها "للناس". عبارات: "كعبه ملت" و "كعبه خلق" و "كعبه جمهور" تتكرر في الشعر الفارسي، كقول رشيد الدين الوطواط:

خجسته خاك جناب تو قبله آفاق ستوده صدر رفيع تو كعبه جمهور

فأرض الممدوح المباركة قبلة الآفاق، وصدره الرفيع كعبة الجمهور.

وصفة الأمن لها معنى عميق لدى الحديث عن الكعبة، فالسائرون على طريق الحقّ يسلكون طريق ذات الشوكة المليء بالمخاوف، لكنهم يشعرون بالامن حين تنشدّ أنظارهم الى المقصد السامي الذي يتجهون اليه، مثل الحاج الذي يسلك الفجاج الخطرة، لكنه يشعر بالراحة حين يرنو ببصره الى البيت الآمن الذي يقصده. يقول خاقاني:

سالكان راست ره باديه دهليز خطر لكن ايوان امان كعبه عليا بينند

أي: إن السالكين للطريق المستقيم (وإن كانوا يسيرون) في بادية دهليز الخطر، لكنهم يرون أمامهم إيوان كعبة الامان السامية.

ولم يترك الشعراء الفرس مظهراً من مظاهر الكعبة إلاّ ذكروه. من ذلك أركانها الاربعة التي يصفها الخاقاني بأنها توائم أربعة واقفة لخدمة الطائفين:

بيني حجرش بلال كردار

اورا سه برادر اتفاقي

زانگـه زمـادران بـزادند بيرون سيه و درون پرانوار

شامي و يماني وعراقي

هـرچار به خدمـت ايستـادند

يدعو الى التأمل في الركن الاسود حيث حجره كبلال ظاهره أسود وباطنه مليء بالانوار. وله ثلاثة إخوة: شامي و يماني وعراقي، والاربعة منذ ولادتهم واقفون للخدمة.

عظمة الكعبة وشرفها ومقامها واستجابة الدعاء والتضرّع عندها يكثر في الشعر الفارسي غير أن الشاعر الايراني لا ينسى مكانة الانسان وشرفه في هذا الكون فهو يقول للكعبة: إذا كان الحبيب قد قال مرة واحدة: "بيتي" فقد قال لي سبعين مرة: "ياعبدي" يقول عطار:

گر تورا يك بار "بيتي" گفت يار گفت "يا عبدي" مرا هفتاد بار

ويرد في الشعر الفارسي ذكر "الحطيم" و "الملتزم" و "مقام إبراهيم" و "حجر اسماعيل" و

المستجار" و "الميزاب" وهو المسمى بالفارسية "ناودان" يقول جامي:

حرم وحلّ وبيت وركن وحطيم ناودان ومقـام ابراهيـم

وأما زمزم فلها مكانتها في الشعر الفارسي، فهي المنهل الذي يروي عطش الظمأى، وهي الماء الذي يطهّر من كل الادناس، لذلك كانت مثل ثغر الحبيب، ومثل حبر العلماء العارفين الذي يطهّر القلوب، ومثل يد الممدوح التي تفيض بالرحمة على الناس…

ويكثر في الشعر الفارسي وصف الكعبة بأنها القلب لكل آفاق العالم، وللقلب معناه الذي لا يخفى، وبأنها الوردة المتفتحة دائماً في بستان العالم، تشعّ بنورها وعطرها في الأرجاء دون أن يعتريها ذبول، فهي في ربيع دائم:

يقول محيي لاري:

كعبه مپندار زآب و گل است

تازه گُلي رسته به باغ جهان

ديـر نپائيـد گـل ايـن مرغزار در تن آفاق به جاي دل است

روشن از آن چشم و چراغ جهان

تازه شـود بـاز بـه هـر نوبهار

ـ لا تظننّ أن الكعبة من ماء وطين / إنها في جسم الآفاق بمثابة القلب.

ـ إنها وردة تتدفق بالحياة في بستان العالم / فتضيء دجى العالم وتنير الطريق.

ـ ولا يؤثر على وردة هذه المرجة مرور الأيام / إذ تتجدّد دائماً بكل ربيع جديد.

الحرم ومايتعلق به

الحرم في الشعر الفارسي هو المكان الذي يدخل فيه الانسان حريم الله، ولايمكن أن يدخله إلاّ من خرج من كلّ مايشدّه بخارج هذا الحريم من ذاتيات وأنانيات.

يقول الشاعر عراقي:

به طواف كعبه رفتم به حرم رهم ندادند

كه تو در برون چه كردي كه درون خانه آيي

أي: ذهبت لطواف الكعبة فلم يسمحوا لي أن أدخل الحرم / إذ (قالو لي): ماذا فعلت خارج البيت كي تطمع أن تدخل فيه؟ !

ويقول سيف فرغاني:

تازخود بيرون نيايي ره نيابي در حرم

ورچه همچون كعبه باشي سال و مه اندرحجاز

أي: إذا لم تخرج من ذاتك لا تجد طريقاً الى الحرم / حتى ولو كنت كالكعبة الباقية سنين وأشهرا في الحجاز.

وبالمناسبة تذكر بعض كتب الأدب الفارسي أن حدود الحرم تصنع شكلاً يشبه القلب، والكعبة داخله تشبه القلب أيضا، فهي قلب داخل قلب. والقلب يضخّ الدم والحياة في البدن، والكعبة والحرم كذلك، هما مركز ضخّ الحياة في العالم الاسلامي، بل لوقوعهما في مركز الأرض يعتبران مركز حياة البشرية.

الخلفية التاريخية لهذه المعالم

كل معلم من معالم الحرمين الشريفين يربط الانسان بتاريخ الاسلام وأبعد منه بتاريخ الانبياء من لدن آدم حتى بعثة خاتم الانبياء.

فالشاعر الفارسي يرى زمزم مقرونه بسعي هاجر، ويرى الكعبة مقرونة ببناء إبراهيم واسماعيل وأذان ابراهيم بالحج، وبعام الفيل وهجوم إبرهة، ونصب الحجر الاسود بيد الصادق الامين (ص) وتطهير البيت من الاصنام.

يذكر محيي لاري بناء الكعبة بيد ابراهيم واسماعيل بلغة تبين الخلفية الايمانية لهذا البناء الكريم يقول:

چون كه فرس راند به ميدان خليل

خود شده مشغول به كار بنا

شيره جان آب و گلش از دل است

داد سماعيـل مـدد كـاريـش خانه بنا كرد به امر جليل

دست به كار و به زبان ربّنا

كار دل اينست نه كار گل است

كـرد خـداونـد جهـان يـاريش

ـ ما إن دخل الخليل الميدان بفرسه / حتى بنى البيت بأمر الرب الجليل.

ـ باشر بنفسه عمل البناء / كان يعمل بيده ويلهج بالدعاء بلسانه.

ـ كان ماؤه عصارة الروح وطينه من مادة القلب / فعمله كان عمل القلب لا عمل الطين.

ـ واسماعيل كان مددا لعمله / شاء الله أن يكون معينه.

ويقول مولانا جلال الدين الرومي متذكراً هجوم إبرهة الذي شاء أن يذلّ الكعبة وشاء الله أن يعزّها:

ابرهه با پيل بهر ذل بيت

تا حريم كعبه را ويران كند

عين سعيش عزّت كعبه شده

مكيان را عـز يكـى بـد صد شـده آمده تا افكند حى را چو ميت

جمله را زان جاي سرگردان كند…

موجب اعزاز آن بيت آمده

تا قيامـت عزشـان ممتـد شـده

أي: - جاء ابرهة بالفيل من أجل إذلال البيت ومن أجل القضاء على حياته.

ـ من أجل أن يهدم حريم الكعبة ويردع الجميع عن ذلك المكان.

ـ نفس سعيه صار عزّاً للكعبة، وأدّى إلى إعزاز ذلك البيت.

ـ والمكيون كان عزّهم واحدا وأصبح مائة عزّ / وامتد عزّهم الى يوم القيامة.

وتأكيد المولوي على عزّ الكعبة له دلالته على أن عزّ المسلمين يستمد من عزّها.

محتوى مناسك الحج

مناسك الحج مثل سائر العبادات لها شكل ظاهر، والمسلم لابدّ أن يعرف ما يعنيه هذا الشكل الظاهر حتى تؤدّي العبادة أغراضها، فالركوع ليس انحناء فحسب، بل إنه يرمز الى خضوع الانسان لربّ العالمين، وهكذا السجود، وسائر أركان الصلاة لها معنى لابدّ أن يفهمه الانسان كي تؤدي الصلاة دورها في النهي عن الفحشاء والمنكر، والاّ كانت نقراً كنقر الغراب.

وهكذا مناسك الحج لها معنى ومحتوى لابدّ أن يفهمه الانسان كي يؤدي الحج دوره في تطهير الانسان من كل مايعيق حركته التكاملية في الحياة، والاّ كان الحجاج غثاءً كُغثاء السيل كما في النصوص الدينية.

والشعر الفارسي يهتمّ بهذه المسألة، ويرى أن من يحجّ ولم يفهم معنى مناسكه فلم يحجّ. وأطول قصيدة تضمّنت هذا المفهوم هي لناصر خسرو، يستقبل فيها صديقا عاد من الحج ويسأله عن كل واحد من المناسك ومعانيها، وحين يجدي أنّ الصديق حج ولم يعرف تلك المعاني، يقول له: إنك إذن لم تحجّ، وإذا عزمت على الحج ثانية فاعمل ما علّمتك إيّاه.

يقول ناصر خسرو:

حاجيان آمدند با تعظيم

مر مرا در ميان قافله بود

گفتم او را بگوى چون رستى

شاد گشتم بدانكه حج كردى

بازگو تا چگونه داشته اى

چون همى خواستى گرفت احرام

جمله بر خود حرام كرده بدى

گفت: نى! گفتمش زدى لبيّك

مى شنيد نداى حق و جواب

گفت: نى! گفتمش چو در عرفات

عارف حق شدى و منكر خويش

گفت: نى! گفتمش چو مىرفتى

ايمن از شرّ نفس خود بودى

گفت: نى! گفتمش چو سنگ جمار

از خود انداختى برون يكسو

گفت: نى! گفتمش چو مىكشتى

قرب حق ديدى اوّل و كردى

گفت: نى! گفتمش چو گشتى تو

كردى از صدق و اعتقاد يقين

گفت: نى! گفتمش به وقت طواف

از طواف همه ملائكتان

گفت: نى! گفتمش چو كردى سعى

ديدى اندر صفاى خود كونين

گفت: نى! گفتمش چو گشتى باز

كردى آنجا به گور مر خودرا

گفت: از اين باب هرچه گفتى تو

گفتم: اى دوست پس نكردى حج

رفته ومكّه ديده آمده باز

گر تو خواهي كه حـج كـنى پـس از اين شاكر از رحمت خداي رحيم…

دوستى مخلص و عزيز و كريم…

زين سفر كردن به رنج و به بيم…

چون تو كس نيست اندر اين اقليم

حرمت آن بزرگوار حريم

چه نيت كردى اندر آن تحريم

هرچه مادون كردكار عظيم

از سر علم و ز سر تعظيم

باز دادى چنانكه داد كليم؟

ايستادى و يافتى تقديم

به تو از معرفت رسيد نسيم؟

در حرم همچو اهل كهف و رقيم

در غم حرقت و عذاب جحيم؟

همى انداختي به ديو رجيم

همه عادات و فعلهاى ذميم؟

گوسفند از پي اسير و يتيم

قتل و قربان نفس دون لئيم؟

مطّلع بر مقام ابراهيم

خويشى خويش را به حق تسليم؟

كه دويدى به هرولـه چو ظليم

ياد كردى به گرد عرش عظيم؟

از صفا سوى مروه بر تقسيم

شد دلت فارغ از جحيم و نعيم؟

مانده از هجر كعبه دل به دو نيم

همچنانى كنون كه گشته رميم؟

من ندانسته ام صحيح و سقيم

نشدى در مقام محو مقيم

محنت باديه خريده به سيم

اين چنين كـن كـه كـردمت تعليم

الترجمة - عاد الحجاج مقرونين بالتعظيم / شاكرين رحمة الربّ الرحيم.

ـ وكان لي بين القافلة / صديق مخلص وعزيز وكريم.

ـ قلت لـه: أخبرني إذ نجوت / في هذا السفر من المشاق والمخاوف.

ـ أنا مسرور إذ أديت الحج / إذ لا مثيل لك في هذا الاقليم.

ـ أخبرني: كيف راعيت / حرمة ذلك الحريم العظيم؟

ـ حين هممت بالاحرام / ماذا نويت في ذلك التحريم؟

ـ هل حرّمت على نفسك كاملاً / كلّ شيء هو مادون العمل العظيم؟

ـ قال: لا، قلت: هل لبيت / عن تعّمق في العلم وتعمّق في التعظيم؟

ـ هل كنت تسمع نداء الحق وجوابه / كما كان حال الكليم؟

ـ قال: لا، قلت، إذ أنت في عرفات / وقفت، ونلت التقديم.

ـ هل أصبحت عارفاً للحق ومنكرا لذاتك / هل هبَّ عليك من المعرفة نسيم؟

- قال: لا، قلت، حينما توجهت / الى الحرم مثل أهل الكهف والرقيم.

_ هل كنت في مأمن من شرّ نفسِكَ / ومن الهموم المحرقة وعذاب الجحيم؟

_ قال: لا، قلت: إذ أنت صخور الجمار / رميتها باتجاه الشيطان الرجيم.

_ هل ألقيت من نفسك خارجاً / كل عادة وفعل ذميم؟

_ قال: لا، قلت إذ كنت تذبَحُ / الخروف من أجل الأسير واليتيم.

ـ هل رأيت أولاً قرب الحق / وقتلت بالقربان النفس الوضيع اللئيم؟

ـ قال: لا، قلت إذ أصبحت / مطلعاً على مقام ابراهيم.

ـ هل عن صدق و اعتقاد ويقين / جعلت نفسك للحق في حالة تسليم؟

ـ قال: لا، قلت في وقت الطواف / إذ ركضت مهرولاً كالظليم.

ـ هل ذكرت في الطواف كل / الملائكة التي تطوف حول العرش العظيم؟

ـ قال: لا، قلت حين سعيت / من الصفا الى المروة على التقسيم.

ـ هل رأيت داخل صفاء نفسك الكونين / هل فرغ قلبك من الجحيم والنعيم؟

ـ قال: لا، قلت إنك إذ تركت / الكعبة فهل أصبح قلبك لهجرها منفطراً؟

ـ هل الآن وقد عدت / عادت ذاتيتك ميتة كالرميم؟

ـ قال: ماقُلْتَه في هذا الباب / فانا لا أميّز فيه الصحيح من السقيم.

ـ قلت: يا صديقي إذن أنت لم تحجّ / ولم تصبح في المقام كالمعدوم المقيم.

ـ ذهبت ورأيت مكة وعدت / واشتريت محنة البادية بالدراهيم.

ـ إذا أردت أن تحجّ بعد هذا / فاعمل مثل هذاالذي قدمت لك من تعليم.

المعاني العرفانية للحج

بسبب ماشاع عن العرفان من نظرة سلبيّة ناشئة عن وفود تيارات أجنبية عليه، وعن ممارسات خاطئة لبعض أدعياء العرفان، أقف قليلا عند معنى العرفان في الأدب الفارسي لأنه في جملته أدب عرفاني ولأن النظرة السائدة في هذا الادب عن الحج والحرم تقوم على العرفان.

بنظرة موضوعية، الإنسان هو الموجود الوحيد على ظهر الأرض الذي يحمل أشواقاً للتغيير والتطوير، وكل ما في الإنسان من امتياز عن سائر الموجودات إنما يتلخص بهذه الأشواق. والأشواق هذه تدفعه إلى الحركة نحو تحقيق ما يعيشه الإنسان من مثل أعلى.

هذه الحركة المتجهة نحو هدف معين هي "عبادة" بالمفهوم اللغوي الديني، ومنهج هذه الحركة هو "دين"، والمثل الأعلى هو "الإله".

ونصوص القرآن الكريم تؤكد هذا المعنى حين تتحدث عن تعدد أنواع العبادة: لا أعبد ما تعبدون، وتعدد أنواع الأديان: لكم دينكم ولي دين، وتعدد الآلهة: لا إله إلا الله.

والأديان تدعو إلى انتخاب الإله الواحد الحق من بين الآلهة: ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. وتدعو إلى الدين الذي ينسجم مع فطرة الإنسان: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيّم. وتدعو الإنسان إلى أن يتجه في منهج عمله إلى الحقيقة لا إلى السـراب: مثل الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً و وجد الله عنده….

فالدين الإلهي الحقّ – إذن – يستثير أولاً هذه الأشواق التكاملية في نفس الإنسان من خلال التركيز على الجانب المتسامى منه: إني جاعل في الأرض خليفة… ولقد كرّمنا بني آدم… و نفخنا فيه من روحنا… و يحثـّه على الحركة في داخل ذاته و في محيطه الخارجي للتخلص من كل ما يعتري مسيرته نحو تحقيق أشواقه… يدعو إلى الإيمان… و التقوى… والتخلص من شحّ النفس و من الالتصاق بالمال والمتاع… وكلها دوافع حركة للتخلص من المعوقات الداخلية، وهو الجهاد الأكبر… وللتخلص من المعوقات الخارجية التي تتمثل بالطواغيت و المستكبرين والفراعنة… و هو الجهاد الأصغر… كما يدعوه إلى حركة تكاملية لا نهاية لها، ولا تتوقف عند مرحلة من مراحل الطريق… أي يدعوه إلى التحرك نحو "الله".

من هنا فالتحرك أو السير والسلوك هو جوهر الدين، وما "العرفان" إلا تعبير عن هذا الجوهر. ثم إنّ هذا التحرك ليس مكانياً بل جوهرياً على طريق التخلّق بأخلاق الله من إبداع وخلق وابتكار.

ويُذكر أن "العرفان" هو المصطلح المتداول في أدبيات ايران بدل "التصوف"، للتخلص مما لحق الكلمة الأخيرة من تبعات تاريخية ناتجة عن مؤثرات لا تنتمي الى حضارتنا الاسلامية.

وأهم محاور العرفان هي:

١ - التركيز على مكانة "الإنسان" في العالم، وهو ما يخلق روح العزّة والكرامة في نفس المتلقي، ويجعل الكائن البشري يستشعر مهمته على ظهر الأرض، في الخلق والإبداع.

ويؤكد العرفاء على الهمّة، وأن يعرف الإنسان طاقاته ولا يستصغر قدره، يقول جلال الدين الرومي:

پس به ظاهـر عالم اصغر تويـى

پـس بمعنـى عـالم اكبر تويـى

ظاهرِ آن شاخْ اصلِ ميـوه اسـت

باطناً بهر ثمر شد شـاخ هسـت

أي: "إذن أنت في الظاهر عالَم أصغر / غير أنك بالمعنى عالم أكبر / ففي الظاهر الغصن أصل الفاكهة / وفي الباطن وُجد الغصن من أجل الثمرة".

وهذا المفهوم مقتبس مما ينسب لأمير العارفين علي بن أبي طالب إذ يقول:

دواؤك فيـك ومـا تـشـعـر

وداؤك مـنـك ومـا تبصـر

وتحسـب أنـك جـرم صغيـر

وفيـك انطـوى العالم الأكبـر

٢ـ في رأي العرفاء أكبر شيء يصد الإنسان عن حركته التكاملية هو "نفسه"، فإذا تجاوز الذاتيات فقد انطلق في رحاب لا حدّ لها ولا حصر، وإلاّ فَقَدَ جوهره الإنساني الذي يدفعه إلى التكامل، أي فَقَدَ ما فيه من نفخة رب العالمين، يقول مولانا:

آن يكى با شمع بر مىگشت روز

گرد هر بازار دل پـر عشق وسوز

بو الفضولى گفـت اورا كاى فلان

هين چه مى جوئى به پيش هر دكان؟

هين چه مى جويى تو هر سو باچراغ

در ميان روز روشن چيسـت لاغ؟

گفـت مى جـويم بهـرسو آدمى

كاو بود حى از حيـات آن دمـى

گفت من جوياى انسـان گشتـه ام

من نيابم هيج وحيران گشتـه ام

أي: "كان شخص يحمل شمعة ويبحث عن شيء في النهار / يجول في كل سوق حاملاً قلباً مفعماً بالعشق الملتهب / جاء فضولي وقال له يا فلان عمَّ تبحث في كل دكّان؟ / عمّ تبحث في كل ناحية وأنت تحمل المصباح في هذا النهار المضيء، هل تمزح؟ ! / قال: أبحث في كل مكان عن آدمي / يكون حياً من حياة تلك النفخة / أنا لا أزال أبحث عن إنسان فلم / أجده وأصبحت متحيّراً".

ويصور العرفاء الشخص الغارق في ذاتياته كالحمار الغارق في الأوحال، ينبغي أن يتخلص منها، لا أن يتحرك في داخلها لأن الحركة لا تزيده إلا ارتكاساً. فيقول مولانا:

چون خرى در گل فتد از گام تيز

دمبـدم جنبد براى عـزم خيـز

جاى را هموار نكند بهـر باش

داند او كه نيست آن جاى معـاش

أي: "مثل حمار سقط في الطين بسبب طفرة قويّة / يتحرك باستمرار من أجل أن يثب من مكانه / ينبغي أن لا يسعى إلى توسيع مكانه / مَنْ يعلم أنّ هذا ليس مكان معاشة".

ويرى العرفاء أن من يعيش في دائرة ذاته لا يستطيع أن يفهم العوالم الرحبة ولا يستطيع أن يدرك الأبعاد الواسعة لحركته التي خـُلق من أجلها. يقول مولانا:

اى كه اندر چشمه ى شور است جـات

توچه دانى شط جيحون وفـرات

أي: "يا مَن ألِفْتَ العيش في بركة مالحة / ما أدراك ما شط جيحون والفرات؟ !".

٣ - يرى العرفاء أن الإنسان ينبغي أن يكون في حركة دائبة مستمرة وأن يجدّ في هذه الحركة بعزم وإرادة. فهو في الواقع يسير، غير أن سيره ينبغي أن يكون ذا توجّه مستقبلي، لا أن يلهث وراء حاجات آنيَّة. يقول مولانا جلال الدين:

نيـك بنگـر ما نشسته مـى رويم

مى نيني قـاصد جاى نـويم؟

بهر حالى مـى نگيرى رأس مـال

بلكـه از بهـر غـرضهـا در مآل

پس مسافر اين بود اي ره پرسـت

كه مسيروروش درمستقبل اسـت

أي: "انظر جيداً، إننا نمضي جالسين / ألا ترى أننا نقصد موضعاً جديداً؟ / إنك لا تأخذ رأس المال من أجل الحاضر / ولكن من أجل أهداف في المآل / إذن هكذا يكون المسافر يا عابد الطريق / فإن مسيره و وجهته في المستقبل".

وهذا هو هدي الدين الذي يأبى على الإنسان أن يركن ويسكن ويستسلم للواقع. وفي القرآن أن الإنسان إذا وجد نفسه غير قادر على الحركة في مكان فعليه أن يهاجر إلى مكان آخر يتخلص فيه من الاستضعاف، وإلا فهو ظالم لنفسه: الذين توفّاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها.

٤ - يرى العرفان أن عمر الإنسان لا قيمة له إذا كان الكائن البشري يسير على غير طريق الكمال الانساني، فمثل هذا الانسان يعيش في ضياع، ولابدّ أن يصحو، ويتخلّص من السقوط في وحل الذات والأنا، ويرمزون بالخمرة الى هذا الصحو، والى هذا التخلّص من الارتكاس في نزعة الطين. ويخطئ من يظنّ أن هذه الخمرة هي المشروب المسكر الذي يفقد الوعي. بالعكس، الخمرة عند العرفاء هي حياة الانسان، وهي ساطعة من "نار موسى"، ومكانها "القلب" وظهورها في "طور سيناء". والانسان الذي ينتشي بهذه الخمرة لا يصغي الى لوم اللائمين المتهافتين على المال والمتاع.

أعود الى النظرة العرفانية للحج ولمعالم الحرم، فهي تتلخص في أن الحاج ينبغي أن يكون أولاً عاشقاً، والعشاق يطوفون أولا بروحهم ثم يطوفون بأجسادهم تلبية لأمر المعشوق:

يقول الخاقاني:

عاشقان اول طواف كعبة جان كرده اند

پس طواف كعبة تن فرض فرمان ديده اند

تا خيال كعبه نقش ديده جان ديده اند

ديده را از شوق كعبه زمزم افشان ديده اند

ـ العشاق اولا طافوا حول كعبة الروح / ثم رأوا أن طواف كعبة الجسد فرض بأمر الهي.

ـ وحين فهموا أن الكعبة قد ارتسمت في عيون أرواحهم / رأوا عيونهم تذرف الدمع مثل زمزم لشدة شوقهم الى الكعبة.

ويرى العارف أن غيره لا يتعدى نظره عن البيت الظاهر، بينما هو يرى أنه بيت الله بكل ما يحمله من رموز تربط الانسان بالكامل المطلق سبحانه.

يقول الشاعر:

جلوه بَر مَن مَفُروش أى ملك الحاج كه تو

خانه مىبينى و من خانه خدا مىبينم

- لا تفخر عليّ يا ملك الحاج فإنك / ترى البيت وأنا أرى ربّ البيت.

والنظرة الجمالية للكعبة تجعل منها في نظر العرفاء عروساً جميلة جالسة وسط الحرم في غنج ودلال، تجتذب إليها العشّاق، فيطوفون حولها والهين. العطار إذ يذكر مشاعره تجاه الكعبة لا ينسى أن يستدرك، فيقول: إنّ كرامة الانسان عند الله أعظم من كرامة الكعبة. يقول:

در حرم بادى مگر مى جسته بود

جملة استار كعبه درهوا

شيخ را خوش آمد از آنجاى جست

گفت اى رعنا عروس سرفراز

جلوه داده چون عروسى خويش را

صد جهان مردم چو حيرانى زتو

عاشقى را هر نفس بندى كنى

اين تفاخر واين تكبّر تابه كى

گر تورا يك بار "بيتى" گفت يار

هركه در سرّ محبّت بنده شد

شيخ نصر آباد خوش بنشسته بود

خوش همى جنبيد از باد صبا

در گرفت آن دامن پرده به دست

در ميان مكه بنشسته به ناز

كرده بى جان عالمى درويش را

گشته هر زير مغيلانى زتو

كشته چندين جلوه تاچندى كنى؟

اى ميان تو تهى پر تابه كى؟

گفت "يا عبدى" مرا هفتاد بار

تا ابد هم محرم و هم زنده شد

- هبّ نسيم في الحرم، وكان شيخ "نصر آباد" جالساً بارتياح.

- وكل أستار الكعبة كانت تهتزّ من نسيم الصبا في حركة جميلة.

- طرب الشيخ و نهض من مكانه و تعلّق بأذيال ستار الكعبة.

- قال: أيتها العروس الرشيقة الفخورة الجالسة بغنج وسط مكة.

- قد انتصبت مثل عروس فأطارت صواب عالم الدراويش.

- جعلت الجموع الكثيرة من الناس حيارى يطوون الفيافي المليئة بالاشواك في اتجاهك.

- تحبسين أنفاس العاشقين وتقتلين منهم من تقتلين فالى متى هذا الغنج والدلال؟ !

ـ الى متى هذا التفاخر والتكبّر الى متى يا من في داخلك فراغ مملوء؟ !

- إذا دعاكِ الحبيب مرة واحدة: "بيتي" فانه دعاني سبعين مرة: "يا عبدي".

- كلُّ من أصبح عبداً بدافع من المحبّة سيبقى الى الابد مَحرماً وحيّاً.

* * *

هذه الجولة السريعة في الآداب الفارسية بشأن الحج والحرم المكي بحاجة الى دراسة أوسع لاستجلاء العمق الوجداني الايراني تجاه أقدس مكان وأعظم وفريضة.

ومثل هذه الدراسة تستطيع أن تكشف عن سرّ هام من أسرار الحركة الحضارية لهذه الامة وبقائها وتشبثها بعزّتها وكرامتها رغم كل ماواجهها ويواجهها من تحديات.



[ Web design by Abadis ]